قوله: (باب) أي هذا باب يبين فيه مسائل اللقطة والضالة والآبق.
وفي اللقطة أربع لغات: اللقطة، واللقطة، واللقاطة، واللقاطة.
قال النووي: اللقطة هي بضم اللام مع فتح القاف وسكونها، وبفتح اللام مع سكون القاف وفتحها.
قال الجمهور والأولى من الأربعة هي المشهورة. (^١)
(اللقطة مال معصوم) المال جنس معصوم فصل عرض للضياعي.
وقوله: مال معصوم احترز به من مال الحربي، والركاز، وما وجد بأرض الحرب.
قوله: (عرض للضياع، وإن كلبا، وفرسا، وحمارا) أي عرض ذلك المال للضياع في عامر أي عمارة أو غامر الغامر الخالي من العمارة، وأخرج معرض للضياع ما بيد صاحبه، وإن كان ذلك المال كلبا يعني المأذون في اتخاذه، أو كان فرسا أو حمارا، ذكر هذه الثلاثة، لأجل الخلاف فيها.
قوله: (ورد بمعرفة مشدود فيه، وبه) أي ورد الشيء الملتقط للواصف بمعرفة مشدود فيه، وهو العفاص الذي قاله صاحب الرسالة، وبمعرفة مشدود به من الخيط (و) بمعرفة (عدده)، فإذا عرفها بهذه الثلاث دفعت إليه (بلا يمين) منه، لأنه لا منازع له فيه، ولأن العرف كشاهدين له، وهو من باب القضاء بالمعروف، وقيل لا يأخذها إلا بيمين، لأن العرف شاهد واحد.
قوله: (وقضي له) أي ويحكم للواصف بهذه الثلاث ويقدم (على ذي العدد والوزن).
قوله: (وإن وصف ثان) أي وإن وصف إنسان ثان اللقطة (وصف أول، ولم يبن بها) أي لم يذهب بها (حلفا، وقسمت) بينهما، وإن نكل أحدهما قضي بها للآخر، وإن نكلا هل تقسم بينهما كحلفهما؟ أو لا شيء لهما فيها فيه خلاف، وأما إن بان به الأول فلا تقسم.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٦٣.
[ ٣ / ٣١١ ]
قوله: (كبينتين لم تؤرخا) أي كما تقسم اللقطة بينهما، إذا أقام كل واحد منهما بينة لم تؤرخ وتكافأت البينات، وكذلك إن تساوى التاريخان، وإن لم تتكافأ البينتان قضى بأعدلهما.
قوله: (وإلا فللأقدم ولا ضمان على دافع بوصف، وإن قامت بينة لغيره) أي وإن تورخا البينتان فللأقدم تاريخا، ولا ضمان على دافع بوصف وأحرى ببينة، لأنه فعل ما أمره به الشرع، وإن قامت بينة لغير الواصف.
قوله: (واستؤني بالواحدة) أي واستؤني في الواصف صفة واحدة (إن جهل غيرها، فإن لم يأت غيره بما هو أقوى منه دفعت إليه، ومفهوم الصفة الواحدة أنه لا يستأنى باثنين.
قوله: (لا غلط على الأظهر) أي واستؤني في الواحدة إن جهل غيرها، لأنه غلط في غير الواحدة، فإنه لا يدفع له، كما إذا وصف اللقطة وصفا واحدا وغلط في غيرها. غفل الشارح هنا نعم الله إذ جعل الغلط في العدد.
قوله: (ولم يضر) أي ولم يضر الواصف للشيء الملتقط (جهله بقدره).
قوله: (ووجب أخذه لخوف خائن: لا إن علم خيانته هو فيحرم) أي ووجب أخذ الشيء الضائع، إذا خاف إن تركه يلتقطه خائن فيه، وهو من لم يتبع فيه ما أمر به الشرع، إذ هو من باب حفظ مال المسلم، وهذا إذا لم يعلم الخيانة من نفسه، وأما إن علم من نسفه الخيانة فيحرم له حينئذ أخذه، لأن الأخذ لأجل خوف الخائن وهو خائن.
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يكن موجب، ولا محرم بأن لا يدري حال نفسه، كره أخذه على الأحسن)، وقال بعضهم: استحب أخذه ليعرف بها.
قوله: (وتعريفه سنة، ولو كدلو، لا تافها، بمظان طلبها بكباب مسجد، في كل يومين، أو ثلاثة) أي ووجب التعريف بالشيء الملتقط سنة في مظان طلبه، ولو كدلو بكباب مسجد أو سوق في كل يومين مرة أو ثلاثة أيام مرة فلا يلزمه التعريف كل يوم وقيل يعرف في كدلو ما دون السنة لا شيئا تافها، فإنه لا يعرف به، الأصل فيه قوله ﵊: «لولا أن أخشى أن تكون من الصدقتين لأكلتها» (^١) لثمرة وجدها
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٥٠). كتاب اللقطة. (٦). باب إذا وجد تمرة في الطريق. الحديث: ٢٣٠٠. ولفظه عند البخاري: عن أبي هريرة ما عن النبي ﷺ قال إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لأكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها). وأخرجه
[ ٣ / ٣١٢ ]
في الطريق، وتعريف اللقطة من مسائل السنة، وكذلك الشفعة، والمعترض، والمجنون، والأجذم والأبرص، وعدة المستحاضة، والمرتابة، والمريضة، والجرح لا يحكم فيه، إلا بعد سنة، والبكر تقيم عند زوجها سنة ولم يصبها ثم تطلق، فإنها لا تجبر، واليتيمة تمكث في بيتها سنة، فإنها تحمل على الرشد في قول، والذي ويوصي بشراء عبد ليعتق وأبأ أهله البيع، فإنه يستأنى سنة، والتي تقيم شاهدا بالطلاق ويأبى زوجها أن يحلف، فإنه يحبس سنة في قول. والهبة إذا حاز الموهوب له الهبة سنة صح الحوز فيها، وإن رجعت إلى الواهب على المشهور.
والزكاة والصوم لا يجبان إلا بعد السنة، والعمرة لا يباح فعلها على المشهور في السنة إلا مرة واحدة، وعهدة السنة والشاهد إذا تاب من فسقه، قيل: لا بد من مضي سنة، وقيل: ستة أشهر، وقيل: لا حد لذلك. وكل هذه النظائر ذكرها الشيخ خليل وأكثرها في نظائر أبي عمران الصنهاجي. انتهى من ابن ناجي.
قوله: (بنفسه أو بمن يثق به، أو بأجرة منها، إن لم يعرف مثله) أي متعلق بقوله: وتعريفها سنة أي يعرف بها سنة بنفسه، أو من يثق به أو بأجرة من اللقطة إن يعرف مثله، وأما إن عرف مثله فلا تكون الأجرة إذا آجر من يعرف بها في اللقطة بل تكون على الملتقط.
قوله: (وبالبلدين إن وجدت بينهما، ولا يذكر جنسها على المختار، ودفعت لحبر، إن وجدت بقرية ذمة) أي ويعرف باللقط في البلدين إن وجدت بينهما، ولا يذكر جنسها حين التعريف على ما اختاره اللخمي، بل يقول من ضاع منه شيء، وقيل: يذكر جنسها، فإن وجدت اللقطة في قرية أهل الذمة، فإنها تدفع لحبر منهم أي عالمهم فهو أعلم بما يفعلون بها.
قوله: (وله حبسها بعده، أو التصدق، أو التملك ولو بمكة ضامنا فيهما) أي وللملتقط حبس اللقطة بعد تعريفها سنة، ليحفظها لربها أمانة، فإن ضاعت فلا يضمنها وله التصدق بها، أو التملك، ولو كانت لقطة بمكة ضامنا أي في حال كونه لها فيهما أي في التصدق والتملك إذا جاء ربها. وأشار بلو إلى قول الباجي: أن اللقطة يعني لقطة مكة لا تملك وتعرف دائما.
_________________
(١) مسلم في صحيحه: (١٢). كتاب الزكاة: (٥٠). باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ … الحديث: ١٦٢، (١٠٧٠).
[ ٣ / ٣١٣ ]
قوله: (كنية أخذها قبلها) أي كما يضمنها الملتقط إذا ما نوى أخذها أي أكلها قبل أن يلتقطها غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وردها بعد أخذها للحفظ) أي ويضمن الملتقط اللقطة إذا ردها إلى موضعها بعد أن أخذها، لأجل الحفظ، لأنه متعد (إلا) إذا ردها (بقرب) ذلك بعد أن أخذها للحفظ (ف) في الضمان وعدمه (تأويلان)، وأما إن أخذها ليريها لإنسان فقال: ليست لي، فإنه لا يضمن إذا ردها إلى موضعها.
قوله: (وذو الرق كذلك) أي والرقيق الملتقط كما تقدم، سواء كان قنا أو فيه شائبة حرية، يعرف بها سنة، فله حبسها بعد سنة لربها، وله التصدق والتملك، فإن جاء ربها بعد أن تصدق بها أو تملكها، ففي ذمته، لأن الشرع أذن له في ذلك، وأما إن أتفلها (^١) (قبل السنة) فهي (في رقبته) والعبد فيما جنى.
قوله: (وله أكل ما يفسد ولو بقرية) أي وللملتقط أكل ما يفسد، ظاهره ولو كثر، ولا يضمنه إن أكله، ولو كان ذلك في قرية، وأحرى فيما في الأرض.
فرع وما نقله السيل أو الوادي من الأمتعة فهو لقطة وينشد، وكذا كل ما علم أن له مالكا من خشب أو غيره، وكذا الوادي يحمل فيسوق أمتعة الناس وخشبهم، وإن خلط الوادي جلود القوم أو كتانا كان ذلك بينهم إلا أن يعلم أنه لرجل بعينه. انتهى من البرزلي (^٢).
قال المازري في المعلم: لو جهل عين المسروق منه فكاللقطة يأخذه واصفه بما تؤخذ به اللقطة قاله أصحابنا، واختلف في جهل المودع، فقيل كذلك، وقيل: لا، لأنه قادر على دفعها ببينة، لأنه مختار. انتهى من ابن ناجي.
قال ابن الماجشون وأشهب وأصبغ في المصلين يوم الجمعة أو غيرها: إذا التبست عليهم النعال، فأصاب أحدهم بمكان نعله نعل غيره، فقال: من تبدل له خف بخف فلم يجبه أحد، فإنه يتصدق بثمن ذلك النعل على المساكين، وقال ابن القاسم: إذا كان الذي مر له جديد وهذا لبيس، فليلبسه ولا شيء عليه، وإن كان الذي مر له لبيسا وهذا جديد فلا يحل له لبسه، إذ لا يحمل صاحب الجديد لبيسا. انتهى من الذخيرة.
_________________
(١) ن: أفاتها
(٢) نوازل البرزلي: ج ٥، ص: ٣١٢/ ٣١٣.
[ ٣ / ٣١٤ ]
قوله: (وشاة بفيفاء) أي ولملتقط الشاة في الصحراء أكلها ولا يضمنها لقوله ال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» (^١)، وإن جاء بلحمها إلى البلد له أكله، إلا أن يأتي ربها فيأخذ اللحم، ولكن يدفع كراء حمل اللحم للملتقط، وأما إن جاء بالشاة حية، فإنه يعرف بها سنة.
ومعنى هي لك أو لأخيك أو للذئب، تنبيه على أنها تالفة على كل حال، لا ينفع صاحبها بقاؤها، فإن أكلها ثم جاء صاحبها فلا يغرمها له، لأن اللام في قوله ال: هي لك لام التمليك، والمالك لا يغرم. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (كبقر بمحل خوف، وإلا تركت كإبل) أي كما للملتقط أكل البقر في محل خوف عليها من السباع والعطش. وإلا أي وإن لم تكن في محل خوف تركت فيه فلا تؤخذ، كما تترك الأبل الضالة فلا تؤخذ، وإن خاف عليها من السباع والعطش لقوله ال: «مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها» أي نعلها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها (^٣) وهذا في زمن عدل الملوك والرعية، وأما غير زمن العدل فإن أخذها ببيعها ويوقف ثمنها لربها.
قوله: (وإن أخذت عرفت، ثم تركت بمحلها) أي فإن أخذت البقر في غير محل الخوف أو الإبل عرفت سنة ثم تركت بمحلها الذي أخذت فيه، لأنه أخطأ أولا في أخذها.
وفي إكمال الإكمال: وإذا لزم ردها إلى محلها. ففي العتبية: لا يلزمه الإشهاد على ذلك. ابن رشد: ومعنى ذلك في غير المتهم، وقيل: يستحب أن يشهد.
عياض: واختلف في الخيل والبغال والحمير، فهل هي كالإبل وقيل كسائر اللقطات.
قلت: القول بأنها كالإبل لا تلتقط لأشهب وابن كنانة. والقول بأنها تلقط كسائر اللقطات لابن القاسم، فإن جاء ربها وإلا تصدق بها، والقول بأن البقر إن لم يخف
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٥٠). كتاب اللقطة. (٤) - باب إذا لم يجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها. الحديث: ٢٢٩٧. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٣١). كتاب اللقطة. الحديث: ١٧٢٢.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٦٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٧١). كتاب الطلاق. (٢٠). باب حكم المفقود في أهله وماله. الحديث: ٤٩٨٦. ومسلم في صحيحه: (٣١). كتاب اللقطة. الحديث: ١. (١٧٢٢).
[ ٣ / ٣١٥ ]
عليها السباع لمالك في المدونة، والقول بأنهما كالغنم تؤكل ولا تضمن لمالك في كتاب ابن حبيب الضالة هي الغنم الموجودة في غير حرز. انتهى (^١).
قوله: (وكراء بقر ونحوها في علفها كراء مضمونا، وركوب دابة لموضعه، وإلا ضمن) أي وللملتقط كراء بقر ونحوها من الإبل أو خيل أو بغال أو حمير في علفها كراء مضمونها أي مأمونا عليه فيه، وكذلك للملتقط ركوب الدابة للضرورة أو لتعذر قودها إلى موضع الملتقط. وإلا أي وإن ركبها إلى غير موضعه أو إلى موضعه وزاد ضمن القيمة إن أعطبت والكراء إن سلمت من العطب.
قوله: (وغلاتها دون نسلها) أي وللملتقط غلة اللقطة من الصوف واللبن والسمن والكراء هكذا فسره صاحب فتح الجليل (^٢).
قال ابن غازي: المراد بالغلة هنا اللبن والسمن دون الصوف ودون الكراء، بدليل أنه قدم الكراء إذ قال: وكراء بقر ونحوها في علفها والصوف حكمه حكم النسل بدليل قوله في خيار النقيصة بخلاف ولد وثمرة أبرت وصوف تم أولا وقال ابن عرفة: نسل الضالة المعرفة وصوفها مثلها. انتهى منه (^٣).
قوله: (وخير ربها بين فكها بالنفقة أو إسلامها) أي فإذا أنفق الملتقط على اللقطة ثم جاء ربها، فإنه يخير بين أن يفكها بما أنفق عليها، أو يسلمها فيه فلا يجبر على دفعه إذ هي نفقة على معين.
قوله: (وإن باعها بعدها فما لربها إلا الثمن، بخلاف ما لو وجدها بيد المسكين، أو مبتاع منه فله أخذها) أي وإن باع الملتقط اللقطة بإذن الإمام أو غيره بعد التعريف بهما سنة، ثم جاء ربها فليس له الثمن الذي بيعت به، لأن الملتقط كوكيله، بخلاف لو وجدها ربها بيد المسكين المصدق بها عليه، فإنه يأخذها من المسكين، أو مبتاع منه، لأنه تبين أن الملتقط تصدق بمال من غير إذن ربه.
قوله: (وللملتقط الرجوع عليه إن أخذ منه قيمتها؛ إلا أن يتصدق بها عن نفسه) أي وللملتقط الرجوع على المسكين المتقدم الذكر الذي لم يفوتها، إن أخذت القيمة منه أي من الملتقط إلا أن يتصدق بها على نفسه، فإنه لا يرجع على المسكين بشيء.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٦٨/ ٢٦٩.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب اللقطة وغلاتها دون نسلها.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٨٥.
[ ٣ / ٣١٦ ]
قوله: (وإن نقصت بعد نية تملكها فلربها أخذها أو قيمتها) أي وإن نقصت اللقطة بعد أن نوى الملتقط تملكها فربها مخير بين أخذها بنقصها، أو أخذ قيمتها منه، وأما إن وجدها بحالها غير ناقصة، فليس له إلا أخذها لا غير.
قوله: (ووجب لقط طفل نبذكفاية. وحضانته. ونفقته: إن لم يعط من الفيء، إلا أن يملك كهبة، أو يوجد معه أو مدفون تحته، إن كانت معه رقعة) أي وإنما وجب لقط طفل إحياء للنفوس، وذلك وجوب كفاية، ومن قام به سقط عن الباقين.
الطفل يشمل الذكر والأنثى، ووجبت حضانته ونفقته على ملتقطه، لأنه لما التقطه ألتزم الحضانة والنفقة لنفسه، هذا إذا لم يعط للقيط من بيت مال المسلمين، وأما إن أعطي، فإن النفقة حينئذ تسقط عن الملتقط، وكذلك تسقط عنه، إن ملك اللقيط مالا بهبة له، أو حبس عليه، أو تصدق به عليه، وكذلك لا نفقة على الملتقط إن وجد مع اللقيط مال فينفق عليه منه، وكذلك إن وجد مال مدفون تحت اللقيط، إن كانت معه رقعة مكتوب فيها هذا المال لهذا الطفل، فإنه ينفق عليه من ذلك المال، وإما إن لم يوجد معه رقعة فلا ينفق عليه منه بل هو لقطة.
قوله: (ورجوعه على أبيه إن طرحه عمدا، والقول له أنه لم ينفق حسبة) أي ويقضى للملتقط بالرجوع على أبي اللقيط، إن طرحه عمدا بما أنفق على اللقيط، وإن طرحه بغير عمد فلا يرجع عليه بشيء، وهذا كله إذا ثبت أن اللقيط ولده، لأن ميراث اللقيط للمسلمين، إنما يرجع الملتقط على أبي اللقيط، إذا كان الأب موسرا حين إنفاق الملتقط على اللقيط، لأنه ممن تلزمه نفقته، والقول للملتقط أنه لم ينفق على اللقيط حسبة أي طلب ثواب الآخرة.
قوله: (وهو حر، وولاؤه للمسلمين) أي واللقيط حر، لأن أصل الناس على الحرية عند مالك الله من آدم وحوى، وولاء اللقيط للمسلمين إذ لا نسب له ثابت ولا ولاية، ولا يقبل فيه دعوى الرق من أحد إلا ببينة.
قال مالك: ولا يقبل إقراره على نفسه بالرق، إذ ليس له أن يرق نفسه، وجنايته وأرش خطئه على بيت المال، لأنه إن مات يرثه، وإن جنى عليه فالإرش له.
قوله: (وحكم بإسلامه في قرى المسلمين، كأن لم يكن فيها إلا بيتان، إن التقطه مسلم، وإن في قرى الشرك فمشرك. ولم يلحق بملتقطه ولا غيره، إلا ببينة، أو بوجه) أي وحكم بإسلام اللقيط إن التقطت في قرى المسلمين التقطه مسلم أو كافر، كما يحكم
[ ٣ / ٣١٧ ]
بإسلامه، إذا لم يكن فيها أي في تالك القرى إلا بيتان من المسلمين إن كان ملتقطه مسلما، لأن الإسلام يعلوا ولا يعلى عليه، وقال أشهب: وهو حر وإن التقطه كافر. انتهى.
وإن التقطه ذمي نزع منه لئلا ينصره أو يهوده، أو يتقادم الأمر فيسترقه، وإن التقط اللقيط في قرى الشركة فهو مشرك، التقطه كافر أو مسلم، فإن التقطه مسلم ملكه.
قوله: ولم يلحق بملتقطه ولا غيره إلا ببينة أو بوجه، لأن ولاء اللقيط للمسلمين. والوجه أن يقول: لا يعيش لي ولد، وسمعت أن من لا يعيش له ولد فإذا ولد له فرماه فإنه يعيش ولده، ولذلك رميته، فإن اللقيط يلحق به إن ادعاه.
قوله: (ولا يرده بعد أخذه إلا أن يأخذه ليرفعه للحاكم فلم يقبله، والموضع مطروق) أي فإن لقط لقيطا فلا يرده بعد أن أخذه، لأنه قد ألزمه نفسه بالأخذ، إلا إن كان أخذه له ليرفعه إلى الإمام، فيرفعه إليه فلم يقبله الإمام، فإنه له رده إلى الموضع الذي أخذه منه، بشرط أن يكون الموضع مطروقا، ويأمن عليه الضياع. الواو في الموضع واو الحال.
قوله: (وقدم الأسبق) أي وقدم في حضانة اللقيط السابق لأخذه (ثم الأولى) أي الأصلح للحضانة أي (وإلا) أي وإن تساوو في السبق والأولوية، (فالقرعة) ثابتة إذ لا مرجح.
قوله: (وينبغي الإشهاد) أي وينبغي الإشهاد حين الإلتقاط أن هذا الطفل لقيط خوف استرقاقه، والتعليل يدل على وجوب الإشهاد.
قوله: (وليس لمكاتب ونحوه التقاط بغير إذن السيد) أي وليس لمكاتب التقاط، لأنه لا تطوع له، إلا بإذن سيده، وأن تكون نفقة اللقيط قد تؤدي إلى عجزه، فيؤدي إلى رقه، وكذلك لا يجوز لأم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل إلا بإذن السيد، لأن ذلك يشغله عن خدمة السيد وأحرى القن في هذا.
قوله: (ونزع محكوم بإسلامه من غيره) أي وإذا التقط كافر لقيطا حيث يحكم بإسلام اللقيط، نزع منه لئلا يربيه على كفره، وإن غفل عنه حتى كبر وبلغ أجبر على الإسلام وإن أبي فهو مرتد.
قوله: (وندب أخذ آبق لمن يعرف، وإلا فلا يأخذه، فإن أخذه رفعه للإمام. ووقف سنة،
[ ٣ / ٣١٨ ]
ثم بيع ولا يهمل، وأخذ نفقته) من هنا إلى آخر الباب ليس في ابن الحاجب، وإنما هو في المدونة أي وندب أخذ آبق لمن يعرفه صونا لماله. وإلا أي وإن لم يكن يعرف ربه فلا يندب له أخذه، إلا أن يخاف عليه الهلاك فيجب عليه أخذه، فإن قلنا لا يندب له أخذه، فإن وقع ونزل أخذه رفعه للإمام العدل، وإن رفعه إلى غير العدل ضمنه، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فإن كان الإمام عدلا ورفعه إليه، وقفه الإمام سنة ثم بيع ولا يطلق بعد السنة، كما تطلق الإبل بعد التعريف بها سنة إن أخذت كما تقدم. انتهى.
قال بعض أصحابنا: مراد مالك أنه يحبس سنة، إذا كان للعبد صنعة تقوم بنفقته، أو قام إمام عادل ينفق عليه من بيت المال، وإلا بيع قبل السنة، وأخذ الإمام من ثمنه النفقة وحبس الباقي لربه.
قال سحنون: لا أرى أن يوقف سنة، بل ما تبين أمره فيه، ثم يباع، وتكتب صفته حتى يأتي طالبه.
قال ابن يونس: هو الصواب، لأن نفقة السنة ربما أذهبت ثمنه إذا بيع. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (ومضى بيعه) أي وإن باع الحاكم الآبق بعد الاستناء، فإن ذلك البيع يمضي ولا يفسخ (وإن قال ربه كنت أعتقته) فلا يقبل قوله إلا ببينة.
قوله: (وله عتقه وهبته لغير ثواب، وتقام عليه الحدود) أي ولرب الآبق عتقه وهبته لغير ثواب، لأن ذلك تبرع، وأما لهبة الثواب فلا يجوز، لأن هبة الثواب كالبيع، وتقام على الآبق الحدود من زنا، وشرب خمر، وقذف، وحرابة، فلا يتوهم أن السيد هو الذي يقيم عليه الحد بل الإمام يقيم عليه الحد.
قوله: (وضمنه إن أرسله إلا لخوف) أي وضمن الآخذ آبقا إن أطلقه بعد أن أخذه اختيارا، إلا إذا أطلقه لأجل خوف منه على نفسه، فإنه لا يضمنه.
قوله: (منه، كمن استأجره فيما يعطب فيه) أي كما يضمن من استأجر آبقا فيما يعطب وعطب، سواء علم أنه أبق أم لا، إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء، والأجرة لسيده إذا لم يعطب، أو استأجره فيما لا يعطب فيه، وإن كان المستأجر قد أعطا الأجرة للآبق فهل يغرمه أيضا لسيده أم لا فيه خلاف.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٣٤/ ٢٣٥.
[ ٣ / ٣١٩ ]
قوله: (لا إن أبق منه؛ وإن مرتهنا، وحلف) أي فإن أخذه الآبق ثم ضمنه، فلا ضمان عليه، وإن كان الذي أبق منه مرتهنا فلا يضمنه، إذ هو مما لا يغاب عليه، ولكن يحلف على أحد الروايتين، وعليها اختصر ابن أبي زيد ولا يحلف في الرواية الأخرى وعليه اختصر أبو سعيد البراذعي (^١).
قوله: (واستحقه سيده) أي ويستحق الآبق سيده (بشاهد، ويمين)، وامرأتين بمن كسائر الأموال بلا استيناء ولا تضمين.
قوله: (وأخذه، إن لم يكن إلا دعواه) أي وأخذ الآبق مدعيه بعد الإستيناء وتضمينه إياه إن لم يكن إلا دعواه (إن صدقه) الآبق.
قوله: (وليرفع للإمام، إن لم يعرف مستحقه، إن لم يخف ظلمه) أي وإن أخذ آبقا لم يعرف ربه رفعه إلى الإمام العدل، وأما لغير العدل فلا يرفعه إليه، فإن فعل فإنه يضمنه، لأن غير العدل كالعدم.
قوله: (وإن أتى رجل بكتاب قاض، أنه قد شهد عندي: أن صاحب كتابي هذا فلان، هرب منه عبد، ووصفه) أي وإن أتى رجل أو إمرأة إلى قاض بكتاب قاض آخر أنه أي أن الأمر والشأن قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان بن فلان هرب منه العبد ووصفه بصفاته، ومثل تلك الصفات عند القاضي الذي الآبق في يده فليدفع إليه بذلك).
_________________
(١) خلف بن أبي القاسم بن سليمان الأزدي، القيرواني، المغربي، المالكي، البراذعي (أبو سعيد) من حفاظ المذهب المالكي ومن أصحاب أبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي. قدم دمشق. له التهذيب في اختصار المدونة. معجم المؤلفين: ج ٤، ص: ١٠٦.
[ ٣ / ٣٢٠ ]