قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل اليمين وما يتعلق بها وهو باب ينبغي الاعتناء به لكثرة وقائعه وتشعب فروعه فيحتاج إليه.
واليمين مؤنثة لخبر: «من اقتطع يمين كاذبة مال مسلم (^١) الحديث وجمعها أيمان وأيمن وأصلها لغة في العضو، لأنهم كانوا إذا تحالفوا وضع أحدهم يمينه بيمين صاحبه فسميت به، وقيل اليمين في اللغة القوة، سمي به العضو لقوته على اليسار ومنه: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة: ٤٤] أي القوت واليمين الحلف والإبلاء والقسم ألفاظ مترادفة، واختلف هل الحلف من حيث هو مباح وإليه ذهب الأكثر، ابن عبد السلام: وهو الصحيح نقلا ونظرا، أو راجح الترك وإليه ذهب بعضهم قولان.
ابن حبيب: أقول كقول عمر: اليمين مأثمة ومندمة، وما يكاد من حلف يسلم من الحنث، واختلف هل اليمين ضرورية فلا تحتاج لحد اصطلاحا، أو نظرية فتحتاج. قال بعضهم: وهو الحق. وهل التعليق منها وعليه الأكثر أو لا قولان. انتهى فتح الجليل (^٢).
وفي إكمال الإكمال: واحتج شيخنا لأنها أيمان حقيقة بأنه في المدونة ترجم بكتاب الأيمان: الطلاق ولم يذكر فيه إلا التعاليق لفظا، وإذا بطل أن يكون ضروريا فهو نظري والنظري يفتقر إلى تعريف. وعرفه ابن العربي بأنه ربط العقد بالامتناع من الفعل أو القدوم عليه بمعظم حقيقة أو اعتقادا، وتعقب بأنه يخرج عنه ليمين الغموس، واللغو، والتعاليق. انتهى (^٣).
قوله: (اليمين: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته) هكذا عرفه المصنف ﵀ الظاهر أنه أراد تعريف اليمين من حيث هي، وأما ما فيه الكفارة وما ليس فيه فسيبينه بعد إن شاء الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: ١٠٠ - كتاب التوحيد. ٢٤ - باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢: ٢٣]، الحديث: ٧٠٠٧.
(٢) فتح الجليل شرح للتتائي: ج ٢، ص: ٦
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ١٩ - ٢٠
[ ٢ / ٨٦ ]
وفي التاج والإكليل: ابن رشد: النذر واليمين والحلف والقسم عبارات عن العقد على النفس بحق من له حق، ولما كان لا حق على الحقيقة إلا لله تعالى منع اليمين بغيره إذ ما سواه باطل. انتهى.
وفي الحديث النبوي: «من كان حالفا فليحلف بالله» (^١).
قال الشيخ: اليمين تحقيق ما لم يجب أي تقرير ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته، فأخرج الواجب لأنه ليس بيمين كو الله لأموتن وأدخل الممكن والمستحيل كو الله لأدخلن الدار أو لأشربن البحر أو لأصعدن السماء، فهذا مستحيل عادة واعترض لأنه كغموس. انتهى.
اليمين الشرعية الموجبة للكفارة في الحنث: تقرير ما لم يجب وقوعه بذكر اسم الله تعالى كبالله، وهالله]، وأيم الله، وحق الله، والعزيز، الباء في بذكر اسم الله سببية أو معية، وقد تبدل الواو بالهاء كها الله.
قوله: كبالله، وهالله، وأيم الله، وحق الله، والعزيز، وعظمته، وجلاله، وإرادته، وكفالته، وكلامه، والقرآن، والمصحف أي يمنه وبركته، وفي الحلف بالله فوائد أربع: تعظيم الله تعالى، واتباع الرسوله ﷺ، ونفع الاستثناء فيه، وأنه إذا حنث ليس عليه إلا الكفارة، وكذلك من حلف بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية وصفاته المعاني كعظمته وجلاله، وإرادته وكفالته، وكفالته ضمانه وضمانه التزامه، والتزامه وعده ووعده كلامه، وكذلك من حلف بالقرآن والمصحف، إذا أراد ما دل عليه من الكلام القديم، وأما إن قصد به الحادث لم تلزمه الكفارة اتفاقا، وأما إن لم تكن له نية أو كانت له ونسيها فعليه الكفارة على المشهور.
قال في فتح الجليل: ولمالك: لا كفارة فيهما، واستظهره ابن عبد السلام، لأن المتبادر للذهن إنما هو الحروف والأصوات في الأول، والجلد وما احتوى عليه في الثاني، والخلاف حيث لا نية أو مع نسيانها، وأما مع قصد القديم فالحنث اتفاقا، ومع الحادث فعدمه اتفاقا، ولا فرق بين الحلف بكلمة أو سورة منه أو آية رواه ابن حبيب، وكالحلف بهما الحلف بالكتاب وبما أنزل الله على المشهور (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦ - كتاب الشهادات (٢٦) - باب كيف يستحلف. الحديث: ٢٥٣٣
(٢) فتتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٧. مخطوط.
[ ٢ / ٨٧ ]
قوله: (وإن قال: أردت وثقت بالله) أي وإن قال الحالف أردت بقولي بالله وثقت أو اعتصمت بالله (ثم ابتدأت) فقلت: (لأفعلن دين) أي وكل إلى دينه فيقبل قوله، فالله حسيبه في زعمه، لأن قول القائل بالله لا بد من تعلقه بشيء ويصح أن يكون بأقسم أو غيره.
قال البساطي: هذا ظاهر فيما لا يتعين جوابا للقسم، وأما في مثل لأفعلن وهو الذي مثل له ففي إخراجه عن جواب القسم تكلف ينبغي أن لا يقبل منه ما ادعاه (^١).
قوله: (لا بسبق لسانه) أي فلا يدين في دعواه بسبق لسانه بكوالله إنه ما نوى به اليمين.
قوله: (وكعزة الله وأمانته، وعهده، وعلي عهد الله) معطوف على قوله: كبالله، وتنعقد اليمين إن أراد عزة الله وأمانته التي هي من صفاته وأما إن أراد ما جعله الله في بعض عباده من العزة والأمانة فلا تنعقد به اليمين وإليه أشار بقوله: ﴿إلا أن يريد المخلوق﴾، وأمانته تكليفه، وتكليفه التزامه، والتزامه أمره ونهيه، وأمره كلامه، ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية إذ قال لهن الباري تعالى: تقمن بها فلكن الثواب الجزيل وإن لم تقمن فعليكن العذاب الوبيل وقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما أي لنفسه جهولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] لأمر ربه.
قوله: (وكأحلف، وأقسم، وأشهد) أي وتنعقد اليمين بأحد هذه الألفاظ (إن نوى) بالله وأحرى إن تلفظ به، وإن قصد غير الله أو لم يقصد شيئا فلا.
قوله: (وأعزم إن قال بالله) أي فإن قال: أعزم بالله فهو يمين، وإن لم يقل بالله فليس بيمين وإن نوى الله، نص على ذلك ابن يونس تبعا لما في الأمهات، (وفي) لزوم اليمين بقوله: (أعاهد الله قولان) لابن حبيب فالكفارة بالحنث وعدمها لابن شعبان لأنه عهد منه وليس بصفة.
قوله: (لا بلك علي عهد) شروع منه تحملته فيما ليس بيمين أي فلا تنعقد اليمين بقوله لك علي عهد أو أعطيك عهدا، وكذلك لا تنعقد اليمين بقوله لآخر: (عزمت عليك بالله إلا ما فعلت كذا فخالف فلا شيء على واحد منهما، (و) كذلك (حاش الله، ومعاذ الله) أي الإستعاذ بالله لا تنعقد بهما اليمين لأنهما ليسا بيمين.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، ص: ٧.
[ ٢ / ٨٨ ]
قال صاحب فتح الجليل ومعاد الله بالدال المهملة اسم مكان العود، والله تعالى يعود إليه الأمر كله (^١).
قال شيخنا محمود بن عمر: لا أدري أهذا اجتهاد منه أو رأى نقلا فيه، وكذلك قول القائل: (والله راع أو كفيل) لا يكون يمينا.
قوله: (والنبي والكعبة) أي وكذلك من حلف بغير الله وإن كان معظما فليست بيمين، كمن حلف بالنبي والرسول والكعبة والبيت والمقام والحج ونحوها مما هو مخلوق لما تقدم أن اليمين إنما تكون بأسماء الله وصفاته، ولقوله ﷺ: «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (^٢)، وقيست الصفة بالاسم، وسكة المصنف عن ذكر الخلاف في الحلف بهذه الأشياء وما أشبهها هل هو حرام أو مكروه مع أنه قال في توضيحه: الأظهر التحريم.
الفاكهاني في الحلف بغير الله كالمسجد والرسول ومكة والصلاة والزكاة ونحوها مكروهة على المشهور، وكره ابن حبيب أن يقول: رغم أنفي لله، أو يقول الصائم والذي ختمه على فمي. انتهى من فتح الجليل (^٣).
الحالف بشيء معظم له، فإن عظم ما يعظم صدق وإلا كذب.
وفي إكمال الإكمال حديث: «إن الله ينهاكم عن أن تحلفوا بآبائكم» (^٤).
عياض: لأنه من تعظيم غير الله تعالى فينهى عن الحلف بكل مخلوق.
وقد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغير الله فأبر ولا يعترض على هذا بقوله ﷺ: (قد أفلح وأبيه إن صدق (^٥) لأنه لم يقصد به
_________________
(١) فتح الجليل: ص: ٧/¬٨، ج ٢
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨١) - كتاب الأدب. (٧٤) - باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا. الحديث: ٥٧/ ٥٧ وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٧) - كتاب الأيمان. (١) - باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى. الحديث: ٣ - (١٦٤٦)
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٦) - كتاب الأيمان والنذور. (٣) - باب لا تحلفوا بآبائكم. الحديث: ٦٢٧١. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٧) - كتاب الأيمان. (١) - باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى. الحديث: ١ - (١٦٤٦)
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٤) - كتاب الحيل. (٣) - باب في الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع … الحديث: ٦٥٥٦. ومسلم في صحيحه (١) - كتاب الإيمان. (٢) - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام. الحديث: ٩ - (١١).
[ ٢ / ٨٩ ]
اليمين وإنما هو من الكلام الجاري على الألسنة دون قصد.
وأما قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سينين﴾ [التين: ١ - ٣] فقيل: إنه على حذف مضاف أي ورب التين وعلى تسليم إنه قسم، فلله سبحانه أن يعظم من خلقه ما شاء ويمنعنا نحن من ذلك.
فتعظيمه تعالى للأشياء غير تعظيمنا لها، وإنما تعظيمه لتلك الأشياء تنبيها لنا على قدرها عنده وعلى ما فيها من العجائب والمنة. انتهى (^١).
قوله: (وكالخلق والإماتة) أي وكذلك لا تنعقد اليمين لمن حلف بما يصدر عن قدرة الله تعالى، كالخلق والرزق والإماتة التي هي ضد الحياة والإعطاء والإحسان ونحو ذلك من صفات الفعل، لأنها ليست بإيمان.
قال صاحب فتح الجليل: ويظهر من كلام الشارح أنها الأمانة بالنون فحاول الفرق بين هذه وبين أمانته السابقة بأن تالك مضافة لاسم الله دون هذه وهو غير بين، وتبعه البساطي في أنها بالنون. انتهى ما قدرناه. نحوه لابن يونس: لا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله تعالى كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت، فهذا حالف بالله فعليه الكفارة وإن كانت تسميته تقتضي صفات الفعل. انتهى (^٢).
قوله: (أو هو يهودي) أي فإن قال: إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو مرتد أو على غير ملة الإسلام أو سارق أو زان أو يأكل الميتة أو عليه غضب الله، أو دعا على نفسه فلا كفارة عليه، فليستغفر الله، وقيل لابد معه من التشهد.
البساطي: والظاهر أن من قال: هو باغض لرسول الله إن فعل كذا ثم فعله قتل ومن قال: هو على غير ملة الإسلام إن فعل ثم فعل. انتهى.
قوله: (وغموس) أي وكذلك لا كفارة في يمين غموس، وهي أكبر من أن تكفر، وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار، وقيل في الإثم.
قال المصنف: وهو أظهر لأنه سبب حاصل.
قوله: (بأن شك، أو ظن) تفسير للغموس أي فإن شك الحالف حين حلفه فيما
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٠ - ٢١.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٨
[ ٢ / ٩٠ ]
حلف عليه هل هو كما حلف أو لا أو أنه كذا (وحلف) على ظنه، لو استغنى الشيخ عن قوله: بأن شك بقوله: إن ظن لكان أقصر لأنه إذا كانت يمينه غموسا في الظن فالشك أحرى والمعتمد للكذب أحرى.
وقوله: (بلا تبين صدق، وليستغفر الله)، مفهومه إذا تبين صدقه فيما حلف عليه لم تكن غموسا، ولكن آثما لقدومه على ما هو غير معتقد.
قال في التهذيب: (من قال: والله ما لقيت فلانا أمس وهو لا يدري ألقيه أم لا، ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف بر) (^١) وقد خاطر وسلم، فعلى الحالف يمين الغموس أن يستغفر الله ويندم ويعزم على عدم عوده لمثل ذلك.
قوله: (وإن قصد بكالعزى التعظيم فكفر) أي وإن قصد الحالف بالأصنام كالعزى واللات ومنات التعظيم لما حلف به منها فهو كفر، وإن لم يقصد التعظيم فحرام. انتهى.
وفي إكمال الإكمال: وفي الحديث: «من قال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله» (^٢)، القرطبي: اللات والعزى ومناه أصنام ثلاثة كانت في الكعبة.
ولا يدل على إباحة الحلف بها، ولكن لما نشأ القوم على تعظيمها وأبطل ذلك الإسلام فربما جرت على لسان بعضهم دون قصد، فأشار الشارع إلى ما يكفر تلك اللفظة.
المازري: والحلف بما لا يجوز الحلف به من هذا النوع لا كفارة فيه.
وأوجبها أبو حنيفة فيه، واحتج بأن الله سبحانه أو جبها على المظاهر، وعلل وجوبها بأنه قال: ﴿منكرا من القول وزورا﴾ [المجادلة: ٢] وهذا منكر من القول، وحجتنا عليه الحديث لأنه لم يذكر فيه كفارة (^٣).
قوله: (ولا لغو) أي ولا كفارة في لغو اليمين ولا إثم لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥].
قوله: (على ما يعتقده فظهر نفيه) تفسير لغو اليمين على المشهور بأن يحلف على ما يعتقده، كو الله لم يقدم زيد أمس ثم ظهر خلافه بأن تبين قدومه أمس، وقيل
_________________
(١) تهذيب المدونة: ج: ١، ص: ٢٧٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٦) - كتاب الأيمان والنذور (٤) - باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت. الحديث: ٦٢٧٤.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج: ٦، ص: ٢٤.
[ ٢ / ٩١ ]
لغو اليمين ما يسبق اللسان من والله ولا والله.
قوله: (ولم يفد في غير الله) أي ولم يفد اللغو في غير اليمين بالله، كالعتق والطلاق والصدقة، لأنها ليست أيمانا شرعا وإن دخلت في الأيمان وإنما هي التزامات.
قال المصنف: ولذلك لا يدخل عليها حروف القسم، فإذا حلف بطلاق أو عتق أو غيرهما على أمر يعتقده فظهر خلافه أو سبقه لسانه فإنه يلزمه، وإطلاقه هنا وفي الغموس يشمل الماضي والحال والمستقبل. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (كالاستثناء بإن شاء الله؛ إن قصده) أي كما لا يفيد الاستثناء بإنشاء الله كإلا أن يشاء الله، أو يريد، أو يقضي) في غير اليمين بالله إن قصد الاستثناء، وحل اليمين احترز به مما إذا ذكره تبركا وأجرى على لسانه من غير قصد الاستثناء. انتهى.
وفي إكمال الإكمال: قلت: قال ابن عبد السلام: حكى بعض الأشياخ خلافا في الاستثناء، هل هو حل لليمين أو رفع للكفارة؟ ولا يظهر لهذا الخلاف فائدة إلا بتكلف.
قلت: قد ظهرت فائدته دون تكلف فيمن حلف أن لا يطأ امرأته واستثنى؛ فقال ابن القاسم في المدونة: هو مول وله أن يطأ ولا كفارة عليه.
وقال غيره: ليس بمول.
قال الشر مساحي في شرح التهذيب: قول ابن القاسم هو بناء على أن الاستثناء رفع للكفارة، وقول الغير بناء على أنه حل لليمين والإجراء حسن.
أما في قول ابن القاسم فلأن كونه موليا هو فرع انعقاد اليمين والاستثناء رفع الكفارة.
وأما في قول الغير فلأن كرته ليس بمول هو فرع انحلال اليمين بالاستثناء.
وكان من أدركناه من الشيوخ وغيرهم يعدون هذا الإجراء من محاسن الشرمساحي. انتهى فيه (^٢).
قوله: (على الأظهر، وأفاد بكإلا في الجميع إن اتصل؛ إلا لعارض) هو قول عيسى. ابن رشد: هو القياس إذ لا فرق بين مشيئة الله وقضائه.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ١٠.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٤٤.
[ ٢ / ٩٢ ]
ابن القاسم ليس الإرادة والقضاء كالمشيئة لورود الاستثناء بالمشيئة دونهما وإن كان كل مراد.
قال في التوضيح: قال القرافي: وينبغي أن يبنى الخلاف هنا على الخلاف في الأسباب الشرعية، هل يقاس عليها إذا عقل معناها أم لا؟ كما قيل في قياس النبش على السرقة واللواط على الزنا (^١).
عياض فيه دليل أيضا على أن شرط الاستثناء أن يكون متصلا بآخر حروف اليمين، إن حدثت نيته حينئذ.
ووجه الدليل منه أنه لو صح أن يكون منفصلا، كما يقول بعض السلف، لم يحنث أحد ولا احتاج إلى كفارة.
واختلف في حقيقة الاتصال فقال مالك والشافعي، والجمهور هو أن لا يكون بين الاستثناء واليمين صمات، وسواء نوى الاستثناء في أثناء اليمين أو حدثت له نيته إثر الفراغ منه.
وقال بعض أصحابنا لا ينفع الاستثناء إلا أن ينوي قبل تمام النطق بجميع حروف اليمين.
وقال جماعة من السلف: يصح الاستثناء ما لم يقم من مجلسه.
وقال قتادة ما لم يقم أو يتكلم وعن عطاء: قدر حلب ناقة.
وعن سعيد ابن جبير أربعة أشهر.
وعن ابن عباس يستثني أبدا متى ما ذكر.
قلت: ما ذكر عن مالك والشافعي، والجمهور هو المشهور.
ويعني بالصمات أن يصمت اختيارا احترازا من أن يصمت لرفع نفس أو سعال أو نحو ذلك.
وأما السكتة للتذكر، فظاهر المذهب أنها مانعة مطلقا، خلاف ما ذكر عن مالك أنه يوافق الشافعي عليه.
وكذلك ما ذكر أن مالكا إنما يوافق الشافعي إذا نوى الاستثناء في الأثناء، بل ظاهر المذهب على المشهور لا فرق نواه في الأثناء أو حدثت له نية في إثر الفراغ على المشهور.
_________________
(١) التوضيح: ج ٣، ص: ٣٠٠.
[ ٢ / ٩٣ ]
وما ذكر عن بعض الأصحاب عزاه في النوادر لابن المواز، وعزاه اللخمي وابن محرز لإسماعيل. انتهى (^١).
قال صاحب فتح الجليل ما معناه: وتظهر فائدته بغير تكلف في من حلف واستثنى ثم حلف أنه ما حلف، فعلى أنه رافع للكفارة يحنث، وعلى أنه حل لا يحنث، في من حلف ألا يحلف فحلف واستثنى حنث في يمينه على الأول لا على الثاني، ولو حلف لا يكفر فحلف واستثنى لم توجب يمينه الأولى شيئا عليهما. انتهى (^٢).
قوله: (ونوى الإستثناء)، تكرار لقوله: إن قصد.
قوله: (وقصد ونطق به وإن سرا بحركة لسان): أي وقصد النطق ونطق به وإن كان النطق سرا، ولو لم يسمع به نفسه بل بحركة لسانه فقط، ونبه بذلك على خلاف رواية أشهب أن النية كافية في الاستثناء بإلا وأخواتها.
ابن شاس: ولابد في الاستثناء من قصد حل اليمين، ولو قصد التفويض إلى مشيئة الله وامتثال أمره تعالى في قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣: ٢٤] لم ينفعه استثناؤه. انتهى (^٣).
إلا إن نوى الاستثناء ولم يقصد النطق به، أو قصد النطق ولم ينطق به.
قوله: وأفاد بكإلا في الجميع أي وأفاد الاستثناء بإلا وأخواتها من ذوات الاستثناء، كليس، وخلا، وحاشا، وعدى وسوى لإخراج ما تناوله المستثنى منه في جميع الأيمان.
قوله: (إلا أن يعزل في يمينه أولا، كالزوجة في: «الحلال علي حرام»، وهي المحاشاة):
أي إلا أن يعزل الحالف غير الشيء المحلوف عليه في يمينه أولا بنية كالزوجة في قوله: الحلال علي حرام، فلا يحتاج إلى الاستثناء، وهي المعبر عنها بالمحاشاة، لأنه عام أريد به الخصوص، بخلاف الاستثناء فإنه إخراج لما أدخله الحالف في يمينه أولا، فهو عام مخصوص، وعلى هذا فالاستثناء منقطع. انتهى.
كل ما أخرج قبل أن ينطق فإنه يخرج بالنية، وكل ما دخل قبل أن ينطق فلا
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٤٤ - ٤٥.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٠
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٣٤٧.
[ ٢ / ٩٤ ]
يخرجه إلا بالنطق، فكل ما يلزم الحالف بالتلفظ، فلا يخرج عنه إلا باللفظ.
قوله: (وفي النذر المبهم، واليمين والكفارة، والمنعقدة على بر بأن فعلت ولا فعلت، أو حنت بلأفعلن، أو إن لم أفعل) أي ويلزم في النذر المبهم، كلله علي نذر إن فعلت كذا، أو إن فعلت كذا، فعلي نذر لخبر مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين» (^١) أي المبهم، وأما المعين فيلزم فيه ما عين، وكذلك في نذر اليمين المبهمة، كلله علي يمين إن فعلت كذا، وكذلك يلزمه كفارة يمين، في نذر كفارة المبهم، كإن فعلت كذا فعلي كفارة، وكذلك في اليمين المنعقدة على بر، وله صغتان أيضا إحداهما بإن فعلت، كقوله: والله إن فقلت كذا، والثانية كقوله: والله لا فعلت كذا ثم فعل، أو منعقدة على حنث، وله صيغتان أيضا، إحداهما بلأفعلن كذا والله، أو إن لم أفعل كذا، وسميت الأولى ببر، لأن الحالف بها على براءة الأصلية، والثانية لأن الحالف بها على خلاف البراءة الأصلية، ثم قيد صيغتي الحنث بقوله: (إن لم يؤجل)، إذ لو أجل لكان على بر إلى الأجل، ولا يحنث إلا بمضيه فإن أمكنه الفعل فيه ففرط، ولم يفعل حتى فات المحل فلا حنث، وقد ارتفعت اليمين على المشهور، وقيل يحنث كما لو لم يضرب أجلا لأن كلا منهما حلف، ليوجدن فعلا فلم يوجده، فإن لم يضرب أجلا، وأمكنه الفعل ولو في ساعة، فلم يفعل حتى فات المحل بموت أو غيره حنث، وحلفه على فعل غيره، كحلفه على نفسه على المشهور. انتهى فتح الجليل (^٢).
مسألة: سمع ابن القاسم من قال لرجل: يميني على يمينك، فحلف بالطلاق فأنكره مكانه، لا شيء عليه.
ابن رشد: إن قال ظننت أنه لا يحلف إلا بالله، لسماع ابن القاسم ذلك، ونقله ابن حبيب وزاد ويحلف وإن صمت لزمه.
قوله: (إطعام عشرة مساكين)، هو مبتدأ مؤخر، وخبره: وفي النذر المبهم، وما عطف عليه، وقول الشارح في الصغير: في النذر مبتدء، وما عطف عليه مبتدأ والخبر إطعام فيه تجوز أي وإطعام عشرة مساكين في النذر المبهم واليمين المبهمة،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: (٢٦) - كتاب النذر. (٥) - باب في كفارة النذر. الحديث: ١٣ - (١٦٤٥)
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، ص: اللوحة: ١٢.
[ ٢ / ٩٥ ]
والكفارة المبهمة، واليمين المنعقدة على بر، أو على حنث، المراد بالإطعام تمليكه، وهذا شروع منه الله، في بيان الكفارة، وهي مأخوذة من الكفر، بفتح الكاف الستر، ومنه الكفر، بالضم لستر الحق.
قال في الذخيرة ولما كان أصلها لزوال الإثم وستره كما في الظهار، سميت بذلك (^١).
الإطعام هو النوع الأول، واشتراط العشرة نص الآية الشريفة: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩]، واشتراط المسكنة مخرج للغني وذي الرق، وسكة عن كونه مسلما استغناء بما في زكاة الفطر (^٢).
قوله: (لكل مد. وندب - بغير المدينة - زيادة ثلثه أو نصفه) أي لكل مسكين من العشرة مد بمده السلام وندب في غير المدينة، زيادة ثلث المد عند أشهب، أو نصفه عند ابن وهب، وكلاهما ليس خلافا لمالك، إنما كفى المد بالمدينة لقلة الأقوات بها، وقناعة أهلها. انتهى.
وقال ﷺ: «اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا» (^٣). انتهى.
وحكي أن ما يكفي واحدا في غير المدينة، يكفي اثنين فيها، لبركة دعائه.
قوله: (أو رطلان خبزا) أي ويطعمهم رطلين بالرطل العراقي خبزا وهو مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا.
وقوله: (بأدم) أي مع إدام وأعلا الإدام اللحم، وأدناه الزيت ووسطه اللبن الحليب لا المضروب، وظاهره أن الإدام شرط، وهو قول ابن حبيب.
وقال ابن بزيزة: يجوز بغير إدام ويحتمله كلام المصنف.
ابن الحاجب وهو الأصح.
ابن عبد السلام وقول المدونة كقول ابن حبيب، ابن هارون: مذهبها الإجزاء، إلا أن الأفضل كونه مأدوما.
ابن ناجي في شرحه على الرسالة والأمر كما قال ابن عبد السلام كذا في
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٦١.
(٢) فتح الجليل للتتائي: اللوحة: ١٢. بتصرف
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٣) - كتاب الدعوات. (٤٢) - باب الدعاء برفع الوباء والوجع. الحديث: ٦٠١١. وأخرجه مسلم في صحيحه: (١٥) - كتاب الحج. (٨٦) - باب الترغيب في سكنى المدينة. الحديث: ٤٧٥ - (١٣٧٤).
[ ٢ / ٩٦ ]
شرحه للرسالة (^١).
وقال في شرحه للمدونة: ثم ظهر لي أن الصواب ما فهم ابن هارون. انتهى من فتح الجليل (^٢).
قوله: (كشبعهم) أي كما يجزئ شبعهم غداء وعشاء، فلا يكفي غداء فقط ولا عشاء فقط، وسواء أكل مدا أو أقل أو أكثر، وظاهره كانوا مجتمعين أو مفترقين، وهو كذلك على ظاهر المدونة، قاله أبو عمران والباجي.
واشترط التونسي تساويهم في الأكل، لئلا يأكل بعض أكثر من بعض.
ابن عرفة: وفي كون المعتبر عيش أهل البلد، أو المكفر غير البخيل ثالثها الأرفع إن قدر لروايتي المدونة ومحمد قائلا: الذرة دون الشعير. انتهى من فتح الجليل (^٣).
قوله: (أو كسوتهم، للرجل ثوب، وللمرأة درع وخمار، ولو غير وسط أهله) هذا هو النوع الثاني أي وكسوة عشرة مساكين، رجالا كانوا أو نساء، أو مختلفين، ويكسى الرجل ثوبا واحدا يجزيه في صلاته، وللمرأة درع وخمار، لأن ذلك هو الذي يجزيها في الصلاة.
مالك: هذا أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة. انتهى (^٤).
ويجزئ ذلك ولو كان غير وسط كسوة أهله على المعروف، لأن الآية الكريمة ذكر فيها الوسط في الإطعام، ولم يذكره في الكسوة، بل أطلق وأشار بلو إلى ما حكاه ابن بشير عن اللخمي من مراعات كسوة الأهل.
قوله: (والرضيع كالكبير) أي والرضيع في الإطعام والكسوة كالكبير (فيهما) يعطى له ما يعطى للكبير.
قوله: (أو عتق رقبة كالظهار) هذا هو النوع الثالث، هو عتق رقبة كرقبة الظهار
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ٢، ص: ١٩.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٢
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٢
(٤) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار. المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي ٣٦٨ هـ/ ٤٦٣ هـ.: ج ١٥، ص: ٩١. تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. الناشر: دار قتيبة - دمشق، دار الوعي - حلب الطبعة: الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.
[ ٢ / ٩٧ ]
في الصفة، وسيأتي إن شاء الله في الظهار، ووجه التشبيه أن كلا منهما مطلق في الآية، وفي القتل مقيد وحمل عليه، ولما كان في هذه الكفارة تخيير وترتيب قدم المخير فيه.
(ظهارا وقتلا رتبوا وتمتعا كما خيروا في الصوم والصيد والأذى وفي حلف بالله خير ورتبن … فدونك سبعا إن حفظت فحبذا) (^١)
قوله: (ثم صوم ثلاثة) أي ثم إن عجز عن كل من الثلاث لزمه صوم ثلاثة أيام، ويستحب تتابعها.
ابن المواز وعجزه ألا يجد إلا قوته أو كسوته ببلده، وحكاه ابن مزين عن ابن القاسم، اللخمي وهذا حرج، ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا (^٢).
قوله: (أيام ولا تجزئ ملفقة) أي ولا تجزئ كفارة ملفقة من عتق مع غيره اتفاقا، كإطعام مع كسوة، أو عكسه على المشهور.
قوله: (ومكرر لمسكين وناقص) أي ولا يجزئ مكرر لمسكين واحد من طعام أو كسوة، بأن يطعم خمسة مساكين مدين مدين، أو يكسوهم ثوبين، ثوبين لأن العشرة شرط، وكذلك لا يجزئ ناقص عن مد لمسكين، (كعشرين) مسكينا أعطى (لكل نصف مد، (إلا أن يكمل العشرة منهم، والاستثناء راجع إليهما.
قوله: (وهل إن بقي؟) أي وهل الإجزاء مطلقا بقي في أيديهم أم لا أو إنما يجزئ إن بقي ما أخذ كل من العشرة بيده، ليكمل بيد كل مسكين مد في وقت واحد وإن لم يبق فيه فلا يجزئ فيه تأويلان).
قوله: (وله نزعه، إن بين بالقرعة) أي وللمكفر نزع ذلك في المسألة السابقة من عشرة، ودفعه للعشرة الأخرى، بشرط أن يبين لهم وقت الإعطاء أنه كفارة، وذلك النزع بالقرعة لا بالتخيير، لمساواتهم في الاستحقاق، ولأن ترجيح بعضهم عن بعض، ترجيح بلا مرجح وهو باطل.
قوله: (وجاز لثانية) أي وجاز لمن لزمته كفارتان دفع كفارة عن اليمين الثانية
_________________
(١) البيتين للكمال بن أبي شريف أنظر: تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) المؤلف: سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي الشافعي دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت/ لبنان - ١٤١٧ هـ -١٩٩٦ م الطبعة: الأولى.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٥
[ ٢ / ٩٨ ]
(إن) كان قد (أخرج) الكفارة عن اليمين الأولى (وإلا) أي وإن لم يخرج عن الأولى، (كره وإن كيمين وظهار) له الإخراج عن اليمين الثانية وإن ميزهما، أو اختلف موجبهما كيمين وظهار، وأحرى إن اتحد الموجب كيمينين أو ظهارين.
قوله: (وأجزأت) أي وأجزأت الكفارة إن أخرجها (قبل حنثه) الذي هو شرط في وجوبها، لتقدم سببها وهو اليمين، وسبب الحكم إذا تقدم على الشرط، جاز تقديمه عليه، كتقديم الكفارة والزكاة على الحول، والعفو عن القصاص في الجرح.
قوله: (ووجبت به إن لم يكره ببيه) أي ووجبت الكفارة لأجل الحنث، إن لم يكن الحالف على الحنث في يمين بر، وأما لو أكره فيها فلا شيء عليه، مفهومه أنه لو أكره على عدم الحنث في يمين حنث أن عليه الكفارة، كوالله لأكلن هذا الرغيف، فمنع منه حتى عدم على المشهور استشكل. انتهى.
وفي الحنث أقسام الشرع الخمسة.
ويجب الحنث كما إذا حلف ليعصين الله تعالى كحلفه على قطع رحم لئلا يبقى على المعصية، وقد يحرم كما إذا حلف ليفعلن واجبا حرم الحنث، وقد يستحب كما إذا حلف أن يفعل مكروها، وقد يكره كما إذا حلف أن يفعل مندوبا، وقد يباح كما إذا حلف أن يفعل مباحا. انتهى.
قوله: (وفي علي أشد ما أخذ أحد على أحد) أي ويلزم الحالف، إن لم تكن له نية، في قوله: علي أشد ما أخذ أحد على أحد، إن فعلت كذا وفعله (بت من يملك) عصمتها، حين حلفه بالثلاث على الصحيح عند الأكثر، وأفتى السيوري بنقض الحكم بالواحدة.
قوله: (وعتقه، وصدقة بثلثه، ومشي بحج وكفارة) أي وعتق من يملك من الرقيق، ظاهره إن لم يكن له رقيق فلا يلزمه عتق، ويلزمه أيضا صدقة بثلث ماله حين حلفه، إلا أن ينقض فما بقي، ولزمه أيضا مشي بحج، لا عمرة وقول الشارح: يريد أو عمرة غير ظاهر، وكذلك أيضا تلزمه كفارة يمين بالله عند ابن القاسم.
قوله: (وزيد في الأيمان تلزمني) أي وزيد على ما تقدم في قوله: الأيمان تلزمني إن فعلت كذا أو لا نية له، ثم فعله فعليه صوم سنة إن اعتيد حلف به) في البلد، أو عادة الحالف الحلف به.
ابن عتاب: يلزم الحالف هذه اليمين للأدب.
[ ٢ / ٩٩ ]
قوله: (وفي لزوم شهري ظهار تردد) أي وفي لزوم شهري ظهار مع ما تقدم قاله الباجي.
ابن عتاب: وبه كان يفتي بعض الأشياخ وهو بعيد، وعدم لزومهما قاله أبو محمد وجماعة. ابن رشد في إيجابهما نظر فيه تردد.
القرافي: ولا يلزمه اعتكاف، ولا مشي لمسجد المدينة ولا بيت المقدس، ولا لرباط، ولا تربية أيتام، ولا كسوة عرايا، ولا إطعام جياع، ولا شيء من القربات غير ما تقدم (^١)، وسكة الشيخ هنا وفيما تقدم عن كون ما يملكه حين يمينه، أو حين حنثه، ولعله اغتنى عنه هنا بقوله فيما يأتي: وثلثه حين يمينه. انتهى من فتح الجليل (^٢).
قوله: (وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو) أي وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة من مأكول ومشروب وملبوس لغو، لا يحرم به مباح، لأن ما أباحه الله لعبده، ولم يجعل له فيه تصرفا، فتحريمه لغو، وما أباحه وجعل له فيه تصرفا اعتبر تصرفه فيه، وتحريم الزوجة والأمة ليس بلغو، فتحريم الزوجة بالثلاث مدخولا بها أم لا إلا بعد زوج، وتحريم الأمة عتقها إن قصده، وإلا فلاشيء عليه.
قال زيد بن أسلم (^٣): وإنما كفر ﷺ في تحريم أم ولده إبراهيم، بحلفه بالله أنه لا يقربها، وبما قررناه يندفع قول الشارحين أن كلامه يوهم حرمة الأمة، ولو لم تكن له نية.
قال في المدونة: قيل من قال: الحلال علي حرام إن فعلت كذا، قال: لا يكون الحرام يمينا في شيء من طعام ولا شراب، ولا أم ولد إن حرمها على نفسه، ولا خادم، ولا عبد، إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق. انتهى من فتح الجليل (^٤).
قوله: (وتكررت) شروع منه فيما تكرر فيه الكفارة وما لا تكرر فيه.
_________________
(١) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ٢٤١
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٧.
(٣) زيد بن أسلم العدوي العمري، مولاهم، أبو أسامة أو أبو عبد الله: فقيه مفسر، من أهل المدينة. كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته. واستقدمه الوليد ابن يزيد، في جماعة من فقهاء المدينة، إلى دمشق، مستفتيا في أمر. وكان ثقة، كثير الحديث، له حلقة في المسجد النبوي مات سنة: ٧٥٣ م. وله كتاب في (التفسير) رواه عنه ولده عبد الرحمن (١). الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ٥٦
(٤) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ١٧. بتصرف
[ ٢ / ١٠٠ ]
التكرير والتكرار لغتان أي وتكررت الكفارة (إن قصد) الحالف (تكرر الحنث)، بتكرر فعل ما حلف عليه، إذ هو بمنزلة من قال: كلما فعلته فعلي كفارة.
قوله: (أو كان العرف) أي أو كان العرف في المحلوف عليه تكرره، (ك) ما إذا حلف على (عدم ترك الوتر)، لأن العرف يقتضي في مثله أن الحالف لم يرد قصر الحنث على مرة واحدة، أو حلف ألا يشرب الخمر في المدينة الشريفة، أو مكة زاده الله تشريفا.
قوله: (أو نوى كفارات) أي وكذلك تتكرر الكفارة إن حلف بالله، أو بصفة من صفاته، ونوى بيمينه كفارات عدة.
قوله: (أو قال: لا ولا) أي وكذلك تكرر الكفارات، إذا قال لرجل مثلا: والله لا أبيعك سلعتي، فقال له آخر وأنا فقال والله ولا أنت ذكره ابن المواز عن مالك.
وابن القاسم: من حلف لا باع سلعته من فلان فقال له آخر: وأنا. فقال: لا والله، ولا أنت فباعه منها جميعا فكفارتان، وفي الطلاق طلقتان، وأما إن قال: والله لا بعتها من فلان، ولا من فلان فكفارة واحدة، باعها منهما، أو من أحدهما، ردها عليه فباعها أيضا من الآخر. انتهى (^١).
الفرق أن السؤال لما وقع وسطا وتعدد المحلوف به كانا يمينين بخلاف الثانية.
أجمل الشيخ خجله.
قوله: (أو حلف ألا يحنث) أي وتكررت الكفارات، إن حلف ليفعلن كذا، فقيل له تخاف أن تحنث، فقال: والله لا أحنث، فحلف وحنث لزمه كفارتان، واحدة في حلفه ألا يحنث، وواحدة في حنثه قاله مالك، ولابن القاسم واحدة.
قوله: (أو بالقرآن، والمصحف، والكتاب)، وكذلك تتعدد الكفارات، إن حلف بيمين واحدة بالقرآن والمصحف والكتاب، فتلزمه ثلاث كفارات عدد المقسم به قال ابن القاسم: وإن كان المعنى واحد، وهو الكلام القديم.
ابن حبيب: واحدة.
قوله: (أو دل لفظه بجمع) أي وتكررت الكفارة إذا دل لفظ الحالف على التكرار بصغة جمع، كما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أيمان، أو كفارات، أو نذور.
قوله: (أو بكلما) أي أو أتى في يمينه بما يدل على التكرار، كقوله: كلما (أو
_________________
(١) انظر التاج والإكليل للمواق
[ ٢ / ١٠١ ]
مهما كلمته فعلي يمين، فإنه عليه كفارة مهما كلمه.
قوله: (لا متى ما)، لما فرغ تخلله فيما تكرر فيه الكفارة، شرع يذكر ما لا تكرر فيه، أي فلا تكرر الكفارة في قوله: متى ما كلمته فعلي كفارة يمين، فكلمه مرة بعد أخرى، فكفارة واحدة، وهذا إذا لم يقصد بها معنى كلما، كما قاله في المدونة.
قوله: (ووالله، ثم والله وإن قصده) أي ولا تكرر الكفارة إن قال: والله ثم والله وإن قصد التكرار، أو قصد الإنشاء، دون تعدد فكفارة وهو المشهور، واختار اللخمي التكرار أي (و) كذلك لا تتكرر الكفارة إن حلف بجميع ﴿القرآن، والتوراة، والإنجيل﴾ في يمين واحدة، لا فعلت كذا ثم فعله، وهو قول سحنون، وهو خلاف ما تقدم في قوله: والقرآن والمصحف لأن المعنى واحد، وهو كلام الله القديم، وما تقدم قول ابن القاسم، وما هنا قول سحنون.
البساطي ولعله قصد هذه التوراة وهذا الإنجيل، وإلا فيعسر الفرق بينه وبين الكتاب.
قوله: (ولا كلمه غدا وبعده ثم غدا) أي وإن قال: والله لا أكلمه غدا وبعده ثم قال: والله لا أكلمه غدا ثم كلمه غدا، فكفارة واحدة، لأنه إنما كرر اليمين في غد وهذا الفرع أحد فروع ثلاثة، ذكره ابن عرفة عن ابن يونس، ولنذكر كلام ابن عرفة قال: ويتعدد موجب الحنث كفارة أو غيرها، بتعدد اليمين مع تغاير متعلقها ولو بكونه جزء من الآخر أو لأن ماله مساويا على رأي سمع ابن القاسم فيمن حلف لا كلمتك غدا ثم حلف لا كلمتك بعد غد، كفارتان.
الصقلي لو حلف لا كلمه غدا، ثم حلف لا كلمه غدا ولا بعد غد، فإن كلمه غدا فكفارتان، ثم إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه، ولو كلمه بعد غد فقط فكفارة واحدة.
ولو قدم يمينه الثانية على الأولى فكفارة واحدة مطلقا، كما لو كرر يمينه الثانية، واختلف أصحابنا في الأول وهذا الحق.
قلت: قوله: كما لو كرر يمينه الثانية يرد باتحاد متعلقيهما، ومتعلقاهما إذا قدم الثانية على الأولى متغايران بالكل والجزء، والجزء من حيث كونه جزء مغاير له من حيث كونه غير جزء ولذا رجح اللخمي قول ابن القاسم في من حلف بالطلاق لا كلم إنسانا ثم حلف بالطلاق لا كلم زيدا فكلمه يلزمه طلقتان ولا ينوي. انتهى من
[ ٢ / ١٠٢ ]
فتح الجليل (^١).
قوله: (وخصصت نية الحالف، وقيدت)، والتخصيص إخراج البعض، والتقييد زيادة وصف أي وخصصت نية الحالف مدلول اللفظ العام، ومثله القرافي في قواعده: بلا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان في يمينه، انتهى (^٢).
وقيدت مدلول اللفظ المطلق، ومثل في القواعد لتقييد المطلق بما لو حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا، فلا يبرأ بإكرام غيره، لأن رجلا مطلق وقيده بخصوص زيد، فصار معنى اليمين لأكرمن زيدا، وكذلك لو قيدت بصفة كالأكرمن رجلا وينوي فقيها أو زاهدا، فلا يبرأ بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة.
ثم قال: وقد تعمم النية المطلق، كوالله لأكرمن أخاك، وينوي بذلك جميع إخوتك فإن أخا مطلقا، فإذا أراد جميع إخوتك فقد عم المطلق. انتهى من فتح الجليل (^٣).
قوله: إن ناقت، قال اللقاني: يشترط في النية المخصصة للعام، أن تكون منافية للعام مخصصة له، ولو قال نويت كتانا، ولم يتعرض لغيره فهذه النية مؤكدة بذلك الف د من أفراد العام غير مخصصة له فيحنث في هذه، بلبس غير الكتان بخلاف الأول. قاله القرافي في قواعده.
قوله: (إن نافقت وساوت)، لفت ونشر مرتب أي إن ناقت في العام وساوت أي وافقت ظاهر اللفظ في المطلق، وذلك غير خاص بيمين بالله، بل هو في اليمين بالله وغيرها كالطلاق. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: إن ناقت أي خالفت نيته لفظه (^٤).
قال في الذخيرة: تنبيه: يسأل الحالف باللفظ العام، فإن قال: أردت بعض أنواعه لا يلتفت لنيته ويعتبر عموم لفظه، لأن هذه النية مؤكدة للفظ في ذلك النوع، غير صارفة له عن بقية الأنواع، ومن شرط النية المخصصة أن تكون صارفة، فإن قال: أردت إخراج ما عدى هذا النوع، حملت يمينه على ما بقي بعد الإخراج، ومن شرط
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٨.
(٢) أنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ١١٧ - ١١٨
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٨
(٤) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ١٨
[ ٢ / ١٠٣ ]
النية المخصصة أن تكون منافية لمقتضى اللفظ بخلاف المقيدة وقاله الأئمة، وهذا مقام لا يحققه أكثر مفتي العصر. انتهى (^١).
وقال الشارح: نافت بمعنى زادت، وقول بعض من تكلم على هذا المحل أن النية التي تنيف أي تزيد والتي تساوي أي تطابق ليست مخصصة ولا مقيدة، وإنما المخصصة والمقيدة التي تنقص غير ظاهر لما تقدم من كلام القرافي أن النية تعمم المطلق وكذلك ساوت.
وقوله: وساوت أي نيته لفظه في تبيين المطلق، كأحد عبدي حر ويقول نويت ناصحا. انتهى.
وكذلك إن قال: امرأتي طالق أو أمتي حرة فقال إنما أردت فلانة، فإنه يصدق في القضاء والفتيا، والقضاء عبارة عما إذا قامت عليه بينة والفتوى ما لم تقم عليه بينة.
قوله: (في الله) أي في يمين بأسماء الله (وغيرها) من الأيمان، ومثل ذلك بقوله: (كطلاق) تنبيها بالأعلى على الأدنى ويدخل فيه العتق، ثم مثل الطلاق بقوله: (ككونها معه في) قوله: (لا يتزوج حياتها) وهو مثال المثال، وهو مثال تخصيص النية العمومات.
ابن المواز: من حلف لزوجته بطلاق من يتزوج عليها حياتها، أو يشترطه لها في أصل نكاحها فتبين منه فيتزوج ويقول نويت ما دامت في عصمتي، فيصدق في القضاء والفتيا، وإن لم يمثل الشيخ للعتق، ومثله ابن المواز: بمن عاتب زوجته في دخول بعض قرابتها فحلفت بالحرية: لا دخل عليها أحد من أهلها، فلما مات قالت: نويت ما دام حيا، فذلك لها في الفتيا والقضاء (^٢).
قوله: (كأن خالفت ظاهر لفظه، كسمن ضأن في: لا آكل سمنا، أو لا أكلمه، وكتوكيله في لا يبيعه، أولا يضربه)، تشبيه لإفادة الحكم، أي كما يصدق في الفتيا والقضاء، إذا خالفت نيته ظاهر لفظه، ثم مثل ذلك بقوله: كسمن ضأن في حلفه: لا أكل سمنا وقال نويت سمن ضأن وزاد ابن المواز لا وطئتها، وقال بقدمي، وكذلك إن قال في حلفه لا أكلمه، وقال: نويت شهرا وكذلك توكيله في بيع عبد مثلا في حلفه لا يبيعه
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ١٨. والذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٢٦
(٢) مواهب الجليل للحطاب
[ ٢ / ١٠٤ ]
وقال: نويت نفسي، وكذلك في حلفه لا يضر به، فأمر بضربه وقال نويت نفسي فتقبل نيته في ذلك كله في الفتيا دون القضا.
قال المصنف: ولا يحتاج ليمين على صحة ذلك، لأن النظر في توجيه الأيمان ما يختص بالأحكام.
قوله: (إلا لمرافعة وبينة، أو إقرار في طلاق وعتق فقط) أي استثنى مما خالفت نيته فيه ظاهر لفظه، فقال: إلا لمرافعة وبينة أي مع بينة أو مع إقرار، فلا تقبل نيته لمخالفته لظاهر لفظه في طلاق وعتق فقط.
المرافعة: أن يرفع أمره إلى الحاكم وخرج بقوله فقط ما عدى الطلاق والعتق من الأيمان بسائر القرب والعطايا، والهدايا والهبات والصدقات، والصلاة والصوم. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (أو استحلف مطلقا في وثيقة حق) أي أولا إذا استحلف مطلقا كانت اليمين بالله أو غيرها، كطلاق وعتق فلا تنفعه النية، لأن اليمين على نية المحلف لا على نية الحالف، كانت النية مخالفة لظاهر اللفظ، أو غير مخالفة.
قوله في وثيقة حق أي كأن يحلف على وديعة عنده أنكرها فنوى حاضرة فلا تفيده نيته. انتهى من فتح الجليل (^٢).
وفي إكمال الإكمال عند قوله في حديث مسلم: «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك (^٣)، القرطبي: هو حض على الصدق في اليمين فالمعنى يمينك التي تجوز أن تحلفها هي التي لو علمها صاحبك لصدقك فيها فلا يجوز أن تحلف حتى تعرض الأمر على نفسك، فإن وجدت الأمر كذلك وإلا أمسكت.
عياض: ولا خلاف في إثم من حلف ليقطع حق غيره، وإن ورى ثم هو حانث، عبد الملك وسحنون: وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم: إن تبرع بها فهي على نيته، وإن طلبت منه فهي على نية المحلوف له، وروى عن ابن القاسم أيضا أنه على نيته فيما لا يقضي به، وأما فيما يقضى به فيفترق المتطوع من غيره. وعن مالك إن ما كان على وجه الخديعة والمكر فهو فيه حانث، وأما كان على وجه العذر فلا بأس
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ١٨
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧) - كتاب الأيمان. (٤) - باب يمين الحالف على نية المستحلف. الحديث: ١٦٥٣
[ ٢ / ١٠٥ ]
به. انتهى (^١).
قوله: (لا إرادة ميتة، أو كذب في: طالق وحرة، أو حرام، وإن بفتوى) معطوف على قوله: كسمن ضأن أي لا ينوي في قوله: امرأتي طالق، وقال إنما أردت له طلاق زوجتي الميتة لا التي في عصمتي، وكذلك لا يصدق في قوله: جاريتي حرة، وقال: أردت بها الميتة لا التي في ملكي. انتهى.
قال في إكمال الإكمال: فلا شك أنها لا تقبل في القضاء.
وظاهر كلام ابن الحاجب ولا في الفتيا وعدم قبولها ظاهر، لأنه إن أراد الإنشاء لم يصح، لأن الإنشاء يستدعي محلا ولا محل.
وإن أراد الخبر فكذلك لا يصح، لأنه لا يفيد.
وإذا لم يصح الأمران وجب أن تصرف يمينه إلى الحنث. انتهى (^٢).
وكذلك لا يصدق إن قال: أردت الكذب فيهما أعني الزوجة والأمة لم ينفعه ذلك في الفتيا ولا في القضاء، وكذلك إن قال لزوجته: حرام، وقال: أردت الميتة أو الكذب لأنه في الكذب محمول على الإنشاء، واحتماله للخبر بعيد ودعوى الكذب في عوارض الخبر لا الإنشاء، فلا تقبل ذلك في جميعها وإن كان في فتوى وأحرى القضاء، وتلخص من كلامه أن الحالف في تصديقه وعدمه ثلاثة الأقسام:
١ - يصدق مطلقا في الفتيا والقضاء
٢ - يصدق في الفتيا فقط.
٣ - لا يصدق مطلقا. انتهى من فتح الجليل (^٣).
قوله: (ثم بساط يمينه) أي فإن فقدت النية المخصصة فيعتبر بساط يمينه.
البساط: هو السبب الحامل على اليمين، فهو حال يتقدم الحلف، فيفعل على مقتضاه من بر أو حنث إذا كانت اليمين مما ينوى فيه. والبساط مظنة النية، فإن قال: والله لا أشرب له ماء، لسبب المن فإنه لا ينتفع منه بشيء.
قوله: (ثم عرف قولي) ابن شاس: العرف ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم (^٤) أي فإن لم تكن له نية ولا بساط، فعرف القول مخصص، كقوله: والله لا
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٣٦ - ٣٧
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٣٨.
(٣) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٢٠
(٤) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٣٤٨.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أركب دابة، فالدابة عندهم الحمار فلا يحنث بركوب غيره، كانت من مراكبه أم لا، وأما العرف الفعلي فلا يعتبر، كقوله مثلا: لا آكل الخبز والفعل عندهم أكل خبز الشعير فإنه يحنث بأكل خبز غيره، لأن المعتبر العرف القولي وهو الخبز.
قوله: (ثم مقصد لغوي) أي فإن لم يكن عرف قولي خصص مقصد لغوي، كقوله: والله لا أركب دابة، حيث لم يكن عرف قولي، فإنه يحنث بركوب دابة حيث هي، (ثم) إن لم يكن عرف لغوي خصص عرف (شرعي)، كقوله: والله لا أكلم فلانا، فإنه يحمل على ما أجازه الشرع من الهجران.
قال صاحب فتح الجليل: وهذا الترتيب هو المشهور، وقيل: يقدم اللغوي.
وقيل الشرعي (^١).
قوله: (وحنث إن لم تكن له نية، ولا بساط بفوت ما حلف عليه، ولو لمانع شرعي أو سرقة) أي ويحنث الحالف إن لم تكن له نية، أو كانت له ونسيها، ولا بساط بسبب فوت ما حلف عليه، سواء كان المفوت لمانع حسي غير مؤقت، كموت المحلوف ليضربنه، أو كان الفوات لمانع شرعي كمن حلف ليطأن امرأته فوجدها حائضا، أو حلف ليبيعن أمته فوجدها حاملا منه، أو كان الفوات عاديا كسرقة أو غصب أو استحقاق أو كانت يمينه مؤقتة كموت من حلف بضربه غدا اليوم. انتهى.
قال في فتح الجليل: قال في التوضيح: من حلف ليفعلن شيئا فتعذر فعله، فإما أن يكون الفعل مؤقت أم لا؟.
ابن بشير: إن كان غير مؤقت بأجل، فإن فرط حتى تعذر الفعل فلا خلاف أنه حانث، وإن بادر فلم يمكنه الفعل فكما لو كان مؤقتا) (^٢). انتهى (^٣).
قوله: (لا بكموت حمام) أي لا يحنث بموت حمام ونحوه (في) حلفه (ليذبحنه)، لأنه تعذر عقلي إذ ذبح ميت محال عقلا، وكذلك من نزل عندنا من ضيف فحلف ألا يذبحوا له، فوجدهم قد ذبحوا فإنه لا يحنث، وكذلك إذا قال لزوجته وهي حائض أو حامل: إذا حضت أو حملت فعلي دينار، فلا يكون عليه شيء إلا بحيض أو حمل مستأنف الضابط في هذا الباب حيث ذكر الباء فإنه يحنث، وحيث ذكر في
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٠.
(٢) التوضيح: ج ٣، ص: ٣٣٨.
(٣) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٢٠
[ ٢ / ١٠٧ ]
فهو حلفه، وحيث ذكر لا لا يحنث، وهو ضابط حسن.
قوله: (وبعزمه على ضده) أي ويحنث الحالف بعزمه على ضد ما حلف عليه إذا كانت يمينه على حنث لأنه التزم به ما يترتب.
قال المواق: وانظر هذا الإطلاق مع قوله قبل هذا وأجزأت قبل حنثه. ولا شك أنه ما كفر حتى عزم على الضد. انتهى (^١).
قوله: (وبالنسيان إن أطلق) أي ويحنث بفعل ما حلف لا بفعله نسيانا إن أطلق في يمينه ولم يقيده بقيد، كقوله: والله لا أكلت فنسي وأكل، وكذلك إن قال: والله لا أكلت عامدا ولا ناسيا فإنه يحنث، وأما إن قال: والله لا آكل طعام فلان عمدا لم يحنث بالنسيان اتفاقا. انتهى.
قوله: (وبالبعض) أي وكذلك يحنث الحالف بفعل بعض ما حلف عليه، كقوله: والله لا أكلت رغيفا فأكل جزء منه وإن قل فإنه يحنث.
قوله: (عكس البر) أي فإنه لا يبرأ إلا بأكل الجميع، كما إذا حلف ليأكلنه قولا واحدا لأن أكل جزء منه محلوف عليه. انتهى.
التلمساني: قال ابن حارث: اتفقوا على أنه إذا حلف على شيء أنه يفعله ففعل بعضه أنه حانث، واختلفوا في الرجل يحلف ألا يدخل دار فلان، فيدخل برجله الواحدة ثم تفكر، فقال ابن القاسم: إذا قد منع الباب من الانغلاق فهو حانث، ابن حبيب: إن كان اعتماده على الرجل الخارجة أو عليهما جميعا فلا يحنث عليه، وإن كان اعتماده على الداخلة فهو حانث.
ابن الماجشون: فإن أدخل يده لم يحنث، وإن دخل رأسه حنث لأنه جل بدنه، وإن رقد فأدخل رجليه لم يحنث، هذا قول ابن الماجشون.
وعلى قول ابن القاسم يحنث في كل ما منع الباب من الإنغلاق. انتهى من التلمساني.
قوله: (وبسويق أو لبن في لا آكل) أي وكذلك يحنث بشرب سويق أو لبن في حلفه لا آكل منها لأن كلا منهما يقوم مقام الأكل، هذا إذا قصد التضييق على نفسه حتى لا يدخل في بطنه طعاما، والسويق واللبن طعام، وأما إن قصد التخفيف على نفسه بعد الأكل فإنه لا يحنث بشرب السويق واللبن.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٤، ص: ٤٤٥.
[ ٢ / ١٠٨ ]
السويق دقيق قمح أو شعير قلت فلت بلبن أو سمن أو عسل.
قوله: (لا ماء ولا يتسحر) أي لا يحنث في حلفه لا أكل فشرب ماء لأنه ليس بطعام، وقال بعضهم: ينبغي أن يقيد بغير ماء زمزم لأن ماء زمزم يقوم مقام الطعام. انتهى.
وكذلك لا يحنث بأكله السحور (في) حلفه (لا أتعشى) لأن العشاء إنما يكون أول الليل والسحور آخره.
قوله: (وذواق) أي لو قال الشيخ: ولا ذواق فلا يحنث إذا حلف لا يأكل شيئا فذاقه ذوقا (لم يصل جوفه)، وأما إن وصل إلى جوفه فإنه يحنث.
قوله: (بوجود أكثر) أي وكذلك يحنث بوجود أكثر من عشرة مثلا (في) حلفه (ليس معي غيره لمتسلف) منه خمسة عشر ف (لا) يحنث بوجوده (أقل) مما حلف عليه كوجود تسعة إذ المراد ليس معي ما يزيد على العشرة.
قوله: (وبدوام ركوبه ولبسه) أي ويحنث بدوام لبسه (في) حلفه (لا أركب وألبس)، لأنه مع الدوام يعد راكبا ولا بسا إذ الدوام كالابتداء، ومفهوم الدوام لو نزل أو نزع في الحال لم يحنث وهو كذلك.
قوله: (لا في كدخول) أي لا يحنث بدوام إقامته في حلفه على كدخول دار. قال ابن القاسم: فيمن حلف لا أدخل الدار وهو فيها أنه لا يحنث بدوام جلوسه فيها خلافا لأشهب، ووجه الأول أن جلوسه لا يعد دخولا، بخلاف دوام ركوبه ودوام لبسه فإنه يعد راكبا ولا بسا ما لم ينزل أو ينزع.
قوله: (وبدابة عبده في دابته) أي وكذلك يحنث من حلف ألا يركب دابة فلان فركب دابة عبده، فإن قلت العبد عندنا يملك، قلت: لأن المنة تلحقه في دابة سيده، والحنث يقع بأقل الأشياء. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: وضمير عبده يشمل عبد نفسه وغيره (^١).
قوله: (وبجمع الأسواط) أي ويحنث بجمع الأسواط (في) حلفه (لأضربنه كذا) عبر الشيخ بئلله بالحنث تجوزا والمعنى أنه بقى على عدم بره، فإن ضربه بسوط له رأسان بنى على الخمسين إن كان مائة مثلا، وإنما يحنث لأن القصد عدم الإيلام وهو منتف مع الجمع، ولا حجة للحالف في قصة أيوب ﴿﴾ في قوله تعالى:
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٢١
[ ٢ / ١٠٩ ]
﴿وخذ بيدك ضعثا فاضرب به، ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤] بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لما تقدم من تقدم العرف في هذا الباب على الشرع. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (وبلحم الحوت، وبيضه، وعسل الرطب في مطلقها) أي وإن حلف لا يأكل لحما أو بيضا أو عسلا فأطلق، فإنه يحنث في اللحم بأكل لحم الحوت وبأكل بيضه في حلفه على البيض، وبأكل عسل رطب التمر في حلفه لا يأكل عسلا، هذا كله إذا أطلق في الجميع، وأما إن كانت له نية أو ليمينه بساط فعليه.
قوله: (وبكعك، وخشكنان، وهريسة، وإطرية في خبز) أي وحنث بأكل كعك أو بأكل حشكنان أو بأكل هريسة أو بأكل أطرية في حلفه لا أكل خبزا، لأن الخبز يشمل ذلك عندهم.
الكعك خبز مدور وكل كعك مدور، وليس كل مدور كعك.
الخشكنان: كعك حشي بالحلاوة.
والهريسة: قمح أو شعير هرس وطبخ بلا طحن، واستبعد ابن عرفة الحنث بالهريسة.
وإطرية بكسر الهمزة ما يعمل من عجين القمح كالخيوط.
قوله: (لا عكسه) أي فإن حلف لا يأكل كعكا أو خشكنانا أو هريسة أو أطرية، فأكل خبزا فإنه لا يحنث.
قوله: (وبضأن ومعز وديكة، ودجاجة في غنم، ودجاج) هذا من باب اللف والنشر، الأول للأول والثاني للثاني أي وحنث بأكل لحم ضأن أو معز في حلفه لا آكل لحم غنم، لأن الغنم يشمل الضأن والمعز، أو حلف لا يأكل لحم دجاج فأكل لحم ديك أو دجاجة، لأن الدجاج يشمل الذكور والإناث فيها، والديكة جمع ديك وهو ذكر الدجاج.
قوله: (لا بأحدهما، في آخر) أي لا يحنث في حلفه لا آكل ضأنا فأكل معزا أو العكس، أو حلف لا يأكل لحم ديك فلا يحنث بأكل لحم دجاجة ولا العكس.
قوله: (وبسمن استهلك في سويق) أي ويحنث الحالف بأكل سمن استهلك في سويق حتى لم يبق له عين قائمة، وأحرى إن لم يستهلك في حلفه لا آكل سمنا
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٢١
[ ٢ / ١١٠ ]
سواء وجد طعمه أم لا، وهو مذهب ابن القاسم لأن السمن يمكن إخراجه منه، وظاهر الكتاب أنه يحنث خلافا لابن بشير إن لم يجد طعمه، وظاهر الكتاب أنه يحنث.
قوله: (وبزعفران في طعام) أي ويحنث بأكل زعفران إن استهلك في طعام في حلفه لا يأكل زعفرانا، لأن الزعفران كذلك يؤكل.
قوله: (لا بكخل طبخ) أي لا يحنث بأكل خل طبخ في طعام في حلفه لا آكل خلا، هذا قول ابن القاسم وهو المشهور، وفرق أبو عمران بين السمن والخل بأن السمن يمكن استخلاصه من السويق بالماء الحار لبقائه فيه، بخلاف الخل، قال سحنون وأصبغ وابن حبيب: يحنث وصوبه التونسي. انتهى (^١).
قوله: (وباسترخاء لها في: لا قبلتك) أي ويحنث باسترخاء لها حتى قبلته في حلفه لا قبلتك لأنه يعد باسترخائه لها مقبلا.
قوله: (أو قبلتني) مشكل لأنه يحنث مطلقا، استرخى لها أم لا في حلفه مثلا إن قبلتني فأنت طالق أو علي كذا.
قوله: (وبفرار غريمه) أي ويحنث الحالف بسبب فرار غريمه (في) حلفه (لا فارقتك أو فارقتني إلا ب) أخذ (حقي) إن فرط حتى فر اتفاقا، (ولو لم يفرط) يحنث على المشهور، ومقابله لمحمد: لا يحنث.
وقوله: (وإن أحاله) تأكيد في الحنث ظاهره الحنث بمجردها ولو قبضه من المحال عليه قبل مفارقة المحيل. انتهى.
وكذلك إن وهبه يريد إلا أن يريد بقوله: لا أفارقه وعليه حقي فإنه لا يحنث إن أحاله.
قوله: (وبالشحم في اللحم لا العكس) أي وحنث بأكل الشحم في حلفه لا آكل اللحم لأن الشحم إنما يتولد من اللحم، بخلاف ما إذا حلف لا آكل شحما فأكل لحما، لأن اللحم لا يتولد من الشحم. انتهى (^٢).
قال في فتح الجليل: الذخيرة: حرم الله لحم الخنزير فحرم شحمه، وحرم على بني إسرائيل الشحم ولم يحرم اللحم (^٣).
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٢
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٢.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٤٥. وفتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٢.
[ ٢ / ١١١ ]
قوله: (وبفرع) أي ويحنث الحالف بأكل الفرع (في) حلفه على أصله كوالله (لا أكل من كهذا الطلع)، وأتى في يمينه بمن التبعيضيه، أو حلف لا آكل هذا الطلع بإسقاط من التبعيضية، وأتى بالإشارة بهذا لأن الإشارة تتناول جميع الأجزاء، والمتولد بعد ذلك فيه من هذه الأجزاء وأدخل بالكاف في قوله: (من كهذا الطلع) القمح كما في المدونة واللبن وغيرهما مما هو أصل، فيحنث بالدقيق والسويق، والخبز وبالزبد والسمن والجبن والزبد بعض اللبن.
قوله: (أو هذا الطلع، لا الطلع أو طلعا) أي لا يحنث إن حلف لا آكل الطلع، أو طلعا فأكل ما تولد منها بإسقاط من التبعيضية والإشارة، معرفا كان أو منكرا لعدم اسم الطلع على ما بعده، ظاهره ولو قرب الفرع من الأصل جدا كالسمن في الزبد وهو كذلك.
قوله: (إلا نبيذ زبيب، ومرقة لحم) لما كان ابن القاسم لا يرى الحنث بالفرع المتولد من الأصل المحلوف عليه، إلا خمسة أشياء استثناها المصنف، فقال: (أو شحمه، وخبز قمح وعصير عنب أي وإن حلف لا آكل الطلع أو طلعا، فإنه لا يحنث بمتولد منه إلا في هذه المسائل الخمس، فإن حلف ألا يأكل زبيبا فإنه يحنث بأكل نبيذه، فإن حلف ألا يأكل لحما فإنه يحنث بشرب مرقه أو أكل شحمه، وقد تقدم هذا وكرره لتجتمع النظائر في موضع واحد، فإن حلف لا آكل قمحا فإنه يحنث بأكل خبزه، فإن حلف لا آكل عنبا فإنه يحنث بأكل عصيره. انتهى.
قال صاحب فتح الجليل: وقول البساطي: إن هذه الأخيرة كالمستغنى عنها، لأنه إذا حنث في النبيذ بالزبيب، فأولى في العصر بالعنب غير بين، لأن المقصود النص على أعيانها، وبعضهم يسمي هذا الفصل بالحلف على ترك الأصول، هل يقتضي الحنث بفعل الفصول، وبعضهم بالحلف على ترك الأمهات هل يقتضي الحنث بالبنات، وعبارة المصنف قريبة من الأول. انتهى (^١).
ونظمها بعضهم فقال: (^٢)
أمراق لحم وخبز قمح … ونبيذ تمر مع الزبيب
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٢. والبيتين بعده كذلك دون نسبة وكذا في الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٤٦.
(٢) البيتين ذكرهما القرافي في الذخيرة، ج ٤، ص ٤٦. دون ذكر قائلهما.
[ ٢ / ١١٢ ]
وشحم لحم وعصير كرم … يكون حنثا على المصيب
قوله: (وبما أنبتت الحنطة) أي وحنث بأكل ما أنبتت الحنطة في حلفه لا آكل من هذه الحنطة، (إن نوى) بذلك قطع (المن).
قال في المدونة ويحنث بما اشترى بثمنها من طعام (^١).
قوله: (لا لرداءة) أي لا يحنث إن كان حلفه لأجل رداءة فيها أو لسوء صنعة طعام، نحو قول المدونة، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء صنعة طعام لم يحنث، وفي نسخة الشارح: «كسوء صنعة طعام»، فجعله مثالا للرداءة وأشعر.
قوله: بما أنبتت بأنه لو أعطاه غيرها لم يحنث وهو كذلك. انتهى من فتح الجليل (^٢).
ابن شاس: إن حلف على فعل شيء بنية فينتقل إلى ما ليس هو معدا للانتقال إليه، كمن حلف ليأكلن طعاما، ففسد فأكله.
فقيل: لا يحنث لأنه قد أكله، وقيل: يحنث، لأنه لم يأكله طعاما، ولو انتقل إلى ما هو معد للإنتقال إليه، وقد ذكر في يمينه لفظة من كقوله: لا أكلت من هذا القمح أو اللبن، فإن قرب تغيره ولم يبعد، فالمذهب كله على أنه يحنث، وإن أكله منتقلا، وإن بعد تغيره، كمن حلف لا يأكل من هذا الطلع، فأكل من بسره أو رطبه أو ثمره، فالمشهور أنه يحنث أيضا. انتهى في الجواهر (^٣).
قوله: (وبالحمام في البيت) أي ويحنث بدخول الحمام في حلفه لا يدخل بيتا لأن الحمام بيت.
قوله: (أو دار جاره) أي وحنث إن حلف لا أدخل عليه بيته فدخل في دار جاره فوجده عنده، لأنه لما كان للجار على جاره من الحقوق ما ليس لغيره، أشبه بيته ببيته، أو لأن الجار لا يستغني عن جاره غالبا، فكأنه محلوف عليه عرفا، وإذا حنث بدار جاره فداره، أولى، ولا فرق بين كونها ملكا أو بكراء، قاله ابن القاسم وأشهب.
ابن القاسم: ويحنث إن اجتمعا تحت ظل شجرة أو جدار، إذا كانت يمينه بفضاء أو لسوء عشرته، وذكر الشارح عن المجموعة فرعا، وهو من حلف لا أدخل
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٩٢.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٥
(٣) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٣٥٧.
[ ٢ / ١١٣ ]
بيت فلان، فدخل في داره دون البيت، فإن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن، ومن سرق منها قطع حنث، فأما دار جامعة تدخل بغير إذن فهي كالطريق فلا يحنث، وقيل يحنث، إلا أن يكون نوى الدار أو يقول منزله، والدار هي المنزل، وذكر العتبي القولين عن ابن القاسم من رواية عيسى. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (أوبيت شعر) أي ويحنث في دخول بيت شعر في حلفه لا دخل عليه بيتا.
قوله: (كحبس أكره عليه بحق) أي كما يحنث الحالف، بدخول دار السجن على المحلوف عليه في حلفه لا دخل عليه بيتا فأكره الحالف بالدخول في السجن في حق لزمه، وأما إن أكره ظلما فلا يحنث، وإذا حنث الحالف بالإكراه حقا، فبدخوله طوعا أحرى، وربما أشعر كلامه بأن المحلوف عليه لو دخل السجن على الحالف لم يحنث وهو كذلك، وسواء دخل طوعا أو بسجن وهو كذلك. انتهى.
قوله: (لا بمسجد) أي لا يحنث بدخوله عليه في مسجد، إذ لا مندوحة له، وقال مالك: وليس على هذا حلف (^٢)، وفرق ابن المواز بين الحمام والمسجد، بعدم لزوم دخوله الأول، بخلاف الثاني، فإنه مطلوب بدخوله شرعا فصار كأنه غير مراد.
قوله: (وبدخوله عليه ميتا في بيت يملكه) أي ويحنث بدخوله عليه حال كونه ميتا قبل دفنه في حلفه لا دخل عليه بيتا يملكه، واستشكل بخروجه عن ملكه بموته وصار للورثة، وأجيب بأن له فيها حقا يجري مجرى ملكه وهو كونه لا يخرج منه حتى يتم غسله وكفنه.
قوله: (لا بدخول محلوف عليه إن لم ينو المجامعة) أي لا يحنث بدخول محلوف عليه في البيت لعدم وقوع ما حلف عليه وهو حلفه لا دخل عليه إلا أن ينوي المجامعة في موضع واحد فيحنث حينئذ بجمعهما.
قوله: (وبتكفينه في لا نفعه حياته) أي ويحنث بسبب تكفينه في حلفه لا أنفعه حياته، لأن الكفن من توابع الحياة، ولأن اليمين محمولة على الانتفاع أبدا وكذلك لو حلف لا أدى إليه حقا ما عاش حنث بتكفينه قالهما مالك، ويحنث بتخليصه ممن يشتمه وبثنائه يعني عليه في نكاح لأنه نفعه.
قوله: (وبأكل من تركته قبل قسمها في: لا أكلت طعامه، إن أوصى) أي ويحنث
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٥.
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٣، ص ٢٤٦.
[ ٢ / ١١٤ ]
بسبب أكل من تركته في حلفه لا آكل طعامه إن أوصى بشيء من ماله (أوكان مدينا) وإن لم يحط الدين بماله، لوقف التركة لذلك، ومفهومه إن لم يوص أولم يكن عليه دين فلا يحنث وهو كذلك قاله ابن القاسم.
أشهب: لا يحنث مطلقا.
قوله: (وبكتاب إن وصل أو رسول، في لا أكلمه) أي وحنث بسبب كتاب إن وصل لمحلوف عليه قرأه أو لم يقرأه، وكذلك يحنث برسول إن بلغ ما أرسل به إلى المحلوف عليه وإلا فلا يحنث، إلا إذا سمعه المحلوف عليه حين الإرسال، فإنه يحنث، هذا كله في حلفه لا أكلمه، هذا ظاهر كلامه، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة، قال المصنف: لأن القصد بهذه اليمين المجانبة وهي غير حاصلة، وظاهر قوله أو بكتاب، سواء كتبه أو أمر بكتبه أو أمر بكتبته، والذي في الواضحة على ما نقله ابن أبي زيد: لو أمر الحالف من يكتب عنه للمحلوف عليه لم يحنث به بحال، إلا أن يقرأه الحالف أو يقرأ عليه أو يحكيه وربما أشعر قوله: لا أكلمه بأنه لو حلف ليكلمنه لم يبر بالكتاب والرسول وهو كذلك قاله ابن الماجشون. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (ولم ينو في الكتاب في العتق والطلاق) أي وإن ادعى الحالف أنه نوى مشافهته لم ينو في الكتاب أنه أرادها في العتق والطلاق فقط وينوي في غيرهما وإليه رجع مالك وكان يقول: ينوي فيهما أيضا، ونسب المصنف التقييد في توضيحه للمدونة وهو كذلك في الأم، وتوهم الشارح أنه في التهذيب وتعقبه قائلا هو فيها من غير تقييد ومفهوم قوله: ولم ينو في الكتاب إلى آخره أنه ينوي في الرسول مطلقا.
ابن يونس: وعلى أنه ينوي يحلف على ذلك لحق الزوجة والعبد إذ اليمين المذكورة في الأم بالطلاق والعتق. انتهى منه.
قوله: (وبالإشارة له) أي وحنث بالإشارة إليه في حلفه لا أكلمه لأن الإشارة كالكلام لقوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ [آل عمران: ٤١] وهذا قول مالك وابن القاسم ولابن القاسم أيضا: لا يحنث بها.
قوله: (وبكلامه ولو لم يسمعه) أي وحنث بكلامه في حلفه لا أكلمه بحيث يمكن
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٥.
[ ٢ / ١١٥ ]
سماعه عادة لولا المانع الذي امتنع لأجله السماع ولو لم يسمعه المحلوف عليه لنوم ثقل أو صمم أو شغل بخلاف البعيد المنهي للسماع بمكان لا يمكن سماعه منه فإنه لا يحنث اتفاقا وأشار بلو إلى خلاف أصبغ ومحمد.
قوله: (لا قراءته بقلبه) قال صاحب فتح الجليل: تحير الناس في فهم هذا مع قوله قبل: وبكتاب إن وصل، فحمله الشارح على قول أشهب أن الحالف لا يقرأ جهرا لا يحنث بقراءة بقلبه، وعلى هذا فليس لها تعلق بمسألة من حلف لا كلمه، وحمله آخر على أنه في المسألة الأولى وصل إليه الكتاب وقرأه بلسانه، بل قال إنه كذلك في بعض النسخ وهو أيضا لأشهب ليطابق قوله هنا لا قراءته بقلبه، وهو مخالف لنص مالك وابن القاسم في المدونة، وحمله آخر على أن الضمائر راجعة للحالف. انتهى (^١).
ويطلب هذا بالنفل في الحنث إذا قرأه الحالف جهرا أو أذن لمن قرأه عليه.
قال صاحب مغني النبيل: لا بمجرد وصول كتابه إليه أو قراءته بقلبه أو قراءة أحد عليه بلا إذن. انتهى.
قوله: (أو قراءة أحد عليه بلا إذن) أي بلا إذن من الحالف.
قال فتح الجليل: فعبارته مشكلة وقرره الشارحان هذا على أن المحلوف عليه كتب للحالف كتابا فلم يقرأه ولا أذن لمن يقرأه، فقرأه غيره عليه بغير إذنه لم يحنث، وحمله غيرهما على قول ابن حبيب: لو قال الحالف لرسوله: اردده أو اقطعه، فعصاه ودفعه للمحلوف عليه، فقرأه أو رماه كاتبه، فأخذه المحلوف عليه فقرأه لم يحنث قائلا، وإذا كان لا يحنث بقراءته والحالة هذه، فأحرى إذا قرأ عليه بغير إذن. انتهى (^٢).
ولو كان هذا مراده لقال: ولو بإذن لأنه إذا لم يحنث بقراءته قليلا يحنث بلا إذن فيها أحرى. فتح الجليل (^٣).
قوله: (ولا بسلامه عليه بصلاة) أي ولا يحنث بسلامه عليه في صلاة إماما كان أو
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٦.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٦.
(٣) الفتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٦.
[ ٢ / ١١٦ ]
مأموما في حلفه لا أكلمه.
قوله: (ولا كتاب المحلوف عليه ولو قرأ على الأصوب والمختار) أي ولا يحنث الحالف بوصول كتابة المحلوف عليه لا أكلمه ولو قرأه الحالف على القول الأصوب عند المازري والمختار عند اللخمي، وأنكر قول ابن القاسم بالحنث غير واحد من أصحابه.
قوله: (وبسلامه عليه معتقدا أنه غيره، أو في جماعة إلا أن يحاشيه وبفتح عليه) أي وحنث الحالف لا أكلم فلانا بسبب سلامه عليه معتقدا في قلبه أنه غيره وأحرى إن ظن وأحرى إن شك، قصد الشيخ الوجه المشكل.
وكذلك يحنث بسلامه على جماعة هو فيها، إلا أن يحاشيه في سلامه قبل التلفظ به فلا يحنث، وما قال البساطي هنا غير ظاهر إذ هو استثناء. انتهى من فتح الجليل (^١).
وكذلك يحنث الحالف لا أكلم فلانا فوقف فلان في قراءته في صلاته ففتح عليه لأنه في معنى قوله: أقرأ كذا.
قوله: (وبلا علم إذنه) أي وحنث الحالف إذا خرجت زوجته بلا علم إذنه (في) حلفه (لا تخرجي إلا بإذني) فإن أذن لها في سفر أو حيث لم تسمعه وأشهد بذلك فخرجت بعد إذنه وقبل علمها بلا إذن لأن معنى كلامه لا تخرجي إلا بسبب إذني وهي قد خرجت بغير سببه.
قال في فتح الجليل: قال المصنف: هذا هو المنصوص في المدونة، ولا ينبغي أن يختلف فيه، لأن قصد الزوج أن لا تعصيه في خروجها بغير إذنه، وهي خرجت ولم تسمع فقد خرجت بغير إذنه، ولم أر فيها قولا بعدم الحنث، إلا قولا حكاه أبو الحسن عن مالك. انتهى (^٢).
قوله: (وبعدم علمه في: لأعلمنه) صوابه وبعدم إعلامه أي وإن حلف لرجل أنه إن علم كذا ليعملنه به فإنه يحنث بعدم إعلامه به فإن أعلمه برئ في يمينه (وإن) كان إعلامه (برسول) أو كتاب وهو مبالغة في الإعلام.
قوله: (وهل إلا أن يعلم أنه علم؟ أي وهل لا يبرأ مطلقا حتى يعلمه علم أنه علمه
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٦.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٦.
[ ٢ / ١١٧ ]
أم لا وهو رأي أبي عمران ولا يبرأ من يمينه إلا أن يعلم أنه علم فيبرأ وإن لم يعلمه لأن القصد علمه وقد حصل وإليه ذهب اللخمي فيه (تأويلان) الأول ظاهر المدونة.
قوله: (أو علم وال ثان في حلفه لأول في نظر) صوابه أو إعلام وال ثان أي ومن حلفه وال أنه إن علم كذا في نظر ومصلحة المسلمين ليعلمنه فمات الوالي أو عزل فولي وال ثاني فإن الحالف يحنث بعد إعلامه الثاني لأنه قائم مقامه في المصلحة، ومفهومه إن لم يكن ذلك في مصلحة المسلمين بل للأمير نفسه أولا مصلحة فيه لم يحنث بعدم إعلامه به.
قوله: (وبمرهون) أي ويحنث بثبوت مرهون (في) حلفه (لا ثوب لي) إذا كان لا نية له.
قال في فتح الجليل: فلا يتعقب إطلاقه كما قال البساطي، لما في المدونة من عدم الحنث إن كان الثوب كفافا أو نوى ذلك وإلا حنث (^١).
قوله: (وبالهبة والصدقة) أي ويحنث الحالف بالهبة غير الثواب وبالصدقة (في) حلفه (لا أعاره) لأن قصده عدم نفعه (و) كذلك يحنث (بالعكس) به وهو إن حلف لا وهبه أو لا يتصدق عليه فأعاره لما في العارية من الصدقة مع التحنيث بالأقل. زاد في النوادر عن ابن القاسم وأشهب: يحنث إن وهبه أو نحله أو أعمره أو أسكنه أو حبس، إلا أن تكون له نية يعرف لها وجها فيصدق (^٢).
قوله: (ونوي) أي وتقبل نيته في قوله: وبمرهون وما بعده (إلا في صدقة) تصدق بها عوضا (عن هبة) حلف لا فعلها أو بالعكس فيحنثه ولا تقبل نيته لتقاربهما.
قوله: (وببقاء ولو ليلا) أي وحنث ببقائه بعد يمينه زائدا على إمكان الانتقال ويخرج ولو كانت يمينه ليلا (في) حلفه (لا سكنت) هذه الدار لأن الدوام سكني عرفا فلا يبقى فيها إلى الصبح.
قال في المدونة: إلا أن ينويه فيجتهد إذا أصبح في مسكن وإن غلا كراؤه (^٣).
قوله: (لا في: لأنتقلن) أي لا يحنث ببقاء في حلفه لانتقلن، وهو على حنث حتى ينتقل، ويؤمر بالانتقال، وهذا إذا أطلق، وأما إن قيد بزمن ومضى حنث، فلو
_________________
(١) فتح الجليل: للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٦.
(٢) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني: ج ٤، ص: ١١٩.
(٣) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٨٧.
[ ٢ / ١١٨ ]
رجع بعد انتقاله لم يحنث، بخلاف التي قبلها لو علقه حنث لأنه حلف أن لا يوجد منه سكني، فمتى وجدته حنث قاله أبو الحسن. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (ولا بخزن) أي وكذلك لا يحنث بخزن في حلفه لا أسكن فيها فخزن فيها المتاع لأن الخزن ليس بسكني.
قوله: (وانتقل في لا ساكنه) أي وانتقل في حلفه لا ساكنه بأحد أمرين أحدهما أن يخرجا (عما كانا عليه) قبل اليمين بأن ينتقلا معا أو أحدهما انتقالا لا يزول معه اسم المساكنة.
ابن غازي: فإن كان في بلد وظهر أنه قصد الانتقال عنه وجب عليه ذلك وإن كان معه في قرية فكذلك أيضا، وإن كان في حارة انتقل عنها وكذلك الدار والبيت قال: وهذا معنى ما في المدونة وغيرها، وهو مما نظر فيه إلى المقاصد والسبب المحرك لليمين، وقاله ابن بشير. انتهى (^٢).
وأشار إلى ثاني الأمرين بقوله: (أو ضربا جدارا ولو جريدا بهذه الدار أي ولو كان الجدار جريدا عند الأكثر لو جود التمييز الدافع للمساكنة خلافا لابن الماجشون في أنه لا يكفي وأما من طوب أو حجر فواضح.
ابن غازي: عطفه بأو تنبيها على أنهما إذا كانا ساكنين في دار فالحالف مخير في الانتقال وضرب الجدار، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وأما مالك فكره الجدار فيها وأشار بلو لخلافين: أحدهما: الخلاف في الحاجز إذا لم يكن بناء وثيقا بالحجر ونحوه بل كان من جريد النخل وشبهه.
والثاني: الخلاف في إجزاء الحاجز إذا عين الدار فقال: بهذه الدار مثلا كما تلفظ به المصنف.
أما الأول فبالجريد فسر ابن محرز المدونة، خلافا لابن الماجشون وابن حبيب.
وأما الثاني فقال ابن عرفة والمصنف: ظاهر قوله في المدونة سماها أم لا.
انتهى (^٣).
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٧.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٩٤.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٩٥.
[ ٢ / ١١٩ ]
وقوله: بهذه الدار متعلق بقوله: ساكنه ولم يذكر المصنف هنا قيدين لا بد منهما أن يكون لكل منهما مدخل ومخرج في قسمهما الدار بالجدار أو غيره.
قوله: (وبالزيارة إن قصد التنجي، لا لدخول عيال) أي وإن حلف لا ساكنه فإنه يحنث بزيارة المحلوف عليه إن قصد بيمينه التنحي عنه والبعد منه لأن ذلك غير موجود مع الزيارة إذ هي مواصلة وقرب فلا يحنث إن لم يقصد التنحي بل كان قصد يمينه لسبب كثرة دخول عيال لما يدخل بينهم قاله ابن رشد، ثم أشار الشرط عدم الحنث بقوله: (إن لم يكثرها نهارا أو يبيت بلا مرض) أي إن لم يكثر الزيارة نهارا أو يبت ليلا وأحرى إن كثر الزيارة ليلا بلا مرض المحلوف عليه.
وقوله: بلا مرض راجع للزيارة والمبيت والظاهر عدم حنثه.
قوله: (وسافر القصر في: الأسافرن، ومكث نصف شهر. وندب كماله) أي وسافر الحالف سفر القصر في حلفه لأسافرن ترجيحا للمقصد الشرعي وإلا أجزأ ما يسمى سفرا لغة وهذا مخالف لما تقدم من تقديم المقصد اللغوي على الشرعي حيث لا بساط ويمكث في سفره نصف شهر وجوبا. وندب مكثه في منتهى سفره كمال الشهر.
قوله: (كأنتقلن) تشبيه لإفادة الحكم أي وإن حلف لينتقلن من بلد كذا فلا بد من سفره مسافة القصر ومكثه نصف شهر وندب له كماله عند ابن القاسم.
قوله: (ولو بإبقاء رحله لا بكمسمار) هذا راجع لقوله: وببقائه ولو ليلا في لا سكنت أي وحنث بإبقاء متاعه فيه ولو بإبقاء رحله ولا يحنث بإبقاء مسمار ونحوه من وتد وشبهه عند ابن القاسم في كتاب محمد وهو المشهور.
قوله: (وهل إن نوى عدم عوده؟) له (تردد) أي وهل يفيد قول ابن القاسم بعدم الحنث إن نوى عدم عوده له وأما إن نوى العود له فكالكثير أو قول ابن القاسم بعدم الحنث مطلقا نوى عدم عوده أولا فيه تردد. انتهى.
وأما لو تركه نسيانا فهل يحنث أولا قولان لابن القاسم وابن وهب.
قوله: (وباستحقاق بعضه، أو عيبه بعد الأجل) أي وحنث من حلف ليقضين فلانا دينه عند أجل كذا، باستحقاق بعضه بعد القضاء وأحرى كله، أو تبين فيه عيب بعد الأجل، ونحوه في المدونة واستشكل الحنث لأن قصد أهل العرف بهذه اليمين إنما هو عدم المطل، وكذا لو قضاه قبل الأجل فاستحق، أو تبين أنه معيب فلم
[ ٢ / ١٢٠ ]
يقضه إلا بعد الأجل، وأما إن قضاه قبل الأجل فلا يحنث وظاهره الحنث ولو لم يعلم الحالف بذلك حين القضاء وهو كذلك وظاهره ولو لم تقم بينة على عين الدنانير على القول بأنها تتعين وأما على أنها لا تتعين أو لم تقم بينة فلا حنث وظاهره الحنث ولو لم يأخذها المستحق بل أجاز البيع وهو كذلك قاله ابن القاسم.
انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (وبيع فاسد فات قبله) أي وحنث من حلف ليقضين فلانا حقه عند أجل كذا فقضاه ببيع فاسد باعه له، أو قاصصه بثمنه في حقه ثم فات المبيع قبل الأجل بما يفوت به البيع الفاسد (إن لم تف) البائع لغريمه بقية حقه ومفهوم الشرط إن وفاه لم يحنث وهو كذلك في بعض النسخ إن لم تف القيمة بالدين وكلاهما صحيح.
قوله: (كأن لم يفت على المختار) أي كأن لم يفت ذلك المبيع بيعا فاسدا إلى الأجل بل يبقي على حاله وقيمته لا تفي بالحق حنث على ما أختاره اللخمي من القولين وهو قول سحنون.
والثاني لأشهب لا يحنث ونصه في التبصرة.
قوله: (وبهبته له، أو دفع قريب عنه، وإن من ماله، أو شهادة بينة بالقضاء إلا بدفعه، ثم أخذه) أي وحنث من حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا فوهب له الحق الذي عليه وفات الأجل وهو قول ابن القاسم وأما إن لم يفت الأجل فهو على حنث إليه عبر الشيخ بالحنث.
المعنى: لا يبرأ من اليمين، وكذلك لا يبرأ منها بدفع قريب غير وكيل عنه الدين لربه في غيبة الحالف وإن كان دفع ذلك من مال الحالف، فإذا كان الحالف لا يبرأ بقضاء قريب عنه فأحرى ألا يبرأ بدفع أجنبي وإذا كان لا يبرأ بدفع قريب عنه من ماله فأحرى ألا يبرأ بدفع قريب من مال نفسه هذا مذهب ابن القاسم.
وأما ابن الماجشون فيبرأ بقضاء بعض أهله عنه.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن.
وقوله: أو شهادة بينة بالقضاء وكذلك لا يبرأ من يمينه إذا حلف ليقضينه إلى أجل فقامت بينة أنه قد قضاه قبل هذا.
وقوله: إلا بدفعه ثم أخذه راجع إلى المسائل الثلاثة أي فلا يبرئه في المسائل
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٧.
[ ٢ / ١٢١ ]
الثلاث إلا بدفع الحق للمحلوف له ثم أخذه منه.
قال البساطي: قولهم: ثم أخذه من تمام الحكم، لا أنه يخرج من عهدة اليمين إلا بالمجموع.
وقال صاحب فتح الجليل وهو واضح (^١).
وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله لو سألني أحد لقلت: قوله: ثم أخذه ليس من تمام الحكم لأنه لو شاء لتركه إذ هو حق له. انتهى.
قوله: (لا إن جن) أي لا إن جن الحالف، (ودفع الحاكم عنه فإن الحالف يبرأ من اليمين قاله ابن القاسم، لأن الحاكم وكيل كل مجنون والوكيل كموكله، (وإن لم يدفع) عنه الحاكم (فقولان): أصبغ: يحنث، وابن حبيب: لا يحنث.
قوله: (وبعدم قضاء في غد) أي وحنث بعدم قضاء في حلفه ﴿في: لأقضينك غدا يوم الجمعة﴾ أو يوم الجمعة غدا يظنه كذلك فقيده بغد وبيوم الجمعة ﴿وليس﴾ يوم الجمعة بل ﴿هو﴾ يوم غيره، فالمعتبر غدا لا اليوم ولا ينقضه أنه غير يوم الجمعة قاله ابن القاسم.
قال في فتح الجليل وعلله في الذخيرة بأنه التزم المتبادر إليه، ولو قال غدوة أو بكرة، ففيما بينه وبين نصف النهار وفي العشى من وقت الظهر للغروب. انتهى (^٢).
قوله: (لا إن قضى قبله) أي لا يحنث إن قضى له دينه قبل أجل اليمين لأن مقصوده تعجيل القضاء.
قال اللخمي: يريد إلا أن يقصد في يمينه المطل فإنه يحنث إن قضى له دينه قبل الأجل (^٣).
قوله: (بخلاف لأكلنه) أي وهذا خلاف من حلف على طعام ليأكلنه غدا فأكله قبل الغد فإنه يحنث لأن الطعام قد يخص به اليوم، والغريم إنما القصد فيه القضاء.
ولو كان مريضا طلب منه الأكل اليوم فحلف ليأكلنه غدا فقدم الأكل عن الغد فإنه لا يحنث.
قوله: (ولا إن باعه به عرضا) أي ولا يحنث إن حلف ليقضينه حقه وهو دنانير
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، ص: ٢٨.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٨.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٤، ص: ١٧٤٦. بتصرف.
[ ٢ / ١٢٢ ]
أو دراهم ولم يقصد عينها فلم يدفع له دنانير ولا دراهم بل باعه به عرضها.
أغفل المصنف الله قيدا لا بد منه هنا وهو أن يكون العرض يساوي قيمة الدين قاله ابن القاسم.
قال صاحب فتح الجليل: وقول مالك: لا أرى ذلك، قال ابن القاسم: كرهه للذريعة، وحمله اللخمي أيضا على الكراهة، ونظر فيه ابن عرفة بأن ظاهر لا أرى الحنث، وأما إن قصد عين حقه حنث. انتهى (^١).
قوله: (وبر إن غاب) أي وبر الحالف ليقضين لفلان حقه إن غاب رب الحق بقضاء وكيل تقاض ديونه، (أو) وكيل (مفوض) لرب الدين، لأن يد الوكيل كيد الموكل.
وقوله: (وهل ثم وكيل ضيعة، أو إن عدم الحاكم - وعليه الأكثر - تأويلان) أي وهل ثم عند فقد هما يبرأ بقضاء وكيل ضيعة لم يوكله على قضاء دينه على الحاكم.
عياض: وهو ظاهر قول المدونة وإن قضى وكيلا له في ضيعة ولم يوكله ربه بتقاضي ديونه أجزأه (^٢).
قال عياض: سواء كان حاكما أم لا، وعلى هذا الظاهر تأولها ابن رشد، أو إنما يبرأ إن عدم الحاكم، وأما إن كان حاكم فلا يبرأ إلا به، وهو تأويل ابن لبابة وعليه اختصرها الأكثر.
ابن عبد السلام: لا نعلم خلافا أن وكيل الضيعة متأخر عن وجود الحاكم العدل إلا ما أشار إليه بعض الأندلسيين في فهم المدونة وفيه نظر. انتهى.
فيه تأويلان أبو محمد صالح: السلطان مقدم على وكيل الضيعة لأنها مسألة نزاع ولا يقطعه إلا هو. انتهى (^٣).
الضيعة ما يقوت فيه الإنسان. انتهى.
قوله: (وبرئ في الحاكم إن لم يحقق جوره وإلا بر أي ويبرئ حالف على وفاء دين قبل أجله وبر في حلفه إذا دفع الحق للحاكم حيث لا وكيل إن لم يحقق جور الحاكم بأن تحقق عدله أو جهل حاله، وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل حقق
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٨.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٩٣.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٢٩
[ ٢ / ١٢٣ ]
جوره بر في يمينه بالدفع له، ولم يبرأ من الدين.
قوله: (كجماعة المسلمين) أي كما يبرأ من اليمين إذا أتى لجماعة المسلمين حيث لا حاكم (يشهدهم) بإحضار الحق ويعلمهم باجتهاده بالطلب ليتخلص من يمينه لا من الدين فالتشبيه بالحاكم في البر لا في الإبراء.
قوله: (وله يوم وليلة) أي وإذا حلف ليقضين فلانا حقه في رأس الشهر، أو عند رأسه، أو إذا استهل، فإنه يفسح له في ذلك يوم وليلة، أتى في الأول بفي وفي الثانية عند وفي الثالثة إذا.
قال صاحب فتح الجليل قال ابن عرفة: قال اللخمي أرى له ثلاثة أيام في الهلال، لأن العرب تسميه في الأولى والثانية هلالا، والثالثة والرابعة قمرا، إلا أن لا يعرف الحالف هذه التسمية (^١).
قوله: (وإلى رمضان، أو لاستهلاله شعبان) أي وإن حلف ليقضينه إلى رمضان أو لاستهلاله فإنه يفسح له إلى انسلاخ شعبان فقط سواء أتى بإلى أو باللام فيحنث بانسلاخ شعبان.
قوله: (وبجعل ثوب قباء، أو عمامة في: لا ألبسه، لا إن كرهه لضيقه، ولا وضعه على فرجه) أي وحنث بسبب جعل ثوب قباء أو عمامة أو قلنسوة أو جبة في حلفه لا ألبسه إلا أن يكون إنما كره الثوب لضيقه، فإن وسعه ولبسه فلا يحنث.
وكذلك لا يحنث إذا وضع ذلك الثوب على فرجه لأن هذا لا يعد لبسا.
قوله: (وبدخوله من باب غير) أي ويحنث بدخوله من باب غير عن حاله بتوسيع أو غلق ففتح غيره (في) حلفه (لا أدخله إن لم يكره الباب لأجل (ضيقه) فإن كرهه لأجل ضيقه وغيره لم يحنث. وكذلك إن كرهه لأجل مروره على من يكرهه.
قوله: (وبقيامه على ظهره) أي ويحنث الحالف في حلفه لا أدخل بيت فلان بقيام على ظهر بيته إذا كان ملكا له وهذا يخالف ما تقدم في الجمعة أنه لا تجزئ فيه صلاة الجمعة. الفرق بينهما أن الحنث يقع بأقل الأشياء.
قوله: (وبمكترى في: لا أدخل لفلان بيتا) أي كذلك يحنث بدخول مكترى في حلفه لا أدخل لفلان دارا لأن الديار إنما تنسب لسكناها.
قوله: (وبأكل من ولد دفع له محلوف عليه وإن لم يعلم إن كانت نفقته عليه) أي وحنث
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١ ص: ٥١٨. وتبصرة اللخمي: ج ٤، ص: ١٧٦٢.
[ ٢ / ١٢٤ ]
الحالف لا يأكل طعام زيد مثلا بسبب أكل طعام دفعه المحلوف عليه لولد الحالف وإن لم يعلم الأب أن الطعام للمحلوف عليه وأحرى إن علم إن كانت نفقة الولد عليه والأب غنيا بأن كان صغيرا أو الأب غني وأما إن كان الولد غنيا أو الأب فقيرا فإنه لا يحنث فإنما يحنث حيث كانت نفقته عليه لأنه ملك أن يرد ذلك ولأنه يقول نفقة ولدي لزمتني ولا أريد من ينفق عليه غيري هكذا قرر.
وقال صاحب فتح الجليل: في دفع له بالبناء للمفعول أي للولد طعام شخص محلوف عليه. انتهى (^١).
قال في الجواهر: وقال سحنون: لا يحنث لأن ابن الحالف ملك ذلك الطعام، وزال ملك المحلوف عليه عنه.
قال أبو إسحاق التونسي: لم يجعل ملك ابنه تقرر على ما أعطاه، فيصير الأب آكل مال ابنه لا مال المحلوف عليه.
قال: ولعله أراد أن ذلك يصير للأب، أن يرده، فلما كان له أن رده لم يتقرر للابن عليه ملك، إلا برضى الأب، فلهذا حنث. انتهى (^٢).
قوله: (وبالكلام أبدا، في لا كلمه) أي ويحنث إذا كلمه أبدا في حلفه لا أكلمه (الأيام، أو الشهور أو السنين) وأتى بالألف واللام لأن الألف واللام لاستغراق الجنس والأبد ظرف لما يأتي كما أن قط ظرف لما مضى.
قوله: (وثلاثة في كأيام) أي ويحنث إذا كلمه في ثلاثة في حلفه لا أكلمه أياما أو شهورا أو سنين فأتى في يمينه بلفظ النكرة.
الحاصل: إذا أتى في يمينه بالألف واللام فإنه يحنث إذا كلمه أبدا وإن أتى في يمينه بلفظ النكرة فإنه يحنث إذا كلمه بأقل الجمع من ذلك وهو ثلاثة وإن كلمه بعد ثلاثة لم يحنث.
قوله: (وهل كذلك في لأهجرنه، أو شهر؟ قولان) أي وهل كذلك يحنث إذا كلمه في ثلاثة أيام في حلفه لأهجرنه من غير ذكر زمان حملا ليمينه على الهجران الجائز شرعا أو يلزمه شهر قولان لأن الأول في كتاب ابن حبيب والعتبية، والثاني لابن القاسم في الموازية. انتهى.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٣٠.
(٢) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٣٥١.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وقال في فتح الجليل وحمل الشارح والبساطي القول الأول على الأبد بعيد، الإنكار ابن عبد السلام الوقوف عليه بعد البحث عنه، وإقرار المصنف له على ذلك.
انتهى (^١).
وسكت المصنف عما لو حلف لا أكلمه يوما أو ليلة أو عدة أيام أو ليال.
ابن عرفة: سمع سحنون ابن القاسم من حلف لا أكلمه يوما وهو في الضحى يكف لمثل تلك الساعة ولو قال في الليل كف لذلك الحين.
ابن رشد الليلة من الغروب لطلوع الشمس والفجر على رأي واليوم بآخر الدورة عنها لنص القرآن. انتهى.
قوله: (وسنة في حين) قالوا: وفي كلام المصنف في (وزمان، وعصر، ودهر) بمعنى أو أي ولزم الحالف سنة إن حلف على ترك فعل في حين أو زمان أو عصر أو دهر فيحنث بالفعل فيها بما يلي يمينه ولا يحنث فيما بعده ونحوه في المدونة من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر فذلك كله سنة. انتهى.
قال في الجواهر: لقوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ [إبراهيم: ٢٥] لو عرفه بالألف واللام، فقيل: هو كالأول وقيل مدة الدنيا. انتهى (^٢).
قال صاحب فتح الجليل وإتيان المصنف به منكر، يحتمل أنه لو عرف لكان الأبد لكنه قال: القول بالأبد ليس إلا في غير الحين انتهى (^٣).
وقال الشارح عن الداودي الأكثر في الدهر والزمان مدة الدنيا ويحتمل أنه كالمنكر وهما قولان حكاهما ابن الحاجب (^٤).
قوله: (وبما يفسخ أو بغير نسائه، في الأتزوجن) أي ويحنث بسبب نكاح فاسد يفسخ أو بتزوجه بغير نساء مثله في حلفه لأتزوجن وهذا إذا كانت يمينه مؤجلة ومضى الأجل وأما إن تزوج نكاحا صحيحا لا يفسخ أو تزوج بنسائه قبل مضي الأجل فإنه لا يحنث.
قوله: (وبضمان الوجه) أي وحنث بضمان الوجه (في) حلفه (لا أتكفل) وأطلق
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢/ اللوحة: ٣١.
(٢) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢/ ص: ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٢/ اللوحة: ٣١
(٤) فتح الجليل للتتائي: ج ٢/ اللوحة: ٣١.
[ ٢ / ١٢٦ ]
لأنه غارم وأحرى إن تكفل بالمال إنما يحنث بضمان الوجه (إن لم يشترط عدم الغرم) إن لم يأت بالمضمون، فإن اشترطه لم يحنث، ومفهوم ضمان الوجه أنه لو تكفل بالطلب لم يحنث وهو كذلك.
قوله: (وبه لوكيل في لا أضمن له إن كان من ناحيته، وهل إن علم؟ تأويلان) أي ويحنث بالضمان لوكيل عن زيد مثلا في حلفه لا أضمن له بشرط أن يكون الوكيل من ناحيته كقريبه أو صديقه الملاطف وهل يحنث مطلقا علم أنه من ناحيته أو إنما يحنث إن علم وإن لم يعلم فلا يحنث وهو لمالك وأشهب في الموازية فيه تأويلان.
قوله: (وبقوله ما ظننته قاله لغيري لمخبر) أي وحنث الحالف بقوله لمن أخبره خبره عن شخص: ما ظننته قال هذا الخبر لغيره (في) حلفه لخبره الأول (ليسرنه) أي ليكتمن الخبر المحلوف عليه ولا يخبر به أحدا فنزلوا قوله ما ظننته قاله لغيري منزلة الأخبار ولو لم يقصده، وترجمان هذا الكلام قول المدونة لو أسر إليه رجل سرا وأحلفه ليكتمنه ثم أسره المسر لآخر غيره فذكره الآخر للحالف فقال له الحالف ما ظننته أسره لغيري حنث. انتهى.
قوله: (وباذهبي الآن) أي وحنث بسبب قوله لزوجته: أذهبي الآن إثر قوله في حلفه: (إثر لا كلمتك حتى تفعلي) كذا لأن قوله اذهبي الآن كلام قبل الفعل، لأن الحنث يقع بأقل الأشياء وهو قول ابن القاسم.
ابن كنانة: لا يحنث وصوبه أصبغ لأنه من تمام مساق اليمين، ابن القاسم قضى لي فيها مالك على ابن كنانة، ونا قض أصبغ قول ابن القاسم هنا بقوله في أخوين حلف أحدهما لا كلم الآخر حتى يبدأه فحلف الآخر كذلك ليست يمين الثاني بتبدئة، وقاله ابن كنانة خلافا لسحنون وابن نافع وأجيب لابن القاسم بأن الحنث يقع بأدنى مماسة البر (^١).
قوله: (وليس قوله لا أبالي بدءا لقول آخر) أي وليس قول الحالف لا أبا لي بدءا لقول آخر في حلفه (لا كلمتك حتى تبدأني)، الفرق بين قوله لا أبا لي وبين اذهبي الآن أنه يحنث بقوله اذهبي الآن أن الحنث يقع بأقل الأشياء والبر بخلاف ذلك فلا يكون قوله لا أبالي بدءا بالكلام.
قوله: (وبالإقالة في لا ترك من حقه شيئا إن لم تف، لا إن أخر الثمن على المختار)
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٢.
[ ٢ / ١٢٧ ]
أي وحنث بسبب الإقالة في المبيع في حلفه لا ترك من حقه شيئا في ثمن السلعة التي وقعت الإقالة فيها إن لم تف السلعة التي وقعت الإقالة فيها بالثمن وقت الإقالة فلا يحنث إن أخره بالثمن في حلفه لا أترك من حقه شيئا وهو قول غير مالك، اللخمي وهو أبين، وإليه أشار بقوله: على المختار، ولمالك يحنث ورب نظرة خير من وضيعة.
قوله: (ولا إن دفن مالا فلم يجده ثم وجده مكانه في أخذتيه) أي وكذلك لا يحنث إن دفن ما لا ثم أراد أخذه فلم يجده غلطا بمكانه ثم وجده مكانه بعد حلفه بطلاق زوجته أنها أخذته لم يحنث لأن قصده إن كان أخذ لم يأخذه غيرك.
وقوله: ثم وجده، وقوله مكانه شرطان ولو كان بحنث علم أنه أخذ ولم يجده أو وجده بغير مكانه لحنث إلا أن يكون على يقين من أنها أخذته. انتهى.
قوله: (وبتركها عالما) قصد المصنف محله الوجه المشكل أي وحنث بترك زوجته عالما وأحرى إن لم يعلم (في) حلفه (لا خرجت إلا بإذني). غفل الشارح هنا ﵀.
قال في فتح الجليل وفهم من قوله: بتركها أنه لو ردها عند إرادة خروجها لم يحنث وهو كذلك، ومفهوم عالما أحرى في الحنث، وذكره لئلا يتوهم أن علمه كالإذن، وبهذا يندفع تعقب الشارح بما في المدونة من أنه يحنث علم أم لا.
انتهى (^١).
قوله: (لا إن أذن لأمر أي لا يحنث إن أذن لها في أمر كعيادة المريض مثلا فزادت بلا علم منه على ما أذن لها فيه أما لو علم وتركها لحنث.
قوله: (وبعوده لها) أي وحنث بسبب عوده إلى الدار المفهومة من لا سكنت.
وقوله: (بعد) أي بعد خروجها عن ملكه (بملك آخر في) حلفه (لا سكنت هذه الدار أن حلف لا سكنت دار فلان هذه) فسكنها بعد أن باعها فلان حنث إن لم ينو ما دامت له أي لفلان لأنه لما قيد بالإشارة كأنه إنما كره سكناها فلا تسقط اليمين انتقالها لغيره فالشرط في كلامه راجع للثانية فقط.
قوله: (إن لم ينو ما دامت له، لا دار فلان، ولا إن خربت وصارت طريقا إن لم يأمر به) أي لا يحنث إن حلف لا سكنت دار فلان ولم يقل هذه، فباعها وسكنها الحالف في
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٢.
[ ٢ / ١٢٨ ]
غير ملكه، إلا أن يكون نوى ألا يسكنها أبدا فيحنث، وكذلك لا يحنث إن حلف لا أدخل هذه الدار ثم خربت وصارت طريقا فدخلها لم يحنث لزوال الاثم عنها، إنما لا يحنث بالمرور، إذا لم يأمر بخرابها، فإن أمر به لتنحل يمينه للدخول حنث. أنتهي فتح الجليل (^١).
قال ابن غازي: هذا هو المتبادر من لفظه، على أنا لم نقف عليه هكذا لغيره؛ وإنما ذكر هذا في المدونة، فيمن دخلها مكرها بعدما بنيت فقال: وإن حلف ألا يدخل هذه الدار فتهدمت وخربت حتى صارت طريقا فدخلها لم يحنث، فإن بنيت بعد ذلك فلا يدخلها وإن دخلها مكرها لم يحنث إلا أن يأمرهم بذلك فيحنث.
ويحتمل أن يكون المصنف فهم أن معنى ما في المدونة إلا أن يأمرهم بالهدم والتخريب وفيه بعد. والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
قوله: (وفي لا باع منه، أو له بالوكيل إن كان من ناحيته) أي وحنث في حلفه لا باع من فلان سلعته فباعها لوكيله، أو لمن هو من ناحيته كقريبه أو صديقه الملاطف، أو حلف لا باع له سلعته أي لا يتولى عنه بيعا كالسمسار مثلا، فإنه يحنث بالوكيل أي يبيعه له لأن الوكيل كالموكل وظاهره كالمدونة على الحالف أنه من ناحية أولا وهو مفسر بذلك في الواضحة، ومثله في المجموعة لابن القاسم، ولمالك وأشهب وفي الموازية: أن الحالف إنما يحنث إذا علم أن المشتري من ناحية المحلوف عليه، واختلف هل هو خلاف وهو للقاضي واستظهر أو وفاق وهو لابن يونس فيه تأويلان.
قوله: (وإن قال حين البيع: أنا حلفت، فقال: هو لي، ثم صح أنه ابتاع له حنث ولزم البيع) أي يحنث الحالف ببيع الوكيل، وإن قال الحالف حين البيع: أنا حلفت أن لا أبيع، فقال المشتري: هو لي فباعه ثم صح أي ثبت بالنية أنه ابتاع للمحلوف عليه ولزم البيع فليس للحالف نقضه. انتهى.
قوله: (وأجزأ تأخير الوارث) أي وكفى تأخير الوارث (في) حلفه لأقضينك حقك (إلا أن تؤخرني) به فمات قبل أن يؤخره فأخره الوارث الكبير لأنه حق يورث كان الحلف بالله أو لغيره.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٢.
(٢) شفاء الغليل: ج ٢، ص: ٣٩٧.
[ ٢ / ١٢٩ ]
قوله: (لا في دخول دار) أي لا يجزئ إذن وارث في حلفه لا أدخل دار فلان إلا بإذنه فمات فلان وأذن له وارثه بالدخول، فإن دخل حنث لأن الإذن ليس بحق يورث.
قوله: (وتأخير وصي بالنظر) أي وأجزأ تأخير وصي أي وكفى عند ابن القاسم تأخير وصي بالنظر في حلفه لفلان لأقضينك حتى تؤخرني فمات قبل أن يؤخره، فأخره وصيه بالنظر، كما إذا خاف إن قام عليه نكره أو قام الغرماء عليه ومفهومه أنه إذا أخره بغير نظر لا يجزئ.
وقال في المجموعة: وإن أخره بغير نظر أجزأ وأثم الوصي. انتهى.
ولم يذكر في المدونة هنا كونه نظرا، وذكر أبو الحسن أنه في كتاب الوصايا أجاز تأخير الوصي. فتح الجليل (^١).
قوله: (ولا دين) أي والحال ألا دين على الميت في الفرعين تأخير الوارث وتأخير الوصي وأما إن كان الدين على الميت فلا يبرأ الحالف.
ابن ناجي: على المشهور.
ابن عرفة: محمد عن أشهب يجزئ تأخير الوصي مع الدين، فإن قام ربه سقط التأخير.
قوله: (وتأخير غريم) أي وأجزأ تأخير الغريم (إن أحاط) دينه بتركة الميت (وأبرأ) ذمة الغريم في حلفه لأقضين فلانا حقه إلا أن يؤخره فمات فلان قبل أن يؤخره فأخره غريم الميت المحلوف له.
ابن عرفة وكذا في حياته مفلسا وقيده أبو عمر أن يكون الحق من جنس دين الغرماء.
قلت: وإلا جاء فسخ الدين في الدين، ومفهوم الشرط إن لم يحط الدين لا يجزئ ولو أبر الغريم. انتهى فتح الجليل (^٢).
قوله: (وفي بره في لأطأنها فوطئها حائضا، وفي لتأكلنها فخطفتها هرة فشق جوفها وأكلت، أو بعد فسادها قولان) هي ثلاث مسائل في كل منهما قولان في البر وعدمه أي وفي بره في حلفه على حنث مثل: لأطأنها فوطئها حائضا هل يبرأ وهو قول محمد
_________________
(١) فتح الجليل: ج ١، ص: ٥٢٤
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ٥٢٤.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وسحنون.
قال شيخنا محمود: لأنه وطئها أولا يبرأ بوطئها حائضا لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا وهو قول ابن القاسم، ومثار الخلاف حمل اللفظ على مفهومه لغة، أو شرعا، وأيضا هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا أولا.
أما لو كانت يمينه على بر مثل إن وطئتك فوطئها حائضا حنث، قاله ابن حارث.
قال المصنف: ولا ينبغي أن يختلف فيه.
المسألة الثانية وهي حلفه لزوجته لتأكلن هذه المضغة، فخطفتها هرة عند مناولته إياها وأكلتها فشق جوفها عاجلا وأخرج المضغة قبل فسادها فأكلتها الزوجة هل يبرأ الحالف من يمينه لأنها أكلتها أو لا يبرأ قولان.
الثالثة إن حلف لامرأته لتأكلن هذه المضغة وأخرجتها حين يمينه ثم أكلتها بعد فسادها هل يبرأ من يمينه أولا قولان سحنون يبرأ من يمينه والحنث لمالك … ورجحه اللخمي بوجهين أحدهما حمله على العادة أنه يوكل غير مفسود.
ثانيهما أنه إذا فسد ذهب بعضه والحالف على شيء ليأكلنه لا يبرأ إلا بجميعه.
انتهى.
ولو خلف ليأكلنه لم يبرأ إلا بأكل جميعه قولا واحدا لأن كل جزئ محلوف عليه.
قوله: (إلا أن تتوانى) هذا راجع إلى مسألة الهرة أي إلا أن تتراخى المرأة في قبولها من الزوج حتى خطفتها الهرة، فقال في سماع أبي زيد من كتاب الأيمان بالطلاق: وإن توانت قدر ما لو أرادت أن تأخذها وتحوزها دون الهرة فعلت حنث هكذا قرره ابن غازي.
وقال صاحب مغني النبيل: إلا أن يتوانى الزوج عن إخراج البضعة من بطن الهرة فلا يبرأ وإن أكلتها.
قال صاحب فتح الجليل: وظاهر كلام الشارحين أنه قيد في الأول فقط، ويحتمل أنه في المسألتين (^١).
قوله: (وفيها الحنث بأحدهما في لا كسوتها) أي وفي المدونة الحنث بأحدهما أي بأحد الثوبين في حلفه لا كسوتهما إياها (ونيته الجمع) بينهما (واستشكل) حنثه لأنه
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١، اللوحة: ٥٢٤.
[ ٢ / ١٣١ ]
حنثه مع أنه نوى خلاف ذلك.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله تعالى -: محل الإشكال أن شرط النية المخصصة أن تكون منافية ممن حلف لا ألبس ثوبا وقال نويت كتانا ولم ينف غيره فإنه يحنث بغيره لأن نيته مؤكدة وأما إن نفى غيره فقال: في نيته نويت كتانا لا غيره فإن نيته مخصصة منافية. انتهى.
قال محمد بن عبد الكريم محل الإشكال أنه حلف على الجميع لا الجمع، فهو من باب الكلية لا من باب الكل، ويظهر بنص الإمام في ذلك، والكلية هي الحكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد، والكل هو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع. انتهى.
فصل [في النذر]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل النذر، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، وللنذر ثلاثة أركان الملتزم له والملتزم والصيغة وبدأ بالملتزم له فقال: (النذر التزام مسلم كلف) الالتزام: الإيجاب لأمر على نفسه لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] والنذر من العقود ولقوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه (^١)، وأخرج بقوله: مسلم، الكافر، لتحقق اللزوم الشرعي فلا يلزم الوفاء بنذر الكافر، ولكن استحب له الوفاء به إن أسلم، وأخرج بقوله: مكلف الصبي والمجنون ودخل السكران إن سكر عمدا.
قوله: (ولو غضبان، وإن قال إلا أن يبدو لي أو أرى خيرا منه) أي يلزمه ما التزمه ولو التزمه في حال كونه غضبان، وإن قال إلا أن يبدو لي في الفعل، أو أرى خيرا منه فلا ينفعه ذلك بل يلزمه النذر وأشار بلو في قوله: ولو غضبان إلى ما روي عن ابن القاسم فيه وفي اللجاج كفارة يمين.
قال في فتح الجليل: ومال إليه بعض الشيوخ، وجعله من نذر المعصية، لا يلزم الوفاء به.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٦) - كتاب الأيمان والنذور. (٣٠) - باب النذر فيما لا يملك وفي معصية. الحديث: ٦٣٢٢.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وفي المعونة: اللجاج أن يقصد منع نفسه من فعل شيء، ومعاقبتها بإلزامها النذر، كقوله: الله علي نذر إن كلمت فلانا، أو بت في داري، وما أشبه ذلك مما يقصد به غيظ نفسه، والتشديد عليها. انتهى (^١).
قوله: (بخلاف إن شاء فلان فبمشيئته) أي وهذا بخلاف قوله: علي كذا إن شاء فلان فبمشيئة فلان يلزمه ما نذر، وفرق أبو إسحاق بينهما بأنه في الأولين وقع فلا يرتفع وفي مشيئة فلان معلق لم يقع إلا بمشيئته وبقي على المصنف ما إذا علقه على مشيئة الله كإن كلمت فلانا فعلى الحج إن شاء الله فكلمه لزمه الحج على المشهور.
وفي الجلاب: لا يلزمه إن أعاد الاستثناء على كلام فلان، وإن أعاده على النذر لم يسقط عنه (^٢)، واستشكل، وانظر بيان الاستشكال وجوابه في الذخيرة. انتهى.
قوله: (وإنما يلزم به ما ندب) هذا هو الركن الثاني وهو الملتزم بفتح الزاء.
المراد بالندب هنا ما دون الفرض أي والنذر إنما يلزم به من الأحكام الخمسة ما ندب فقط ولا يلزم غيره، لأن الواجب واجب بنفسه، فنذره من باب تحصيل الحاصل، والحرام محرم نذره لقوله ﷺ: «من نذر أن يعص الله فلا يعصه» (^٣)، ونذر المكروه مكروه والمباح مباح فتعين المندوب.
قوله: (كلله علي، أوعلي ضحية) هذا هو الركن الثالث وهو الصيغة، كقوله لله علي أو قال علي ضحية سواء قال الله أو لم يقله، وقد تقدم هذا في باب الضحية في قوله: وإنما تجب بالنذر والذبح.
قوله: (وندب المطلق) ولما تقدم أن النذر إنما يلزم منه ما كان مندوبا ذكر أقسامه باعتبار الإقدام عليه وهي ثلاثة أشار لأولها بقوله: وندب أي وندب المنذور المطلق وهو ما ليس بمكرر ولا معلق ويصير لازما، والنذر المطلق هو أن يوجب على نفسه شيئا لله شكرا لله على ما وقع من النعم، وأشار إلى الثاني بقوله: (وكره المكرر) أي وكره النذر المكرر كنذر صوم كل خميس أو الاثنين لأنه قد يأتي وهو
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٣
(٢) التفريع للجلاب: ج ١، ص: ٣٧٧
(٣) أخرجه البيهقي في معرفة السنن الآثار المحقق: سيد كسروي حسن. الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الحديث: ٥٨٥١.
[ ٢ / ١٣٣ ]
كسلان متثاقل به فيكون لغير الطاعة أقرب، وأيضا التكرار مظنة الترك قال تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧] وأشار للثالث بقوله: (وفي كره المعلق) أي وفي كره نذر المعلق وعدم كراهته (تردد) لأنه كالمعاوضة كما إذا قال: إن شفاني الله من مرضي هذا، أو حصل كذا، أو إن نجاه الله من البحر، أو على دفع نقمة كرهه الباجي وابن شاس وأباحه ابن رشد.
قوله: (ولزم البدنة بنذرها، فإن عجز فبقرة، ثم سبع شياه لا غير) أي وإن نذر بدنة فإنها تلزمته معلقا أو غيره فلا يجزئ غيرها مع القدرة عليها، فإن عجز عنها فتلزمه بقرة، ثم إن عجز عن البقرة، لزمته سبع شياه كشياه الضحية، فإن عجز عن السبع الشياه لا يلزمه غير ذلك ولو كان عنده ست شياه ولا يلزمه صوم ولا إطعام بل يصير إلى أن يجد الأصل أو البدل خلافا لمن قال: يصوم سبعين يوما، وخلافا لمن قال: يطعم سبعين مسكينا، والعجز عن البدنة أو عن البدل يكون بعدم وجود الثمن ويكون بعدم الوجود مع القدرة على الثمن.
قوله: (وصيام بثغر) أي ولزم صيام نذر فعله بثغر يتقرب إلى الله ﷺ بإتيانه، وإن كان الناذر بمكة والمدينة لما في ذلك من زيادة حفظ المسلمين. الثغر بثاء مثلثة مفتوحة وسكون عين معجمة ما يلي دار الحرب وموضع المخافة من بروج البلدان.
قوله: (وثلثه حين يمينه إلا أن ينقص فما بقي) أي ولزمه إخراج ثلث ماله حين يمينه إلا أن ينقص المال قبل حنثه، فلا يلزمه إلا ما بقي، ظاهره ولو نقص بالنفقة، أو التفريط وهو كذلك، وهذا يفسر ما تقدم في اليمين.
قوله: (بمالي في كسبيل الله) أي ولزمه ثلثه بقوله: مالي في كسبيل الله (وهو الجهاد، والرباط بمحل خيف) العدو فيه، كالثغور والسواحل، بخلاف جدة فليست بثغر.
قال في المدونة: لأن العدو لم ينزلها إلا مرة واحدة وأدخل بالكاف في كسبيل الله أنواع القربات كالصدقة للفقراء والمساكين أو هبة لهم أو المساجد أو غير ذلك مما فيه قربة.
قوله: (وأنفق عليه من غيره) أي وأنفق على الثلث من غيره من الثلثين الباقيين له إن احتيج في إيصاله لمحله، وهو قول مالك وابن القاسم كالزكاة وقيل منه، وأشعر قوله: مالي بأنه لو قال ثلث مالي لم يلزمه الإنفاق على إيصاله محله من غيره وهو
[ ٢ / ١٣٤ ]
كذلك اتفاقا، وفرق ابن رشد بأن الأصل في مالي إخراج الجميع فلما رخص له في الثلث وجب إخراج جميعه بخلاف ثلث مالي لا يلزمه غيره.
قوله: ﴿إلا لمتصدق به على معين﴾ الاستثناء منقطع أي لكن إن تصدق بالمال على شخص معين (فالجميع) أي فجميع المال للمعين.
ابن غازي: وهذا الفرع في النوادر والنكت ولهما عزاه أبو الحسن الصغير وتبعه في التوضيح، وفي بعض النسخ: كتصدق بالكاف فيدخل تحت الكاف من نذر صدقة ماله، فظن لزوم جميعه، فأخرجه، ثم أراد الرجوع في ثلثه، بعد صيرورته بيد الغير، فهو شبه التصدق على معين من هذا الوجه، وهذا الفرع وإن لم يكن مذكورا في مشاهير الكتب فعليه حمل ابن راشد القفصي (^١) قول ابن الحاجب فلو أخرجه ففي مضيه قولان، وعضده في التوضيح بأنه المأخوذ من كلام ابن بشير. انتهى (^٢).
ابن عرفة: ونذر شيء لميت صالح، معظم في نفس الناذر، لا أعرف فيه نصا وأرى أن قصد مجرد كون الثوب للميت تصدق به بموضع النذر وإن قصد الفقراء الملازمين لقبره أو زاويته تعين لهم إن أمكن وصوله لهم. انتهى (^٣).
قوله: ﴿وكرر أخرج، وإلا فقولان﴾ أي وكرر إخراجه الثلث في حلفه بما لي في سبيل الله إن حنث ثانيا وثالثا كذلك وإن حنث فيه قبل أن يخرج الأول فهل يخرجه ثانيا أو يكفيه الثلث الأول قولان مالك يكفيه إخراج ثلث واحد أولا يكفيه واحد بل يخرج ثانيا أو ثالثا إن كان وهو قول ابن القاسم وأشهب. انتهى فتح الجليل (^٤).
قوله: ﴿وما سمى وإن معينا أتى على الجميع﴾ أي ولزم الناذر إخراج ما سمى كنصف ماله أو ربعه أو ثلثه وإن كان المسمى معينا أتى ذلك المعين على جميع ماله كفرسي مثلا أو بستاني وليس له إلا ذلك المعين على المشهور.
وعن مالك يلزمه الثلث وبه قال ابن نافع وأصبغ، وفرق عبد الحق بين هذه
_________________
(١) محمد بن عبد الله بن راشد البكري نسبا، القفصي بلدا، نزيل تونس، أبو عبد الله، المعروف بابن راشد: عالم بفقه المالكية. ولد بقفصة، وتعلم بها وبتونس والاسكندرية والقاهرة. ولي القضاء ببلده مدة، وعزل. وتوفي بتونس عام: ٧٣٦ هـ. له تأليف، منها (لباب اللباب - ط) في فروع المالكية، و(الشهاب الثاقب) في شرح مختصر ابن الحاجب. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٢٣٤
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٨٣٩ - ٨٤٠. مخطوط
(٤) فتح الجليل للتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٤
[ ٢ / ١٣٥ ]
وبين قوله: مالي ولم يعين شيئا يلزمه الثلث فقط، بأن الذي عين أبقى لنفسه ولو ثياب ظهره، أو مالا يعلمه كميراث بخلاف الآخر. انتهى من فتح الجليل (^١).
وقال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله تعالى -: ولأن الذي جعل ماله كله في السبيل لما كان فيه من الحرج أكتفى فيه بالثلث.
قوله: (وبعث فرس وسلاح لمحله إن وصل، وإن لم يصل بيع وعوض) أي ولزم بعث فرس وسلاح نذرهما في سبيل الله إلى محل الجهاد إن أمكن وصوله إليه وإن لم يمكن وصوله بيع وعوض هناك بجنسه لا غير، لا يعوض بثمنه بغير الفرس ولا يعوض السلاح إلا بمثله من آلة الحرب إن سيفا فسيف وإن رمحا فرمح وإن نبلا فنبل.
أبو الحسن: وليس له حبسه وإخراج قيمته من ماله. انتهى.
قوله: (كهدي) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يلزمه بعث هدي إلى محله إن أمكن وصوله وإن لم يمكن بيع وعوض هناك مثله (ولو كان هذا الهدي (معيبا) كما إذا نذر عوراء أو عرجاء (على) القول (الأصح) إذ لا تطلب السلامة إلا في الهدي المطلق كلله على بدنة ومقابل الأصح لا يبعث المعيب بل يباع ويشترى بثمنه سليما.
التونسي: الأشبه في المعيب غير معن سقوطه كنذر صلاة في وقت لا تحل.
قوله: (وله فيه إذا بيع الإبدال بالأفضل) أي وجاز للناذر في الهدي إذا بيع سليما كان أو معيبا الإبدال بالأفضل منه وله شراء مثله.
قوله: (وإن كان كثوب) أي وإن كان المنذور بهديه ثوب أو عبد أو غير ذلك مما لا يهدى به (بيع) واشترى هدي (وكره بعته) بنفسه فإن وقع ونزل وبعث به بيع هناك واشترى بثمنه هناك هدي وإليه أشار بقوله: (وأهدي به) أي بثمنه.
قوله: (وهل اختلف هل يقومه؟ أو لا، أو لا ندبا، أو التقويم إذا كان بيمين؟ تأويلان) أي وهل اختلف أم لا وعلى الاختلاف هل يقومه على نفسه إن شاء أو لا يقومه وجوبا أو يقومه إن شاء أو لا يقومه ندبا أو التقويم إن كان في يمين لأن الحالف غير قاصد للقربة وإلا فلا يقومه على نفسه فيه تأويلان، هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر حفظه الله تعالى.
قوله: (فإن عجز عوض الأدنى، ثم لخزنة الكعبة يصرف فيها إن احتاجت) أي فإن
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٤.
[ ٢ / ١٣٦ ]
عجز ثمن ما لا يهدى به عن ثمن الهدي أو فضل عن الهدي مالا يبقى بهدي آخر عن هدي أعلا كالبدنة والبقرة عوض الأدنى وهو شاة وإن عجز عن الهدي الأدنى يدفع لخزنة الكعبة وهم أمناؤها وحلها وغلقها يصرف في مصالحها إن احتاجت إليه.
قال صاحب فتح الجليل وهذا القيد ليس في الرواية بل في الموازنة وذكره المصنف لرفع الإشكال (^١).
قوله: (وإلا تصدق به) أي وإن لم تحتج له الكعبة تصدق به، وأجمل الشيخ حمد الله بعدم ذكر من تصدق عليه، ابن القاسم تصدق به حيث شاء، أصبغ على فقراء الحرم. انتهي.
وحيث أعطاه للخزنة ليصرفوه في مصالحها فلا يشرك معهم غيرهم في صرفه، ﴿وأعظم مالك أن يشرك معهم غيرهم﴾ في صرفه وفي خدمتها، ﴿لأنها ولاية منه ﵊﴾ أي لأن القيام بها والحكم عليها أو التصرف فيها ولاية منه، إذ دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة (^٢) وقال: «هي لكم يا بني عبد الدار خالدة لا ينزعها من أيديكم إلا ظالم» (^٣).
قوله: (والمشي لمسجد مكة أي ولزم المشي إلى مسجد مكة لمن نذره (ولو لصلاة) أشار بلو إلى خلاف القاضي إسماعيل في أن من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة لا للحج لم يكن عليه المشي واليركب إن شاء وخص مسجد مكة لأنه لا يلزمه المشي لمسجد المدينة ولا إيليا على المشهور بل يركب لهما خلافا لابن وهب وظاهره ولو كان الناذر امرأة وهو كذلك على المنصوص وقيل إن لم يكن مشيها عورة وللزوج منعها من نذر المشي.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ٢/ اللوحة: ٣٥.
(٢) عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار العبدري حاجب البيت أمه أم سعيد بن الأوس قتل أبوه طلحة وعمه عثمان بن أبي طلحة بأحد ثم أسلم عثمان بن طلحة في هدنة الحديبية وهاجر مع خالد بن الوليد وشهد الفتح مع النبي ﷺ فأعطاه مفتاح الكعبة سكن المدينة الى أن مات بها سنة اثنتين وأربعين قاله الواقدي وابن البرقي وقيل استشهد بأجنادين قال العسكري وهو باطل. الإصابة: ج ٤، ص: ٤٥٠، الترجمة: ٥٤٤٤.
(٣) المعجم الكبير للطبراني: ج ١١، ص ١٢٠ أحاديث عبد الله بن عباس عبيد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس
[ ٢ / ١٣٧ ]
قوله: (وخرج من بها وأتى بعمرة) أي وخرج من لزمه المشي وهو بمكة إلى الحل وأتى بعمرة ماشيا ولو من أدنى الحل وظاهره سواء التزم ذلك وهو بالمسجد أو خارجا عنه وهو مذهب ابن القاسم، وأما مالك فإن كان في المسجد يمشي من مكانه للبيت في غير حج ولا عمرة.
قوله: (كمكة، أو البيت، أو جزئه) أي كما يلزمه المشي لمكة أو الكعبة أو جزئه كبابه أو ركنه أو شاذروانه أو ملتزمه أو حجره إذا نذر المشي إلى واحد منهما.
قوله: (لاغير) أي لا غير المذكور (إن لم ينونسكا) حجا أو عمرة كما إذا نذر المشي إلى ما ليس بجزء البيت كزمزم والصفا والمروة وعرفة والمزدلفة فإنه لا يلزمه، وأما إن نوى نسكا لزمه.
قوله: (من حيث نوى، وإلا حلف) أي ويلزم الناذر أو الحالف به المشي من حيث نوى إن كانت له نية وإن لم تكن له نية فمن حيث حلف وهو مذهب المدونة لأن الإنسان إنما يلزمه ما هو معلوم عنده وموضع الحنث غير معلوم.
وقال في فتح الجليل وقول البساطي من حيث نوى هو بمعنى قولهم من حيث نذر غير جلي (^١).
قوله: (أو مثله) أي يلزمه المشي من مثل موضع حلفه في المسافة (إن حنث به) أي بغير موضع حلفه.
قال اللخمي: لأن القصد التقرب بمثل تلك الخطى ولا مزية في هذا للأراضي (^٢). والتقييد بمثله مقتضى لعدم الأجزاء بدونه وحكاه في توضيحه ولم يعزه. انتهى.
قوله: (وتعين محل اعتيد) أي وتعين لابتداء مشيه محل أعتيد المشي منه للحالف بالمشي أو ناذره وإلا فجميع نواحي البلد سواء ما لم تكن له نية.
قوله: (وركب في المنهل) أي والمعنى وله الركوب في إقامته في المنهل ما دام به (و) كذلك له الركوب (لحاجة) له في المنهل أو احتاج الرجوع لها وله الركوب لها يمينا ويسارا وبين يديه فإن ارتحل من المنهل مشى.
قوله: (كطريق قربى اعتيدت) أي كماله السلوك في مشيه بطريق قربى إذا كانت
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٥.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٤، ص: ١٦٤٢ بتصرف.
[ ٢ / ١٣٨ ]
معتادة مفهومه إن لم تكن معتادة فليس له المشي منها وهو كذلك.
قوله: (وبحرا اضطر له) أي ويركب البحر إذا أضطر له كمن هو في جزيرة لا يمكنه المرور منها إلا في سفينة ثم يمشي بعد ذلك.
قوله: (لا اعتيد على الأرجح، لتمام الإفاضة وسعيها) أي لا يركب بحرا أعتيد سلوكه للحاج حيث لا ضرورة على ما اختاره ابن يونس من اختلاف.
قوله: لتمام الإفاضة لما ذكر مبدأ المشي بقوله: من حيث قدر أو من حيث حلف أو مثله إن حنث به شرع يذكر غايته أي وغاية المشي لتمام طواف الإفاضة في الحج وتمام سعي العمرة إن كان الحالف نوى أو الناذر بها.
قوله: (ورجع وأهدى إن ركب كثيرا بحسب المسافة، أو المناسك والإفاضة) أي ورجع الحالف أو الناذر إلى مكة وأهدى إن ركب كثيرا بحسب المسافة في البعد والقرب، وكذلك يرجع إن ركب المناسك من منى وعرفة والمزدلفة أو طواف الإفاضة وإن كانت يسيرة لأن هذه الأفعال لما كانت هي المقصودة نزلوها منزلة الكثير لأن ركوبه وقع في مواضع أعامل الحج فهو أشد لمن ركب كثيرا من غيرها.
قال صاحب فتح الجليل: وفهم من جمعه الإفاضة مع المناسك، أنه لا يرجع لركوبه الإفاضة فقط، ويأتي قريبا مصرحا به (^١).
قوله: (نحو المصري) هذا هو فاعل رجع قصد المصنف بذكر المصري ونحوه ما في رجوعه خلاف المدني ونحوه يرجع بلا خلاف والإفريقي لا يرجع بلا خلاف.
قوله: (قابلا فيمشي ما ركب في مثل المعين) أي ورجع نحو المصري في العام القابل ليمشي في رجوعه الأماكن التي ركبها أولا ويكون مشيه في مثل المعين أولا فإن كان حجا ففي مثله وعمرة ففي مثلها فإن عكس فلا يجزيه لما بينهما من التغاير.
قوله: (وإلا فله المخالفة) أي وإن لم يكن النسك الأول معينا بل حلف بالمشي أو نذر مشيا مطلقا ثم مشى محرما بأحدهما فعجز فإن له الرجوع للمشي المخالفة لما دخل به أولا من حج أو عمرة أو العكس خلافا لسحنون في منعه جعل الثاني في عمرة إذا كان الأول في حج.
قوله: (إن ظن أولا القدرة) أي وما تقدم من وجوب الرجوع والهدى لمشي ما
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٦.
[ ٢ / ١٣٩ ]
ركب، إن ظن الحالف أو الناذر حين حلفه أو نذره القدرة على مشي كل الطريق فعجز (وإلا) أي وإن لم يظنه بل توهمه أو علم عدمها لضعف أو كبر أو نوى أنه لا يمشي إلا طاقته ولو شابا (مشى) حينئذ (مقدوره) ولو نصف ميل (وركب) عند عجزه (وأهدى فقط) أي بلا رجوع لمشي ما ركبه وكلام الشارحين غير محرر.
قال فتح الجليل: أما الشارح إن ذلك فيما إذا علم أول خروجه في الثانية، أنه لا يقدر على المشي كل الطريق.
البساطي: فإنه قال إذا ظن حين الأخذ في السير، فإن كان مراده في أول أمره فغير ظاهر، وإن كان مراده كما قال الشارح فغير ظاهر أيضا فتأمله. انتهى (^١).
قوله: (كأن قل) تشبيه أي كما أن عليه الهدي فقط إن كان ركوبه قليلا (ولو) كان (قادرا) على مشي ذلك القليل فلا يرجع وهو مفهوم قوله: إن ركب كثيرا ثم مثل القليل بقوله: (كالإفاضة فقط) واحترز بقوله: فقط عما لو زاد على رجوعه للإفاضة رجوعه قبل ذلك من عرفة لمنى، أو ركوبه حين خروجه من مكة لعرفة، وقول البساطي: كالإفاضة تشبيه لإفادة الحكم لا تمثيل للسير غير ظاهر مع قوله قبله في قوله أو المناسك والإفاضة أنه يسير في الصورة. انتهى فتح الجليل (^٢).
قوله: (وكعام عين وليقضه) أي كما لا رجوع عليه قابلا في حلفه أو نذره في عام معين كلله علي المشي إلى مكة في هذا العام أو العام الفلاني فحج راكبا في ذلك العام فلا رجوع عليه لفواته ولزمه الهدي فقط، ولكن إن فاته الحج بغير عذر قضاه، وأما إن فاته بعذر فلا قضاء عليه في المسألتين، ومفهوم المعين الرجوع في المضمون وهو كذلك.
قوله: (أو لم يقدر) أي وكذلك يهدي فقط من أمر بالرجوع ثانيا على مشي ما ركب أولا ويرجع وهو مذهب المدونة.
قوله: (وكإفريقي) أي كما يهدي فقط، ولا يرجع ليمشي ما ركب من بعدت داره كإفريقي أو أندلسي.
قوله: (وكأن فرقه) أي وكما لا يرجع من فرق المشي في الزمان ومشى على غير العادة فأقام في الطريق إقامة طويلة ثم مشى ثم أقام وإن كان لعذر فباتفاق،
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٦.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٦.
[ ٢ / ١٤٠ ]
(و) كذلك (لو) فعله (بلا عذر على ظاهر المدونة ورجحه ابن رشد، واستظهر ابن عبد السلام عدم الإجزاء، وظاهر كلام المصنف ولو أقام وحج في عام آخر وهو قول التونسي. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (وفي لزوم الجميع بمشي عقبة) أي وفي لزوم مشي جميع الطريق كله في رجوعه بمشي عقبة (وركوب أخرى) أو إنما يلزمه مشي ما ركب فقط فيه تأويلان).
قوله: (والهدي واجب إلا في من شهد المناسك فندب أي والهدي المتقدم ذكره واجب سواء وجب عليه الرجوع أم لا إلا من شهد المناسك راكبا فمندوب في حقه لقول مالك: يهدي أحب إلي من غير إيجاب ابن القاسم لأن بعض الناس لم ير إلا إلى مكة فقط ثم بالغ المصنف على وجوب الهدي بقوله: (ولومشى الجميع) في رجوعه لأن الهدي قد ترتب في ذمته وللمسألة نظائر كمن تعدى الميقات ثم أحرم ورجع فلا يسقط عنه الدم لترتبه في ذمته.
قوله: (ولو أفسد أتمه) أي ولو أفسد الناذر أو الحالف ما أحرم به من حج أو عمرة بوطء فإنه يتمه وقضاه قابلا ومشى في قضائه من الميقات) لأن الفساد منه.
قوله: (وإن فاته) أي فاته الحج الذي أحرم به جعله في عمرة) أي تحلل منه بعمرة ومشى فيها لتمام سعيها وقضى حجه على حكم الفوات (وركب في قضائه) أي ويجوز له ذلك حتى تنقضي مناسكه لأن النذر قد انقضى وهذا إنما هو للفوات وهو مذهب المدونة وقيل يلزمه المشي في المناسك لأنه لما أحرم بالحج فكأنه التزم المشي في مناسكه ونسبه ابن يونس لابن القاسم وسحنون قال: وهو أصح.
قوله: (وإن حج ناويا ندره وفرضه) أي وإن حج ناذرا في حال كونه ناويا نذره وفرضه معا في حال كونه (مفردا) في حجه (أو قارنا) فيه (أجزأ عن النذر في الصورتين وجمعهما لاتفاق حكمهما: الأول: أن يحج مفردا ينوي بحجه فرضه ونذره والمشهور الأجزاء في النذر وهو مذهب المدونة قال فيها: وعليه قضاء الفريضة قابلا.
الثانية: أن يحج قارنا ينوي فرضه ونذره فكذلك هذا ظاهر كلامه. انتهى.
وقرر المصنف الصورة الثانية بأن يحج قارنا ينوي العمرة للنذر والحج للفرض وتبعه الشارح والأقفهسي على ذلك في تقرير كلامه هنا وهو غير ظاهر لأن هذا فرع
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٧.
[ ٢ / ١٤١ ]
آخر ذكره في الشامل عقب الفرع المذكور.
قوله: (وهل إن لم ينذر حجا) أي وهل الإجزاء مطلقا نذر حجا أم لا في الصورتين أو الإجزاء إن لم ينذر بمشيه حجا ولا عمرة بل المشي بلا تعين أحدهما فلو نذر حجا مشيا لم يجزه عن واحد منهما فيه (تأويلان). انتهى من حلي المختصر.
قوله: (وعلى الصرورة جعله في عمرة ثم يحج من مكة على الفور) الصورة هو الذي لم يحج الفرض أي وعلى الضرورة الملتزم للمشي بالنذر أو المحلف حلفه في عمرة ثم إذا انقطعت أحرم بحج من مكة على الفور ولو على التراخي لامتناع الإتيان بغير ما في الذمة ومفهوم قوله وعلى الضرورة أن غيره لا يلزمه ذلك، فله أن يجعله في حج إذ اتهما ويكون متمتعا وهو كذلك بشروطه السابقة في الحج. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (وعجل الإحرام في) قوله: (أنا محرم أو أحرم) أي وعجل الناذر الإحرام في قوله: أنا محرم بحج أو عمرة باسم الفاعل أو قال: أنا أحرم بالمضارع (إن قيد بيوم كذا) أو يوم أفعل كذا وفعله لأن القيد قرينة على إرادة الفور.
وقال عبد الوهاب: لأن النذور المطلقة محملها على الفور أو عند السبب الذي علقت عليه، وحمله الباجي على الإستحباب.
ابن عبد السلام وهو ظاهر الروايات.
قوله: (كالعمرة مطلقا) أي كما يعجل الإحرام مطلقا في أي وقت حنث لقول أبي محمد: لما كانت العمرة لا وقت لها لزمه الإحرام لها حين الحنث، فلو قال الشيخ: مطلقة لكان أبين.
قال صاحب فتح الجليل وربما صح بكسر اللام مطلقا على أنه حال من مضاف محذوف أي كناذر العمرة حال كونه مطلقا غير مقيد، وبهذا يعلم أن قوله: لا الحج خاصا بالمطلق دون المقيد، وأن كلامه قد اشتمل على أربع صور حج وعمرة مقيدان، حج وعمرة مطلقان. أنتهى.
وفسر الشارح معنى الإطلاق بقوله: سواء في العمرة قيد بيوم كذا أو لا فإنه يعجل الإحرام. انتهى.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٧.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وهو غير ظاهر لتقدم ما يغني عنه عند قوله: في أنا محرم. انتهى (^١).
قوله: (إن لم يعدم صحابة) أي وشرط تعجيل إحرامه بالعمرة وقت الحنث أنه لم يعدم صحابة يرافقهم ولم يخف على نفسه وأما إن عدم صحابة وخاف على نفسه أخر حتى يجد من يخرج معه.
قوله: (لا الحج) أي لا يعجل الإحرام في الحج المطلق (والمشي) المطلق أي الذي لم يقيد فيهما بيوم كذا أو فعل كذا.
قوله: (فلأشهره) أي فله أن يؤخره لأشهر الحج (إن وصل) فيها لمكة.
قوله: (وإلا فمن حيث يصل) أي وإن لم يصل في أشهر الحج أحرم من وقت يصل عادة للحج ويدرك الحج قاله ابن أبي زيد.
وقوله: (على الأظهر) صوابه على الأرجح، ومقابل الأرجح للقابسي يخرج من بلده غير محرم وأينما أدركته أشهر الحج أحرم، ابن يونس وقول ابن أبي زيد أولى كذا قاله المصنف وابن عرفة.
قوله: (ولا يلزم في مالي في الكعبة أو بابها أو كل ما أكتسبه) أي ولا يلزم النذر في قوله: مالي في الكعبة أو في بابها لأن الكعبة لا تنقض فتبنى ولا يلزمه في ذلك كفارة يمين وأما لو قال: مالي في كسوة الكعبة أو في طيبها لزمه ثلثه للخزنة يصرفونه فيها.
وكذلك لا يلزمه شيء في قوله: كلما أكتسبه صدقة لأن ذلك حرج ومشقة، ويحتمل قوله: كلما اكتسبه في الكعبة. قاله في الشامل (^٢).
وأشعر قوله: كلما بأنه لو قال لمدة كذا أو في بلد كذا لزمه، وهو كذلك على أحد القولين.
ابن عرفة في لغوه ولزومه قولا، أصبغ مع سماع عيسى، ابن القاسم ولابن حبيب عن ابن عبد الحكم مع ابن القاسم ومحمد عن أصبغ وهو الصواب كالعتق كذلك ثم قال: ونذر صدقة جميع ما يقيده أبدا يوجب ثلثه أو إلى أجل يوجب كله إليه اتفاقا فيهما ولم ينص في المدونة ولا في غيرها على التفرقة في هذا بين النذر
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، اللوحة: ٣٨.
(٢) الشامل في فقه الإمام مالك. تأليف: بهرام الدميري ج ١، ص: ٢٩٧. ضبطه وصححه: د. احمد بن عبد الكريم نجيب. الطبعة الأولى: ٢٠٠٨ م. الناشر مركز نجيبويه.
[ ٢ / ١٤٣ ]
واليمين، والوجه حمل هذه المسائل على اليمين لا النذر، وإنما يستويان عند مالك وجميع أصحابه في الصدقة بجميع ما يملك من المال. انتهى فتح الجليل (^١).
قوله: (أوهدي لغير مكة) أي ولا يلزمه شيء في نذر هدي لغير مكة لأن سوق البدن لغير مكة ضلال قاله في المدونة.
فلو نذره لا يقصد كونه هديا لزمه على المشهور ولكن يذبحه بمكانه لأن سوقه لغيرها يشبه الهدي.
قوله: (أومال غير) أي ولا يلزمه إن نذر مال غيره (إن لم يرد) أي لم ينو في قلبه في حين النذر (إن ملكه) وأما إن أراد أن ملكه لزمه حينئذ لأنه تعليق وسواء كان مما يهدى كبعير فلان أولا يهدى به كعبد فلان ويشهد للمسألتين خبر: «لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم (^٢)، ولما قدم نذر ما يملك ودخل فيه العبد شرع يذكر مالا يملك كالحر فقال: (أو علي نحر فلان ولو قريبا؛ إن لم يلفظ بالهدي أو ينوه، أو يذكر مقام إبراهيم) أي لا يلزمه شيء، ولو كان قريبا لأنه نذر معصية ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصمه، وهذا إذا لم يلفظ بالهدي ولم ينوه، ولم يذكر مقام إبراهيم ﵇، وأما إن لفظ به لزمه لأنه قرينة في إرادة القربة.
وكذلك لزمه إن نواه أو ذكر مقام إبراهيم ﵇ أو مكة أو منى.
ابن بشير: أو يذكر موضعا من مواضع مكة أو منى فلا شيء عليه وإن ذكر موضعا منها لزمه الهدي لدلالتها على القربة.
وظاهر كلام المصنف لا فرق بين القريب والأجنبي. انتهى قاله في فتح الجليل (^٣). وقرره الشارح.
قوله: أو على نحر فلان بأنه إن كان أجنبيا فلا شيء عليه مطلقا وتبعه البساطي مفسرا الإطلاق بقوله سواء لفظ بالهدي أو لا أو ذكر مقام إبراهيم أو لا. انتهى.
وجعلا الشروط التي في كلام المصنف، والتفصيل فيها، في القريب فقط، وهو كلام ابن بشير، غير أن المصنف في التوضيح، جعل حكم الأجنبي كالقريب، إذا
_________________
(١) فتح الجليل للتنائي: ج ٢، اللوحة: ٣٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: (٢٦) - كتاب النذر. (٣) - باب لا وفاء لنذر في معصية الله. الحديث: ١٦٤١ ولفظه عند مسلم: (لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد) وأخرجه أبو داود في سننه (٢٣) - باب من رأى عليه كفارة إذا كان في … الحديث: ٣٢٩٢.
(٣) فتح الجليل للتنائي: ج ٢، اللوحة: ٣٨.
[ ٢ / ١٤٤ ]
لفظ بالهدي على المشهور، وجعل التفصيل بينه وبين الأجنبي في مقام إبراهيم وما بعده. انتهى (^١).
قوله: (والأحب حينئذ) أي والأحب حين ذكر الهدي أو نواه أو مقام إبراهيم بدنة ثم بقرة ثم شاة ضأن ثم معز.
قال صاحب فتح الجليل: وقول الشارح: ظاهر كلام المصنف أنه لا يكون من الغنم عند فقد غيرهما، وليس كذلك على ظاهر لقوله: كنذر غير الهدي (^٢).
وقوله: (كنذر الهدي - بدنة ثم بقرة) تشبيه في الاستحباب وصفة الهدي.
وقوله: (كنذر الحفاء) تشبيه لإفادة الحكم في الاستحباب وصفة الهدي أي كما يستحب له الهدي إذا نذر المشي لمكة حافيا، فإنه ينتعل ويمشي ويهدي استحبابا، لأن المشي قربة والحفاء ليس بقربة، وكذلك الحبو والزحف.
قوله: (أوحمل فلان) أي وكذلك لا يلزمه حمل فلان (إن نوى التعب) في نذره، كحمله على عنقه بل يمشي، ويستحب له أن يهدي.
قوله: (وإلا ركب وحج به بلا هدي) أي وإن لم يرد إتعاب نفسه ركب وحج به إن رضى، وإن أبا حج بلا هو ويهدي.
قوله: (ولغى علي المسير، والذهاب، والركوب لمكة) أي فلا شيء عليه في هذه الألفاظ إن لم ينوي حجا ولا عمرة، وأما إن نوى أحدهما فإنه يلزمه.
قال الجوهري: ألغيت الشيء أبطلته (^٣).
قوله: (ومطلق المشي) أي ولغى المشي المطلق في قوله: علي المشي من غير تقييد لموضع بلفظ ولا نية، إذ هروبه من التعيين دليل على عدم لزوم الالتزام، وألزمه أشهب مكة لأنه العرف في التزام المشي.
قوله: (ومشي لمسجد، وإن لاعتكاف) أي ولغى أي فلا يلزمه شيء في قوله: علي مشي وإن لأجل اعتكاف بل يعتكف في موضعه لخبر: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى (^٤)، ولا يعارضه
_________________
(١) التوضيح: ج ٣، ص: ٣٩٤.
(٢) فتح الجليل: ج ٢، اللوحة: ٣٨.
(٣) الصحاح؛ تاج اللغة وصحاح العربية المؤلف: إسماعيل بن حماد الجوهري ت: ٣٩٣ هـ. ج ٧، ص: ٣٣٣. الناشر: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة الرابعة - يناير ١٩٩٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٦) - أبواب التطوع. (١٤) - باب فضل الصلاة في مسجد مكة =
[ ٢ / ١٤٥ ]
خبر: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (^١)؛ لأنه عام فيخص بهذا.
قال الشارح: ولو قال: وإتيان لكان أحسن لأن ظاهره جواز إتيانه راكبا وليس كذلك، ففي الرسالة: وأما غير هذه الثلاثة مساجد فلا يأتيها ما شيا ولا راكبا لصلاة نذرها، وليصل بموضعه (^٢).
قوله: (إلا القريب جدا) أي إلا المسجد القريب جدا، ممن نذر الإتيان إليه كالأميال اليسيرة (فقولان) في لزوم المشي إليه وعدم لزومه (تحتملهما) المدونة، الأول لابن المواز: أن يأتيه ماشيا، يصلى فيه كما التزم، ومثله للجلاب.
والثاني لمالك أيضا، وابن حبيب: يصلي بموضعه، اللخمي وابن يونس: ظاهرها اللزوم. انتهى.
قوله: (ومشي للمدينة، أو إيلياء إن لم ينو صلاة بمسجديهما، أو يسمهما، فيركب) أي ولغى مشيا للمدينة أو إيليا، إن لم ينوي صلاة بمسجديهما أو يسميهما، فلا يلزمه مشي ولا ركوب إليهما، وأما إن نوى الصلاة بهما فإنه يلزمه الإتيان لهما راكبا لا ما شيا إن مشاء، وكذلك يلزمه الإتيان لهما إن سماهما، كما إذا قال: علي المشي لمسجد الرسول ﵊ أو مسجد مكة أو لمسجد بيت المقدس، وإن لم ينو صلاة فيهما فيركب لهما حيث يلزمه المشي، وهو حيث نوى الصلاة بهما أو سماهما، وكأنه لما سماهما قال: الله علي أن أصلي فيهما.
قوله: (وهل إن كان ببعضها، أو إلا لكونه بأفضل؟) أي وهل لزوم إتيان أحد المساجد الثلاثة مطلقا، وإن كان ناذر المشي ببعضها فاضلا كان ما هو فيه أو مفضولا، كان ينذر من مكة الصلاة بمسجد إيليا أو عكسه.
ابن بشير: وهو الظاهر من المذهب، وعبر عنه ابن الحاجب بالأصح، أو يلزم إلا لكونه بأفضل فلا يلزم أن يأتي منه للمفضول، وإن كان في المفضول أتى منه للأفضل.
قال ابن الحاجب: وهو المشهور فيه (خلاف).
_________________
(١) =والمدينة الحديث: ١١٣٢. ومسلم في صحيحه: (٩٥) - باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. الحديث: ٣٤٥٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحة (٨٦) - كتاب الأيمان والنذور. (٢٧) - باب النذر في الطاعة. الحديث: ٦٣١٨.
(٣) متن الرسالة: ص: ٨٧.
[ ٢ / ١٤٦ ]
(والمدينة أفضل) عند مالك وجماعة من مكة، (ثم مكة) أفضل من القدس، ثم القدس أفضل من جميع المساجد، كمسجد قبا وغيرها، ومذهب الشافعي مكة أفضل، والخلاف فيما عدى موضع ضم أعضائه ﷺ فإنه أفضل بقاع الأرض إجماعا.
* * *
[ ٢ / ١٤٧ ]