قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه أحكام الدماء.
الدماء خطيرة القدر في الدين، عظيمة الحرمة عند الله تعالى، وأدلة الشرع من الكتاب والسنة والإجماع متضافرة على أن القتل كبيرة فاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة وموجباتها في الدنيا خمسة: القصاص والدية والكفارة والتعزير والقيمة.
شرع القصاص حفظا للنفوس والأطراف، وشرع القطع في السرقة حفظا للأموال، وشرع الحد في الشرب حفظا للعقول، وفي الزنا حفاظا للأنساب، وفي القذف حفظا للأعراض، وشرع الجهاد وقتل الزنديق والمرتد حفظا للأديان.
قوله: (إن أتلف مكلف، وإن رق) أي إن أتلف مكلف وإن كان رقيقا أخرج الصبي والمجنون، ودخل السكران لأنه مكلف، إلا أن يشرب المسكر وهو لا يعلم أنه مسكر فيكون كالمجنون.
قوله: (غير حربي، ولا زائد حرية أو إسلام) أي وكذلك المكلف المتلف غير حربي، وأما الحربي فلا قود عليه، ولا زائد حرية القاتل على المقتول إذا كانا متساويين في الدين، فلا يقتل حر مسلم بعبد، ولا زائد إسلام فلا يقتل مسلم بكافر.
قوله: (حين القتل) أي إنما تعتبر زيادة الحرية والإسلام حين القتل لا بعده، فلو قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل فلا يسقط عنه القصاص، كذلك العبد إذا قتل عبدا ثم أعتق فإن القود لا يسقط عنه.
قوله: (إلا لغيلة) أي فإنه لا يعتبر معها زيادة حرية، ولا الإسلام، لأن القتل ليس بقصاص، وهو حد من حدود الله، لأنه من الفساد، ولذلك لو عفى ولي الدم لم يقبل ذلك منه.
قوله: (معصوما للتلف والإصابة) لما ذكر الجاني وشروطه، شرع يذكر المجني عليه، وهو معصوم الدم في النفس والجراح إلى حين التلف في النفس، وحين الإصابة في الجرح.
المعنى: إن أتلف مكلف معصوما إلى حين التلف والإصابة، فلو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم نزى فيه فمات على ردته، فلا قود في
[ ٣ / ٤١٢ ]
النفس على الجارح، لأنه صار إلى ما أحل دمه.
قال أشهب: لو قطع مسلم يد مسلم، ثم ارتد المقطوع يده فمات مرتدا، أو قتل لثبت القصاص في قطع اليد على الجاني، وليس لورثته أن يقسموا على الجاني، فيقتلوه؛ لأن الموت كان وهو مرتد (^١).
قوله: (بإيمان أو أمان) عبر بالإيمان عن الإسلام، كأن سائلا سأله بماذا تكون العصمة، قال: بإيمان لقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وأعراضهم» (^٢)، وبأمان لقوله تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦].
قوله: (كالقاتل من غير المستحق) أي كما أن القاتل معصوم الدم من غير المستحق لدمه، فإن قتله أجنبي عمدا فدمه لأولياء المقتول كما سيأتي، وأما إن قتله المستحق لدمه بغير إذن الإمام فلا قصاص عليه، وإنما عليه الأدب لافتياته على الإمام، إذ لا يقيم الحدود إلا هو.
قوله: (وأدب كمرتد، وزان أحصن، ويد سارق) أي كما يؤدب قاتل من وجب قتله من مرتد أو زان أحصن ثبت زناه لتعديه على الإمام، وكذلك يؤدب إن قطع يد سارق وثبت عليه ما يوجب القطع لافتياته على الإمام.
قوله: (فالقود عينا) أي هذا جواب الشرط في قوله: إن أتلف مكلف، وفي قوله: إن قصد ضربا أي وإن أتلف مكلف معصوما، فالقود عليه متعين لا غير وهو قول ابن القاسم، وأما أشهب فقال: يخير ولي الدم في القصاص والدية.
قوله: (ولو قال: إن قتلتني أبرأتك) وهو تأكيد أي فعليه القود، وإن قال له المقتول: إن قتلتني أبرأتك، لأنه لا عفو عن شيء قبل وجوبه، وهو للأولياء بخلاف إذا قال له إن قطعت يدي أبرأتك فقطعها فلا قصاص عليه لأنه حقه، ولكن يؤدب القاطع.
قوله: (ولا دية لعاف مطلق إلا أن تظهر إرادتها فيحلف، ويبقى على حقه إن امتنع) أي
_________________
(١) / ١٣ النوادر والزيادات لابن أبي زيد: ج، ص: ٥٤٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: (٩٢) - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم. (٣) - باب قتل من أبي قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة. الحديث: ٦٥٢٦. ولفظه: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله). وأخرجه مسلم في صحيحه الحديث: ٢١.
[ ٣ / ٤١٣ ]
فإن عفي وأطلق ولم يقل عفوت على دية أو عفوت بغير شيء بل أطلق العفو، فإنه لا دية له إلا أن يظهر منه بقرينة أنه أراد الدية، فيحلف حينئذ أنه إنما عفا لأجل الدية، فإن حلف بقي على حقه وهو القود إن امتنع القاتل من دفع الدية.
قوله: (كعفوه عن العبد) أي كما لا دية له إذا عفى عن العبد، إلا أن يظهر منه أنه أرادها فيحلف، فيستحق العبد أو دية الأرش.
قوله: (واستحق ولي دم من قتل القاتل، أو قطع يد القاطع) لأنه غريم غريمه، إلا أن يكون القاتل من عصبة أو لياء المقتول، فإنه لا يستحق ولي الدم دمه.
قوله: (كدية خطر، فإن أرضاه ولي الثاني فله. وإن فقئت عين القاتل، أو قطعت يده، ولو من الولي بعد أن أسلم له فله القود) أي كما يستحق ولي دم المقتول خطأ الدية ممن قتل القاتل خطأ أو قطعه خطأ، فإن أرضاه ولي الثاني فله أي فله القود أي ويقال لأولياء المقتول آخرا أرضوا أولياء الأول، وشأنكم بقاتل وليكم في القتل والعفو، فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله والعفو عنه، ولهم ألا يرضوا بما بذل لهم من الدية أو أكثر منها.
قوله: وإن فقعت عين القاتل أو قطعت يده، ولو كان فاعل ذلك ولي الدم، وأحرى غيره بعد أن أسلم إليه القاتل، ليقتله قصاصا وأحرى إن لم يسلم إليه، فللقاتل القود من الجاني عليه.
قوله: (وقتل الأدنى بالأعلى كحر كتابي بعبد مسلم. والكفار بعضهم ببعض: من كتابي، ومجوسي، ومؤمن) أي وإذا قتل الأدنى من هو أعلا مرتبة، فإنه يقتل به مثل حر كتابي قتل عبدا مسلما، فإن الحر الكتابي يقتل به، لأن الإسلام يعلوا ولا يعلى عليه، وأخرى عبد كافر قتل عبدا مسلما، وأما الكفار يقتل بعضهم ببعض بناء على أن الكفر ملة واحدة، كتابيا كان أو مجوسيا أو معاهدا أو ذميا.
قوله: (كذوي الرق، وذكر، وصحيح، وضدهما) أي كما يقتل ذو الرق بعضهم من بعض مكاتب كان أو معتق إلى أجل، أو مدبر أو معتق بعضه، أو أم ولد أو قنا وكذلك يقتل ذكر بأنثى وتقتل الأنثى بالذكر، ويقتل الصحيح بالمريض، والمريض بالصحيح وهو المراد بقوله: وضدهما.
قوله: (وإن قتل عبد عمدا ببينة أو قسامة خير الولي، فإن استحياه فلسيده إسلامه، أو فداؤه) أي وإن قتل عبد حرا أو عبد عمدا فقامت عليه البينة أو ثبت بقسامة في حق الحر، وأما العبد فلا قسامة فيه، خير الولي في قتله واستحيائه، فإن قتله فلا كلام،
[ ٣ / ٤١٤ ]
وإن استحياه وأراد أن يملكه فلسيده حينئذ إسلامه في الجناية أو فداؤه بالأرش.
قوله: (إن قصد ضربا وإن بقضيب) عائد على قوله: فالقود عينا أي فالقود ضربا غضبانا لا على وجه اللعب بل قصد ضربه غضبانا وإن لم يرد قتله، وإن كان الضرب بقضيب أو لظلمة.
قوله: (كخنق ومنع طعام، ومثقل) أي كما يقتص منه إذا خنقه، أو منعه طعاما حتى مات، أو وضع مثقلا عليه فمات منه.
قوله: (ولا قسامة إن أنفذ مقتله بشيء، أو مات مغمورا) أي ولا قسامة على أولياء المقتول إن أنفذ الضارب مقتله، وإن تكلم وأكل وشرب وعاش يومين أو ثلاثة، فإنه يقتص من قالته من غير قسامة، وكذلك يقتص منه إن ضربه ولم ينفذ مقتله، ولكن مات مغمورا، لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات بلا قسامة، وهذا موافق للأمهات ولو أنفذ رجل مقتله فأجهز عليه آخر، فإنه يقتل به الأول على المشهور بغير قسامة، ويبالغ في عقوبة الثاني، وهو قول ابن القاسم في سماع يحي، وقال في سماع ابن أبي زيد عكس ذلك.
ابن رشد: قتل الأول أظهر.
ووجهه أنه لا يرث ولا يورث، ووجه القول الثاني هو الذي يقتل به، لأنه حينئذ كان معدود في جملة الأحياء يرث ويوصي.
وفي المسألة ثلاثة أقوال ثالثها التفرقة بين القصاص والموارثة وهو أحسن الأقوال. انتهى من المواق (^١).
قوله: (وكطرح غير محسن للعوم والقتل يكون بالمباشرة، ويكون بالتسبب هنا شرع الله في التسبب أي وإذا طرح مكلف إنسانا في بحر، وهو غير محسن للعوم (عداوة) فمات، فإنه يقتل به (وإلا فدية) أي وإن كان المطروح محسن للعوم، أو كان لا يحسن العوم ولكن ذلك على غير عداوة، بل على وجه اللعب فالدية على العاقلة.
قوله: (وكحفر بئر وإن ببيته، أو وضع مزلق، أو ربط دابة بطريق أو اتخاذ كلب عقور تقدم لصاحبه قصد الضرر، وهلك المقصود وإلا فالدية) معطوف على كطرح أي وإن حفر بئرا أو حفرة وإن كان الحفر في بيته، قصد الضرر، فوقع فيه إنسان، فإنه يقتل به
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٨، ص: ٣١٠.
[ ٣ / ٤١٥ ]
لتسببه، وأما إن حفره في بيته بلا قصد ضرر، فوقع فيه إنسان فلا شيء عليه، وكذلك يقتص من واضع مزلق في الطريق كقشور البطيخ قصدا للضرر، وهلك المقصود به، وكذلك إن ربط دابة في الطريق وهلك المقصود بالضرر بها، فإنه يقتص منه، وكذلك من اتخذ الكلب العقور أي العضوض، والفحل العضوض تقدم لصاحبه بالإنذار عن اتخاذه وهلك المقصود بذلك فإنه يقتص منه.
قوله: وإلا فالدية لا يقال في مثل هذا أنه استثناء أي وإن هلك غير المقصود في الفروع الأربع فالدية على عاقلته فلا يقتص منه.
قوله: (وكالإكراه) وهو مصدر يشمل المباشرة نفسا بنفس والمتسبب أي ومن أكره رجلا على قتل فإنه يقتص منهما لمباشرة هذا أو تسبب هذا ولا يصان نفس بنفس، وهذا إذا خاف المباشر من أكرهه، وأما إن لم يخف منه فإن المباشر يقتل وحده.
قوله: (وتقديم مسموم، ورميه عليه حية) أي ومن قدم لغيره مسموما طعاما كان أو شرابا أو ملبوسا وعلم أنه مسموم، فإنه يقتل به إن مات، وكذلك يقتص منه إن رمى عليه المسموم، قال ابن حبيب عن أصبغ فيمن طرح حية على رجل يعرف أنها قاتلة قال الشيخ في توضيحه: ولو قال بالقصاص ولو لم يعرف أنها قاتلة ما بعد (^١). وقال ابن عرفة: مقتضى قوله في المدونة: إذا تعمد بضرب لطمة فمات قتل به عدم شرط معرفة أن الحية قاتلة ما لم يكن على وجه اللعب. انتهى.
قوله: (وكإشارته بسيف فهرب، وطلبه، وبينهما عداوة، وإن سقط فبقسامة، وإشارته فقد خطأ) أي كما يقتص منه إذا أشار عليه بالسيف فهرب وطلبه وبينهما عداوة لا على وجه اللعب ومات الهارب بغير سقوط فيقتل بغير قسامة على أولياء الميت، وأما إن سقط في هروبه ذلك فمات فبقسامة لاحتمال أنه مات بالسقوط، فإن أشار عليه بالسيف فقط، فمات انبهارا فذلك خطأ فلا يقتل به.
قوله: (وكالإمساك للقتل) أي كما يقتص منه إذا أمسكه لأجل القتل فقتل، فإنه يقتص منهما جميعا مفهومه أنه لو أمسكه لغير القتل لم يقتل به، بل يقتص من القاتل وحده وهذا في الموطأ.
قوله: (ويقتل الجمع بواحد، والمتمالئون، وإن بسوط سوط) أي وإذا قتل جماعة
_________________
(١) التوضيح للشيخ خليل ج ٨/ ٥٩، ص.
[ ٣ / ٤١٦ ]
رجلا واحدا فإنهم يقتلون به كلهم، وقد قتل عمر ابن الخطاب ﵁ سبعة بواحد.
وقال: وفي المدارك أحفظ عن عيسى ابن مسكين فيمن رمى رجلا وهو على حائط فحاد فسقط فمات، فيحلف وليه لمن رميته حاد ومن حيدته سقط ومن سقطته مات. انتهى من البرزلي (^١).
وقال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم، وكذلك يقتل المتمالئون أي المتفقون على القتل، وإن كان ذلك بضرب سوط. تمالؤوا على الأمر إذا أجمع رأيهم عليه قاله الهروي.
قوله: (والمتسبب مع المباشر) أي يقتص من المباشر والمتسبب معا (كمكره، ومكره) ولو أسقطه ما ضره لأنه تقدم.
قوله: (وكأب أو معلم أمر ولدا صغيرا، وسيد أمر عبدا مطلقا) أي كما يقتص من أب أمر ولدا صغيرا بالفعل أو معلم أمر ولدا صغيرا، فإنه يقتص منه من دون الولد، وكذلك السيد إذا أمر عبدا صغيرا كان أو كبيرا، فصيحا كان أو أعجميا، فإنه يقتص من السيد.
قوله: (فإن لم يخف المأمور اقتص منه فقط) أي فإن لم يخف المأمور من الأمر فقتل، فإنه يقتص من القاتل فقط، ولكن يضرب الأمر مائة ويحبس عاما.
قوله: (وعلى شريك الصبي القصاص إن تمالأ على قتله) أي وإذا قتل بالغ وصبي رجلا، فإنه يقتص من البالغ إن تمالأ على قتله، فيكون نصف الدية على عاقلة الصبي، وأما إن قتلاه بغير تمالئ منهما، فلا قود على البالغ، ويكون عليهما الدية.
قوله: (لا شريك مخطئ ومجنون) أي إذا جرحه أحد متعمدا عدوانا، وجرحه آخر خطأ فمات المجروح، فإنه لا يقتص من المتعمد، إذ لا يقتص بالشك فتكون الدية عليهما.
قوله: (وهل يقتص من شريك سبع، وجارح نفسه، وحربي ومرض بعد الجرح، أو عليه نصف الدية؟ قولان) إلى قوله: (قولان) وهي فروع أربعة في كل فرع منهما قولان أي وإذا جرح سبع رجلا، فجرحه رجل جرحا يموت به فمات، فهل يقتص من الرجل الجارح؟ أم لا، فيكون عليه نصف الدية، وكذلك إذا جرح نفسه جرحا يموت به وجرحه غيره جرحا يموت به فمات، فهل يقتص من جارحه؟ أو إنما عليه نصف
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ٦٥.
[ ٣ / ٤١٧ ]
الدية فقط قولان، وكذلك إذا جرحه حربي وجرحه غيره فمات، فهل يقتص من الجارح غير الحربي؟ أم لا، فيكون عليه نصف الدية قولان، وكذلك إن مرض مرضا يموت به، وجرحه رجل جرحا يموت به، فهل يقتص من جارحه أم لا فيكون عليه نصف الدية قولان لابن القاسم، والأحسن منهما عدم القتل، إذ لا يقتص بالشك، فإذا قلنا بالقتل فلا بد من القسامة، وإذا قلنا بعدم القتل فلا بد من القصاص في الجرح، سواء تقدم جرح الشريك أو تأخر.
مسألة: ومن تعين عليه القصاص وامتنع، وفي القصاص منه قيام فتنة، فإن أولياء المقتول يجبرون على أخذ الدية منه، وهو غاية المقدور عليه. انتهى من نظم اللباب في آخر الديات منه.
مسألة: سئل عن قبيلة من قبائل الإسلام يقع بينهم الحرب، ولم يقدر على القيام بالحق بينهم في الأموال والدماء، هل يجوز الصلح بينهم على الهدر في جميع الأموال والدماء؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يقدروا عليه، وهو غاية المقدور. انتهى من أجوبة ابن شاس.
قوله: (وإن تصادما، أو تجاذبا مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود) أي وإن تصادم اثنان أو تجاذبا بالأيد، أو الحبل مطلقا أي سواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين بصيرين أو أعميين أو مختلفين في حال كونهما قصدا ذلك فماتا أو مات أحدهما وسلم الآخر فالقود أي فأحكام القود، متعينة على حذف المضاف فيستفاد منه أنه إذا مات أحدهما لم يمكن القصاص، وأما إذا ماتا معا بطل حقهما معا، لأن من أحكام القصاص أن موت من وجب عليه القصاص يبطل حق من وجب له القود بفوات المحل، وقيل: عليه نصف الدية، لأنه أعان على قتل نفسه.
قوله: (وحملا عليه) أي وحمل المتصادمان أو المتجاذبان على القصد حتى يتبين خلافه، لأن فعل كل مكلف يحمل على القصد (عكس السفينتين) فإنهما يحملان على غير القصد حتى يظهر خلافه، والفرق بينهما أن السفينة إنما تجري بالريح، وأما السفينة التي تجري بغير الريح فكالدابة.
قوله: (إلا لعجز حقيقي) أي إلا أن يكون التصادم بعجز حقيقي، فيكونا كالسفينة
فلا شيء عليهم.
قوله: (لا لكخوف غرة أو ظلمة) أي وإذا اصطدمت السفينتان لأجل الغرق، أو تصادما في الظلمة، فإنهم يضمنون إذ لا يصونون أنفسهم بهلاك غيرهم لا نفس
[ ٣ / ٤١٨ ]
أولى من النفس، ولا مال أولى من المال، وكذلك إن تصادم رجلان في ظلمة. قوله: (وإلا فدية كل) أي وإن لم يكن التصادم قصدا بل كانا مخطئين، فإن دية كل واحد منهما (على عاقلة الآخر)، فلو كان أحدهما متعمدا دون الآخر لكان على المتعمد القصاص.
قوله: (وفرسه في مال الآخر) أي وقيمة فرس كل إن مات الفرسان في مال الآخر، لأن العاقلة إنما تحمل النفوس لا الأموال، وكذلك ما في أيديهما من السلاح إذا انكسر ففي مال الآخر.
قوله: (كثمن العبد) أي فإذا اصطدم الحر والعبد فماتا، ينظر في قيمة العبد مع دية الحر، فإن كانت دية الحر وقيمة العبد متساويين فلا كلام، وإن كانت القيمة أكثر فالقيمة في مال الحر، وإن كانت الدية أكثر فلا شيء على سيد العبد، لأن العبد فيما جني، وإن مات العبد وحده فقيمته في مال الحر، ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما، أو ركبهما أو لياؤهما، فالحكم فيهما كالبالغين إلا في القصاص. انتهى. فروع: الأول: لو وقع أحد المتجاذبين على آخر فقتله أو متاع فأتلفه فالضمان عليهما معا، لأنه حصل من فعلهما.
الثاني: قال مالك فيمن قاد أعمى فوقع الأعمى عليه فقتله، فإن الدية على عاقلة
الأعمى.
الثالث: لو طلب غريقا فلما أخذه خشي على نفسه الهلاك فتركه فمات، ففي الموازية (^١) والعتبية: عن ابن القاسم لا شيء عليه. انتهى من الكبير (^٢).
إذا حفر رجلان بئرا فانهارت عليهما فمات أحدهما، فقد قال أشهب: على عاقلة الآخر نصف الدية لأنه شريك في قتل نفسه، وأما إن ماتا فعلى عاقلة كل واحد منها نصف الدية. انتهى من الجواهر (^٣).
قوله: (وإن تعدد المباشر) الله أعلم هذا تكرار وقد تقدم، و(ففي الممالاة يقتل الجميع) بواحد والمتمالؤون وإن بسوط سوط لعله كرره ليركب عليه ما بعده من
_________________
(١) ن: المدونة.
(٢) الشرح الكبير للشيخ بهرام: ج ٤، اللوحة: ١٤٥. بعد قول خليل: مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود وحملا عليه.
(٣) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١١٢٢.
[ ٣ / ٤١٩ ]
قوله: (وإلا قدم الأقوى) أي وإن تعدد المباشر اثنان فأكثر، فإن كان ذلك من الممالات يقتل الجميع، ولو لم يحصل من أحدهم ضرب، وإن لم يكن ذلك عن ممالات، بل ضربه كل على حدة بغير ممالات عليه قدم الأقوى في الفعل.
ابن عرفة فيقتل ويقتص من غيره في الجراح، ويعاقب إن لم يجرح كما إذا ضربه بعصى فلم يجرحه، وهذا كله إذا تميزت الضربات، وأما إذا لم يعرف ضرب كل واحد ففي النوادر عن مالك: إن مات في الفور يقتل الجميع بغير قسامة، وإن لم يمت مكانه ففيه القسامة، ولا يقسم إلا على واحد. انتهى.
قال اللخمي: لا يقتل أحد منهم للشك.
قوله: (ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعتق، أو إسلام) أي ولا يسقط القتل الحاصل عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام، كما إذا قتل عبد عبدا فعتق قبل القصاص منه، فإن القصاص لا يسقط، إذ لا أثر للمانع بعد الحكم، وكذلك الكافر يقتل الكافرا ثم أسلم لأن الدماء قد تكافأت.
قوله: (وضمن وقت الإصابة، والموت) وهذا في الضمان والذي تقدم في القصاص أي أن المساواة إذا زالت بين حصول السبب والموت، كما إذا رمى عبد عبدا فعتق المرمي بعد الرمي وقبل الإصابة وبعد الجرح، وقبل الموت، فإن المعتبر في الضمان حال الإصابة ووقت الموت، والمراد بالضمان ضمان دية الحر، وقيمة العبد، وهذا قول ابن القاسم، قال أشهب: المعتبر حال الرمي.
قوله: (والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل، والمفعول؛ إلا ناقصا جرح كاملا) إلى آخره. يريد أن ما تقدم في النفس من الأحكام تجري فيما دونها في العقل عمدا أو خطئا، والفاعل مكلفا كان أو غيره، والمفعول معصوما كان أو غيره إلا ناقصا جرح كاملا كالعبد يقطع يد حر، والكافر يقطع يد مسلم، فإنه لا يقتص منه بل عليه الدية، ويكون العبد فيما جنى، إلا أن يفديه السيد بدية الجرح وقيل يخير إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية.
قوله: (وإن تميزت جنايات بلا تمالو فمن كل، كفعله) أي إذا جنى جماعة على شخص وتميزت جناية كل واحد، ولم يتمالئوا على فعله، فإن كل واحد من الجناة يقتص منه بقدر جنايته بالمساحة وهو طوله وعرضه وعمقه وهو المراد بقوله: كفعله.
قوله: (واقتص من موضحة، أوضحت عظم الرأس والجبهة والخدين، وإن كإبرة وسابقها
[ ٣ / ٤٢٠ ]
من دامية، وحارصة شقت الجلد، وسمحاق كشطته، وباضعة شقت اللحم، ومتلاحمة غاصت فيه بتعدد، وملطاة قربت للعظم، كضربة السوط أي بالمساحة والموضحة هي ما أوضح عظم الرأس أو الجبهة والخدين وإن كان الإيضاح بكرأس إبرة، وكذلك يقتص من سابق الموضحة من الجراحات، وهي ستة: ثلاثة في الجلد، وثلاثة في اللحم، ففي الجلد الدامية وهي التي يسيل منها الدم ويقال لها دامعة بالعين المهملة، لأن الدم يدمع منها كالدمع. والخارصة وهي التي شقت الجلد، فإنه يقتص منها كالموضحة، وكذلك يقتص من السمحاق وهي التي كشطت الجلد عن محله أي أزالته، وكذلك يقتص من الباضعة وهي التي شقت اللحم وبضعته، وكذلك يقتص من المتلاحمة وهي التي غاصت في غير موضع واحد، ولهذا قال بتعدد أي يمينا وشمالا، وكذلك يقتص من الملطاة وهي التي قربت للعظم ولم يبق بينها وبينه إلا ستر رقيق، كما يقتص من ضربة السوط على المشهور.
قوله: (وجراح الجسد، وإن منقلة بالمساحة إن اتحد المحل) أي ويقتص من جراح الجسد من هاشمية أو منقلة بالمساحة أي يقدر الجرح في طوله وقصره، واعتبر في ذلك نسبة العضو فيقتص من الجاني بنسبة ذلك من رأسه إن ربعا فربع، وإن نصف فنصف إلى غير ذلك، ويشترط في كون القصاص بالمساحة الاتحاد في العضو الواحد، ولهذا لو عظم عضو المجني عليه، حتى كان القدر الذي جرح منه يزيد على العضو المماثل له من الجاني، فإنه لا يكمن من غيره باتفاق.
قوله: (كطبيب زاد عمدا) أي فإذا زاد الطبيب عن المقدار المراد عمدا، فإنه يقتص بمقدار ما زاد على المقدار المطلوب.
قال الشارح في الكبير: إلا أن المماثلة في حقه متعذرة، إذ هي زيادة بعد قطع القدر المأذون فيه، فإذا اقتص منه، فلا يتوصل إلى ذلك إلا بعد تقدم قطع يكون متصلا به، وقد لا يكون هو جرح أحدا خطئا، فضلا عن العمد فيتعذر القصاص منه، غير أنه إن برئت تلك الزيادة على غير عثم فلا بد من أدبه وإلا أدب مع الحكومة في ماله، وإن زادت على ثلث الدية. انتهى منه (^١).
قوله: (وإلا فالعقل) أي وإن لم تكن الزيادة عمدا بل خطأ قالوا وجبت فيه الدية.
_________________
(١) الشرح الكبير للشيخ بهرام، ج ٤/، بعد قول خليل في مختصره: (كطبيب زاد عمدا).
[ ٣ / ٤٢١ ]
قوله: (كيد شلاء عدمت النفع بصحيحة، وبالعكس، وعين أعمى، ولسان أبكم. وما بعد الموضحة: من منقلة طار فراش العظم من الدواء، وامة أفضت للدماء، ودامئة خرقت خريطته)
أي كما تتعين الدية في اليد الشلاء إذا قطعها ذو اليد الصحيحة، والمراد بالعقل هنا الحكومة، وكذلك العكس إذا قطع ذو اليد الشلاء مماثلتها من سالم اليدين، فلا تقطع الشلاء لعدم المماثلة، وهذا كله إذا عدمت الشلاء النفع وإن قل، وأما إن كان فيها نفع وإن قل فإنه يقتص منه، وحيث لا قصاص فلا يجوز أن يتراضيا عليه، لأن الجاني ليس له أن يقول يقتص منه بغير موجب، وكذلك لا قصاص في عين أعمى على ذي بصر، ولا في لسان أخرس على ذي لسان متكلم بل في كل منهما الحكومة وستأتي الحكومة.
قوله: وما بعد الموضحة وجنايات الرأس عشرة: الموضحة وما قبلها سبعة يقتص منها كلها، وما بعدها ثلاث فلا يقتص منها لأنها متلفات وهي: المنقلة بكسر القاف وفتحها، وهي ما أطار فراش العظم من الدواء ولم تصل إلى الدماغ أي يعصر (^١) الدواء ما ليس بصحيح، وذكر الدواء ليس في المدونة، ولا في الرسالة. الفراش بكسر الفاء وفتحها لغتان، والدواء بفتح الدال وضمها وكسرها لغات، وآمة يقال لها المأمومة وهي التي تصل الدماغ ولم تخرق الخريطة أي الكيس الذي فيه الدماغ ولا يقتص منها لأنها متلفة، وكذلك الدامغة لا يقتص منها وهي التي خرقت خريطة الدماغ وهذه الثلاث النادر السلامة، ومع ذلك فلا يقتص فيها إذ قد يقتص منه فيموت فلا موجب للقتل.
قوله: (ولطمة، وشفر عين وحاجب، ولحية) أي كما لا قصاص في اللطمة ليس فيه إلا الأدب والفرق بين اللطمة والضرب بالسوط عسير، إلا أن يقال أن الضرب بالسوط يؤثر ويجرح، وكذلك لا قصاص في شفر عين أي هدبه عبر بالشفر عن الهدب من باب تسمية الشيء عن اسم محله، وكذلك لا قصاص في شعر حاجب أو لحية، فإن نبت الشعر في الثلاث فليس عليه إلا الأدب، وإن لم ينبت فيها الحكومة، وإنما لا قصاص في هذه الثلاثة لأنها ليست من الجراحات قال تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥].
قوله: (وعمده كالخطا) أي وعمد كل ما لا قصاص فيه كالخطأ فيه (إلا في الأدب)
_________________
(١) ن: يعم
[ ٣ / ٤٢٢ ]
في المتعمد دون المخطأ.
قوله: (وإلا أن يعظم الخطر في غيرها) أي في غير الجراح المتقدمة، صوابه وكأن يعظم الخطر، بكاف التشبيه، لعله التبس على الناسخ بإلا، وأما جعله معطوفا على قوله: وإلا فالعقل فعجمة لا تليق بالمصنف؛ لأن إلا الثانية استثنائية، والأولى مركبة من إن الشرطية ولا النافية. انتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (كعظم الصدر) مثال لما يعظم فيه الخطر أي الغرر.
قوله: (وفيها) أي وفي المدونة قال ابن القاسم: (أخاف في رض الأنثيين) أي دفعهما (أن يتلف) إن أتى به استشهاد. غفل الشارح هنا تخلله.
وأما إن قطع الأنثيين أو سلهما فإن فيه القصاص.
قوله: (وإن ذهب كبصر بجرح اقتص منه، فإن حصل أو زاد، وإلا فدية ما لم يذهب) أي وإن جرحه فذهب بصره، أو سمعه أو شمه، أو ذوقه بسبب الجراح، اقتص من الجراح بالمساحة طولا وعرضا وعمقا فإن حصل مثل ما كان بالمجروح، أو زاد فلا كلام للجارح لا يقال له دية ما زاد، والظالم أحق أن يحمل عليه، وإلا أي وإن لم يحصل المراد من ذلك، فعلى الجارح دية ما لم يذهب، وهل عليه وحده لأنه العمد؟ أو على العاقلة قولان.
قوله: (وإن ذهب) بصره (والعين قائمة، فإن استطيع كذلك) أي لم ينخسف وإن ضربه وذهب بصره والعين قائمة، فإن استطيع عن ذهاب البصر من عين الجاني وهي قائمة فعل به.
نزل ذلك بعثمان بن عفان ﵁ وعجز عنه ومن حضر معه، فجاء علي ابن أبي طالب ﵁ فجعل القطن على عينه واستقبل بها الشمس وأدنيت من عينه مرآة فالتمع بصره وعينه، وقيل إنما أمر بمرآة، فأحميت ثم أدنيت من عينه حتى سالت نقطة عينه وبقيت قائمة مفتوحة فذهب بصرها. (وإلا) أي وإن لم يستطع ذهاب البصر والعين قائمة (فالعقل) أي فالدية لازمة لهم.
قوله: (كأن شلت يده بضربة) تشيبه لإفادة الحكم أي فإن ضربه فشلت يده بالضربة، فإن استطيع كذلك فعل، وإن لم يستطع ففيها الدية.
قوله: (وإن قطعت يد قاطع بسماوي، أو سرقة، أو قصاص لغيره؛ فلا شيء للمجني
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١٠٧٨. ١٠٧٧.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
عليه) أي أمر من الله تعالى، أو سرق فقطعت يده، أو قطع يد آخر، فقطعت يده قصاصا من الثاني فلا شيء للمجنى عليه، لأن حقه إنما هو في القصاص فلما تعذر محله بطل حقه.
قوله: (وإن قطع أقطع الكف من المرفق، فللمجني عليه القصاص) أي وإن قطع مقطوع الكف يد غيره من المرفق، خير المجني عليه من القصاص من بقية اليد (أو الدية) كاملة.
قوله: (كمقطوع الحشفة) أي كما يخير مقطوع الذكر إذا قطعه مقطوع الحشفة بين قطع العسيب والدية الكاملة.
قوله: (وتقطع اليد الناقصة إصبعا بالكاملة بلا غرم، وخير إن نقصت أكثر- فيه وفي الدية. وإن نقصت يد المجني عليه فالقود ولو إبهاما) أي وإن قطع ناقص اليد أصبعا واحدا ولو إبهاما يدا كاملة الأصابع، فإن الناقصة تقطع بلا غرم دية الأصبع الناقصة، لأن نقصه لا يدفع المماثلة، وقيل يغرم دية الناقص، وأما إن نقصت يد الجاني أكثر من أصبع واحد، فإن المجنى عليه يخير في القصاص أو الدية من مال الجاني، وأما إن نقصت يد المجنى عليه أصبعا واحدا، فالقود على الجاني متعين ولو كان الأصبع الناقصة إبهاما.
قوله: (لا أكثر) أي لا إن نقصت يد المجني عليه أكثر من أصبع واحد، فإن فيها الدية اتفاقا.
قوله: (ولا يجوز بكوع لذي مرفق وإن رضيا) أي ولا يجوز لمن قطعت يده من المرفق أن يرضى بالقصاص من الكوع دون المرفق، لأنه يخالف قوله تعالى ﴿والجروح قصاص﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] وأيضا فإنه معاوضة في الجرح، أو العضو بجرح، أو عضو آخر وهو باطل، كما لو اتفقا على أن يقطع رجله عوضا عن يده، أو رضي غير القاطع بأن يقطع عوضا عنه. انتهى.
قوله: (وتؤخذ العين السليمة بالضعيفة خلقة أو كبر) أي ويقتص من العين السالمة بالضعيفة خلقة، أو من أجل كبر، كما يقتل الصحيح بالمريض، والشاب بالشيخ، ولو اشترط التساوي في هذا لتعذر القصاص غالبا، إذ لا يوجد شخصان متفقان في قدر الأبصار.
قوله: (ولجدري أو لكرمية فالقود إن تعمد، وإلا فبحسابه) أي وإن كان ضعف بصر العين بسبب جدرى أو رمية أو قرحة ونحو ذلك، فإن فيها القصاص إن تعمد الجاني
[ ٣ / ٤٢٤ ]
ضربها، وإن لم يتعمد ذلك بل هو خطأ، فعليه ما نقص من العين.
قوله: (وإن فقأ سالم عين أعور فله القود، وأخذ الدية كاملة من ماله) أي وإن فقأ سالم العينين عين أعور فللمجني عليه القصاص أو أخذ الدية الكاملة من مال الجاني لأنه من عمد، واستشكل هذا التخيير، لأن المشهور من المذهب في الجرح عدم التخيير، وأجيب بأن الموجب لهذا التخيير عدم المساواة هنا، لأن عين الأعور مجموع بصره وديتها أكثر من دية عين الجاني.
قوله: (وإن فقا أعور من سالم مماثلته فله القصاص، أو دية ما ترك) أي من سالم العينين العين التي تماثل عينه السالمة، فإن المجنى عليه يخير بين القصاص من عين الأعور الباقية له أو يتركها ويأخذ ديتها ألف دينار، وإليه رجع مالك وكان أولى أن يقول يخير بين القصاص أو خمسة مائة دينار والقولان له في المدونة.
قوله: (وغيرها فنصف دية) أي وإن فقأ الأعور غير مماثلته، فعليه نصف الدية (فقط في ماله)، لأنه عمد وليس على العاقلة منه شيء.
قوله: (وإن فقأ عيني السالم فالقود ونصف الدية) أي وإن فقأ أعور عيني سالم العينين، فعليه القود من مماثلة، ونصف الدية في الأخرى في ماله لأنه عمد.
قوله: (وإن قلعت من فنبتت فالقود، وفي الخطإ كالخطإ) أي وإن قلعت سن فردت ونبتت فعلى الجاني القصاص فيها، لأنها على غير أصول العروق، ولأنه آلمه فيؤلم كما آلمه، وإن كان ذلك خطأ ففيها دية الخطأ وسيأتي إن شاء الله.
والدية من أودى إذا هلك، أو من ودية الشيء أصلحته، أو من التودية وهي الشهد، والمعاني كلها موجودة فيها.
قوله: (والاستيفاء للعاصب كالولاء، إلا الجد والإخوة فسيان، ويحلف الثلث وهل إلا في العمد فكأخ؟ تأويلان) أي والاستيفاء في النفس للعاصب لا لغيره كالأم والإخوة للأم، بل هو للعصبة كالولاء، الأقرب فالأقرب إلا في مسألة واحدة، وهي أن يكون العصبة الجد والأخوة فيكونان سيان أي مثلان في القيام بالحق، ويحلف الجد الثلث من الأيمان إن كانت القسامة، وهل يحلف الجد الثلث مطلقا في العمد والخطأ، أو هو في العمد كأحد الإخوة إن خمسا فيكون سادسا، وإن سبعا فيكون ثامنا، فكذلك فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وانتظر غائب لم تبعد غيبته، ومغمى، ومبرسم) أي فإن حضر جميع المستحقين للدم فلا كلام، وإن كان أحدهم غائبا غيبة قريبة، فإنه ينتظر ليعرف ما
[ ٣ / ٤٢٥ ]
عنده من العفو وغيره، وأما إن بعدت غيبته فلا ينتظر، وظاهر المدونة ينتظر، وكذلك ينتظر المغمى والمبرسم لقصر مرضهما غالبا الإغماء مرض في باطن الجسد، والبرسام هو داء في الدماغ يختل منه العقل.
قوله: (لا مطبق وصغير لم يتوقف الثبوت عليه) أي لا ينتظر مجنون مطبق على عقله لطول إفاقته، وكذلك لا ينتظر صغير لم يتوقف الثبوت عليه بل يثبت الدم ببينة، أو إقرار، وإن كان اثنين غيره فلهم أن يقسموا ويستحقون الدم، وأما إن توقف الثبوت عليه، فإنه ينتظر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب) أي ويكون الاستيفاء للنساء بشرطين: إن كن ممن يرثن كالأخوات أو البنات.
الشرط الثاني: ألا يساويهن عاصب في الدرجة، واحترز به مما إذا كان في درجتهن عاصب كالبنات مع الإبن أو الأخوات مع الأخ، إذ لا دخول لهن في عفو ولا قود، وبقي عليه شرط وهو أن يكون ممن لو كان في درجتهن ذكر ورثن بالتعصيب احترازا من الأخوات للأم.
قوله: (ولكل القتل، ولا عفو إلا باجتماعهم) أي وإذا كان مع النساء غير المساوي لهن في الدرجة من العصبة في ولاية الاستيفاء، فلكل من الفريقين أن يقوم بالدم، ويكون أولى من غيره، ولكن لا يكون العفو إلا باجتماعهم.
قوله: (كأن حزن الميراث، وثبت بقسامة) أي كما إذا حزن الميراث كالبنات والأخوات فلا عفو لهن إلا باجتماعهن مع العصبة، إن ثبت الدم بقسامة، وأما إن ثبت بإقرار أو بينة فلهن العفو دون العصبة.
قوله: (والوارث كمورثه) أي وإذا مات من له حق في الاستيفاء فوارثه يقوم مقامه، ومن مات عن حق فلو ورثته.
قوله: (وللصغير إن عفي كبير) أي وللصغير من مستحقي الدم إذا عفا الكبير عن الدم نصيبه من الدية) أي دية عمد، ولو صالحوا على دية الخطأ أو أقل منها لم يلزم الصغير، وكذلك الكبير له نصيبه من الدية إن عفا كبير من المستحقين.
قوله: (ولوليه النظر في القتل والدية كاملة، كقطع يده إلا لعسر فيجوز بأقل، بخلاف قتله فلعاصبه) أي ولولي الصغير من أب أو وصي، أو مقدم النظر في القتل الواجب للصغير أو الدية الكاملة، وليس له أن يصالح بدون الدية، وكذلك للولي النظر في القصاص أو الدية إذا قطعت يد الصبي، إذا كان الجاني مليا، وأما إن كان معسرا
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فيجوز بأقل، ويحتمل أن يكون المعسر هو الصغير، لأن أخذ الدية خير له من القصاص لاحتياجه، وهو ظاهر، وأما إن قتل ذلك الصغير، فالنظر إنما يكون لعاصبه، لأن غيره من الأولياء وكيل وانعزل بموته، وإنما قال لعاصبه ولم يقل لوارثه تنبيها على أن التفصيل السابق في ولاية الاستيفاء يأتي هنا، وأن الزوجة لا مدخل لها في ذلك، وحكم النساء هنا كحكمهن فيما تقدم.
قوله: (والأحب أخذ المال في عبده) أي وإن قتل عبد الصغير فالأحب للولي أخذ القيمة في العبد ممن قتله، ولو كان القاتل عبدا إذ لا نفع له في القصاص. انتهى.
قوله: (ويقتص من يعرف يأجره المستحق) أي ويقتص من الجاني في الجراح من يعرف كيفية القصاص، ويكون أمينا أي وإن لم يكن أمينا وكل الحاكم معه أمينا، وتكون أجرته على المستحق للقصاص، وليس على الجاني إلا التسليم، وقيل الأجرة على الجاني.
قوله: (وللحاكم رد القتل فقط للولي، ونهي عن العبث) أي وعلى الحاكم أن يرد قتل القاتل لولي المقتول ونهاه عن العبث والتمثيل به.
قوله: (وأخر لبرد أو حر كلبرء) أي وأخر قصاص الجاني فيما دون النفس، لأجل برد أو حر مفرط، كما يؤخر قصاص ما سوى النفس إذا مرض الجاني إلى أن يبرأ، وهو المناسب لقوله: وأخر لبرد وحر، ويحتمل حتى يبرأ المجني عليه ويعضده قوله بعده: (كدية الخطأ)، إلا أنه لو عطفه عليه بالواو لكان أفصح، ويحتمل أن يكون أرادهما معا، وقد صرح ابن الحاجب بهما معا، ظاهره ولو زاد التأخير على السنة وهو مذهب المدونة، قال أشهب: لا يؤكدية خطأ خر بعد السنة، وظاهر كلامه هنا إذا برأ قبل السنة لا يؤخر إلى تمامها، ويقتص منه وهو قول الأكثر.
وقال صاحب الجواهر: لا بد من سنة لتمر عليه الفصول الأربعة خوفا أن ينتقض. انتهى.
قوله: (كدية خطأ) أي كما يؤخر دية جرح الخطأ إلى البرء إذ قد يؤول الأمر فيه إلى النفس وإلى ما تحمله العاقلة، وأنه إن أبرء على غير شين فلا عقل فيه ولا أدب، وإن برئ على شين ففيه حكومة، ومثل هذا ما لا يستطاع القود فيه إذا كان عمدا ككسر عظم الصدر أو الصلب أو العتق.
قوله: (ولو كجائفة) أي ويؤخر بدية الجرح حتى يبرأ، وإن كان الجرح له عقل مسمى، كالجائفة والمأمومة عند ابن القاسم، وأشار بلو إلى قول أشهب لا يؤخر إذا
[ ٣ / ٤٢٧ ]
كان له عقل مسمى.
قوله: (والحامل، وإن بجرح مخيف لا بدعواها وحبست، كالحد، والمرضع لوجود مرضع) أي وتؤخر الحامل في القصاص، وإن كان من جرح مخيف، وأحرى النفس، إلى أن تضع، لحق الولد فلا يثبت الحمل بدعواها، بل بشهادة النساء أنها حامل، وحيث قلنا: تؤخر فإنها تحبس كما يحبس من وجب عليه الحد، لأجل حر أو برد مخيف، وكذلك المرضع تؤخر في القصاص إلى وجود مرضعة للولد ويقبلها وتحبس ولا يقبل منهما كفيل.
قوله: (والموالاة في الأطراف كحدين لله لم يقدر عليهما، وبدئ بأشد لم يخف عليه) أي ويؤخر القصاص على الجاني على الأطراف، كأن قطع يد هذا ثم يد آخر ثم رجل فإنه يوالي عليه القصاص يقتص منه، فإذا برئت منه يده ثم اقتص منه لآخر، فإن برئت يده ثم اقتص منه لآخر، إذا خيف بجمع القصاصات عليه في فور، وكذلك إذا اجتمع عليه حدين لله تعالى، كما إذا شرب خمرا وزنى وهو غير محصن، ولم يقدر على اجتماعهما عليه، فإنه يقام عليه أحد الحدين، وبدء بأشد الحدين إن لم يخف عليه منه وإن خيف بدء بالأخف.
قوله: (لا بدخول الحرم) أي لا يؤخر القصاص أو الحد بسبب دخول الجاني الحرم، لأن الحرم أحق أن يقام فيه حدود الله، وإن دخل المسجد أخرج منه ليقام عليه الحد.
قوله: (وسقط إن عفا) أي وسقط القتل على القاتل إن عفا (رجل) من الأولياء (كالباقي) مساو مع الباقي الذي لم يعف في درجته كابن مع الابن أو الأخ مع الأخ، أو العم مع العم أو ابن العم مع ابن العم.
قوله: (والبنت أولى من الأخت في عفوه وضده) أي فإن كان مستحق الدم بنتا أو أختا، فالبنت أولى من الأخت في العفو والقتل، قال في المدونة: هذا إذا مات مكانه (^١).
قوله: (وإن عفت بنت من بنات) أي وإذا كان مستحق الدم بنات أو أخوات فعفت إحداهن على القاتل، (نظر الحاكم) في الأصلح لهن، لأنه الناظر لبيت المال في العفو والقتل، وهذا إذا كان الإمام عادلا، وأما إن لم يكن عادلا فلا سبيل إلى القتل، نعم إلا أن يكون هناك جماعة عدول يجتمعون وينظرون وينوبون مناب الحاكم.
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٤، ص: ٤٥.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
قوله: (وفي رجال ونساء لم يسقط إلا بهما، أو ببعضهما) أي فإن كان المستحق للدم رجالا ونساء كعصبة وبنات وأخوات، فعفا بعض الرجال أو بعض النساء، لم يسقط القتل عن القاتل، إلا باجتماعهم الكل على العفو أو بعض من الرجال وبعض من النساء، فإن القتل حينئذ يسقط، وهذا كله إنما يتصور إذا كانت النساء أعلا درجة من الرجال، إذ لا كلام لهن مع الذكر المساوي.
قوله: (ومهما أسقط البعض، فلمن بقي نصيبه من الدية) أي ومهما أسقط بعض من له العفو من الرجال أو النساء فلمن بقي منهم نصيبه من دية عمد، وأما لو عفوا كلهم فلا شيء للباقين ممن لا عفو له.
قوله: (كإرثه، ولو قسطا من نفسه) أي كما يسقط القتل عن القاتل، إذا ورث قسطا من نفسه أي نصيبا وأحرى إذا ورثها كلها كما إذا قتل رجلا عمدا، فلم يقتل به حتى مات أحد ورثة المقتول، فكان هذا القاتل وارثه بطل القصاص، لأنه ملك من دمه حصة، وكذلك إن قتل أباه وله أخوان فمات أحد الأخوين قبل أن يقتل القاتل، فإن القتل يسقط عنه لأنه ورث قسطا من نفسه على المشهور، وقيل لا يسقط وإن مات الأخوان الوارثان للأب قبل أن يقتل القاتل للأب، فإن القتل يسقط عنه بلا خلاف لأنه ورث نفسه كلها وليس له أن يقتل نفسه.
قوله: (وإرته كالمال) أي وارث الدم كالمال لا كالاستيفاء خلافا لأشهب.
قوله: (وجاز صلحه في عمد بأقل أو أكثر) أي وجاز صلح الجاني في العمد بأقل من الدية أو كثر، فإن كانت الجناية قتلا، فللولي الصلح بما قل أو أكثر نقدا كان أو مؤجلا وإن كانت الجناية فيما دون النفس فللمجني عليه أن يصالح بأقل أو أكثر.
ابن فتوح: يجوز صلح القاتل عمدا على أن يرحل من بلد ولاة المقتول ولا يساكنهم فيه، فإن لم يفعل أو فعل ثم عاد إلى مجاورتهم، فلهم القود إن كان عمدا أو الدية إن كان خطأ، وكان الدم قد ثبت، فإن وقع الصلح على دعوى لم يكن لهم الرجوع في غير دعواهم، إذا أبى المدعى عليه من السكني حيث شرط عليه.
قلت: الصواب في هذا عدم رجوعه للبلد، ويجبر على ذلك، ولا يرجع للدعوى كما قالوا في الصلح على الإنكار، ولا يجوز نقضه والرجوع إلى الخصومة.
قوله: (والخطإ كبيع الدين. ولا يمضي على عاقلته) أي والصلح عن دية الخطأ كبيع الدين، وما جاز في بيع الدين جاز هنا وما لا فلا، ولا يمضي صلح الجاني
[ ٣ / ٤٢٩ ]
على العاقلة فيما تحمله، فإن شاؤوا أمضوه وإن شاؤوا ردوه (كعكسه) أي كما لا يمضي صلح العاقلة على الجاني وهو مخير إن شاء أمضاه وإن شاء رده.
قوله: (فإن عفا فوصية) أي فإن عفا المقتول خطأ عن دية الخطأ، فذلك وصية في ثلثه (وتدخل الوصايا فيه) أي في تلك الدية.
قوله: (وإن بعد سببها، أو بثلثه، أو بشيء إذا عاش بعدها ما يمكنه التغيير فلم يغير) صوابه: وإن قبل سببها غفل الشارح هنا والشيخ تحته أي وتدخل الوصايا في دية الخطأ، وإن كانت قبل سبب الدية، وكذلك إن أوصى بثلثه أو أوصى بشيء معين، فإن ذلك كله يدخل في الدية إذا عاش المقتول خطأ بعد سببها مدة يمكن بمكثه التغيير في الوصية قبل السبب فلم يغيرها.
قوله: (بخلاف العمد إلا أن ينفذ مقتله، ويقبل وارثه الدية وعلم) أي بخلاف دية العمد، فإن العمد ليس بمال، فلا مدخل للوصية في دية العمد، إلا أن ينفذ الجرح مقتله، ويقبل الوارث الدية وعلم المقتول أي قبول الوارث الدية ويوصي فيها، لأنه مال علم به قبل خروج روحه.
قوله: (وإن عفا عن جرحه أو صالح فمات فلأوليائه القسامة والقتل، ورجع الجاني فيما أخذ منه) أي وإن عفا المجروح عن الجارح في جرحه أو صالحه عنه ثم مات منه، فلأوليائه القسامة والقتل لأنه لم يعف عن النفس ولهم الإمضاء، قال أشهب: إلا أن يقول عفوت عن الجرح وعن ما ترامى إليه، فيكون له ذلك عفوا، فإن أرادوا قتله ورجع فيما أخذ منه في الصلح.
قوله: (وللقاتل الإستخلاف على العفو، فإن نكل حلف واحدة وبرئ) أي وإن ادعى القاتل أن ولي الدم عفا عنه، فأنكر فللقاتل أن يحلفه على عدم العفو، فإن نكل عن اليمين حلف القاتل أنه عفى عنه وبرئ من القتل، فإن نكل القاتل، فإن النكول بعد النكول تصديق للناكل الأول، إنما يحلف القاتل يمينا واحدة لأنها المردودة عليه. انتهى.
قوله: (وتلوم له في بينته الغائبة) أي وإن ادعى القاتل أن ولي الدم عفا عنه، وأن له بينة عليه بالعفو غائبة تلوم له الإمام، باجتهاد، ظاهره في الغيبة القريبة أو البعيدة. انتهى.
قوله: (وقتل بما قتل) به أي وقتل القاتل في القود بالآلة التي قتل بها، (ولو).
كانت الآلة (نارا) على المشهور، وقيل لا يقتل بالنار، فلا يعذب بالنار إلا رب النار.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
ابن رشد: هذا إذا ثبت القتل ببينة أو إقرار، وأما إذا ثبت بقسامة فلا يقتل إلا بالسيف.
قوله: (إلا بخمر، ولواط، وسحر، وما يطول) أي فإن قتله بخمر فلا يقتل بالخمر بل بالسيف، وكذلك إن قتله لواطا بأن أدخل خشبة في دبره، فلا يقتل كذلك بل بالسيف، وكذلك إذا قتله بالسحر فلا يقتل بالسحر، هذا إذا أنكر القتل وثبت عليه، فأما إذا أقر أنه قتله بالسحر، فإنه يؤمر أن يقتل نفسه بالسحر، وإلا قتل بالسيف والسحر يؤثر في المحبة والبغض، وكذلك إن قتل بما يطول الموت، فلا يقتل به بل يقتل بما يعجل به كالسيف.
قوله: (وهل والسم؟ أو يجتهد في قدره؟ تأويلان) أي وإن قتل القاتل بالسم، فهل يقتل بالسيف؟ أو يقتل بالسم، ويجتهد الإمام في قدره لاختلاف طبائع الناس، فمنهم من يقتله قليل من السم، ومنهم من لا يقتله إلا كثير فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (فيغرق، ويخنق، ويحجر، وضرب بالعصا للموت، كذي عصوين) إلى آخره أي فبسبب أنه يقتل بما قتل به فيخنق إذا قتله خنقا، أو يغرق إذا قتله غرقا، ويحجر إذا قتله بحجر، فإن قتله بالضرب بالعصي، فإنه يضرب بالعصي إلى أن يموت، فلا يعتبر عدد الضرب كما إذا ضربه بعصوين فيضرب حتى يموت وهو مثال.
قوله: (ومكن مستحق من السيف مطلقا) أي فإذا طلب مستحق الدم أن يقتص من القاتل بالسيف، فإنه يمكن من ذلك مطلقا أخف مما قتل به أم لا، وإطلاقه يخالف ما قال ابن عبد السلام هذا إذا لم يكن أخف منه.
قوله: (واندرج طرف إن تعمده؛ وإن لغيره لم يقصد مثلة) أي وإذا قطع يد إنسان ثم قتله، فإنه يقتل به دون القطع إن تعمد القطع، وإن كان القطع في غير المقتول، لا اندراج القطع في القتل، هذا كله إذا لم يقصد المثلة أي العقوبة بالقطع، فأما إن قصد به المثلة ثم قتله، فإنه يفعل به مثل ما فعل فيقطع ثم يقتل، إنما يندرج القطع في القتل إن تعمده، وأما إن قطعه خطأ ثم قتله عمدا، فإن دية المقطوع واجبة عليه، فلا تسقط بقتله في القود لأن الخطأ مال.
قوله: (كالأصابع في اليد) تشبيه أي كما تندرج الأصابع في اليد كما، إذا قطع أصابعه عمدا ثم قطع اليد، فإن الأصابع تندرج في اليد في القصاص، وإن كان خطأ فلا تندرج.
قوله: (ودية الخطإ على البادي مخمسة: بنت مخاض، وولدا لبون، وحقة، وجذعة.
[ ٣ / ٤٣١ ]
وربعت في عمد بحذف ابن اللبون شرع هنا رحمه الرحمن في ذكر الدية وصفتها، وبدأ بدية الحر الذكر المسلم يبينه ما بعده، فقال: ودية الخطأ للحر المسلم الذكر على البادي مائة من الإبل مخمسة: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، فإن كان القتل في عمد ربعت المائة بسقوط ابن اللبون في دية مبهمة إن عفا بعض الأولياء، وإلا فيجوز بأقل أو أكثر فتكون المائة مربعة: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
قوله: ﴿وثلثت في الأب ولو مجوسيا في عمد لم يقتل به، كجرحه﴾ أي ويجعل الدية ثلاثة أنواع في الأب وإن علا، والأم وإن علت، ولو كان الأب مجوسيا تحاكموا إلينا، وذلك في عمد لم يقتل به الولد، كما إذا رماه بشيء فقتله أو جرحه، فإنه تغلظ عليه الدية فتكون ﴿بثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة بلا حدسن﴾ فيها وهي التي في بطونها أولادها، فلا يأخذ الأدنى ولا الأعلى، وأما إن كان القتل عن العمد يقتل به، كما إذا أضجعه فذبحه فإنه يقتل به خلافا لأشهب لا يقتل به وإن أضجعه فذبحه. قوله: ﴿وعلى الشامي والمصري والمغربي ألف دينار. وعلى العراقي اثنا عشر ألف درهم﴾ إلى آخره أي وقدر الدية في الخطأ أو العمد مبهمة أو عفا بعض الأولياء على الشامي والمصري والمغربي ألف دينار، وعلى العراقي إثنى عشر ألف درهم. قوله: ﴿إلا في المثلثة فيزاد بنسبة ما بين الديتين﴾ أي إلا في الدية المغلظة بالتثليث على الأب فيزاد فيها نسبة ما بين الديتين الدية المغلظة وغيرها يقال: ما قيمة المغلظة فهو كذا ويقال قيمة غير المغلظة: كذا، فيزاد حسب ما بين الديتين المربعة والمغلظة.
قوله: ﴿والكتابي والمعاهد نصف ديته والمجوسي والمرتد ثلث خمس﴾ أي وقدر دية الكتابي الذي تحت الذمة. وللكتابي المعاهد نصف المذكور إن قتله من لا يقتل به، وقدرها للمجوسي والمرتد ثلث خمس الدية، لأنه ارتد إلى دين لم يقر عليه، فيكون فيه أقل الديات، هذا قول ابن القاسم بناء على أن الاستتابة واجبة. قال سحنون: لا دية فيه بناء على أنه يقتل ولا يترك.
قوله: ﴿وأنثى كل كنصفه﴾ يريد أن دية نساء كل من تقدم ذكره على النصف من دية الذكر.
قوله: ﴿وفي الرقيق قيمته﴾ أي وإن قتل رقيقا من لا يقتل به، فعليه قيمته بلغت
[ ٣ / ٤٣٢ ]
ما بلغت، (وإن زادت) على دية الحر، لأنه مال أتلف وسلعة من السلع.
قوله: (وفي الجنين - وإن علقة - عشر أمه ولو أمة نقدا) هنا شرع عمله في دية الواجب في الجنين وإن علقة أي وإن كان دما اجتمع قال النساء أنه ولد، فإن شككن يصب عليه الماء السخن، فإن ذاب فليس بولد وإلا فهو ولد، والمضغة أحرى من العلقة، والخلوق أحرى ذكرا كان أو أنثى عن ضرب أو عن تخويف، والأم حرة أو أمة، ففيه عشر أمه، ولو كانت الأم أمة خلافا لمن قال: إن ولد الأمة إنما يكون فيه ما نقص من قيمتها كانت فيها شائبة عتق أم لا كالمكاتبة والمدبرة. قال المغربي: التخويف كالضرب يوجب الغرة بثلاثة شروط: إن ثبت التخويف، وأنه أمر يخاف منه، وأن يشهد الشهود أنها لزمت الفراش إلى أن سقط، وشهد النساء على السقط.
قوله: (أو غرة عبد أو وليدة تساويه، والأمة من سيدها والنصرانية من العبد المسلم كالحرة) أي والخيار للجاني لا لمجني عليه في دفع عشر الأم أو الغرة هو عبد أو وليدة أي أمة تساوي العشر، وجنين الأمة من سيدها، وجنين النصرانية الحرة من العبد المسلم كجنين الحرة المسلمة، لأن الجنين من النصرانية الحرة حر بالنسبة إلى الأم ومسلم بالنسبة إلى أبيه العبد المسلم، والحر المسلم أحرى، فيكون فيه ما في جنين الحرة المسلمة.
قوله: (إن زايلها كله حية) أي هذا الحكم كله إن زايل أي فارق الجنين كله أمه حية، مفهومه إن لم يفارقها كله حية فلا شيء فيه، لأنه كجزء منها.
قوله: (إلا أن يحيا فالدية إن أقسموا ولو مات عاجلا) أي والواجب في الجنين الغرة، أو العشر، إلا أن يحيى مثله فتكون فيه الدية إن أقسم الولاة، ولو مات ذلك الجنين عاجلا وهو قول ابن القاسم، خلافا لأشهب: إن مات عاجلا لا قسامة فيه. فرع: فإن نكل الولاة عن القسامة هل يرجع إلى عشر أمه أو الغرة أو لا شيء فيه قولان فيه.
قوله: (وإن تعمده بضرب بطن، أو ظهر، أو رأس: ففي القصاص خلاف) أي وهذا يدلك أن ما تقدم ليس بعمد إنما هو خطأ أي وإن تعمد الجاني قتل الجنين بضرب ظهر أمه أو بطنها، أو رأسها ففي قصاص الجاني وعدمه فتكون فيه الدية إذا طرح حيا قولان لابن القاسم وأشهب. والأول مذهب ابن القاسم في المدونة والمجموعة لكن بقسامة، والثاني لأشهب، وهو مروي عن مالك وشهره الباجي وابن الحاجب،
[ ٣ / ٤٣٣ ]
لأن ما فيه الجناية من المحل باق، والميت ليس محلا لها. انتهى.
اعتمد في إلحاق الرأس بالظهر والبطن على ما ذكره عبد الحق عن أبي موسى ابن مناس (^١) وقد رده ابن عرفة برواية أبي محمد عن ابن القاسم في المجموعة أنه قال: أما لو ضرب رأسها أو يدها أو رجلها ففيه الدية، على أنه ذكر في توضيحه قولي أبي موسى وأبي محمد ولم يعز الثاني لابن القاسم.
قوله: (وتعدد الواجب بتعدده وورث على الفرائض) أي وتعدد الواجب المذكور في الجنين بتعدد الجنين، فإن أسقط اثنين أو ثلاثا أو أربعا، ففي كل عشر أمه أو غرة عبد أو وليدة، ويورث ذلك الواجب من العشر، أو الغرة على فرائض الله تعالى في الميراث خلافا لمن قال هو للأم وحدها، وخلافا لمن قال: للأم والأب إذا اجتمعا، أو للأب إذا انفرد.
وسئل محمد بن سحنون عن امرأة حامل شربت شيئا فسقط جنينها. قال: إن شربته لإسقاطه فالدية على عاقلتها وإن شربته لمصلحة فأسقط فلا شيء عليها. انتهى من الوجيز بخط شيخنا محمود بن عمر.
قوله: (وفي الجراح حكومة بنسبة نقصان الجناية، إذا برئ من قيمته عبدا فرضا من الدية) والحكومة والاجتهاد بمعنى واحد أي والواجب في الجراح إلا ما استثناه حكومة، وهو نسبة ما نقصته الجناية من المجني عليه من قيمته في حال كونه عبدا فرضا أي بقدر عبد من الدية أي بالنسبة من الدية المراد يقوم المجني عليه على أنه عبد سالم بمائة مثلا، ثم يقوم بتسعين مثلا، فقد علمت أن مقدار التفاوت ما بين القيمتين هو العشر، فيجب على الجاني نسبة ذلك من الدية، وهو مائة دينار، فلا يكون التقويم إلا بعد البرء لا قبله، خشية أن يترامى إلى النفس، أو إلى ما تحمله العاقلة.
قوله: (كجنين البهيمة) أي فإذا أسقط جنين البهيمة، فإنها تقوم والجنين في بطنها ثم تقوم بغير جنين، فيكون على الجاني نسبة نقصان ما بين القيمتين.
قوله: (إلا الجائفة والأمة) أي والمأمومة (فثلث، والموضحة فنصف عشر، والمنقلة والهاشمة فعشر ونصفه، وإن بشين فيهن؛ إن كن برأس أو لحي أعلى) أي وفي الجراح
_________________
(١) من كبراء فقهاء إفريقية ونبهائها، والمقدمين بها، وله كلام كثير، وتفسير المسائل المدونة مسطرة، وقد سمع من البوني ﷺ. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٢٢٩.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
حكومة إلا في جرح الجائفة والمأمومة، فإن ثلث الدية في كل منهما، لأن الشرع قدره، وكذلك الموضحة ففيها نصف عشر الدية، وكذلك المنقلة والهاشمة ففي كل منهما عشر الدية ونصف العشر، وإن كان بدين مع شين فيهن إن كن برأس أو لحي أعلا أي هذا الحكم إن كان المأمومة والمنقلة والهاشمة والموضحة إن كان في رأس أو لحي أعلا، وإلا أي وإن لم يكن برأس ولا لحي أعلا، فلا تقدير فيه، بل فيه الحكومة.
قوله: (والقيمة للعبد كالدية؛ وإلا فلا تقدين) لعل الناسخ أقحمه هنا أي والقيمة في العبد كالدية في الحر، أشار به لقوله في المدونة ومأمومة العبد وجائفته في كل واحد ثلث قيمته، وفي منقلته نصف عشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وفي ما سوى ذلك من جراحه ما نقصه (^١). ولم يذكر الشارحان هذا الفرع أصلا.
قوله: (وتعدد الواجب بجائفة نفذت كتعدد الموضحة والمنقلة، والامة إن لم تتصل، وإلا فلا وإن بفور في ضربات) أي وتعدد الواجب المذكور في الجائفة، إذا نفذت إلى الجهة الأخرى، فتكون جائفتين ففيها ثلثا الدية، وكذلك إن تعددت الموضحة والمنقلة والمأمومة، فإن المقدر فيها يعدد إن لم تتصل، بأن يكون بينهما حاجزا، وإن اتصل فلا يتعدد فيها الواجب المذكور، ويتعدد بتعددها إن لم يتصل وإن كان ذلك في ضربات في فور واحد، لأن الضربات في الفور كضربة واحدة مفهومه إن كان الضرب بغير فور فإنه يتعدد.
قوله: (والدية في العقل، أو السمع، أو البصر، أو النطق، أو الصوت، أو الدوق، أو قوة الجماع، أو نسله، أو تجديمه، أو تبريصه، أو تسويده، أو قيامه وجلوسه) شرع هنا كما لله في ذكر ما فيه الدية الكاملة وبدا بالعقل لأنه أشرف ما في الإنسان وبه يعقل الأشياء وقال تعالى: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت - ٤٣] أي والدية المذكورة في ذهاب العقل وزواله فإن ذهب بعضه فبحسابه، وإن ذهب في يوم ويرجع في يوم على الجاني نصف الدية، وإن ذهب في يومين ويرجع في يوم واحد، فعليه ثلثا الدية، ثم كذلك بحساب ما ذهب، وكذلك الدية في ذهاب السمع، وإن بقيت أطراف (^٢) الأذنين، وكذلك الدية في ذهاب البصر وإن كانت العينان قائمتين مع
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٤، ص: ٢٨.
(٢) ن: أشراف.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
ذهاب نورهما فقط، وكذلك الدية في ذهاب النطق، وإن كان اللسان قائما مع فائدة الذوق، والإعانة على المضغ، وكذلك الدية في ذهاب الصوت، والنطق يستلزم الصوت ولا يستلزم الصوت النطق، ولو اكتفى بذكر الصوت، لأنه أعم، إذ لا ينطق إلا بالصوت ولا ينعكس، وكذلك الذوق الدية في ذهابه فلا يفرق بين الحلو والمر، وكذلك الدية في ذهاب قوة الجماع وإن لم يفسد الإنعاظ والمني، وكذلك الدية في ذهاب نسله، كما إذا أطعمه أو سقاه ما إذا أكله أو شربه لم يولد له فعليه الدية وإن كان يقوى على الجماع، وكذلك إذا سقاه أو أطعمه ما يجذمه فيجذم فعليه ديته ونزلت مسألة في القيروان امرأة سقت زوجها فأجذمته؟ فاضطرب علماء القيروان فيها، فقال لهم أحمد بن نصر (^١): المسألة في المدونة في السن إذا ضربها رجل فاسودت أو أخضرت فقد تم عقلها ووجبت الدية فيها، لأن المراد منهما بياضها وجمالها، فإذا استودت أو اخضرت فقد ذهب جمالها، فكذلك الإنسان إذا تجذم ذهب جماله وحسنه فوجبت فيه الدية. انتهى من المدارك (^٢).
وكذلك إذا أطعمه أو سقاه ما يبرصه فتبرص، فإنه يجب عليه ديته، وكذلك إن فعل به ما يسوده فإن اسود فعليه الدية، لأنه غير لونه، وكذلك إن فعل ما منعه من القيام أو الجلوس. الواو في وجلوسه بمعنى أو.
قوله: (أو الأذنين، أو الشوى، أو العينين، أو عين الأعور للسنة) أي وكذلك الدية في إشراف الأذنين وهو خلاف المدونة قال فيها أن الأذنين فيهما حكومة. وتبع الشيخ في هذه المسألة تصحيح ابن الحاجب، وكذلك الدية الكاملة في الشوى وهو جلدة الرأس، وكذلك الدية في العينين، وكذلك الدية الكاملة في عين الأعور، لأجل السنة، قضى به عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس ﵃ أخذ دية العين الأخرى أم لا، وقيل: لأجل أن أحد كل زوج لا ينوب مناب الآخر إلا العين والشيخ
_________________
(١) أحمد بن نصر الداودي الأسدي أبو جعفر. من أئمة المالكية بالمغرب. كان بطرابلس وبها أصل كتابه في شرح الموطأ ثم انتقل إلى تلمسان. وكان فقيها فاضلا متقنا مؤلفا مجيدا له حظ من اللسان والحديث والنظر. ألف كتابه النامي في شرح الموطأ والواعي في الفقه والنصيحة في شرح البخاري والإيضاح في الرد على القدرية وغير ذلك. وكان درسه وحده لم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهور وإنما وصل بإدراكه. حمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمد بن أبي زيد. توفي بتلمسان سنة ثنتين وأربعمائة وقبره عند باب العقبة. الديباج لابن فرحون: ج
(٢) لم أطلع عليه بعد في مدارك عياض وهذا نص ما في الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون: ج، ص:.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
عللها بالسنة.
قوله: (بخلاف كل زوج؛ فإن في أحدهما نصفه، وفي اليدين والرجلين، ومارن الأنف، والحشفة، وفي بعضهما بحسابهما منهما؛ لا من أصله) أي بخلاف من جنى على أحد زوج في الإنسان كيد أو رجل، فإنما فيه نصف الواجب المذكور، وهو الدية، وكذلك الدية الكاملة في اليدين معا قطعهما من المنكب أو المرفق، أو الكوع، أو من الأصابع فيها، وكذلك في الرجلين قطعهما من الورك، أو من الركبة، أو من الكعب، أو من الأصابع فيهما الدية الكاملة، وكذلك مارن الأنف، وهو ما لان منه، فإن انقطع بعض المارن، فبحساب ما قطع منه لا من حساب أصل الأنف، وكذلك الدية الكاملة في قطع الحشفة لزوال لذة المتفاعلين بقطعها، فإن انقطع بعض الحشفة فبحساب ما قطع منها لا من أصل الذكر، فإن انقطع الربع من المارن أو الحشفة ففيه ربع الدية، ثم كذلك الحشفة هي الكمرة ويقال لها الفيشلة والفشية.
قوله: (وفي الأنثيين مطلقا. وفي ذكر العنين قولان) أي والدية الكاملة في الأنثيين قطعتا أسلتا أو رضتا وإليه أشار بالإطلاق، وفي ذكر العنين قولان أي وفي قطع ذكر العنين قولان: قول بالدية الكاملة، وقول بالحكومة.
والعنين صغير الذكر ويقال للمعترض وفي قطع ذكر منهما قولان.
قوله: (وفي شفري المرأة: إن بدا العظم، وفي تدييها أو حلمتيهما إن بطل اللبن، واستوني بالصغيرة، وسن الصغير الذي لم يثفر للإياس كالقود) أي والدية الكاملة في قطع شفرتي المرأة، وهي جانبا فرجها إن بدا فيها العظم، وإن لم يبد ففيه الحكمة، ومصيبة شفرتي المرأة أعظم عليها من ذهاب بصرها، وكذلك الدية الكاملة في قطع ثديي المرأة بثاء مثلثة ودال مهملة وكذلك الدية الكاملة في قطع حلمتي المرأة وهي رؤوس ثدييها إن بطل ذلك اللبن، وإن لم يبطل اللبن ففيه حكومة، فإن كانت المرأة صغيرة استؤني بها حتى يعرف هل بطل اللبن أم لا، وكذلك يستأنى بسن الصغير الذي لم يثغر بضم الياء وسكون الثاء المثلثة، وهو الذي لم يسقط رواضعه ويثغر بالمثنات هو الذي نبتت أسنانه يستأنى به إلى إياس نباته بعد مضي سنة ليعلم هل نبتت سنه أم لا فإن لم تنبت ففيها الدية.
قوله: كالقود أي كما يستأنى سن الصغير في القود في العمد.
قوله: (وإلا انتظر سنة. وسقطا إن عادت، وورثا إن مات، وفي عود السن أصغر بحسابها) أي وإن لم تمض سنة انتظر به السنة، فإن لم تنبت وجبت الدية وسقط
[ ٣ / ٤٣٧ ]
القصاص في العمد.
والدية في الخطأ إن عادت السن، وإن مات الصبي قبل الإياس، ورث عنه القصاص في العمد والدية في الخطأ، وإن عادت السن لصغير فعلى الجاني حساب ما نقص منها، وقيد بما إذا كان ينتفع بها وإلا فكالعمد.
قوله: (وجرب العقل بالخلوات، والسمع بأن يصاح من أماكن مختلفة، مع سد الصحيحة، ونسب لسمعه الآخر؛ وإلا فسمع وسط، وله نسبته، إن حلف، ولم يختلف قوله) أي فإن ادعى المجني عليه ذهاب بعض عقله، يجرب عقله بالخلوات لأن الخلوة مظنة جمع العقل، وجمع الخلوات تنبيها على أنه يجرب بالخلوت مرة بعد مرة أو مرتين، وكذلك إذا ادعى ذهاب بعض سمعه فإنه يجرب بأن يصاح به من أما كن مختلفة مع سد الأذن الصحيحة سدا محكما، حتى يعرف صدقه من كذبه، فإن تساوى سمعه من الأماكن، أو تقارب صدق إن حلف ونسب ما نقص لسمعه الأخرى، إن ربع فربع الدية وإن ثلث فثلث الدية، وإن لم يكن له سمع نسب ذلك إلى سمع رجل وسط فيكون له نسبة ذلك بشرطين: أن يكون حلف على ما قال، وإن لم يختلف. قوله: (وإلا فهدر) أي وإن نكل عن اليمين أو اختلف قوله فلا شيء له فيكون هدر، ولم يذكره ابن شاس، ولا ابن الحاجب، ولا ابن عرفة، ولا المصنف في التوضيح، بل إنما ذكره الغزالي في وجيزه.
قوله: (والبصر بإغلاق الصحيحة كذلك) أي ويجرب البصر إن ادعى ذهاب بعضه بإغلاق عينه الصحيحة ثم جعل له بيضة أو شيئا في أماكن مختلفة يختبر به منتهى بصر السقيمة، فإذا رآها حولت له إلى موضع آخر، فإن تساوت الأماكن أو تقاربت قيست الصحيحة، ثم أعطي بقدر ما انتقصت المصابة من الصحيحة، وإن لم يكن له بصر نسب ذلك إلى بصر رجل وسط، وهذا كله إذا حلف ولم يختلف قوله، وأما إن نكل عن اليمين أو اختلف قوله فلا شيء له.
وقوله: (كذلك) أي بالشروط المذكورة في السمع.
قوله: (والشم برائحة حادة، والنطق بالكلام اجتهادا، والذوق بالمقي) أي ويجرب في ذهاب بعض الشم برائحة شيء حاد أي منفرة للطبائع، لأنه في الغالب لا يصبر عليها، لا سيما إذا استديم عليه مقدار ما يختبر فيه، فإذا علم منه النفرة أو القرينة الدالة على كذبه حمل على ذلك، وإن ظهر من حاله ما يدل على صدقه حمل عليه، وهذا الفرع لم يذكره ابن شاس، ولا ابن الحاجب، ولا ابن عرفة، ولا المصنف في
[ ٣ / ٤٣٨ ]
التوضيح، بل إنما ذكره الغزالي في وجيزه. انتهى.
وكذلك يجرب النطق إذا ادعى نقصانه، فإنه يجربه أهل المعرفة بالاجتهاد ما نقص منه ولا تعتبر الحروف، لأن بعضها أثقل من بعض، وكذلك إن ادعى نقص ذوقه فإنه يجرب بشيء مقر أي قال الجوهري: مقر الشيء بالكسر يمقر مقرا أي صار مرا. والمقر أيضا الصبر (^١). وهذا الفرع ذكره الغزالي وتبعه ابن شاس، وتبعه ابن الحاجب.
قوله: (وصدق مدع ذهاب الجميع بيمين) أي وإن ادعى المجني عليه ذهاب جميع العقل، أو السمع أو البصر أو الشم أو الذوق، فإنه يصدق مع يمينه، إذ لا يعلم ذلك إلا من جهته، والظالم أحق أن يحمل عليه.
قوله: (والضعيف من عين ورجل ونحوهما خلقة كغيره. وكذا المجني عليها إن لم يأخذ لها عقلا) أي ودية الضعيف من العين أو الرجل ونحوهما كاليد والأذن خلقة كغيره من الصحيحة، وهذا في الخطأ، وأما العمد فقد تقدم ففيه القصاص، وكذلك العين المجنى عليها أو الرجل أو اليد أو الأذن المجني عليها كغير المجني عليها، إن لم يأخذ لها عقلا، فأما إن أخذ لها عقلا فبحساب ما بقي.
قوله: (وفي لسان الناطق، وإن لم يمنع النطق ما قطعه فحكومة، كلسان الأخرس، واليد الشلاء، والساعد) أي وفي لسان الناطق الدية إن منع الكلام، وإن لم يمنع ما نقص منه النطق ففيه الحكومة، كما أن الحكومة في قطع لسان الأخرس واستشكل لأجل فائدة الذوق، وكذلك الحكومة في قطع اليد الشلاء، وكذلك الحكومة في قطع الساعد وهو الذراع.
غفل فيه الجوهري في تاج اللغلة وجعل الساعد العضد والعضد الساعد.
قوله: (وأليتي المرأة، وسن مضطربة جدا، وعسيب ذكر بعد الحشفة، وحاجب، أو هدب وظفر، وفيه القصاص) أليتي بفتح الهمزة أي وفي قطع إليتي المرأة الحكومة عند ابن القاسم وابن وهب قال أشهب فيهما الدية، وإليتي الرجل فيهما حكومة من باب أخرى، قال أشهب: وذهاب إليتي المرأة أعظم عليها من ثدييها، وكذلك الحكومة في سن مضطربة جدا، فيأخذ بقدر ما بقي فيها من المنفعة بالاجتهاد، وإن كانت
_________________
(١) الصحاح؛ تاج اللغة وصحاح العربية المؤلف: إسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣ هـ.). ج ٣، ص: ٣٨٣ الناشر: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة: الرابعة - يناير ١٩٩٠.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
مضطربة اضرابا خفيفا فبحسابها، وكذلك الحكومة في قطع عسيب الذكر بعد قطع الحشفة، وأما إن قطع العسيب مع الحشفة، فإن العسيب يندرج فيها، وكذلك الحكومة في نتف شعر حاجب وشعر هدب إذا لم ينبت، وأما إن نبت فلا شيء فيها إلا الأدب في العمد، وكذلك في قطع الظفر خطأ حكومة، وأما العمد ففيه القصاص.
قوله: (وإفضاء) أي والحكومة في إفضاء مسلك المرأة، وقيل: فيه الدية لأنه منعها اللذة سواء الجاني هو الزوج أو غيره، والإفضاء أن يصير المسلكان واحدا وذلك أن للمرأة ثلاث مسالك: مسلك الغائط، ومسلك الحيض وفيه الوطء ومنه الولادة، ومسلك البول، وهو الذي يختلط بالإفضاء مع مخرج الحيض لرقة الحاجز بينهما، وقد يختلف مع مخرج الغائط نادرا، فإذا انقطع ما بينهما صار البول والغائط يقع في مسلك الحيض فيمنع من الاستمتاع بالوطء على جهة الكمال. انتهى من الشار مساحي.
قوله: (ولا يندرج تحت مهر، بخلاف البكارة إلا بأصبعه) أي ولا يندرج الإفضاء تحت مهر بخلاف البكارة، فإنها تندرج فيه إذ لا تغيب الحشفة إلا بعد زوال البكارة إلا إذا أزال البكارة بأصبعه فإنها لا تندرج تحت المهر فعليه قدر ما شانها عند الأزواج في حالها وجمالها، فلو طلقها قبل الوطء فعليه قدر ما شانها مع نصف الصداق، فالحكومة من ماله إلا ما زاد على الثلث فعلى عاقلته، لأن أصل فعله مأذون فيه، فكان له حكم الخطأ، وأما إن كان الإفضاء من غير الزوج اغتصبها فلأرش في ماله بالغا ما بلغ، لأن فعله غير مأذون فيه فكان من باب العمد، ولا يندرج المهر تحته بل يجتمعان مع الحد. انتهى.
قوله: (وفي كل أصبع عشر، والأنملة ثلثه، إلا في الإبهام؛ فنصفه) أي من الإبل أو عشر الدية، وفي قطع كل أنملة من الأصبع ثلث العشر إلا في أنملة الإبهام ففيه نصف العشر وهو من مسائل الاستحسان.
قوله: (وفي الأصبع الزائدة القوية عشر إن انفردت) أي وفي الأصبع الزائدة عن الأصابع الخمسة عشر دية اليد، إذا كانت قوية، وأفردت بالقطع وإن كان القطع عمدا، إذ لا قصاص فيها لعدم مما ثلتها.
الذي لابن القاسم في سماع يحيى أن السادسة إن كانت قوية ففيها عشر ولو قطعت عمدا إذ لا قصاص فيها وفي اليد كلها ستون، وإن كانت ضعيفة ففيها
[ ٣ / ٤٤٠ ]
حكومة إن انفردت ومع اليد لا يزاد لها شيء واستظهره اللخمي، فلو قال المصنف: وفي الأصبع الزائدة إن قويت عشر مطلقا، وإلا فحكومة إن انفردت لوفي بذلك، ويكون معنى مطلقا عمدا أو خطأ أفردت أم لا.
قوله: (وفي كل سن خمس: وإن سوداء بقلع أو اسوداد، أو بهما، أو بحمرة أو بصفرة إن كانا عرفا كالسواد، أو باضطرابها جدا، وإن تبتت لكبير قبل أخذ عقلها أخذه) أي وفي كل سن من ثنايا، أو ضواحك، أو رباعيات، أو أنياب، أو أضراس خمس من الإبل إذا قلعها، وإن كانت سوداء أو كانت بيضاء فاسودها، أو قلع بعضها وسود بعضها، أو قلع بعضها ثم اسودها أو اسودها، ثم انقلعت فليس فيها إلا دية واحدة، لأنه فعل واحد، وكذلك فيها خمس من الإبل إذا ضربها فاحمرت أو اصفرت إن كان ذلك الحمرة أو الصفرة عرفا عند الناس، كالسواد وإن لم يكن عرفا ففيها الحكومة، وكذلك إذا ضرب سنه فاضطربت جدا، فإن فيها خمس لذهاب منفعتها، فإن ضربها واضطربت جدا ثم نبتت قبل أخذ ديتها أخذها وأحرى إن نبتت بعد أخذ ديتها أنه لا يرد ما أخذ.
قوله: (كالجراحات الأربع، ورد في عود البصر وقوة الجماع، ومنفعة اللبن، وفي الأذن إن ثبتت تأويلان) أي كما لا يرد ما أخذ من دية الجراحات الأربعة إن عادت كما كانت وهي: الموضحة، والمنقلة، والمأمومة، والجائفة، ويرد ما أخذ من دية البصر إذا عاد إذ لو ذهب لم يعد أبدا، وكذلك يرد ما أخذ من دية ذهاب قوة الجماع إن عاد قويا، وكذلك إذا أخذت المرأة الدية عن إبطال لبن ثدييها ثم عاد اللبن فإنها ترد ما أخذت من ذلك، وفي ثبوت الأذن بعد أن قطعت ففي الرجوع عليه تأويلان، هل يرده كالبصر؟ لأنها زينة أو لا يرده كالسن؟ لحصول الألم فيه والشين، والفرق بينهما وبين السن أن السن وإن ثبتت لا تثبت كحالها الأول بخلاف الأذن، ويجري فيه الدم، والسن لا يجري فيها الدم ولا تعود كما كانت.
قوله: (وتعددت الدية بتعددها) أي بتعدد موجبات الجناية كما إذا أوضحه فذهب عقله وسمعه وبصره ونطقه، فإن الدية تتعدد بتعدد المنفعة، إنما يعطى دية العقل مع الموضحة على القول أن العقل محله القلب وهو المشهور عندنا، أما على القول أن العقل محله الدماغ فلا يعطي دية الموضحة لأن المنفعة بمحلها.
قوله: (إلا المنفعة بمحلها) أي فلا تتعدد الدية بذهاب المنفعة في قطع محلها، كما إذا قطع أذنه فذهب سمعه من ذلك، أو فقأ عينه فذهب بصره، أو قطع مارنه
[ ٣ / ٤٤١ ]
فذهب شمه، فليس عليه إلا دية واحدة والأخرى تندرج.
قوله: (وساوت المرأة الرجل لثلث ديته: فترجع لديتها. وضم متحد الفعل، أو في حكمه، أو المحل في الأصابع) أي وتساوي دية المرأة دية الرجل من ديتها مسلما كان أو كافرا إلى ثلث ديته، فإن بلغته فإنها ترجع لديتها وهي النصف من دية الرجل، فإن قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، لأنها لم تبلغ ثلث دية الرجل، فإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرون من الأبل لرجوعها إلى ديتها، لأن دية أربع أصابع أكثر من ثلث دية الرجل، وهي في الموضحة والهاشمة والمنقلة كالرجل، لا في الجائفة والمأمومة.
قال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: إذا قطع لها ثلاثة أصابع أخذت ثلاثين من الإبل، وإذا قطع لها أربعة وأكثر جرحها رجعت إلى عشرين فقال لي: أعراقي. قلت: لا بل عالم متكلف أو جاهل متعلم قال لي وذلك للسنة.
قوله: وضم متحد الفعل أي من المواضح والهاشم والمناقل والأصابع أي وإذا اتحد الفعل ضم، وإن لم يتحد المحل، كما إذا كان يدها على رأسها فضربها وقطع لها أصبعين وأوضحها، فإنه يضم، فلو ضربها ضربة واحدة أو ما في معناها كضربات في فور واحد فقطع لها أربع أصابع من كل يد أصبعين أو من يد واحد ثلاثة أصابع ومن الأخرى أصبعا، فإن ذلك يضم، وتأخذ من الأربعة عشرين من الإبل فقط.
قوله: أو المحل أي وإذا اتحد محل الفعل في الأصابع ضم، وإن لم يتحد الفعل ولا عبرة بتعدده أو اتحاده، فلو ضربها ضربة أو ضربات في فور واحد، فقطع لها ثلاثة أصابع من يد فأخذت ثلاثين ثم قطع بعد ذلك لها منها أصبعا أو أكثر فإنها تأخذ في كل أصبع خمسا من الإبل ويستوي في ذلك أصابع اليدين والرجلين، ولهذا قال في الأصابع: فلو تعدد الفعل والمحل فلا ضم، كما إذا قطع لها من يد ثلاث فأخذت ثلاثين ثم قطع لها من الأخرى ثلاثا فإنها تأخذ ثلاثين، فإن قطع بعد ذلك أصبعا فأكثر من أي يد كانت فإنما لها في أصبع خمس.
قوله: (لا الأسنان) أي فلا يضم بعض الأفعال في الأسنان إلى بعض، بل كل من الأسنان مستقل بنفسه، كانت في كل خمس من الإبل، واختلف في المسألة قول ابن القاسم، فمرة جعل الأسنان كالأصابع تحاسب بما تقدم من ثلث الدية، ومرة قال: لا تحاسب بما تقدم وشهره ابن الحاجب وغيره.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
قوله: (والمواضح، والمناقل) أي فإنه لا يضم بعض الأفعال فيها إلى بعض، سواء كان ذلك في مرة أو مرتين، كما لو أوضحها موضحتين، فأخذت العقل عليهما، ثم أوضحها بعد ذلك مواضح، فإن لها عقل ذلك كالرجل ما لم تبلغ في المرة الواحدة ثلث دية الرجل، وكذلك حكم المناقل.
قوله: (وعمد لخطإ وإن عفت) أي فلا يضم عمد لخطإ اقتصت من العمد أو عفت عنه، لألا يتوهم أنه كالخطإ حين عفت عنه بل كل من العمد والخطإ مستقل بنفسه فلا يضمان.
قوله: (ونجمت دية الحر الخطإ، بلا اعتراف على العاقلة والجاني إن بلغ ثلث المجني عليه أو الجاني) احترز بالحر من العبد فإن قيمته حالة على قاتله، وبالخطأ من العمد فإن دية العمد على القاتل حالة أي وتنجم دية الحر المجني عليه خطأ إذا ثبت القتل ببينة أو قسامة، وأما إن أقر بالفعل خطأ فلا يقبل قوله: على العاقلة لأنه يتهم أولاد المجني عليه فإن ثبت القتل ببينة أو قسامة فإن على العاقلة والجاني معا إن بلغ أرش الجناية ثلث دية المجني عليه، أو ثلث دية الجاني الأقل منهما، وقد تجني المرأة على الرجل والرجل على المرأة، وقد يجني المسلم على الذمي، والذمي على المسلم وهذه المسألة خرجت عن القاعدة.
القاعد: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾، ولكن فعل ذلك للمصلحة، لأنا إذا قلنا: يدفع الجاني وحده، فإنه يضعف به، وإذا قلنا بغير الدفع تضيع الدماء.
قوله: (وما لم يبلغ فحال عليه كعمد، ودية غلظت، وساقط لعدمه) أي فالجناية التي لم تبلغ ثلث دية الجاني أو المجنى عليه، فإنها تكون على الجاني حالة، كما أن دية العمد على الجاني وحده حالة في ماله، وقيل منجمة، وكذلك الدية المغلظة على والد رمى ولده، فإنها تكون عليه وحده حالة، وكذلك دية عضو جنى عليه عمدا، فتعذر القصاص منه، لأجل عدم مماثلة، فإن ديته على الجاني حالة.
قوله: (إلا ما لا يقتص منه من الجرح لإتلافه؛ فعليها. وهي العصبة، وبدئ بالديوان إن أعطوا، ثم بها الأقرب فالأقرب، ثم الموالي الأعلون، ثم الأسفلون ثم بيت المال إن كان الجاني مسلما، وإلا فالذمي ذوو دينه) أي لأجل أنها متلفة كالمأمومة والجائفة وكسر الفخذ، فإن دية ذلك على العاقلة، وإليه رجع مالك رحمة الله، وقيل: على الجاني إلا أن يكون عديما فتكون على العاقلة.
وقال البساطي: فإن قلت: ما الفرق بين ما سقط من القصاص منه لعدم مماثلة
[ ٣ / ٤٤٣ ]
أن الدية فيه على الجاني وحده، وبين الجاني للجراح المتلفة أن ديتها على العاقلة. قلت: لأن الجاني للجراح انتفعت العصبة ببقائه، وصاحب الساقط لم ينتفع بشيء. انتهى.
قوله: وهي العصبة كأن سائلا سأله ما العاقلة التي تحمل الجناية؟ قال: هي العصبة، فإن كان ديوان أي هل ديوان بدئ به لعلة التناصر.
جبلت القلوب على التناصر.
أول من دون الدواوين: عمر بن الخطاب. ﵁
والديوان هو القرطاس الذي يكتب فيه، إنما يبدأ بأهل الديوان، وإن كانوا من قبائل شتى، إن اعطوا من بيت المال، وإن لم يعطوا أو لم يكن ديوان بدئ بالعصبة الأقرب فالأقرب، فإن لم تكن عصبة، بدئ بالموالي الأعلون، فإن لم يكونوا فالأسفلون، فإن لم يكونوا فبيت المال، لأنه عاقلة من لا عاقلة له، وإن كان الجاني مسلما فإن بيت المال يرثه. وقال بعضهم: يقدم الجاني على بيت المال، ولم يذكره المصنف، واختلف هل يقدم الجاني على بيت المال، أو بيت المال على الجاني. قوله: وإلا أي وإن لم يكن الجاني مسلما، بل من أهل الذمة، يعقل عنه دون بينة إن نصراني فالنصارى، وإن يهودي فاليهود، ولا يعقل النصراني عن اليهود وعكسه. قوله: (وضم ككور مصر) أي يضم كور مصر ونحوه كالشام في الدية.
والكور بضم الكاف وفتح الواو جمع كورة بضم الكاف وسكون الواو وهي المدينة. الجوهري (^١).
مثل بمصر لأنه جمع من المدائن ما قل أن يجتمع مثله في إقليم، وأدخل الكاف على كور ليشمل غير مصر.
قوله: (والصلحي أهل صلحه، وضرب على كل ما لا يضر) أي ويعقل عن الصلحي من كان معه في عقد الصلح، فإن وزعت الدية على العاقلة ضرب على كل منهما ما لا يضرب به بالنسبة إلى قدر وسعه في القلة والكثرة.
قوله: (وعقل عن صبي، ومجنون، وامرأة، وفقير، وغارم، ولا يعقلون) أي وتحمل العاقلة عن الصبي والمجنون وإن كانا مليين، لأنهما غير مكلفين، وكذلك امرأة يعقل عنها ولا تعقل هي وإن غنية، لأنها تنصر ولا تنصر، وكذلك الفقير والغريم
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري: ج ٢، ص: ٨١٠. بتصرف.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
الذي عليه الدين يعقل عنهم ولا يعقلون، وإنما لا يضرب عليهما لأنها إعانة، والفقير والغريم يحتاجون للإعانة، وسقطت، والصبي والمجنون والمرأة لعدم التناصر منهم وهو علة في غرمها (^١).
قوله: (والمعتبر وقت الضرب لا إن قدم غائب، ولا يسقط لعسره أو موته. ولا دخول لبدوي مع حضري، ولا شامي مع مصري مطلقا) أي والمعتبر في حال من تضرب عليه الدية حال الضرب وهو التوزيع على العاقلة، لا يوم القتل ولا يوم الأداء من كان صبيا أو مجنونا أو فقيرا أو غريما حال الضرب فلا يلزمه شيء، ومن كان بالغا عاقلا غنيا حاضرا لا يسقط عنه بعسره بعد الضرب ولا بموته ولا بغيبته، وأما إن كان غائبا بعيد الغيبة ثم قدم فلا يلزمه شيء.
قوله: ولا دخول لبدوي مع حضري وإن كان من قبيلة واحدة، لأن الدية لا تكون متنوعة من الإبل والعين، وكذلك الشامي لا يدخل مع المصري، ولا العكس مطلقا أي قربوا أو بعدوا اتحد ما يؤخذ منهم جنسا أم لا.
قوله: (الكاملة في ثلاث سنين تحل بأواخرها من يوم الحكم) أي وتنجم الدية الكاملة، كانت عن ذكر أو أنثى مسلما كان أو كافرا، وإن مجوسيا ثلاث سنين تحل بأواخرها، فإذا تمت سنة أخذ الثلث ثم كذلك إلى آخر الثلاث، وابتداء السنين من يوم الحكم لا يوم القتل.
قوله: (والثلث والثلثان بالنسبة. ونجم) أي وينجم الثلث من الدية بالنسبة إلى الكاملة فتنجم السنة وتنجم الثلثان في السنتين.
قوله: (في النصف والثلاثة الأرباع بالتثليث) أي فإذا كان الواجب نصف الدية، فإنه ينجم بالتثليث، فيكون الثلث منجما بالسنة والسدس الباقي ينجم لسنة ثانية، فاتحد النصف والثلثان حكما، وكذلك إذا كان الواجب ثلاثة أرباع الدية، فإنها تنجم على التثليث، فيكون لكل ثلث سنة من الثلثان، وللفاضل وهو نصف السدس سنة فاتحد الثلثان مع الكاملة حكما، وإلى هذا أشار بقوله: (ثم للزائد سنة)، تبع المصنف ابن الحاجب في هذه المسألة مع أنه قال في توضيحه ولم أره لغيره فضلا عن أن يكون مشهورا. انتهى.
قوله: (وحكم ما وجب على عواقل بجناية واحدة كحكم الواحدة كتعدد الجنايات عليها)
_________________
(١) ن: ضربها.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
أي وإذا وجب على العواقل دية لجناية واحدة، فإنها كحكم العاقلة في التنجيم، كما إذا حمل عشرة رجال خشبة، فسقطت على إنسان فقتلته، فإن الدية على عواقلهم كل منها يلزمها عشر الدية فينجم عليها العشر ثلاث سنين، وكذلك عكسه، وهو أن تعدد الجنايات على العاقلة الواحدة كما إذا قتل رجلا من قبيلة خطأ ثم قتل آخر خطأ من قبيلة أخرى، فإنها تنجم عليها الديات كلها ثلاث سنين، ولا يقال تنجم إحدى الديات حتى تنقضي ثم أخرى كذلك تنجم الديات كلها ثلاث سنين.
قوله: (وهل حدها سبعمائة؟ أو الزائد على ألف؟ قولان) أي وهل حد العاقلة التي تحمل الدية سبع مائة فما دونها فلا يلزمها أو حدها الزائد على ألف وما دون ذلك منها فلا فيه قولان وهما لسحنون.
قوله: (وعلى القاتل الحر المسلم، وإن صبيا، أو مجنونا، أو شريئا) إلى آخره وهذه إحدى موجبات القتل وهي أربع: القصاص في العمد والدية في الخطأ وقد تقدما. الثالث: وهو الكفارة.
الرابع: التعزير وسيأتي بعد هذا إن شاء الله.
وعتق رقبة مبتدأ مؤخر وعلى القاتل خبر مقدم أي وعلى القاتل الحر المسلم عتق رقبة، وإن كان هذا القاتل صبيا أو مجنونا، لأنه من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف، وورد خطابه على قسمين خطاب تكليف ويشترط فيه علم المكلف وقدرته، وغير ذلك كالعبادات، وخطاب وضع ولا يشترط فيه شيء من ذلك، ولذلك يوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإتلاف، لكونه من باب خطاب الوضع الذي هو معناه أن الله تعالى قال: إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا، ومن ذلك الطلاق بالإضرار والإعسار والتوريث بالأنساب. انتهى.
وكذلك عتق رقبة على مشترك في القتل مع غيره، لأن الكفارة لا تتبعض (^١).
قوله: (إذا قتل مثله معصوما خطأ) أي وعلى القاتل الحر لا العبد المسلم إلا الكافر (عتق رقبة) إذا قتل مثله، وهو الحر المسلم في حال كونه معصوما وقتله خطأ لا عمدا، وأما غير المعصوم فلا كفارة فيه، كالمرتد وزان أحصن والصائل.
قوله: (ولعجزها شهران كالظهار) أي ولأجل العجز عن الرقبة يجب صوم
_________________
(١) للتبعيض.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
شهرين متتابعين كشهري الظهار والرقبة كرقبة كفارة الظهار.
قوله: (لا صائلا) أي ولا كفارة على قاتل صائل لأنه غير معصوم الدم.
قال ابن عرفة: وهذا مقتضى المذهب، لأنه غير خطأ ولم أجده نصا إلا للغزالي في وجيزه.
قوله: (وقاتل نفسه كديته) أي لا كفارة على قاتل نفسه، إذ لا يتأتى منه ذلك، وكذلك لا دية له.
ابن عرفة: قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [المجادلة: ٤] مخرج لقاتل نفسه لامتناع تصور هذا الجزء من الكفارة، وإذا بطل الجزء بطل الكل. انتهى.
قوله: (وندبت في جنين، ورقيق، وعمد، وعبد، وعليه مطلقا جلد مائة، وحبس سنة، وإن بقتل مجوسي، أو عبده، أو تكول المدعي على ذي اللوث وحلفه. والقسامة سببها قتل الحر المسلم) أي وندب إخراج الكفارة بإسقاط جنين، وكذلك قاتل رقيق يندب له إخراجها، وكذلك يندب للقاتل عمدا إخراجها، وكذلك العبد.
قال الشارح: وأنظر عطف العبد على الرقيق، هل يحمل الأول على الخطأ؟ والثاني على العمد أو العكس، أو يحمل على أن الرفيق مقتول، وأن العبد قاتل. قوله: وعليه مطلقا وهذا هو الموجب الرابع عن القتل أي وعلى القاتل مطلقا حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى، جلد مائة، يبدأ بالجلد، ثم يحبس عاما كاملا، وإن كان المقتول مجوسيا، أو عبدا للقاتل، وأحرى عبد غيره، وكذلك إذا نكل الولاة عن القسامة، وحلف المدعى عليه، فإنه يجلد مائة سوط، ويحبس سنة. واللوث بثاء مثلثة وهو أمر تنشأ عنه غلبة الظن في صدق المدعي، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، وفي شهادة من لا تعرف عدالته، أو العدل يرى المقتول يتشحط في دمه، والمتهم قربه عليه آثار القتل، واللوث لا يتوصل به إلى التمكن من الدماء لعظيم خطرها ورفيع قدرها، فوجب الإعراض عنها، لأن فيها ما له قوة، لأجل ما اختلط به من القرائن الحاملة على صدق مدعيه.
قوله: والقسامة وهي إسم مصدر أقسم، والقسامة سنة لا رأي فيها لأحد، وحكم القسامة مخالف لسائر الدعاوي من جهة أن اليمين على المدعي، وذلك لأن المدعي هو ذاكر أمر خفي، والمدعى عليه من الظاهر معه، وها هنا الظاهر مع المدعي إذ لا بد فيها من اللوث وهي القرينة المغلبة لظن صدقه. انتهى.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
والقسامة سببها قتل الحر المسلم، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول، واحترز بالقتل من الجرح والقطع، إذ لا قسامة فيهما، واحترز بالحر من العبد إذ لا قسامة فيه وبالمسلم من الكافر إذ لا قسامة فيه، وعن ابن القاسم إذا قال الذمي: قتلني فلان المسلم، يحلف ولاته يمينا واحدة، ويأخذون الدية، وفي الموازية عنه لا قسامة، وعن المغيرة أنهم لا يستحقون الدية، إلا بخمسين يمينا، وعن مالك وأشهب وعبد الملك: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ. انتهى.
قوله: (في محل اللوث) أي إنما تكون القسامة في محل اللوث، لا في محل الإقرار أو البينة على القتل.
قوله: (كأن يقول بالغ، حر، مسلم: قتلني فلان) إلى آخره. احترز بالبالغ من الصبي، واحترز بالحر من العبد، واحترز بالمسلم من الكافر، لأن هؤلاء لا عبرة بقولهم، وهذا مثال الأول للوث وذكر فيه خمسة أمثلة. وقوله: قتلني فلان كان فلان صبيا أو عبدا أو كافرا.
قوله: (ولو خطأ، أو مسخوطا على ورع، أو ولد على والده أنه ذبحه، أو زوجة على زوجها إن كان جرح) أي ولو قال المقتول: قتلني خطئا، خلافا لمن قال: إذا قال قتلني خطأ لا قسامة فيه، لأن الخطأ مال فلا يثبت المال إلا بالبينة، أو الإقرار، وكذلك إذا قال مسخوط قتلني فلان ورع من أورع الناس، فإنه لوث لأن الغالب على الإنسان إذا حضره الموت، ألا يقول إلا الحق، لأنه عاين وقيل لا يقبل.
قوله: وكذلك إذا ادعى ولد على والده أنه ذبحه، كأنه قصد الوجه المشكل لينخرط في سلك الأغنياء، لأنها إذا قبلت القسامة الموجبة للقود من الوالد، فأحرى الموجبة للدية المغلظة، وأحرى غير المغلظة، وكذلك الزوجة إذا ادعت على زوجها أنه قتلها، فإنه يقبل قولها، وقيل: لا يقبل قولها لأجل غيرتها.
قوله: إن كان جرح لو قدم الشيخ هذا ويقول: كأن يقول بالغ: قتلني فلان، إن كان جرح لكان أحسن، مفهومه إن لم يكن جرح فلا قسامة، وعليه العمل وظاهر المدونة والرسالة قبول قوله وإن لم يكن فيه حرج.
قوله: (أو أطلق وبينوا) أي فإن قال المقتول قتلني فلان، ولم يبين هل عمدا أو خطأ، فإن بين الأولياء ذلك، فإنهم يقسمون عليه، فإن أقسموا على العمد فلهم القتل، وإن أقسموا على الخطأ فلهم الدية.
قوله: (لا خالفوا. ولا يقبل رجوعهم، ولا إن قال بعض عمدا، وبعض لا نعلم، أو نكلوا،
[ ٣ / ٤٤٨ ]
بخلاف ذي الخطإ، فله الحلف وأخذ نصيبه) أي فلا قسامة ويبطل الدم إذا خالفوا قول الميت، لأنهم إذا قال: عمدا وقالوا: بل خطأ، أو قال قتلني خطأ، وقالوا: عمدا، لأنه إذا ادعى العمد فقد أبرأ العاقلة من الدية، وهم قد أبرأ القاتل فإن قال: قتلني خطأ، وقالوا: بل عمدا، فإنه قد أبرأ القاتل وهم قد أبرأ العاقلة، فيبطل الدم، فلا يقبل رجوعهم إلى قول المقتول بعد أن خالفوه، لتعلق حق المدعى عليهم في قولهم الأول، وكذلك إذا تخالف قول الأولياء فلا قسامة، كما إذا قال بعض قتله عمدا، وقال بعضهم لا نعلم هل قتله عمدا أو خطأ، أو اتفقوا على العمد ونكل بعضهم عن اليمين، فإن الدم يبطل وهو مذهب المدونة، وكذلك إذا اتفقوا على الخطأ ونكلوا فلا دية، فإن حلف مدعي الخطأ على دعواه خمسين يمينا، أخذ نصيبه من الدية ولا شيء لمدعي العمد.
قوله: (وإن اختلفا فيهما واستووا حلف كل، وللجميع دية خطإ) أي وإن اختلف الفريقان من الأولياء في العمد والخطأ، وهم مستوون في الدرجة، حلف كل من الفريقين على ما قال، ويستحقون دية الخطأ، ولا سبيل إلى القتل، فإن لم يتساووا في الدرجة، ففي الموازية إذا قالت الابنة: قتله خطأ. وقالت العصبة: عمدا أن دمه هدر ولا قسامة ولا قود ولا دية، لأنه إن كان عمدا فذلك للعصبة، ولم يثبت لهم، وإن كان خطأ ففيه الدية، ولم يثبت الخطأ. انتهى.
قوله: (وبطل حق ذي العمد بنكول غيرهم، وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقا، أو بإقرار المقتول عمدا أو خطأ ثم يتأخر الموت) أي وإذا مات المقتول ولم يبين هل عمدا أو خطأ، فقال بعض الأولياء: قتله عمدا، وقال بعضهم: بل خطأ، ثم نكل مدعي الخطأ عن الأيمان، فإن حق مدعي العمد يبطل، ولا قسامة لهم ولا دية، لأنهم إنما أخذوا الدية إذا حلف مدعي الخطأ بالتبعية، لأنهم إنما يدعون الدم.
قوله: وكشاهدين بجرح أو ضرب هذا هو المثال الثاني للوث أي وإذا شهد شاهدان على الجرح أو الضرب مطلقا أي في العمد والخطأ، فإن ذلك لوث، وكذلك إذا شهد شاهدان على إقرار المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه عمدا أو خطأ، فإن ذلك لوث يوجب القسامة، وأما إن قال: قتلني لكان هو المثال الأول.
قوله: ثم يتأخر الموت شرط في القسامة، وأما إن لم يتأخر، كما إذا مات مغمورا أو أنفذت مقاتله، فإنه لا قسامة.
قوله: (يقسم لمن ضربه مات) أي يقسم كل من الأولياء خمسين يمينا لمن
[ ٣ / ٤٤٩ ]
ضربه مات.
قوله: (أو بشاهد بذلك مطلقا) أي عمدا أو خطأ هذا هو المثال الثالث من أمثلة اللوث أي وتتوجه القسامة بشاهد واحد بالجرح أو الضرب وهو مذهب المدونة. قوله: (إن ثبت الموت) أي وهذا راجع إلى جميع المسائل، فلا تجب القسامة إلا بعد ثبوت الموت، إذ لا قسامة في حي.
قوله: (أو بإقرار المقتول عمدا) أي وكذلك تثبت القسامة، إذا شهد شاهد واحد بإقرار المقتول، فإقرار المقتول أن فلانا قتله عمدا، واحترز بالعمد من الخطأ، فإنه لا يثبت بشاهد واحد، لأن قول المقتول جار مجرى الشهادة، لأنه شاهد على العاقلة، والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان، وفي العمد إنما يطلب ثبوت الحكم لنفسه وهو القصاص، وما ذكره من قبول الشاهد الواحد على إقرار المقتول عمدا نص عليه أشهب.
قوله: (كإقراره مع شاهد مطلقا) أي عمدا وخطأ أي كإقرار المقتول أن دمه عند فلان مع شاهد واحد يشهد أنه قتله لم يجتزأ بذلك ولا بد من القسامة.
لو أسقط الشيخ هذا الفرع لأنه يأتي بعد ما يغني عنه من قوله: ووجبت وإن تعدد اللوث.
وفي إكمال الإكمال عياض: وصور الشبهة سبعة:
الأولى: قول الميت: دمي عند فلان، أو هو قتلني، أو جرحني، أو ضربني، وإن لم يظهر به أثر، وهو فعل بي هذا، ويذكر العمد في ذلك كله. وشرط بعض أصحابنا ظهور الأثر، وإلا لم تكن قسامة. فقول القتيل شيئا من ذلك يوجب القسامة عند مالك وأصحابه وعليه إجماع الأئمة في القديم والحديث ولم يوافقه على ذلك إلا الليث وخالفه في ذلك سائر العلماء ولم يرو في شيء من ذلك القسامة واحتج أصحابنا لذلك بأن القتل حالة تطلب فيه الغيلة والاستتار، والمرء عند آخر عهده بالدنيا يتحرى الصدق، ويرد المظالم، ويتزود من البر. واحتج له بقصة البقرة بقوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ الآية [٧٣: البقرة] فأحيى الرجل وأخبر بمن قتله.
قلت: القسامة أصل في نفسها شرعت لحياة الناس وليرتدع المعتدي والدعاوي في الأموال على سنتها فكل أصل في نفسه يتبع ولا تطرح سنة لسنة.
الصورة الثانية: اللوث من غير بينة قاطعة على معاينة القتل. لم يختلف قول مالك في أن شهادة العدل الواحد أو اللفيف من الناس، وإن لم يكونوا عدولا لوث.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
وإنما اختلف قوله في شهادة الواحد غير العدل، وفي شهادة المرأة هل ذلك لوث؟. الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح، وحيى بعده حياة بينة، ثم مات بعده قبل أن يفيق منه. قال مالك وأصحابه، والليث: ذلك لوث.
الصورة الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل، أو عليه أثره كالتلطخ بالدم وشبهه ابن وهب وابن عبد الحكم: هو لوث.
الصورة الخامسة: قتيل الصفين تقتل فئتان فيوجد بينهما قتيل لا يدرى من قتله.
الصورة السادسة: قتيل الزحام.
قال مالك: دمه هدر، الشافعي: فيه قسامة والدية.
السابعة: القتيل يوجد في محلة قوم، أو قبيلتهم، أو في مسجدهم.
مالك والشافعي: دمه هدر. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (أو إقرار القاتل في الخطأ فقط)، صوابه أو إقرار القاتل بالعمد فقط (بشاهد)، والنسخ التي فيها بالخطا خطأ صراح، إذ لا تحمل العاقلة دية الخطأ بالإعتراف بل ببينة أو قسامة.
قوله: (وإن اختلف شاهداه بطل) أي وإن اختلف شاهدا الموت في صفة القتل، قال أحدهما: ذبحه.
وقال الآخر: قتله بحجر، بطل الدم، ولا يقال أنهما اتفقا على القتل بل يبطل الدم لتعارض الشاهدين، ولم يبق إلا مجرد الدعوى، فليس للأولياء أن يقسموا مع شهادة أحدهما. قاله في المدونة.
قوله: (وكالعدل فقط في معاينة القتل) وهذا مثال رابع للوث، فإذا شهد عدل واحد فقط على معاينة القتل، فإنه يقسم الأولياء خمسين يمينا مع شهادة العدل ويستحقون الدم، وإنما قال: فقط، إشارة منه إلى أن غير العدل غير معتبر في اللوث وغيره وجوده كالعدم.
قوله: (أو رآه يتشحط في دمه، والمتهم قربه وعليه آثاره) هذا هو المثال الخامس من أمثلة اللوث وهو أن يرى العدل المقتول يضطرب في دمه، والمتهم بالقتل قربه وعليه آثار القتل من اللطخ بالدم، والسيف في يده ونحوه.
قوله: (ووجبت وإن تعدد اللوث) أي وجبت القسامة باللوث وإن تعدد، كما إذا
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٧٦، ٧٧، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣. بتصرف.
[ ٣ / ٤٥١ ]
شهد شاهد واحد بالقتل، وقال المقتول: دمي عند فلان، ولا يقال إذا تعدد اللوث ثبت الدم بلا قسامة.
قوله: (وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم) أي وليس من اللوث وجود القتيل في قرية قوم أو في دارهم، لأن العادة أن من فعل هذا يبعده عن نفسه، وهذا هو مذهب الإمام مالك، وليس موت الرجل عندنا في الزحام لوث يوجب القسامة.
قوله: (ولو شهد اثنان أنه قتل ودخل في جماعة استحلف كل خمسين، والدية عليهم، أو على من نكل بلا قسامة) أي ولو شهد الشهود على شخص أنه قتل شخصا، ودخل في جماعة فلم يعرف من جملتهم، فإن كل واحد من الجماعة يحلف خمسين يمينا أنه لم يقتله، فإن حلفوا كلهم أو نكلوا كلهم فالدية عليهم، فإن حلف بعض ونكل بعض، فالدية على من نكل بلا قسامة من أولياء المقتول.
وفائدة حلفهم لعل بعضهم ينكل فتكون عليه الدية.
قوله: (وإن انفصلت بغاة عن قتلى، ولم يعلم القاتل، فهل لا قسامة ولا قود مطلقا؟ أو إن تجرد عن تدمية وشاهد؟ أو عن الشاهد فقط تأويلات).
قتلى جمع قتيل. البغي في اللغة التعدي.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: بناء (ب غ ي) في لسان العرب الطلب، قال الله ﵎: ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾ [الكهف: ٦٤]. ووقع التعبير به ها هنا عن من يبغي ما لا ينبغي على عادة اللغة في تخصيص الإسم ببعض متعلقاته. انتهى (^١).
والبغات ضد المتأولين، وإن انفصلت بغاة عن موتى للمسلمين، ولم يعلم القاتل فهل لا قسامة فيهم ولا قصاص مطلقا، أي قال المقتول: دمي عند فلان، أو قام شاهد بالقتل وهذا تأويل أو لا قسامة ولا قود، إن تجرد عن التدمية والشاهد معا، وإن لم يتجرد عنهما ففيه القسامة والقود وهو تأويل، أو لا قسامة ولا قود إن تجرد عن الشاهد فقط دون التدمية وهو تأويل. فالتأويلات ثلاث وهذا كله مقيد بما إذا لم يعرف القاتل، فأما لو عرف ببينة من غير الفريقين، فإنه يقتص منه.
قوله: (وإن تأولوا فهدر، كزاحفة على دافعة وهي خمسون يمينا متوالية بتا، وإن أعمى أو غائبا، يحلفها في الخطإ من يرث المقتول، وإن واحدا أو امرأة) أي وإن كان قتالهم تأويلا، فدمهم هدر، كما إن دم الزاحفة على الدافعة هدر، ودم الدافعة ثابت.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ج ٤، ص: ١٥٣.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
قوله: (وهي خمسون يمينا) لما ذكر القسامة شرع في تفسيرها وقال: هي خمسون يمينا متوالية، لأنه أرهب وأوقع في النفس، ولتعظيم أمر الدماء يحلفها من توجهت عليه، وإن كان أعمى أو غائبا، والحالف في القسامة في الخطأ من يرث الدية لا من لا يرث بخلاف العمد، وإن كان الحالف الوارث واحدا كابن أو أخ أو عم، لأنه قد يحوز المال، وكذلك المرأة الواحدة الوارثة، لأنها قد تحوز المال كمولات النعمة.
بدأ بالقسامة في الخطأ إما لرجحانها على القسامة في العمد، لموافقتها في الأصول، لأن الأيمان فيها مقصورة على الورثة، فلا يحلفها من لا يرث، ويحلف كل وارث ممن حضر، ولو كان أقل نصيبا من الميراث إلى غير ذلك، وقسامة العمد بخلاف الأصول في هذه الوجوه أو أكثرها، غير أنها أصل لقسامة الخطأ، لأن الأحاديث إنما وردت في قسامة العمد وإما لأن الخطأ يحلف فيه الرجال والنساء بخلاف العمد.
قوله: (وجبرت اليمين على أكثر كسرها) أي فإذا كان في الأيمان كسر، فإن اليمين المنكسرة يحلفها من أكثر من تلك اليمين كابن وبنت، فإن الابن يحلف ثلاثا وثلاثين يمينا، والبنت ستة عشر يمينا، وبقية اليمين الموفية خمسين فقد ناب البنت منها ثلثاها، فتحلفها هي دون الابن، لأنها أكثر منه فتحلف سبعة عشر يمينا، وإن لم يكن وارث، إلا بنتا واحدة حلفت جميع الأيمان وأخذت نصف الدية، ويسقط الباقي إذ ليس لها من يحلف معها.
قوله: (وإلا فعلى الجميع، ولا يأخذ أحد إلا بعدها، ثم حلف من حضر حصته) أي وإن لم يكن في الأيمان كسر أكثر بل تساووا في المنكسرة، فإنها على جميعهم كثلاث بنين أو أربعة، فإنه يحلف كل منهم يمينا، فيحلف كل من الثلاثة ثمانية عشر يمينا فتصير الأيمان أربعة وخمسين، وكذلك أربعة بنين يحلف كل واحد ثلاث عشرة يمينا فتصير الأيمان اثنين وخمسين، فلا يأخذ أحد شيئا إلا بعد تمام الخمسين إذ لا تجب الدية إلا بها، كما إذا غاب أحد الورثة أو نكل عن اليمين، وأراد غيره أن يحلف نصيبه من الأيمان ويأخذ ما ينوبه من الدية لم يكن له ذلك حتى يحلف جميع الأيمان، إذ لا يلزم العاقلة شيء، إلا بعد ثبوت الدم وهو لا يثبت إلا بتمام أيمان القسامة، فإذا وجبت الدية بتمام أيمان القسامة فمن حضر بعد ذلك من غيبته، فإنه يحلف حصته من الأيمان ويأخذ حصته من الدية.
قوله: (وإن نكلوا، أو بعض حلفت العاقلة، فمن نكل فحصته على الأظهر) أي وإن نكل مدعوا الخطأ من الورثة عن الأيمان أو حلف بعض ونكل بعض، ردت الأيمان على
[ ٣ / ٤٥٣ ]
العاقلة، فإن حلفت برئت من الدية، فمن نكل منهم فعليه حصته من الدية على ما اختاره ابن رشد، والقاتل كأحدهم، وهذا بخلاف القاعدة: أن النكول بالنكول تصديق للناكل الأول.
وفي المسألة خمسة أقوال: أحدها رد الأيمان على العاقلة يحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف، والقاتل كأحدهم، فمن حلف فلا غرم، ومن نكل غرم ما يجب عليه، وهذا أحد قولي ابن القاسم وهو أصحها وعليه اقتصر هنا.
قوله: (ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة؛ وإلا فموالي) أي ولا يحلف في القسامة في قتل العمد أقل من رجلين، إذ لا يقتل إلا بشهادة رجلين، والرجلان الحالفان لا بد أن يكون من عصبة القتيل كانا ورثة أم لا، وإلا أي وإن لم يكن له عصبة، فيكون الحالفان من الموالي الأعلون عصبة ولكنهم أبعد العصبة.
قوله: (وللولي الإستعانة بعاصبه) أي ولولي الدم طلب الإعانة في القسامة بعاصبه لا من غير العصبة.
قوله: (وللولي فقط حلف الأكثر: إن لم تزد على نصفها، ووزعت) أي ولولي القتل فقط لا المعين حلف أكثر الأيمان، إذا وزعت على العصبة ما لم يزد ما يحلف على نصف الخمسين، ووزعت الأيمان على عدد المستحقين إن كانوا خمسين أو أقل، فإن كانوا ثلاثة كل منهم يحلف ثلث الأيمان، وإن أربعة فربع الأيمان على كل، وإن كانا اثنين يحلف كل واحد منهما نصف الخمسين.
قوله: (واجتزئ باثنين طاعا من أكثر) أي فإن كان أولياء الدم أكثر من اثنين، فطاع منهم اثنان بأن يحلفا جميع الأيمان، فإنه يجتزأ بهما عند ابن القاسم، وأما إن كانا غير متطوعين بذلك بل بسبب نكول غيرهم فلا يجتزأ بهما.
قوله: (ونكول المعين غير معتبر) أي من أعان غيره من العصبة في الأيمان فنكل عن اليمين فإن نكوله لا يعتبر، إذ لا حق له في الدم، ولأنه قد يتهم أن يرشى، وللولي أن يستعين بغيره من العصبة ويحلف معه، وإلا بطل الدم، إذ لا يحلف في العمد أقل من رجلين.
قوله: (بخلاف غيره، ولو بعدوا فترد على المدعى عليهم، فيحلف كل خمسين، ومن نكل حبس حتى يحلف، ولا استعانة) أي بخلاف نكول غير المعين من الأولياء، فإن نكوله معتبر، ولو كان أبعد الأولياء، كأولاد العم مع أبيهم ونحو ذلك، هذا هو المشهور فبسبب ذلك ترد الأيمان على المدعى عليهم، فيحلف كل منهم خمسين يمينا إن
[ ٣ / ٤٥٤ ]
كانوا جماعة، لأن كلا منهم مطلوب، ومن نكل منهم عن اليمين حبس حتى يحلف، أو يعترف أو يموت.
قال ابن الجلاب: وإن طال حبسه أطلق (^١)، وليس للمدعى عليه الاستعانة بالعاصب بخلاف المدعي.
قوله: (وإن أكذب بعض نفسه بطل) أي وإن أكذب بعض الأولياء نفسه بعد القسامة بطل الدم، لأن دم العمد لا يتبعض، ولم يمكن لمن بقي شيء من الدية، وإن كانوا قد قبضوها ردوها.
قوله: (بخلاف عفوه، فللباقي نصيبه من الدية) أي بخلاف ما إذا عفا أحد الأولياء بعد ثبوته بالبينة أو القسامة فإنه يكون لمن بقي نصيبه من الدية.
قوله: (ولا ينتظر صغير) أي ولا ينتظر ولي صغير لم يتوقف الثبوت عليه، بل يحلف الكبير جميع حصته من الأيمان، ولا يؤخر إلى بلوغ الصبي، لأنه قد يموت قبل ذلك فيبطل الدم.
قوله: (بخلاف المغمى عليه، والمبرسم) فإنهما ينتظران لرجاء زوالهما عن قرب إلا ألا يوجد غيره فيحلف الكبير حصته من الأيمان الآن ولا يؤخرها، لأنه قد يموت أو يغيب قبل بلوغ الصغير، فيبطل الدم (والصغير معه) حال اليمين.
قال ابن غازي: ما وجدته إلا لابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام، وعلله المصنف في التوضيح بأنه أرهب، وأضرب عنه ابن راشد القفصي وابن عرفة. والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
قوله: (ووجب بها الدية) أي ووجبت بالقسامة الدية (في الخطإ، والقود في العمد) ولا يقتل بالقسامة إلا واحد عين لها، لأنها أضعف من الإقرار، والبينة.
ابن القاسم: وإن وجب لقوم دم رجل بقسامة، فلما قدم للقتل أقر غيره أنه قتله، إن شاؤوا قتلوا المقر، أو الأول، وليس إلا قتل واحد منهما (^٣).
قوله: (من واحد تعين لها) أي للقسامة فلا يقسمون إلا على عين من يريدون قتله، ويعينونه من جملة الذين شملهم اللوث، ويقولون في أيمانهم لمن ضربه
_________________
(١) ورد في التفريع لابن الجلاب ج ٢، ص: ٢٠٩ ما نصه: فإن طال حبسهم تركوا.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١٠٩٨.
(٣) التوضيح: ج ٨، ص: ٢٠٦.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
مات، ولا يقولون من ضربهم، وهذا في العمد وأما في الخطأ فلا، إلا على جميعهم، وتوزع الدية على عواقلهم، ولا تختص عاقلة دون أخرى، ولا فرق بين كون الضرب واحد، أو متعدد ويحلفون في الخطأ لمن ضربهم مات.
قوله: (ومن أقام شاهدا على جرح، أو قتل كافر، أو عبد، أو جنين حلف واحدة، وأخذ الدية، وإن نكل برئ الجارح إن حلف، وإلا حبس) أي من أقام شاهدا على أحد هذه الأمور لم يطلب بقسامة، إذ لا قسامة فيها، ولكن يحلف يمينا واحدة على ما شهد به شاهده، واقتص من الجرح، إن كان عمدا، وإن كان خطأ أخذ ديته، وكذلك الكافر يأخذ ديته، والسيد يأخذ قيمة العبد، ويأخذ مستحق الجنين غرته، فإن نكل عن اليمين قيل للجريح أحلف، فإن حلف برئ وكذلك الحكم فيمن ذكر بعده، وإن نكل الجاني عن اليمين حبس ظاهره حتى يعترف أو يحلف أو يموت.
قال ابن الجلاب: إن طال حبسه أطلق.
قوله: (فلو قالت: دمي وجنيني عند فلان. ففيها القسامة، ولا شيء في الجنين، ولو استهل) أي فلو قالت امرأة دمي وجنيني عند فلان، فإن القسامة فيها هي، ولا قسامة في الجنين، لأنه جرح ولا شيء فيه، ولو استهل لأنه دعوى بغير شاهد. انتهى.
وفي النوادر عن أصبغ من رمى بدمه نفرا فأخذ واحد منهم فسجن وتغيب الباقون، فطلب الأولياء البقاء حتى يجدوا الباقين، وطلب المسجون إما أن يقسموا عليه أو يرسلوه فيستأنى به قدر ما يطلبونهم ويرجى الظفر بهم ويتلوم لهم في ذلك. فإن تم التلوم أقسموا على هذا وقتلوه، ثم ليس لهم على من وجد من الباقين إلا ضرب مائة وسجن عام (^١)، ولهم صلح المسجون على مال يقسمونه على من شاؤوا من الباقين ويحبس المصالح سنة بعد ضربه مائة. انتهى من البرزلي (^٢).
_________________
(١) النوادر والزيادات: ج ١٤، ص: ١٧١/ ١٧٢. بتصرف.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ١١٢.
[ ٣ / ٤٥٦ ]