قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الظهار وحكمه الظهار منكر من القول وزورا، وهو حرام لقوله تعالى: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا … المجادلة: [٢]﴾ ويجب على فاعله التوبة، وكان في الجاهلية وأول الإسلام طلاقا.
وفي التقييد الشيخ ورأيت في بعض الحواشي اختلف في الظهار هل هو شرع غير معلل؟ أو معلل، فإذا قيل إنه غير معلل، اقتصر به على الأم، وإذا قيل إنه معلل دخلت الأجنبية، وإذا قيل إنه معلل بتحريم مؤبد خرجت الأجنبية، وإذا قيل تحريما مؤبدا أصليا يخرج الظهر.
الشيخ: وهذه الأقوال كلها يظهر مستند قائلها إلا في الظهار، فداوود يقول: يقتصر به على الأم بناء على أنه غير معلل، وابن القاسم وأشهب: تدخل الأجنبية بناء على أنه معلل بتشبيه محللة بمحرمة، وعبد الملك: لا تدخل الأجنبية بناء على أنه معلل بتحريم مؤبد. انتهى.
وحكم الظهار تحريم الاستمتاع ووجوب الكفارة.
قوله: (تشبيه المسلم المكلف من تحل أو جزأها بظهر محرم أو جزئه ظهار) أي الظهار هو تشبيه المسلم الذكر المكلف، واحترز بالمسلم من المسلمة.
قال في المدونة: وإن تظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شيء (^١) محدد لأن الله تعالى إنما جعل الظهار والطلاق للرجال. انتهى.
واحترز أيضا بالمسلم من الكافر فإنه لا يلزمه الظهار وإن أسلم واحترز بالمكلف من غير المكلف كالصبي والمجنون والمكره.
وقوله: من تحل يشمل الزوجة والأمة أي تشبيه المسلم المكلف من تحل له بظهر محرم أو جزء المحرم ظهار، لا فرق بين تشبيه الكل بالكل، والبعض بالبعض، والكل بالبعض، والبعض بالكل.
وقوله: تشبيه مبتدأ وخبره ظهار.
وقوله بظهر محرم شامل لمن تحرم تحريما مؤبدا، كالأم ونحوها، أو غير مؤبد
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٣٥٣.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
في المستقبل كالأجنبية.
قوله: (وتوقف إن تعلق بكمشيئتها) أي ويوقف الظهار إن علقه بمشيئتها أو رضاها أو اختيارها كما إذا قال أنت علي كظهر أمي إن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت، أو إن رضيت، أو إذا رضيت، أو متى رضيت على رضاها ومشيئتها وخيارها، فإن شاءته، أو رضيته كان مظاهرا وإلا فلا.
قوله: (وهو بيدها) أي والظهار بيدها (ما لم توقف) فتختار أو تسقط أو توطأ طوعا.
قوله: (وبمحقة تنجز) أي وإن علق مظاهر الظهار بأمر محقق الوصول تنجز عليه الآن، كما إذا قال: أنت علي كظهر أمي بعد سنة أو شهر.
قوله: (وبوقت تأبد) أي وإن علق الظهار بوقت كقوله: أنت علي كظهر أمي اليوم أو في هذا الشهر فإن الظهار يلزمه، ولا ينحل عليه بمضي ذلك الوقت بل يبقى مظاهرا حتى يكفر.
قوله: (أو بعدم زواج فعند الإياس أو العزيمة) أي وإن علق الظهار بعدم الزواج كما إذا قال لها إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي، فعند اليأس من الزواج أو العزيمة على ترك الزواج، فحينئذ يكون مظاهرا، جعل العزم هنا على الترك تركا، ويتحقق اليأس بموت المحلوف عليها، وهل يتحقق؟ بعلو سنه قولان.
قوله: (ولم يصح في المعلق تقديم كفارته قبل لزومه) أي ولم يصح تقديم الكفارة في الظهار المعلق قبل لزومه، كما إذا قال: إن دخلت فأنت علي كظهر أمي وأخرج الكفارة قبل الدخول لا يصح ذلك الإخراج، لأن الظهار لم يلزمه بعد. ابن عبد السلام ولا أظنهم يختلفون في هذا.
قوله: (وصح من رجعية) أي وصح الظهار من مطلقة طلاقا رجعيا لأنها كالزوجة، إلا في تحريم الاستمتاع منها، فإن قلت: وقد قال: من تحل والرجعية لا تحل. قلت: يصح فيها، لأن إحلالها بيده.
قوله: (ومدبرة، ومحرمة) أي وكذلك يصح الظهار من مدبرة لأنه يجوز له وطؤها وكذلك كل أمة يباح له وطؤها كمحرمة وحائض ونفسا لأن وطأهن مباح له في الأصل وإنما منع الآن لعارض يزول.
قوله: (ومجوسي أسلم) أي ويصح الظهار من مجوسي أسلم ثم ظاهر (ثم أسلمت) بالقرب بحيث يقران على نكاحهما.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
قوله: (ورتقاء) أي وكذلك يصح الظهار في الرتقا وإن لم يمكن وطؤها عقلا لأنه يستمتع منها.
قوله: (لا مكاتبة ولو عجزت على الأصح) أي ولا يصح الظهار في مكاتبة لأنها لا يحل له وطؤها.
وقوله: ولو عجزت على الأصح وهو المشهور وهو قول سحنون، لأن عجزها ملك مستأنف، ومقابل الأصح يصح منه الظهار إن عجزت.
قوله: (وفي صحته من كمجبوب تأويلان) أي وفي صحة الظهار من كمجبوب أدخل الكاف من كمجبوب الشيخ الفاني لأنه يستمتع، وهو قول ابن القاسم، أو لا يصح منه لأن الوطء منه غير ممكن وهو قول أصبغ فيه تأويلان.
ومنشأ الخلاف، هل الظهار تحريم لجملة المرأة؟ أو الوطء خاصة.
قوله: (وصريحه) أي وصريح الظهار تشبيه (بظهر مؤبد تحريمها) بنسب أو صهر أو رضاع، إذا اجتمع ذكر الظهر وذكر من تأبد تحريمها فذلك هو الصريح، والصريح في كل باب ما يتعين له وضعا، والكناية ما يحتمله مع غيره.
قوله: (أو عضوها، أو ظهر ذكر) لعل صوابه لا عضوها أو ظهر ذكر لأنهما ليسا من الصريح بل هما من الكناية.
قوله: (ولا ينصرف للطلاق، وهل يؤخذ بالطلاق معه إذا نواه مع قيام البينة) أي ولا ينصرف صريح الظهار إلى الطلاق وإن أراده به هذا هو المشهور، وعن سحنون ينصرف ولو نوى الثلاث، ابن القاسم ينصرف إن نوى الثلاث لا دو نها، وجعل اللخمي محل الخلاف إذا كان المتكلم بذلك عالما بموجب الظهار وإن كان يجهل ذلك أو يرى أنه طلاق فإنه مظاهر غير مطلق وفي مثله نزل القرآن. انتهى.
واختلف هل يؤخذ بالطلاق مع الظهار إن نوى الطلاق به إنه قامت البينة على لفظ الظهار منه أو لا يؤخذ بالطلاق بل إنما يؤخذ بالظهار فقط فيه تأويلان.
قوله: (كأنت حرام كظهر أمي) مع الظهار أي هذا تشبيه مسألة بأخرى لا تمثيل. والمعنى: وهل يؤخذ بالطلاق إذا نواه مع الظهار معا في قوله: أنت حرام كظهر أمي أو أنت حرام كأمي أولا يؤخذ بالطلاق أو إنما هو مظاهر كما لا يؤخذ بالطلاق في قوله: أنت حرام كظهر أمي (أوكأمي) لأنه جعل للحرام مخرجا حين قال: كظهر أمي فيه (تأويلان).
قوله: (وكنايته كأمي، أو أنت أمي) أي وكناية الظهار أن يقول أنت كأمي أو أمي
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فأسقط لفظ الظهر فيلزمه الظهار كالصريح (إلا لقصد الكرامة) بتلك اللفظة فلا يلزمه الظهار فيها.
قوله: (أو كظهر أجنبية) أي ومن الكناية أن يقول لها أنت علي كظهر فلانة الأجنبية لأنه أتى بلفظ الظهر وأسقط ذكر من تأبد تحريمها.
وفي التقييد قال اللخمي: اختلف في الظهار بالأجنبية على خمسة أقوال:
أحدها: أنه ظهار إلا أن يريد به الطلاق.
والثاني: أنه طلاق إلا أن يريد به الظهار.
والثالث: أنه ظهار وإن أراد به الطلاق.
والرابع: أنه طلاق وإن أراد به الظهار.
والخامس: لا يكون ظهارا ولا طلاقا (^١).
قوله: (ونوي فيها في الطلاق فالبتات) أي ونوى في الكناية فيصدق أنه أراد به الطلاق فيكون ذلك الطلاق بتة وإليه أشار بقوله: فالبتات.
قوله: (كانت كفلانة الأجنبية، إلا أن ينويه مستفت، أو كابني أو غلامي، أو ككل شيء حرمه الكتاب) أي كما يلزمه البتات إذا قال لها: أنت علي كفلانة الأجنبية، إلا أن ينوي الظهار وجاء مستفتيا في ذلك، فإنه يصدق فيه قوله: أو كابني أوغلامي أي وكذلك يلزمه البتات في قوله لها أنت علي كابني أو غلامي أو ككل شيء حرمه الله عليه في الكتاب هذا قول ابن القاسم.
ابن شاس: قال أصبغ: فهو مظاهر.
ابن حبيب: لا يلزمه ظهار ولا طلاق وإنه لمنكر من القول. انتهى (^٢).
قوله: (ولزم بأي كلام نواه به) أي ويلزم الظهار بكل كلام نواه به.
قوله: (لا بإن وطئتك وطنت أمي) أي لا يكون هذا اللفظ ظهارا وهو لابن عبد السلام.
قال ابن عرفة: ولم أجده لغيره وكونه ظهار أقرب من لغوه. أنتهي.
قال ابن غازي: ابن عرفة: لأنه إن كان معنى قوله: إن وطأتك وطأت أمي: لا أطأك حتى أطأ أمي فهو لغو، وإن كان معناه: وطئي إياك كوطئ أمي، فهو ظهار،
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٥، ص: ٢٢٩٣.
(٢) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٥٥٢.
[ ٢ / ٣٨١ ]
وهذا أقرب لقوله تعالى: ﴿قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ [يوسف: ٧٧] ليس معناه: لا يسرق حتى يسرق أخ له من قبل، وإلا لما أنكر عليهم يوسف ع، بل معناه: سرقته كسرقة أخيه من قبل؛ ولذا أنكر عليهم. انتهى (^١).
قوله: (أو لا أعود لمسك حتى أمس أمي، أو لا أراجعك حتى أراجع أمي، فلا شيء عليه) أي فلا يلزمه الظهار إذا قال لها: لا أعود لمسك حتى أمس أمي، وهذا الفرع في سماع يحيى، وكذلك لا يلزمه ظهار إذا قال لها: لا أراجعك حتى أراجع أمي وهو لابن يونس.
قوله: (وتعددت الكفارة إن عاد ثم ظاهر، أو قال لأربع: من دخلت، أو كل من دخلت، أو أيتكن) هذا شروع منه تعلله حيث تتعدد الكفارة وحيث لا تتعدد أي وتتعدد الكفارة على المظاهر إن عاد بالعزم على الوطء، أو مع الإمساك ثم ظاهر منها مرة أخرى، وكذلك تتعدد الكفارة إن قال لأربع زوجات من دخلت منكن، أو قال: كل من دخلت، لا فرق بين أن يذكر لفظ الكل أو لم يذكره، أو قال لهن: أيكن دخلت، فإن الكفارة تتعدد عليه في هذه الألفاظ إن دخلن.
قوله: (لا إن تزوجتكن) أي فإن قال لهن أي لنسوة إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا كفارة واحدة.
قوله: (أو كل امرأة أتزوجها) أي وكذلك إن قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا كفارة واحدة إنما تلزمه الكفارة لأن الظهار له مخرج بخلاف قوله: كل امرأة أتزوجها طالق فلا يلزمه شيء للحرج لأن الطلاق لا مخرج له.
قوله: (أو ظاهر من نسائه أو كرره) أي وكذلك لا يلزمه إلا كفارة واحدة إن ظاهر من نسائه في كلمة واحدة، وكذلك لا يلزمه إلا كفارة واحدة إن كرر لفظ الظهار في امرأة واحدة، كما إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي وكرر.
قوله: (أو علقه بمتحد) أي ولا يلزمه إلا كفارة واحدة إن علق الظهار بشيء متحد كما إذا قال: إن دخلت فأنت علي كظهر أمي إن دخلت فأنت علي كظهر أمي وكرر لفظ إن دخلت واحترز بذلك مما إذا علقه بأشياء مختلفة فإن الكفارة تتعدد بحسب ذلك كما إذا قال إن دخلت فأنت علي كظهر أمي، إن كلمت فلانا فأنت
_________________
(١) شفاء الغليل: ج ١، ص: ٥٤٨.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
علي كظهر أمي، إن اشتريت فأنت علي كظهر أمي.
وقوله: (إلا أن ينوي كفارات فتلزمه) أي وإن علقه بمتحد فلا يلزمه إلا كفارة واحدة إلا أن ينوي كفارات فتلزمه بلا خلاف.
قوله: (وله المس بعد واحدة على الأرجح) أي وللمظاهر المس بعد إخراج كفارة واحدة إن تعددت عليه لأنها الأصل ومقابل الأرجح لا يمس إلا بعد إخراج الكل.
قوله: (وحرم قبلها الاستمتاع) أي وحرم الاستمتاع من المظاهر منها قبل إخراج الكفارة خوفا من الوقوع في الوطء الممنوع وهذا هو المشهور.
قال سحنون وأصبغ: لا يحرم الاستمتاع فيما دون الوطء وإنما ينهى عنه خوف الذريعة، وعلى المشهور قال ابن محرز: وهو مقتضى الكتاب في إلزام الظهار في ارتقاء، إذ ليس فيها إلا التلذذ.
وسبب الخلاف هل الظهار تحريم المرأة بالكلية أو إنما هو عبارة عن الركوب للوطء خاصة فلا يحرم أوائله.
قوله: (وعليها منعه، ووجب - إن خافته - رفعها للحاكم. وجازكونه معها إن أمن) أي ويجب عليها منعه من المس، لأن الإعانة على المعصية معصية، ويجب عليها الرفع إلى الحاكم إن خافت منه ليزجره عنها، ويجوز كونها معه إن كان مأمونا، وأما إن لم يكن مأمونا فلا يترك معها.
قوله: (وسقط إن تعلق ولم يتنجز بالطلاق الثلاث أو تأخر، كأنت طالق ثلاثا، وأنت علي كظهر أمي، كقوله لغير مدخول بها: أنت طالق وأنت علي كظهر أمي، لا إن تقدم أو صاحب) أي ويسقط الظهار على المظاهر إن تعلق بأمر لم يتنجز بسبب طلاقها الثلاث، أو ما بقي من الثلاث أو تأخر الطلاق عن الظهار عن الطلاق الثلاث، لأنه لم يجد محلا كما إذا قال: أنت طالق ثلاثا وأنت علي كظهر أمي.
وقوله: وسقط هو مجاز، لأنه لم ينعقد بعد أي لم يلزم.
وقوله: بالطلاق متعلق بسقط.
قوله: كقوله لغير مدخول بها أنت طالق وأنت علي كظهر أمي تشبيه في عدم لزوم الظهار لأنها بنفس الطلاق بانت منه بخلاف الرجعة.
قوله: لا إن تقدم أو صاحب أي فلا يسقط الظهار إن تقدم عن ذكر الطلاق، كما إذا قال: أنت علي كظهر أمي أنت طالق، لأن الظهار صادف محلا قبل الطلاق لأنها زوجته، وكذلك لا يسقط الظهار إن صاحب الطلاق (ك) قوله: (إن تزوجتك فأنت
[ ٢ / ٣٨٣ ]
(طالق ثلاثا وأنت علي كظهر أمي).
قوله: (وإن عرض عليه نكاح امرأة فقال: هي أمي فظهار) أي فيلزمه ظهار فيهما إن تزوجها إذ كأنه قال: إن تزوجتها فهي علي كظهر أمي.
قوله: (وتجب بالعود، وتتحتم بالوطء) أي وتجب الكفارة بسبب العود ولا تتحتم به وتتحتم بالوطء فإن ماتت أو طلق بعد العود وقبل الوطء، فإنها تسقط عنه، فأما إن ماتت أو طلق بعد الوطء فلا تسقط عنه، ولذلك فرق الشيخ بين العبارتين.
وقوله: (وتجب بالعود) كرره ليرتب عليه ما بعده، وهو قوله: (ولا تجزئ قبله) أي ولا تجزئ الكفارة قبل العود لأنه قبل وجوبها عليه.
قوله: (وهل هو العزم على الوطء أو مع الإمساك؟ تأويلان، وخلاف) أي وهل العود المذكور هو العزم على الوطء فقط أو على العزم على الوطء مع الإمساك وهو مذهب الموطأ فيه تأويلان على المدونة وخلاف، أولت المدونة على القولين.
تنبيه: ليس في هذا المختصر تأويلان وخلاف معا إلا في هذا الموضع.
قوله: (وسقطت إن لم يطأ بطلاقها وموتها) أي وسقطت الكفارة عنه إن لم يطأ بطلاقها وموتها وبهذا فائدة قوله: وتتحتم بالوطء.
قوله: (وهل تجزئ إن أتمها؟ تأويلان) أي وتسقط عنه بطلاقها وموتها إن لم يدخل في الكفارة وإن دخل فيها فلا يلزمه إتمامها فإن أتمها هل تجزئه هذه الكفارة إن تزوجها بعد وهو قول ابن نافع أو لا تجزئه فيه تأويلان.
قوله: (وهي إعتاق رقبة) أي الكفارة هي إعتاق رقبة وإعتاق مصدر أعتق.
قوله: (لا جنين، وعتق بعد وضعه) أي لا يجزأ عتق جنين عن الكفارة إذ لا يسمى رقبة حين العتق ولأن حياته غير محققة وعلى تقدير أنها محققة فهل سليمة من العيوب أم لا؟ فإن وقع ونزل أي عتق الجنين عن الكفارة فإن الجنين يعتق بعد وضعه لأنه ألزم ذلك نفسه وإن كان إنما التزمه على وجه العتق عن الظهار فالشرع متشرف للحرية وقصد به القربة.
قوله: (ومنقطع خبره) أي وكذلك لا يجزئ عن الكفارة عتق عبد منقطع خبره عنه لأنه لا يدري أحي أم لا وعلى تقدير وجوده فلا يعلم أسليم هو أم معيب إلا إذا ظهر أنه حي سالم من العيوب بعد عتقه ذلك فإنه يجزئه لأنه على أصل الحياة والسلامة بخلاف الجنين فإنه لا يجزئ ولو ولد حيا سالما.
قوله: (مؤمنة) نعت لرقبة ولم يصف المصنف الرقبة في كفارة الصيام ولا في
[ ٢ / ٣٨٤ ]
قتل النفس ولا في اليمين ووصفها هنا بكونها مؤمنة سليمة من العيوب بل كذلك كل رقبة في الكفارة.
قوله: (وفي العجمي تأويلان) المراد بالأعجمي هنا كافر غير كتابي أي وفي إجزاء عتق الأعجمي في الكفارة وإن كان كبيرا وعدم إجزائه إن كان كبيرا تأويلان على المدونة.
قوله: (وفي الوقف حتى يسلم) أي وفي وقف المظاهر عن امرأته حتى يسلم هذا الأعجمي إذا فرعنا على عدم الإجزاء إن كان كبيرا فإن مات قبل أن يسلم فلا يجزيه أو لا يوقف عنها وإن مات قبل أن يسلم لأنه على دين مشتريه (قولان).
وقوله: (سليمة) أي رقبة مؤمنة سليمة من العيوب التي يذكرها الآن من قوله: (عن قطع إصبع، وعمى، وبكم، وجنون وإن قل) إلى آخرها.
وقوله: أصبع سواء كان من أصابع اليد أو من أصابع الرجل لا يجزئ عنه ابن القاسم في المدونة وقال غيره فيها يجزئ، وكذلك لا يجزئ عتق الأعمى والأبكم عن الكفارة وكذلك لا يجزئ فيها عتق مجنون وإن قل جنونه.
قوله: (ومرض مشرف) أي ولا يجزئ عن الكفارة عتق مريض أشرف على الموت مفهوم الصفة أن غير المشرف يجزئ وإن كان في شدة مرض.
قوله: (وقطع أذنين، وصمم) أي ولا يجزئ عن الكفارة عتق رقبة مقطوع الأذنين ومفهوم العدد أن مقطوع الواحدة لا يضر وهو موافق للتهذيب، وكذلك لا يجوز فيها عتق أصم.
قوله: (وهرم، وعرج شديدين، وجذام، وبرص، وفلج) أي لا يجزئ في الكفارة إعتاق شيخ هرم أو إعتاق ذي عرج شديدين مفهومه إن لم يكونا شديدين لم يمنع ما بهما الأجزاء، وكذلك لا يجزئ فيها إعتاق أجذم ولا أبرص ولا ذي فلج.
قوله: (بلا شوب عوض، لا مشترى للعتق) أي وهي إعتاق رقبة مؤمنة سليمة بلا خلط عوض كما إذا أعتقه عن ظهاره على أن على العبد دينارا مثلا فإنه لا يجزئ، إذ العتق لا يتبعض، فلذلك لا يجزئه عن ظهاره إعتاق مشترى للعتق لأن سيده يضع من ثمنه لأجل العتق فصار رقبة غير تامة.
قوله: (ومحررة له لا من يعتق عليه) أي إعتاق رقبة محررة للظهار فلذلك لا يجزيه عتق من يعتق عليه لأن عتقه بالقرابة لا بالظهار.
قوله: (وفي إن اشتريته فهو عن ظهاري تأويلان والعتق، لامكاتب، ومدبر ونحوهما)
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أي وفي أجزائه بالرقبة إن قال إن اشتريته فهو حر عن ظهاري وعدم الإجزاء بها تأويلان.
وأما إن لم يقل عن ظهاري فلا يجزئه بلا خلاف قوله: والعتق أي رقبة مؤمنة بلا شوب عوض ولا شوب عتق فلذلك لا تجزئ عنه عتق مكاتب ولا مدبر ولا معتق بعضه ولا معتق إلى أجل ولا أم ولد.
قوله: (أو أعتق نصفا فكمل عليه) أي وكذلك لا يجزئه عن ظهاره إعتاق نصف عبد بينه وبين غيره فكمل عليه الباقي منه بالشرع.
قوله: (أو أعتقه) أي ولا يجزيه عن كفارته عن ظهاره أن يعتق نصف عبد له ثم أعتق النصف الآخر لأن العتق لا يتبعض.
قوله: (أو أعتق ثلاثا عن أربع) أي وكذلك لا يجزيه إعتاق ثلاث رقاب عن أربع نسوة ظاهر منهن لأن الرقبة لم تكمل ولأن العتق لا يتبعض.
قوله: (ويجزئ أعور، ومغصوب) أي ويجزئ إعتاق الأعور في كفارة الظهار، وكذلك يجزئ إعتاق عبد مغصوب في الكفارة لأنه أخرجه من الرق إلى الحرية وإن لم يقدر على تخليصه من الغاصب لأن عدم قدرته على التصرف فيه لا يزيل ملكه عنه.
قوله: (ومرهون، وجان) أي ويجزئ إعتاق مرهون أو جان عن ظهاره (إن اقتديا) لأن كل واحد منهما باق على ملكه وإنما تعلق بهما حق الغير فإن افتكهما أجزأ عنه عتقهما عن ظهاره. وكذلك تجزيه إذا أسقط المرتهن أو المجني عليه حقه.
قوله: (ومرض، وعرج خفيفين) أي ويجزئ في الكفارة إعتاق ذي مرض وذي عرج خفيفين مفهومه إذا كانا شديدين فلا يجزئ، وقد تقدم تعارض المفهومين، مفهوم المرض المشرف، ومفهوم المرض الخفيف، لأن مفهوم المرض المشرف أنه إن كان غير مشرف فإنه يجزئ وإن كان شديدا، ومفهوم المرض الخفيف أنه إذا كان شديدا لا يجزئ.
قوله: (وأنملة، وجدع في أذن) أي ويجزئ في الكفارة مقطوع أنملة ظاهره ولو أنملة إبهام.
الأنملة بفتح الميم وكسرها والفتح أفصح.
وقوله: جدع في أذن وهذا اللفظ هو الذي في الأمهات أي ويجزئ إعتاق ذي جدع في أذن واحد أي قطع بعضه، ومفهومه إذا قطع الكل لا يجزئه وهو يعارض
[ ٢ / ٣٨٦ ]
مفهوم قوله: أذنين لأن مفهوم العدد أن الواحد يجزئ.
قوله: (وعتق الغير عنه ولو لم يأذن؛ إن عاد ورضيه) أي وكذلك يجزيه عن ظهاره إعتاق الغير عنه به ولو لم يأذن له بشرط إن عاد وبلغه ذلك ورضي وأما إن لم يرض فلا يجزيه اتفاقا والعود قد تقدم ذكره من قوله: وهل هو العزم على الوطء أو مع الإمساك.
قوله: (وكره الخصي) أي ويكره إعتاق الخصي في الكفارة وأحرى المجبوب ولكن يجزئ وقيل لا يجزئ.
قوله: (وندب أن يصلي ويصوم) أي وندب أن يكون رقبة الكفارة أن يبلغ حد من يعقل الصلاة والصوم وإن لم يحتلم، ويجزئ الصغير ولكن نفقته عليه حتى يقدر على الكسب.
قوله: (ثم لمعسر عنه وقت الأداء)، هذا هو النوع الثاني من أنواع الكفارة أي ثم لمعسر عن الرقبة وقت الأداء، ولا خلاف أن شرط الصوم في كفارة الظهار العجز عن العتق لأن الكفارة في الظهار على الترتيب وقد نظمه بعضهم فقال:
ظهارا وقتلا رتبوا وتمتعا … كما خيروا في الصوم والصيد والأذى
وفي حلف بالله خير ورتبن … فدونك سبعا إن حفظت فحبذا
قوله: (لا قادر) أي لا يصوم قادر على الرقبة وهو معسر كرره ليرتب عليه ما بعده من قوله: (وإن بملك محتاج إليه لكمرض، أو منصب، أو بملك رقبة فقط ظاهر منها) أي وإن بسبب ملك رقبة محتاج إليه لمرض وشبهه كضعف أو كان ذو منصب ورفعة وشرف أو بسبب ملك رقبة لا يملك غيرها وظاهر منها فإن ذلك لا يكون به معسرا عن الرقبة.
وقوله: محتاج إليه هو بخلاف عادم الماء إلا بالشراء للطهارة وهو محتاج لما في يده من الثمن، والفرق بينهما أن المظاهر عاص لأن الظهار منكر من القول وزورا، ولأنه أدخل الظهار على نفسه، وعادم الماء ليس بعاص ولا أدخل الحدث على نفسه فافترقا، وواجد ثمن الرقبة يتخرج على تنزيل وسيلة الشيء بمنزلته أم لا. انتهى.
وقوله: (صوم شهرين بالهلال منوي التتابع والكفارة، وتمم الأول إن انكسر من الثالث)
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أي ثم لمعسر عن الرقبة صوم شهرين متتابعين في حال كونه منوي التتابع ومنوي الكفارة ويتمم الشهر الأول إن لم يبدأ بالصوم في أول الهلال من الشهر الثالث.
فائدة: قيل إن جميع النية المعتبرة في العبادات لا بد لها من المقارنة للفعل إلا الصوم والكفارات فإنه يجوز تقديم النية فيهما قبل الفعل والشروع والنية في الشرع: قصد المكلف الشيء المأمور به.
قوله: (وللسيد المنع إن أضر بخدمته ولم يؤد خراجه) أي وللسيد منع الرقيق المظاهر من التكفير بالصوم بشرطين: أحدهما أن الصوم يضر بخدمة العبد.
الثاني: أن لا يؤدي خراجه، وأما إن لم يضر بخدمته، أو يضر بها ولكن يؤدي خراجه فليس له المنع.
قوله: (وتعين لذي الرق) أي ويتعين التكفير بالصوم على من فيه بقية رق كالمكاتب، والمدين، والمدبر، والمعتق إلى أجل، والمعتق بعضه، وأم الولد، لأن العتق لا يصح منه، لأن الولاء للسيد، فإذا أعتق رقبة عن ظهاره لا يجزئه وإن أذن له السيد، وأما التكفير بالإطعام إن أذن له السيد فإنه يجزيه.
قوله: (ولمن طولب بالفيئة، وقد التزم عتق من يملكه لعشر سنين) أي وكذلك يتعين الصوم على من طولب بالفيئة والمراد هنا بالفيئة إخراج الكفارة وهو قد ألزم نفسه قبل ذلك عتق من يملكه إلى عشر سنين أو أقل أو أكثر لعدم الرقبة في تلك السنين.
قوله: (وإن أيسر فيه تمادى: إلا أن يفسده. وندب العتق في كاليومين) أي وإن أيسر المعسر بالرقبة بوجود الرقبة فيه أثناء الصوم تمادى فيه لأنه دخل على وجه جائز إلا أن يفسد ذلك الصوم فإنه يرجع لإعتاق الرقبة ابن القاسم: وإن لم يبق عن الصوم إلا يوم واحد.
وندب له أن يرجع إلى العتق إن أيسر بالرقبة بعد أن صام يومين أو ثلاثة. قوله: (ولو تكلفه المعسر) أي ولو تكلف المعسر عتق الرقبة بأن تداين بها (جاز). قوله: (وانقطع تتابعه بوطء المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارة وإن ليلا ناسيا) شروع منه فيما يقطع تتابع الصوم وحيث لا ينقطع أي وينقطع تتابع الصوم وإن لم يبق فيه إلا يوم واحد بوطء المرأة المظاهر منها وكذلك ينقطع بوطء واحدة ممن يجزئ فيهن كفارة واحدة كقوله لنسوة إن تزوجتكن فأنت علي كظهر أمي وإن كان هذا الوطء ليلا أو نسيانا أو النهار أو العمد أحرى.
قوله: (كبطلان الإطعام) أي كما يبطل التكفير بالإطعام بوطء المظاهر منها أو
[ ٢ / ٣٨٨ ]
بوطء واحدة ممن يجزئ فيهن كفارة واحدة وإن لم يبق إلا يوم واحد.
تنبيه: قال الشيخ في الصوم: وانقطع تتابعه.
وقال في الإطعام كبطلان وأتى بالعبارتين لأن الصوم مخاطب فيه بالتتابع بخلاف الإطعام.
قوله: (وبفطر السفر، أو بمرض هاجه) أي ومما يقطع تتابع الصوم في الكفارة الفطر في السفر أو يفطر بسبب مرض هاجه السفر أي حركه.
قوله: (لا إن لم يهجه) أي لا ينقطع تتابعه بسبب فطر بمرض لم يهجه السفر.
قوله: (كحيض، ونفاس) تشبيه أي كما لا يقطع التتابع على المرأة بسبب فطر بحيض أو نفاس كما إذا كان عليها كفارة القتل مثلا وهو من باب صرف الكلام لما يصلح له إذ المظاهر لا يحيض.
قوله: (وإكراه) أي ومما لا يقطع تتابع الصوم على المكفر الإكراه على الفطر أو ما يقطع التتابع.
قوله: (وظن غروب) أي فإن اعتقد غروب الشمس فأفطر فإن ذلك لا يقطع تتابع صومه وأحرى ألا يقطع تتابعه إن ظن عدم طلوع الفجر.
قوله: (وفيها ونسيان) أي وفي المدونة أن النسيان لا يقطع التتابع وقد تقدم أن النسيان يقطع التتابع في قوله: وإن ليلا ناسيا وعادته أن يقول في مثل هذا، وفي القطع بالنسيان خلاف، ويحتمل أن الأول أشهر من هذا.
قوله: (وبالعيد إن تعمده، لا جهله) أي وينقطع التتابع بالعيد إن تعمد وصل الصوم إليه كما إذا صام ذا القعدة وذا الحجة أو ذا الحجة والمحرم عامدا إلا إن جهله أي غفل عنه أي في هذا الشهر ما لا يجوز صومه وأما إن جهل الحكم فلا يعذر بالجهل ثانية لأنه قادر على رفعه بسؤال أهل الذكر.
قوله: (وهل إن صام العيد وأيام التشريق، وإلا استأنف، أو يفطرهن ويبني؟ تأويلان) أي وهل الأجزاء إن غفل عنه مقيد بما إذا صام العيد وأيام التشريق ثم يقضيها لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا وهو تأويل ابن الكاتب وإن لم يصمها استأنف الشهرين أو يفطر هن ويبني على ما صام وهو تأويل ابن أبي زيد.
قوله: (وجهل رمضان كالعيد على الأرجح) أي فإن صام شعبان لظهاره ورمضان لفرضه وشوال لظهاره، وهل هو كما تقدم من جهل العيد حرفا بحرف؟ وهو الذي رجحه ابن يونس، ومقابله لا يجزئ لأن التفريق كثير.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
قوله: (وبفضل القضاء، وشهر أيضا القطع بالنسيان، فإن لم يدر بعد صوم أربعة عن ظهارين موضع يومين صامهما وقضى شهرين، وإن لم يدر اجتماعهما صامهما وقضى الأربعة) أي وينقطع التتابع بسبب فصل القضاء عن أيام فطره بالصيام الذي بقي عليه من كفارته.
قوله: وشهر أيضا القطع بالنسيان وعادته أن يقول في مثل هذا وفي القطع بالنسيان خلاف، كرره ليركب عليه ما بعده ويحتمل أن الأول أشهر.
قوله: فإن لم يدر بعد صوم أربعة عن ظهارين موضع يومين صامهما لاحتمال أن يكونا في الكفارة الأخيرة وقضى شهرين لاحتمال أن اليومين من الكفارة الأولى، وهذا إذا علم أن اليومين مجتمعين فأما إن لم يدر اجتماعهما صامهما والأربعة الأشهر لأنه لا يدري هل هما في الأولى أو في الثانية أو أحداهما في الأولى والآخر في الأخيرة وهذا كله مفرع على القطع بالنسيان وأما على القول بالنسيان لا يقطع التتابع، ولا يصوم إلا يومين فقط وهو مذهب المدونة.
قوله: (ثم تمليك ستين مسكينا) هذا هو النوع الثالث من الكفارة أي ومن شرط صحة هذا النوع من الكفارة في الظهار العجز عن الصوم لأن الكفارة في الظهار على الترتيب لقوله تعالى: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾ [المجادلة آية ٤] ولا خلاف عندنا أن العدد المذكور معتبر فلا يجزئ ما دونه ولو دفع إليه مقدار إطعام ستين مسكينا لم يجزه.
قوله: (أحرارا مسلمين) وهذا نعت للستين مسكينا ولا يصح دفعه للعبيد لأنهم أغنياء بساداتهم ولا إلى الكفار لأنهم ليسوا من أهل القربة.
قوله: (لكل مد وثلثان برا، وإن اقتاتوا تمرا أو مخرجا في الفطر فعدله، ولا أحب الغداء ولا العشاء) أي لكل مسكين من الستين مد بمد النبي ﷺ وثلثا مد وهو قدر مد هشام، وإن اقتاتوا تمرا، أو مخرجا في الفطر أي في زكاة الفطر فعدله أي فمثل ذلك من الحنطة.
يقال إذا شبع الرجل من مد حنطة كم يشبعه من غيرها، فيخرج ذلك القدر ويراعي الشبع، ولو زاد على مد هشام.
قال في المدونة ولا أحب الغداء والعشاء لا أظنه يبلغ مدا بالهاشمي (^١).
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٣٦٠.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وقوله: (كفدية الأذى) أي كما لا أحب الغداء في فدية الأذى.
قوله: (وهل لا ينتقل إلا إن أيس من قدرته على الصيام، أو إن شك؟ قولان فيها) أي وهل لا ينتقل المظاهر إلى الإطعام، إلا أن ييأس من قدرته على الصيام، كما إذا كان حين العود مريضا، أو يعلم أنه لا يقدر على الصيام في المستقبل، أو ينتقل إن شك، فيكتفي في ذلك بالشك، وأحرى بالظن فيه قولان في المدونة.
قوله: (وتؤولت أيضا على أن الأول قد دخل في الكفارة) أي وتؤلت المدونة أيضا توفيقا بين القولين أن الأول هو اليائس من القدرة على الصوم دخل في الكفارة التي هي الصوم والثاني ينتقل لأنه لم يدخل وهو الشاك في القدرة.
قوله: (وإن أطعم مائة وعشرين فكاليمين) تشبيه بما مضى من اليمين يريد أن من عليه كفارة ظهار فلا يجزيه أن يطعم إطعام ستين بمائة وعشرين لأن العدد معتبر وقد تقدم في كفارة اليمين أنه لو أطعم طعام عشرة مساكين لعشرين لم يجزه إلا أن يكمل العشرة منهم مدا مدا، وكذلك هنا إذا كمل الستين أجزأه، وله نزعه إن بين بالقرعة أي إن بين أنه كفارة حين دفعه، فإن نزع منهم فبالقرعة، وهذا إذا كان ذلك قائما بأيديهم، وأما إن أفاتوه كمل العدد، ولا يلزم شيء من فات، وإن غابوا أستأنف إخراج الكفارة.
قوله: (وللعبد إخراجه إن أذن سيده) أي وللعبد إخراج الكفارة بالإطعام إن أذن له السيد فيه.
وقوله: (وفيها أحب إلي أن يصوم وإن أذن له في الإطعام، وهل هو وهم لأنه الواجب؟ أو أحب للوجوب) أي وفي المدونة قال الإمام مالك: أحب إلي أن يصوم وإن أذن له في الإطعام وهل قوله ذلك وهم منه وهمه الله قاله ابن القاسم في المبسوط.
والوهم الغلط هو أن يقصد شيئا فلفظ بغيره، وهل هو وهم منه لأن الصوم هو الواجب، أو قوله: أحب بمعنى الوجوب وهو تأويل أبي عمران.
قوله: (أو أحب للسيد عدم المنع) أي أو أحب للسيد عدم منع العبد من الصوم وهو تأويل القاضي إسماعيل.
وقوله: (أو لمنع السيد له الصوم؟ أو على العاجز حينئذ فقط؟ تأويلات. وفيها إن أذن له أن يطعم في اليمين أجزاه وفي قلبي منه شيء) أي أو لأجل منع السيد له الصوم وإن أذن له في الإطعام وهو تأويل القاضي عياض، أو قوله: أحب على العاجز حينئذ عن الصوم قادر في المستقبل، وإن أذن له في الإطعام أحب إلي أن يصبر حتى يكفر
[ ٢ / ٣٩١ ]
الأبهري: وضعف هذا التأويل لأن من هذا حاله الواجب عليه الصوم فيه تأويلات.
قوله: وفيها إن أذن له أن يطعم في اليمين جزاه وفي قلبي منه شيء أتى بهذا تقوية لتأويل القاضي عياض.
وقال الإمام مالك ﵀: وفي قلبي منه شيء، والشيء الذي في قلبه من جهة الإطعام، إنما هو عدم صحة ملك العبد أو الشك في ذلك قاله ابن عبد السلام.
قوله: (ولا يجزئ تشريك كفارتين في مسكين) يريد أن من عليه كفارتان فلا يجزيه أن يشرك مسكينا واحدا فيهما كما إذا أطعم مائة وعشرين مسكينا عن ظهارين كل مسكينين يشركهما فيه سواء كانتا من ظهارين أو من غيرهما أو أحدهما من ظهار والآخر من غيره.
وقال في التوضيح: وهذا إذا لم تعرف أعيان المساكين وأما لو عرفت فإنه ينظر إلى ما وقع في يد كل مسكين فيكمل له. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (ولا تركيب صنفين) أي وكذلك لا يجزئ تركيب صنفين في كفارة واحدة كما إذا عتق نصف رقبة يملكها وصام شهرا، أو أطعم ثلاثين مسكينا.
قوله: (ولو نوى لكل عددا، أو عن الجميع كمل) هذا مشتمل على صورتين مختصتين بالإطعام لا غيره أي ولو نوى لكل منهن عددا من الأمداد، كما إذا قال لفلانة كذا ولفلانة كذا ولفلانة كذا، فإنه يكمل ما بقي من الكفارة عن كل منهن، وكذلك إذا نوى الكل عن حقهن ولم يفصل، فإن ذلك يقسم بينهن، ويكمل ما بقي عن كل منهن غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وسقط حق من ماتت) يريد أو طلقت أي ويسقط حظ من ماتت منهن أو طلق قبل التكميل وقد تقدم هذا.
قوله: (ولو أعتق ثلاثا عن ثلاث من أربع لم يطأ واحدة حتى يخرج الرابعة، وإن ماتت واحدة منهن أو طلقت) أي ولو أعتق ثلاث رقاب عن ثلاث نسوة من أربع ظاهر منهن لم يطأ واحدة منهن إذا لم ينو لكل واحدة لاحتمال أن تكون هي الباقية، هي التي لم يكفر عنها حتى يخرج الكفارة.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
الرابعة وإن ماتت واحدة أو طلقت ولو لم يبق إلا واحدة فلا يطأها لاحتمال أنها التي لم يكفر عنها وهذا كله إذ لم يعين لكل واحدة وأما إن عين فإنه يطأ التي كفر عنها.
* * *
[ ٢ / ٣٩٣ ]