قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل السلم والأصل في السلم المنع ولكنه استثني من بيع ما ليس عندك.
والسلم جائز في الكتاب والسنة والإجماع.
ابن عرفة: السلم عقد معاوضة يوجوب عمارة الذمة بغير عين ولا منفعة فيه غير مماثل العوضين.
قوله: (شرط السلم قبض رأس المال كله، أو تأخيره ثلاثا) أي وشرط السلم قبض رأس المال كله قبضا حسيا أو قبضا حكميا وهو تأخير ثلاثة أيام أي ولا يجوز تأخير بعضه وإن قل فإن وقع التأخير في القبض فسد العقد كله لأنه جمع حلالا وحراما.
قوله: (ولو بشرط) أي وجاز التأخير في رأس المال ثلاثا ولو بشرط وأحرى بغير شرط وقيل إنما يجوز التأخير إذا كان بغير شرط.
قوله: (وفي فساده بالزيادة إن لم تكثر جدا تردد) أي وفي فساد عقد السلم وعدم فساده بالزيادة عن الثلاث إن لم تكثر الزيادة جدا تردد وليس هذا موضوع التردد، لأن القولان لمالك، لو قال الشيخ قولان لكان أولى.
قوله: (وجاز بخيار لما يؤخر) أي وجاز السلم على خيار لأحدهما أو لهما أو لأجنبي لما يؤخر إليه رأس المال وهو ثلاث بشرط (إن لم ينقد) في زمن الخيار بشرط أو تطوع لأنه لو نقد ومضى السلم لكان فسخ الدين في الدين، لأن المسلم إليه أعطى سلعة موصوفة لأجل عما ترتب في ذمته وهو حقيقة فسخ الدين في الدين، وعلى هذا فيجوز التطوع فيما يعرف بعينه لأنه لتعينه ليس دينا وقد تقدم أنها إحدى المسائل التي يمنع النقد فيها مطلقا. انتهى من فتح الجليل (^١).
قوله: (وبمنفعة معين) أي ويجوز أن يكون رأس مال السلم منفعة معين، وأما منفعة مضمونة فلا يجوز لأنه دين بدين وجاز في المعين كسكني دار لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر.
قوله: (وبجزاف) أي ويجوز بجزاف أن يكون رأس مال السلم جزافا، إن تمت
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣ بعد قول خليل في باب السلم: وجاز بخيار لما يؤخر
[ ٣ / ٥ ]
فيه شروط بيع الجزاف وإلا فلا.
قوله: (وتأخير حيوان) أي وجاز تأخير حيوان إذا كان رأس المال في سلم (بلا شرط) لأنه دخل في ضمان المسلم إليه بالعقد وأما تأخيره بشرط فلا يجوز لأنه معين يتأخر قبضه.
قوله: (وهل الطعام والعرض كذلك) أي وهل الطعام والعرض كذلك أي يجوز تأخيره كما يجوز في الحيوان (إن كيل) الطعام (وأحضر) العرض (أو كالعين؟) فلا يجوز فيه التأخير أكثر من ثلاثة لأنه دين بدين فيه (تأويلان) وهذا خلاف المنقول عن المذهب والمنقول إن كيل الطعام وأحضر العرض فلا كراهة وقيل فيه الكراهة وإن كيل وأحضر.
قوله: (ورد زائف وعجل) أي وجاز رد زائف إن وجده في رأس المال وله التمسك به فإن رده عجل البدل ويجوز فيه تأخير ثلاث ليال.
قوله: وإلا أي وإن لم يعجل المبدل فسد من السلم ما يقابل الزائف على الأحسن مقابله فسد العقد كله.
قوله: (وإلا فسد ما يقابله لا الجميع على الأحسن) يريد وهذا إذا كان بقي من أجل السلم أكثر من ثلاثة أيام وأما إن لم يبق منه إلا ثلاثة فيجوز لأنه كبيع النقد.
قوله: (والتصديق فيه) أي ويجوز التصديق في المسلم فيه يريد إذا حل الأجل وإلا فلا.
قوله: (كطعام من بيع) أي كما يجوز التصديق في طعام بيع بنقد لا بمؤجل.
قوله: (ثم لك أو عليك) أي فإذا وقع التصديق لك أيه المصدق (الزيد) المعروف مثله (و) عليك (النقص المعروف).
قوله: (وإلا فلا رجوع لك، إلا بتصديق أو بينة لم تفارق) أي وإن نقص كثيرا فلا رجوع لك أيها المصدق إلا بتصديق لك، أو بينة لم تفارقك حتى كلت أو وزنت فإن زاد كثيرا فترده.
قوله: (وحلف لقد أوفى ما سمى، أو لقد باعه على ما كتب به إليه: إن أعلم مشتريه) أي وحلف البائع أنه أو فاك ذلك إذا كان هو الذي كاله بنفسه أو أنه أوفاك ما سمى لك وإن كان المبيع بعث به إليه يحلف أنه باع ذلك على ما كتب به إليه بشرط إن علم مشتريه أن المبيع بعث إليه.
[ ٣ / ٦ ]
قوله: (وإلا حلفت ورجعت) أي وإن نكل البائع في المسألة الأولى، أو لم يعلم المشتري في الثانية حلفت أيها المصدق ورجعت.
قوله: (وإن أسلمت عرضا فهلك بيدك فهو منه، إن أهمل، أو أودع، أو على الإنتفاع) أي وإن كان رأس المال عرضا يغاب عليه فهلك بيدك فهو من المسلم إليه إن أهمله أي تركه عندك أو أودعه لك أو بقي على وجه الانتفاع به كما إذا اشترطت الانتفاع به ثلاثة أيام.
قوله: (ومنك إن لم تقم بينة ووضع للتوثق، ونقض السلم وحلف، وإلا خير الآخر) أي والضمان منك أيه المسلم إن لم تقم بينة على هلاكه، ووضع ذلك لأجل التوثق من رهن أو حميل أو إشهاد، وحيث الضمان من المسلم نقض السلم وحلف المسلم أنه ضاع، وإن نكل خير الذي عليه السلم بين أن يغرمه قيمته ويثبت السلم أو لا يغرمه فيفسخ السلم.
قوله: (وإن أسلمت حيوانا أو عقارا فالسلم ثابت، ويتبع الجاني) أي فهلك فالسلم ثابت لأنه هلك في ضمان المسلم فإن كان هلاك رأس المال بجناية فمن كان في ضمانه يتبع الجاني بأرشه
قوله: (وأن لا يكونا طعامين ولا نقدين، ولا شيئا في أكثر منه أو أجود، كالعكس) أي ومن شروط السلم أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعاما لأن فيه التأخير بين الطعامين إذا كانا من جنسين والتأخير والتفاضل في الجنس الواحد فيه ولا نقدين لأنه صرف مستأخر إذا كان أحدهما ذهبا والآخر فضة ويكون فيه ربا الفضل مع التأخير في الجنس الواحد ولا شيئا في أكثر أي ولا يجوز السلم بشيء في شيء أكثر منه لأنه سلف بزيادة، وكذلك لا يجوز سلم شيء في أجود مه لأنه سلف بزيادة.
قوله: كالعكس أي ولا يجوز أن يسلم أكثر في أقل أو أجود في أدنى لأنه ضمان بجعل.
قوله: (إلا أن تختلف المنفعة كفاره الحمر في الأعرابية، وسابق الخيل) أي ولا يجوز السلم في الجنس الواحد إلا أن تختلف المنفعة فيهما وذلك كفاره الحمر. الفاره النشيط القوي أي كسلم الحمار الفاره في الحمر الأعرابية أي البادية أو العكس وكذلك يجوز سلم الفرس السابق في غيره وكذلك العكس.
[ ٣ / ٧ ]
قوله: (لا هملاج إلا كبردون) أي لا تعتبر مخالفة المنفعة في الخيل بالهملاج، إلا في كالبرذون، فإن الهملاج يختلف بالمنفعة والهملاج حسن سير الدابة.
قوله: (وجمل كثير الحمل) أي ويجوز سلم الجمل الكثير الحمل في غيره ويسلم فيه غيره.
قوله: (وصحح، وبسبقه، وبقوة البقرة ولو أنثى، وكثرة لبن الشاة، وظاهرها عموم الضأن، وصحح خلافه) أي وصحح اعتبار المخالفة في المنفعة بالسبق في الإبل وكذلك تختلف المنفعة بقوة البقر ولو كانت البقر أنثى، وكذلك تختلف المنفعة بكثرة لبن الشاة وتسلم في غيرها ويسلم فيه غيرها، وظاهر المدونة في ذلك عموم الضأن والمعز وصحح خلاف الظاهر بل يختص الجواز بالمعز فقط.
قوله: (وكصغيرين في كبير وعكسه، أو صغير في كبير وعكسه، إن لم يؤد إلى المزابنة) معطوف على قوله: كفاره الحمر أي ويجوز سلم صغيريه في كبير من جنسه أو كبيرين في صغير وكذلك صغير واحد في كبير واحد وكبير في صغير أو صغير في كبير وهذا كله بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى المزابنة وأما إن أدى إلى المزابنة فلا يجوز كما إذا اسلم كبيرا في صغير إلى أجل يكبر فيه الصغير أو يسلم صغير في كبير إلى أجل تلد فيه الكبيرة مثل الصغير.
قوله: (وتؤولت على خلافه، كالآدمي والغنم، وكجذع طويل غليظ في غيره، وكسيف قاطع في سيفين دونه) أي وتأولت المدونة على خلاف الجواز، وإن لم تكن في المزابنة كما لا يجوز سلم صغير آدمى أو غنم في كبير وعكسه بلا خلاف قوله: وكجذع طويل أي ويجوز سلم جدع طويل في غيره، وكذلك العكس، وكذلك يجوز سلم سيف قاطع في سيفين دونه في القطع يريد إذا كان ما بينهما في القطع متفاوت جدا.
قوله: (وكالجنسين) أي ويجوز أن تسلم جنسا في غير جنسه (ولو تقاربت المنفعة) فيهما (كرقيق القطن) (و) رقيق (الكتان).
قوله: (لا جمل في جملين مثله) لو قال الشيخ: لا كجمل في جملين ليشمل البقر وغيرها أي لا يجوز سلم جمل في جملين مثله (عجل أحدهما) وأجل الآخر لأنه سلف بزيادة لأن المؤجل سلف والمعجل زيادة.
قوله: (وكطير علم) أي ويجوز سلم طير علم في طير لم يعلم وكذلك العكس.
[ ٣ / ٨ ]
قوله: (لا بالبيض والذكورة والأنوثة ولو آدميا، وغزل وطبخ إن لم يبلغ النهاية، وحساب، وكتابة) أي لا يختلف الطير بكثرة البيض.
قوله: والذكورة والأنوثة أي لا يختلف الجنس الواحد في كل ما تقدم بالذكورة والأنوثة أي لا يختلف الجنس الواحد في كل ما تقدم فلا يسلم ذكر في أنثى وأنثى في ذكر من جنسه ولو كان آدميا وكذلك الغزل والطبخ لا تختلف بهما المنفعة إلا أن يبلغ كل واحد منهما النهاية وكذلك الحساب والكتابة لا تختلف بهما المنفعة.
قوله: (والشيء في مثله قرض) أي وسلم الشيء في مثله قدرا وصفة قرض فإن قصد به نفع المسلم إليه جاز وإلا فلا يجوز.
قوله: (وأن يؤجل بمعلوم زائد على نصف شهر) أي ومن شروط السلم أن يؤجل المسلم فيه بأجل معلوم وهذا قول ابن القاسم، وأما مالك ﵀ فلم يحده، وهل قول ابن القاسم تفسير لقول مالك أولا، وقوله زائد على نصف شهر لعله أراد نصف الشهر الناقص وإلا فالوجه أن يقول أقله نصف شهر ليوافق المنقول.
قوله: (كالنيروز، والحصاد، والدراس، وقدوم الحاج واعتبر ميقات معظمه) إلى آخره أمثلة الأجل المعلوم. والنيروز هو أول يوم من يناير وهو معلوم عند من يعرف الحساب العبراني والحصاد والدراسة وقدوم الحاج وخروجه أجل معلوم لأنه معروف عندهم واعتبر وقت معظم الحصاد والدراسة وغيرهما لا أوله ولا آخره.
قوله: (إلا أن يقبض ببلد كيومين، إن خرج حينئذ ببر أو بغير ريح) أي هذا مستثنى من قوله: وأن يؤجل بمعلوم أي إلا أن يشترط قبض المسلم فيه ببلد مسافته مشي يومين أو ثلاثة إن خرج حينئذ في بر أو كان السير في البحر إذا كانت السفينة تجري بالمقداف لا بريح لأن مجيئ الريح مجهول.
قوله: (والأشهر بالأهلة، وتمم المنكسر من الرابع) أي فإذا كان الأجل بالشهور إنما تعتبر فيه الأهلة سواء كان الشهر ناقصا أم لا وتمم المنكسر كما إذا كان ابتداء الأجل في وسط الشهر ونحوه فإنه يتمم المنكسر من الرابع إن كان الأجل ثلاثة أشهر وإن كان أربعا فمن الخامس ثم كذلك.
قوله: (وإلى ربيع حل بأوله) أي وإن أسلم أو باع إلى ربيع مثلا فإن الأجل يحل بأوله.
[ ٣ / ٩ ]
قوله: (وفسد فيه على المقول، لا في اليوم) أي وفسد السلم أو البيع إن شرط حلول الأجل في الشهر جملة لم يذكر أوله ولا آخره لأن الغرر في ذلك كثير لا إن شرط حلوله في اليوم الفلاني فإنه يجوز لخفة الغرر في اليوم.
قوله: (وأن يضبط بعادته من كيل، أو وزن، أو عدد) شرط رابع أي وشرط المسلم فيه أن يضبط أي يحفظ كعادته في تلك البلد من كيل أو وزن أو عدد.
قوله: (كالرمان، وقيس بخيط، والبيض) مثال للمعدود وكذلك البيض والجوز واللوز والباذنجان وكذلك اللبن وقيس المعدود بخيط ويجعل عند أمين ولا يحتاج البيض إلى القياس لأن بعضه أقرب من بعض.
قوله: (أو بحمل) أي ويجوز أن يضبط المسلم فيه بحمل لأن الحمل عندهم معروف قدره.
قوله: (أو جرزة في كقصيل) أي ويجوز ضبط المسلم فيه من قصيل أو قرط أو قصب الجزرة بضم الجيم وفتح الراء بعده زاي وهي الحزمة التي يجعلها الحصاد.
قوله: (لا بفدان) أي لا بضبط الفصيل ونحوه بفدان بتشديد الدال وتخفيفها.
قوله: (أو بتحر وهل بقدر كذا؟ أو يأتي به ويقول كنحوه؟ تأويلان) أي وجاز أن يضبط المسلم فيه بتحر بأن يقول اسلمت لك في لحم مثلا نحو قنطار وهل يحصل هذا التحري بقدر كذا أو إنما يحصل أن يأتي بشيء ويقول كنحوه فيه تأويلان.
قوله: (وفسد بمجهول، وإن نسبه ألفي) أي وفسد عقد السلم إن ضبط بمعيار مجهول فيرجع رأس ماله وإن نسب المجهول بالمعلوم ألغى المجهول وصح العقد.
قوله: (وجاز بذراع رجل معين) أي ويجوز أن يضبط المسلم فيه بذراع رجل معين ويجعل قياسه عند أمين مخافة أن يموت فظاهر كلامه نصب الوالي رجلا يذرع للناس أم لا وقيل إنما يجوز هذا إذا لم ينصب الوالي رجلا معينا لذلك.
قوله: (كويبة وحفنة، وفي الويبات والحفنات قولان) أي كما يجوز ضبط المسلم فيه من الطعام بالويبة مع الحفنة الويبة عشرون مدا بمده ال، والحفنة: ملء يد واحدة. قاله في المدونة (^١).
قال الجوهري: الحفنة: ملء الكفين (^٢).
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٣٣.
(٢) الصحاح للجوهري: ج ٦، ص: ٣٨٠.
[ ٣ / ١٠ ]
خففوا الحفنة الواحدة لقلة الغرر، وأما الويبات مع الحفنات ففي جوازه وعدمه قولان من غير ترجيح.
قوله: ﴿وأن تبين صفاته التي تختلف بها القيمة في السلم عادة، كالنوع، والجودة، والرداءة، وبينهما﴾ هذا هو الشرط الخامس أي ومن شروط المسلم فيه أن يبين صفاته التي تختلف بها القيمة في السلم عادة وذلك كالنوع من الإبل والبقر فرسا كان أو رقيقا زنجيا وتركيا، وكذلك يبين جودته أو رداءته أو بين الجودة والرداءة معرفة الأوصاف لرفع الخطر بجهل الصفة فلا يصح السلم إلا فيما ينضبط منه كل وصف تختلف بها القيمة اختلافا ظاهرا لا يتغابن الناس بمثلها في السلم عادة. انتهى.
قوله: ﴿واللون في الحيوان والثوب، والعسل، ومرعاه﴾ أي ويزيد مع ما تقدم من الأوصاف المتقدمة اللون في الحيوان والثوب والعسل ومرعى نحله.
قال بن غازي: لا أذكر من ذكر المرعى في العسل، والمصنف ﵀ مطلع، ولم يذكره ابن عرفة مع كثرة اطلاعه، إلا أنه قال: حاصل أقوالهم وصف كل نوع تختلف أصنافه بما يعين الصنف المسلم فيه دون غيره. انتهى.
وأما اللون قال المتيطي: وتصف العسل بالبياض والخثرة والصفاء أو بالحمرة، والملوسة، والصفاقة، وكذلك ذكر اللون في التين والعنب والزبيب، وفي النوادر: وتصف السمن ببقري أو غنمي، وجيد أو رديء أو وسط، وإلا لم يجز، وتصف بذلك العسل مع ذكر خاثر أو رقيق وإلا فسخ (^١).
السلم الجائز ما اجتمع فيه أربعة عشر شرطا:
الأول: تسليم جميع رأس المال حذرا من الدين بالدين.
الثاني: السلامة من السلف بزيادة، فلا تسلم شاة في شاتين متقاربتي المنفعة.
الثالث: السلامة من الضمان بجعل، فلا يسلم جذع في نصف جذع من جنسه.
الرابع: السلامة من النساء في الربوي، فلا يسلم النقدان في تراب المعادن.
الخامس: أن يكون المسلم فيه يمكن ضبطه بالصفات، فيمتنع سلم خشبة في تراب المعادن.
السادس: أن يقبل النقل حتى يكون في الذمة، فلا يجوز السلم في الدور.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٠٥.
[ ٣ / ١١ ]
السابع: أن يكون المقدار معلوما، فلا يسلم في الجزاف.
الثامن: ضبط الأوصاف التي تختلف المالية باختلافها نفيا للغرر.
التاسع: أن يكون مؤجلا، فيمتنع السلم الحال.
العاشر: أن يكون الأجل معلوما نفيا للغرر.
الحادي عشر: أن يكون الأجل زمان وجود المسلم فيه، فلا يسلم في فاكهة الصيف ليأخذها في الشتاء.
الثاني عشر: أن يكون مأمور التسليم عند الأجل نفيا للغرر، فلا يسلم في البستان الصغير.
الثالث عشر: أن يكون دينا في الذمة، فلا يسلم في معين؛ لأنه معين يتأخر قبضه فهو غرر.
الرابع عشر: تعيين مكان القبض باللفظ أو العادة؛ نفيا للغرر، فمتى انخرم شرط من هذه الشروط فممنوع، ولم أر أحدا أوصلها للعشرة، وهي أربعة عشر كما ترى، وفروع المدونة شاهدة بها. من كتاب أنوار البروق (^١).
قوله: (وفي التمر، والحوت، والناحية، والقدر) أي ويبين في التمر والحوت بلدهما ويبين قدرهما في الصغر والكبر وكون الثمر جديدا أو قديما.
قوله: (وفي البر، وجدته وملاه: إن اختلف الثمن بهما) أي ويزيد على ما تقدم ذكره إذا كان المسلم فيه برا جدته وملئه إن اختلف الثمن بهما وإن لم يختلف بهما الثمن فلا يشترط ذكره.
قوله: (وسمراء، أو محمولة ببلد هما به، ولو بالحمل، بخلاف مصر فالمحمولة، والشام فالسمراء) أي وإذا أسلم في قمح لا بد أن يبين أنه سمراء أو محمولة إذا كانا بالبلد ولو بالحمل إليه كمكة شرفها الله وأما مصر فالمحمولة هو اللازم والشام فاللازم السمراء والمحمولة هي البيضاء وهي الطيبة والسمراء دونها.
قوله: (ونقي، أو غلث) أي ويشترط نقي أو غلث وفي بعض النسخ وهي بكسر القاف.
قوله: (وفي الحيوان وسنه، والذكورة والسمن، وضديهما، وفي اللحم، وخصيا، وراعيا،
_________________
(١) الفروق للقرافي: الفرق المائتان بين قاعدة ما يجوز من السلم وبين قاعدة ما لا يجوز منه: ج ٣، ص: ٢٣٧.
[ ٣ / ١٢ ]
أو معلوفا) أي ويزيد مع ما تقدم من الأوصاف من الحيوان وذكورته وأنوثته وسمنه وهزاله، وكذلك يبين في اللحم لحم خصي أو فحل أو راعيا أو معلوفا.
قوله: (لا من كجنب) أي ولا يشترط كون اللحم من جنب ونحوه.
قوله: (وفي الرقيق، والقد، والبكارة، واللون. قال: وكالدعج وتكلتم الوجه) أي ويزيد مع الأوصاف المتقدمة في الرقيق المسلم فيه قدره طولا وبكارتها أو ثيوبتها. قال الإمام المازري: وكذلك الدعدج وهو سواد العين مع سعتها وشدة بياضها. والتكلثم كثرة لحم الخدين والوجه.
قوله: (وفي الثوب، والرقة، والصفاقة، وضديهما) أي ويبين في الثوب المسلم فيه رقته أو غلظته أو صفاقته أو خفته.
قوله: (وفي الزيت المعصر منه، وبما يعصر به) أي ويبين في الزيت المسلم فيه ما يعصر منه فليصفه بزيت الماء أو بزيت المعصرة منه أي كيفية العصر.
قوله: (وحمل في الجيد والرديء على الغالب) أي وإذا أسلم في النوع الجيد أو الرديئ حمل على الغالب في البلد عند أهل المعرفة.
قوله: (وإلا فالوسط) أي وإن لم يكن غالبا فالوسط لازم ليس بجيد ولا رديئ.
قوله: (وكونه دينا) هذا هو الشرط السادس من شروط السلم، وهو أن يكون مضمونا في ذمة المسلم إليه لئلا يكون معينا يتأخر قبضه.
قوله: (ووجوده عند حلوله، وإن انقطع قبله) هذا هو الشرط السابع هو أن يكون المسلم فيه يوجد عند حلول الأجل غالبا، وإن كان ذلك ينقطع قبل الأجل وقيل يشترط وجوده إلى الأجل.
قوله: (لا نسل حيوان عين وقل) هذا معطوف على مقدر أي ويجوز السلم فيما يوجد غالبا عند حلول الأجل ولا يجوز السلم في نسل حيوان معين قليل مفهومه إن كانت كثيرة لجاز تبع فيه الشيخ ابن شاس إذ قال: لو كانت الإشارة إلى نعم كثيرة لا يتعذر الشراء منها لمن أراده، وإنما أشير إليها لمعنى انفردت به لجاز السلم في نسلها إذا وصف (^١).
قال بن عرفة: ظاهره أنه هو المذهب وظاهر المدونة منعه مطلقا. انتهى.
قوله: (أو حائط، وشرط إن سمي سلما لا بيعا - إزهاؤه، وسعة الحائط، وكيفية قبضه،
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢ ص: ٧٥٢.
[ ٣ / ١٣ ]
ولمالكه وشروعه وإن لنصف شهر، وأخذه بسرا، أو رطبا، لا تمرا) أي ولا يجوز السلم في حائط معين، قليل فإن وقع السلم في حائط بعينه يجوز بستة شروط إن سمى في العقد سلما، وأما إن سمى في العقد بيعا فلا يحتاج إلى تلك الشروط إذ بمجرد أن العقد يجب قبض المبيع والشروط الستة: إزهاء الحائط لا قبله، وأن يكون الحائط واسعا عما أسلم فيه.
الثالث: أن يذكر كيفية القبض بأن يقبض كل يوم صاعا مثلا أو بعد يومين أو ما شرط.
الشرط الرابع: أن يكون الحائط ملكا للمسلم إليه لا لغيره.
الخامس: أن يشرع في القبض، ولا يضر تأخير القبض إلى نصف شهر، ولا يضر تأخير الأخذ بسرا أو رطبا لا ما بين الزهو والبسر والرطب قريب فلا يجوز التأخير إلا أن يكون ثمر البعد ما بينهما.
قوله: (فإن شرط تتمر الرطب مضى بقبضه) أي فإن وقع البيع على الرطب واشترط أخذه تمرا فإن العقد يمضي بقبض الثمن.
قوله: (وهل المزهي كذلك؟ وعليه الأكثر، أو كالبيع الفاسد؟ تأويلان. فإن انقطع رجع بحصة ما بقي، وهل على القيمة؟ وعليه الأكثر، أو على المكيلة؟ تأويلان) أي فإن وقع العقد في السلم على المزهى واشترط أخذه تمرا هل يمضي بقبضه كالرطب وعليه أكثر الأشياخ أوهو كالبيع الفاسد فيرد إن لم يفت أو القيمة إن فات إن لم يعلم مثله فيه تأويلان على المدونة، فإن انقطع ثمر الحائط قبل أن يستوفي ما شرط رجع بحصة ما بقي من الثمن وهل الرجوع على القيمة لأنه يأخذه شيئا بعد شيئ وقيمة الأول أكثر من قيمة ما بعده وعليه أكثر الشيوخ أو إنما يرجع في المكيلة فقط فيه تأويلان.
قوله: (وهل القرية الصغيرة كذلك؟ أو إلا في وجوب تعجيل النقد فيها؟ أو تخالفه فيه وفي السلم لمن لا ملك له؟ تأويلات) أي كالحائط المعين يجوز السلم فيها بالشروط المتقدمة أو تخالفه في وجوب تعجيل النقد فيها إذ لا يجب تعجيل النقد في الحائط بعينه لأنه معين وليس دينا بدين أو تخالفه فيه أي في تعجيل النقد وتخالفه في جواز السلم لمن لا ملك له فيها فيه تأويلات ثلاث.
قوله: (وإن انقطع ما له إيان، أو من قرية خير المشتري في الفسخ والإبقاء) أي انقطع قبل أن يقبض شيئا مما أسلم فيه، وكذلك إن انقطع ما أسلم فيه من قرية صغيرة قبل
[ ٣ / ١٤ ]
أن يقبض شيئا، فإن الذي له السلم يخير في فسخ العقد ويرجع برأس ماله، أو الإبقاء في ذمة المسلم إليه إلى عام قابل ظاهره كان القطع بسبب الذي عليه السلم، أو بسبب الذي له السلم وهو ظاهر إذا كان القطع بسبب الذي عليه السلم، وأما إن انقطع بسبب الذي له السلم ففي تخييره نظر.
قوله: (وإن قبض البعض وجب التأخير، إلا أن يرضيا بالمحاسبة) أي هذا يبين أن ما قبله لم يقبض شيئا أي وإن قبض بعض ما أسلم فيه وجب التأخير إلى عام قابل فيما بقي إلا أن يرضيا بالمحاسبة فيجوز وإن كان انقطاعه بأمر سماوي.
قوله: (ولو كان رأس المال مقوما) فيما يجوز فيه السلم ويفسد به أي ويجب التأخير إلى قابل ولو كان رأس المال مقوما وهذا هو المشهور، وقيل: إنما يجوز التأخير إذا كان رأس المال مثليا، وأما المقوم فلا يجوز لأن المقومان قد يخطئان في القيمة.
قوله: (ويجوز فيما طبخ، واللؤلؤ، والعنبر، والجوهر، والزجاج، والجص، والزرنيخ، وأحمال الحطب، والأدم) إلى آخره أي ويجوز السلم فيما طبخ من الأطعمة وغيرها كالخبز، وكذلك يجوز السلم في اللؤلؤ والعنبر وهو روث دابة بحرية وكذلك الجواهر.
والجوهر كل حجر نفيس وهو من باب عطف العام على الخاص لأن اللؤلؤ يدخل في الجوهر، وكذلك يجوز السلم في الزجاج والجص والزرنيخ، وكذلك يجوز السلم في أحمال الحطب لأن الأحمال عندهم معروفة، وكذلك يجوز السلم في الأدم أو في أحمالها، والأدم جمع أديم وهو جلد دبغ، وقيل الدباغ وقيل الدباغ إهاب والجلد يشملهما.
قوله: (وصوف بالوزن، لا بالجز) أي ويجوز السلم في صوف الضأن بالوزن لا يجوز بالجز وهو جمع جزة والجزة صوف نعجة واحدة.
قوله: (والسيوف) أي ويجوز السلم في نصول السيوف.
قوله: (وتور ليكمل) أي وجاز شراء تور قبل كماله على أن يكمل لأنه إن لم يأت على الصفة عيد إلى أن يوافي الصفة.
قوله: (والشراء من دائم العمل كالخباز، وهو بيع وإن لم يدم فهو سلم) أي جاز الشراء من دائم العمل كالخباز والقصاب وهو الجزار يجوز فيه تقديم رأس المال وتأخيره،
[ ٣ / ١٥ ]
لأنه بيع لا سلم فيجوز كونهما حالين أو مؤجلين لا سلم وأما إن لم يدم العمل فهو سلم يجوز بالشروط المتقدمة.
قوله: (كاستصناع سيف أو سرج، وفسد بتعيين المعمول منه، أو العامل) أي كما أن استصناع السيف سلم يجوز بشروط السلم وفسد هذا السلم بتعيين المعمول منه أو العامل لأنه معين يتأخر قبضه.
قوله: (وإن اشترى المعمول منه واستأجره جاز إن شرع عين عامله أم لا) أي وإن اشترى المعمول منه واستأجره على عمله جاز لأنه بيع وإجارة لأن المعمول منه دخل في ضمان المشتري بمجرد العقد والجوار مقيد بما إذا شرع في العمل عين عامله أم لا ويجوز التأخير عن الشروع مثل اليوم واليومين.
قوله: (لا في ما لا يمكن وصفه: كتراب المعدن) لما فرغ الله تعالى مما يجوز فيه السلم شرع فيما لا يجوز فيه أي لا يجوز السلم فيما لا يمكن وصفه وذلك كتراب الصواغين وتراب المعادن إذ لا يدري قدر ما فيها.
قوله: (والأرض) أي ولا يجوز السلم في الأرض (والدار)، لأن ذلك يؤدي إلى تعيينها وشرط السلم أن يكون مضمونا في الذمة (و) كذلك لا يجوز السلم في (الجزاف) لقوة الغرر فيه ومن شروط بيع الجزاف أن يكون مرئيا وهذا ليس بمرئي.
قوله: (وما لا يوجد) وهو مفهوم قوله: ووجوده عند حلوله ولم يكتف بالمفهوم بل ذكره نصا أي ولا يجوز السلم فيما لا يوجد غالبا.
قوله: (وحديد وإن لم يخرج منه السيوف في سيوف وبالعكس) أي ولا يجوز سلم حديد وإن لم تخرج منه سيوف في سيوف وكذلك لا يجوز سلم سيوف في حديد وإن لم تخرج منه سيوف وهو مراده بالعكس، فإن قلت: ولم منع ذلك إن لم تخرج منه السيوف.
قلت: لأنه يعمل فيه حتى يخرج منه سيوف والعلة في المنع سلف بزيادة.
قوله: (ولا كتان غليظ في رقيقه، إن لم يغزلا) أي ولا يجوز سلم شعر كتان غليظ في كتان رقيق لأنه يعمل في الغليظ حتى يصير رقيقا، وكذلك إذا لم يغزلا، لأنه يؤدي بابتداء دين بدين لأن كلا منهما لا يقبض ماله إلا بعد تهيئته ومفهوم الشرط جوازه إن غزلا.
ابن ناجي: لأن غليظ الكتان قد يعالج فيجعل منه ما يجعل من رقيقه ويعين به
[ ٣ / ١٦ ]
الشعر لا الغزل، هذا تقدير هذا المحل لا ما قدره به الشارح والنووي (^١) من أن معناه أنه يمتنع سلم الغليظ من غزل الكتان فيما رق منه، إذا وقع العقد قبل غزلهما. انتهى من فتح الجليل (^٢).
وأما إن غزلا فإنه يجوز أن يسلم غليظ الغزل في رقيقه.
قوله: (وثوب ليكمل) أي ولا يجوز شراء ثوب لم يكمل أي على أن يكمل له يريد إلا إذا كان خروجه لا يختلف.
قوله: (ومصنوع قدم لا يعود هين الصنعة، كالغزل، بخلاف النسح إلا ثياب الخز أي لا يجوز سلم مصنوع جعل رأس المال في أصله ولولا يعود إلى أصله ولكن هين الصنعة وذلك كالغزل لأن الغزل الصنعة فيه هينة فتقارب ما بينه وبين أصله بخلاف النسج فإنه يسلم في أصله لأن الصنعة فيه ليست بهينة إلا ثياب الخز فلا يسلم في أصله لأنه ينفش ويصير خزا.
قوله: (وإن قدم أصله) أي وإن جعل الأصل رأس المال (اعتبر الأجل) فإن كان طويلا يمكن أن يصنع فيه مثله فلا يجوز للمزابنة إذ حاصله الإجارة بما يفضل إن كان وإلا فعمله مجاز، وإن لم يمكن جاز لانتفاء المانع وإلا فيجوز.
قوله: (وإن عاد) أي وإن كان المصنوع يعود إلى الأصل (اعتبر) الأجل (فيهما) أي في تقديم المصنوع رأس المال أو الأصل.
قال اللخمي: قال يحيى: لا بأس أن يسلف سيوفا في حديد، ومنع ذلك سحنون قائلا: ليس ضرب السيف صنعة تخرجه من الحديد، لأنه يعاد حديدا.
اللخمي والأول أحسن، وليس هذا مما يفعله ذو عقل أن يعيد السيف حديدا، ولو فعله أحد عوقب عليه، لأن ذلك من الفساد وإضاعة المال، وإن كان ذلك مبلغ عقله وتمييزه حجر عليه (^٣). انتهى من التاج والإكليل (^٤).
قوله: (والمصنوعان يعودان ينظر للمنفعة) أي وإن سلم مصنوع في مصنوع ينظر
_________________
(١) ن: النويري
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٣ بعد قول خليل في باب السلم وكتان غليظ. وفيه ما نصه: ابن ناجي … لا ما قدره به الشارح وتبعه صاحب التكملة وبعض مشايخي من أن معناه أنه يمتنع سلم الغليظ … إلخ
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٦، ص: ٢٩٢٦، ٢٩٢٧.
(٤) التاج والإكليل: ج ٦، ص: ٥٢١.
[ ٣ / ١٧ ]
للمنفعة فإن اختلفت جاز وإلا فلا.
قوله: (وجاز قبل زمانه قبول صفته فقط) أي وجاز قبول الصفة فقط قبل حلول أجل السلم فيه فلا يجوز قبول الأجود أو الأردى قبل الأجل لأنه في قبول الأجود صفة، حط عني الضمان وأزيدك، وفي الأردى ضع وتعجل.
قوله: (كقبل محله في العرض مطلقا. وفي الطعام إن حل) أي كما يجوز قبول صفة فقط في المسلم فيه قبل مكانه الذي اشترط فيه إذا كان عرضا غير الطعام حل الأجل أم لا ويجوز القبول في الطعام بشرط حلول الأجل وإلا فلا يجوز لأنه بيع الطعام قبل قبضه.
قوله: (إن لم يدفع كراء) أي إنما يجوز قبول العرض والطعام قبل مكانه ذلك إذا لم يدفع المسلم إليه كراء لمن يوصله إلى المكان وأما إن دفع الكراء فلا يجوز لأنه حط عني الضمان وأزيدك لأن الكراء زيادة.
قوله: (ولزم بعدهما كقاض إن غاب) أي ولزم القبول بعد حلول الأجل والمحل لأن المسلم إليه يريد براءة ذمته كما يلزم قبول القاضي إن غاب رب الحق لأنه وكيل كل غائب، والقضاة ليس لهم التعرض في أموال الناس إلا المفقود والغائب وهذا كله إذا كان القاضي عادلا ومن دفع لقاض غير عادل فهو متعد.
قوله: (وجاز أجود، وأردأ) أي وجاز قبول مساو أجود أو أردى بعد حلول الأجل والمحل، لأنه في الأجود حسن القضاء وفي الأردى حسن الإقتضاء.
قوله: (لا أقل، إلا عن مثله ويبرئ مما زاد) أي لا يجوز قبول أقل أجود أو أردى لأنه تفاضل بين الطعامين إلا أن يأخذ الأقل عن مثله كيلا ويبرئ المسلم إليه مما زاد فيجوز حينئذ.
قوله: (ولا دقيق عن قمح، وعكسه) أي ولا يأخذ دقيقا عن قمح مسلم فيه ولا قمحا عن دقيق مسلم فيه لأنه بيع الطعام قبل قبضه احتاط مالك الله لأنه قال فيما مضى أن الطحن لا ينقل وجعله هنا ينقل مراعاتا للخلاف خيفة بيع الطعام قبل قبضه.
قوله: (وبغير جنسه، إن جازبيعه قبل قبضه. وبيعه بالمسلم فيه مناجزة، وأن يسلم فيه رأس المال) أي وجاز قبض غير جنس المسلم فيه بثلاثة شروط: الأول: أن يجوز بيعه قبل قبضه احترازا من الطعام.
[ ٣ / ١٨ ]
الثاني: أن يجوز بيعه بالمسلم فيه مناجزة احترازا من اللحم بالحيوان. الثالث: أن يسلم فيه رأس المال احترازا من أن يكون رأس مال ذهبا والمسلم فيه ورقا والعكس.
قوله: (لا طعام، ولحم بحيوان، وذهب، ورأس المال ورق، وعكسه) هو من باب اللف والنشر، الأول للأول والثاني للثاني، والثالث للثالث.
قوله: (وجاز بعد أجله الزيادة ليزيده طولا، كقبله) أي وجاز بعد أجل المسلم فيه زيادة على رأس المال ليزيده المسلم إليه طولا يوفيها الآن عجلا أم لا لأن ذلك صفقتان الأولى سلم والثانية بيع نقدكما يجوز قبل الأجل الزيادة على أن يزيده طولا، إن عجل دراهمه) ويجوز تأخير اليوم واليومين.
قوله: (وغزل ينسجه) أي وجاز دفع غزل ينسجه لك ثوبا ستة في ثلاث مثلا ثم زدته دراهم وغزلا على أن يزيدك في طول أو عرض فلا بأس به وهما صفقتان. قوله: (لا أعرض أو أصفق) أي ولا يجوز أن يزيده دراهم قبل الأجل ليأخذ إذا حل الأجل أعرض أو أصفق أو أزرق لأنه فسخ دين في دين لأنه نقله إلى صفة أخرى وأما بعد الأجل فإنه يجوز.
قوله: (ولا يلزم دفعه بغير محله) أي ولا يلزم دفع المسلم فيه في غير محله المشترط فيه (ولو خف حمله) وفهم من قوله: ولا يلزم أنهما لو اتفقا على ذلك لجاز وقيل إن خيف حمله يلزم كالعين.
[ ٣ / ١٩ ]
فصل [في بيان أحكام القرض ومتعلقاته]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه القرض بفتح القاف في القرض وبكسرها. وحقيقة القرض هو دفع مال على جهة القربة لينتفع به من أخذه ثم يرده أو مثله وهو مندوب، وقد يجب، وقد يحرم، وقد يكره ويجب إذا احتاج المستقرض إليه وهو مستغنى عنه، ويحرم إذا كان المستقرض يستعمله في حرام، ويكره إذا كان يستعمله في المكروه.
والسلف خير من الصدقة قال بعض السلف: كنا لا نعده شيئا ثم ذهب ذلك وبقي الإيثار ثم ذهب وبقي السلف وروي أن النبي ﷺ قال: رأيت ليلة أسري به مكتوبا على باب الجنة: السلف بثمانية عشر والصدقة بعشرة فقال لجبريل: «ما للسلف أكثر من الصدقة ويرده والصدقة لا يرد شيئا»، فقال ﷺ: «لأن المستقرض لا يستقرض إلا للحاجة» (^١).
قوله: (يجوز قرض ما يسلم فيه فقط) أي كلما يجوز السلم فيه يجوز قرضه ولا ينعكس وقد يجوز قرض الشيء ولا يجوز السلم فيه كجلد الميتة والأضحية وقيل لا يجوز.
قوله: (إلا جارية تحل للمستقرض) أي فإنها لا يجوز قرضها لمن تحل له إلا أن تكون في سن من لا توطأ أو لم تصل إلى يد المستقرض بل دفعها في الدين مثلا أو المستقرض امرأة فيجوز سلفها لهؤلاء.
قوله: (وردت، إلا أن تفوت عنده بمفوت البيع الفاسد، فالقيمة، كفاسده) أي فإن وقع ونزل سلف الجارية لمن تحل له ردت إلا أن تفوت بما يفوت به البيع الفاسد أو غاب بها غيبة يمكن فيه وطئها فالقيمة أي فعليه القيمة كفساد البيع وقيل إذا فاتت يرد مثلها بسبب الخلاف هل الفاسد يرد إلى صحيح نفسه فيرد مثلها أو إلى فساد أصله فيرد القيمة.
قوله: (وحرم هديته إن لم يتقدم مثلها، أو يحدث موجب كرب القراض وعامله، ولو بعد شغل المال على الأرجح) أي وحرم هدية المديان إذ في قبولها ذريعة إلى التأخير
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: فصل في القرض: ج ٥، ص: ١٨٩، الحديث: ٣٢٨٨.
[ ٣ / ٢٠ ]
والتحريم مقيد بما إذا لم يتقدم مثلها بينهما لا أقل منها أو يحدث موجب للهدية كالمصاهرة والمجاورة أو المصادقة، وكذلك إن كثرت الهدية جدا بحيث يعلم أنه لم يقصد بها التأخير وكذلك إن قلت جدا أو كانت من رجل صالح لا يتهم بذلك، وكذلك تحرم هدية رب القراض للعامل خيفة أن يهديه ليديم له العمل سواء قبل العمل أو بعده، وكذلك تحرم هدية العامل لرب القراض ولو بعد شغل العامل على ما اختاره ابن يونس من الخلاف في العامل.
قوله: (وذي الجاه والقاضي) عطف من يأخذ على من يعطي اتكالا على ذهن السامع اللبيب قال ﷺ: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (^١)»، لأن دفع الظالم واجب على كل من قدر عليه عن أخيه المسلم أو الذمي أي حرم لذي الجاه والقاضي قبول هدية طلبه أم لا وكذا المفتي والساعي والشاهد، لأن الهدية تطفي نور الحكمة قال ربيعة: إياك والهدية فإنها ذريعة للرشوة.
فرع: إذا خاف الرجل أن يثبت عليه شيء بغير حق أو يضيع حقه حاز له أن يعطي رشوة فتكون اللعنة على الآخذ وحده لأنه ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي (^٢)» ومن خاف على نفسه مضرة ليس براش وإنما دفع الظلم عن نفسه.
فرع: إذا رما السلطان مالا على قوم هل يجوز لرجل منهم أن يتحيل الخروج من ذلك وإن علم أنه يرجع على أصحابه أم لا؟ منعه سحنون وأجازه غيره لأنه لم يظلمهم بشيء وإنما دفع الظلم عن نفسه قال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ [الشورى: ٤٢] وهذا لم يظلمهم.
قوله: (ومبايعته مسامحة) أي وحرم بيع المديان مسامحة أي مساهلة وإن باعه مكايسة هل يجوز بلا كراهة أو مكروه.
قوله: (أو جر منفعة: كشرط عفن بسالم، ودقيق أو كعك ببلد، أو خبز قرن بملة، أو عين عظم حملها كسفتجة إلا أن يعم الخوف، وكعين كرهت إقامتها) أي وحرم سلف جر منفعة
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير: ج ٨، ص: ٢٣٨. الحديث: ٧٩٢٨.
(٢) أخرجه الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ.) في مسنده: ج ١٥، ص: ٨ المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون. إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.
[ ٣ / ٢١ ]
وذلك كسلف عفن ليأخذ سالما أو سلف دقيق أو كعك ببلدهما ليأخذه ببلد آخر، لأنه ربح الحمل وكذلك إن سلف خبز فرن ليأخذ خبز ملة لأن خبر الملة أطيب. والملة أن يوقد نارا على رمل حتى يجعل فيه، وكذلك إن أسلفك عينا أي إن عظم حملها كما يحرم السلف بسفتجة والسفتجة الكتاب أي يأخذ مالا في بلد فيكتب له وكيلة ليدفعه في بلد آخر إلا أن يعلم الخوف فيجوز لو قال الشيخ: إلا أن يغلب الخوف فيجوز صونا للمال وكذلك لا يجوز سلف عين كرهت إقامته.
قوله: (إلا أن يقوم دليل على أن القصد نفع المقترض فقط في الجميع) أي وحرم سلف إلا أن يقوم دليل على أن القصد نفع المقترض فقط ولو حصل النفع للمقرض في جميع مسائل السلف.
وفي المفيدة: اختلف في السلف إذا وقع مطلقا هل يقتضي أجلا؟ أم لا، فظاهر ما في أول الصرف من المدونة أنه يقتضي إلى أجل، وأنه لا مطالبة عطية حتى يمضي من الزمان ما يرى أنه أقرضه إليه. انتهى منه.
قوله: (كفدان مستحصد، خفت مؤنته عليه) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز سلف فدان إن بلغت الحصاد بشرط أن تكون المؤنة خفيفة على المستقرض (يحصده ويدرسه، ويرد مكيلته) أتى به دليلا في الجواز وإن كان فيه نفع للمقرض لأنه قصد نفع المستقرض فقط.
قوله: (وملك، ولم يلزم رده إلا بشرط أو عادة) أي ويملك المستقرض القرض ملكا تاما ولم يلزم رده إلا بشرط أي إلا بأجل حل أو كان لذلك عادة فيرد عند الأجل أو عند ذلك العادة.
قوله: (كأخذه بغير محله إلا العين) أي كما لا يلزم أخذه القرض في غير محله إلا أن يكون عينا فيلزم أخذه إلا لخوف.
[ ٣ / ٢٢ ]