قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الكتابة وأركانها أربعة: السيد، والصيغة، والعوض، والمكاتب.
لا خفاء في مشروعيتها كتابا وسنة وإجماعا.
الأصل فيها قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣] والأمر عند مالك ﵀ على الندب، لأن الكتابة دائرة بين عتق وبيع، وهما لا يجبان على السيد، وقال بعضهم: هي على الإباحة كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] وكقوله تعالى: ﴿فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] وقال أهل الظاهر: واجبة، لأن الأمر على الوجوب.
والخير القوة على الأداء، وقيل التقوى، وقيل غير ذلك، الكتابة والمكاتبة والكتاب بمعنى، وهو من الكتاب إذ قد يكتب السيد ما كاتبه به وقد يكتبه العبد أو من اللزوم لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] أي ألزمكم. انتهى.
وفي كمال الإكمال: وأما المكاتبة عرفا فرسمها الشيخ بأنها عتق على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه.
فعتق جنس، وبعلى مال يخرج العتق لا على مال. وبمؤجل يخرج العتق على مال حال.
وبقوله: من العبد يخرج العتق على مال من أجنبي.
وبقوله: موقوف على أدائه يخرج كتابة أم الولد فإنها لا تكاتب نص عليه في المدونة. انتهى (^١).
قال: (ندب مكاتبة أهل التبرع، وحط جزء آخرا) وهذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، بدأ الشيخ بالركن الأول وهو السيد العاقد للكتابة، وشروطه أن يكون من أهل التبرع، وكذلك يندب للسيد حط آخر نجم على المكاتب ليتحقق له الولاء قال ﷾: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتنكم﴾ [النور: ٣٣] أي آتاكم الله من فضله.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٨٩/ ٢٩٠.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
قوله: (ولم يجبر العبد عليها. والمأخوذ منها الجبر) أي وليس للسيد إجبار العبد على الكتابة كما لا يجبر السيد عليها بل برضاهما معا تنعقد، والمأخوذ من المدونة جبر العبد عليها ورواه بعض البغداديين.
قوله: (بكاتبتك، ونحوه بكذا، وظاهرها اشتراط التنجيم وصحح خلافه) لما ذكر السيد والعبد جعل يذكر الصيغة وهي قوله: كاتبتك ونحوه بكذا، كقوله: أنت حر على مال، وقوله: بكذا راجع إليهما أي كاتبتك بكذا أو أنت حر على كذا، وظاهر المدونة اشتراط التنجيم في الكتابة، ولكن صحح خلاف هذا الظاهر.
وفي إكمال الإكمال: قال القرطبي: التنجيم مشهور المذهب. ومن الأصحاب من أجازها حالة وسماها مقاطعة وهو القياس، لأن الأجل إنما هو توسعة بدليل أن المكاتب إذا عجل نجومه جبر السيد على الأخذ وعتق.
قلت قال ابن رشد تجوز عند مالك حالة ومؤجلة، وإن وقعت بسكوت عنها أجلت لأن العرف كونها منجمة هذا قول متأخري أصحابنا.
وقال ابن أبي زيد في رسالته: الكتابة (^١) جائزة بما تراضيا عليه من المال منجما (^٢). فظاهره أنها لا تكون إلا مؤجلة وليس بصحيح على مذهب مالك وإنما يمنعها حالة أبو حنيفة. انتهى (^٣).
قوله: (وجاز بفرركابق، وجنين، وعبد فلان) أي وجاز الكتابة بغرر كابق وشارد وجنين وثمر لم يبد صلاحه وقد يحصل وقد لا يحصل، وكذلك تجوز على خلاص عبد فلان، وقد لا يحده من سيده.
قوله: (لا لؤلؤ لم يوصف، أو كخمر، ورجع لكتابة مثله) أي لا تجوز الكتابة على لؤلؤ لم يوصف لتفاوت ما بين أفراده، مفهومه إن وصف جاز والمفهوم صحيح، وكذلك لا تجوز الكتابة بالخمر والخنزير وكل محرم، فإن وقع عقد الكتابة على ذلك رجع لمكاتبة مثله في القدر والصفة والجنس والأجل لا بقيمته.
قوله: (وفسخ ما عليه في مؤخر، أو كذهب عن ورق وعكسه) أي وجاز فسخ ما على المكاتب من نجوم الكتابة في شيء مؤخر أو كان ما عليه ذهبا فسخه في فضة أو
_________________
(١) ن: المكاتبة.
(٢) متن الرسالة: باب في الوصايا والمدبر ومكاتب والمعتق وأم الولد والولاء. ص: ١٠٩/ ١٠٩. بتصرف.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٩١/ ٢٩١.
[ ٣ / ٥٤٣ ]
العكس، فذلك جائز ولا يقال إنه فسخ دين في دين ولا صرف مستأخر، لأن الكتابة ليست بدين ثابت وسومح فيها.
قال عبد الوهاب: إنما يراعى في بيعها ما يحل ويحرم في البيوع، إذا بيعت من غير العبد، وإن باعها منه، فذلك جائز على كل حال. انتهى.
قوله: (ومكاتبة ولي ما لمحجوره بالمصلحة، ومكاتبة أمة وصغير، وإن بلا مال وكسب) صوابه من المحجوره، لأن الغالب أن من إنما تقع على العاقل وما على غير العاقل أي وجاز للولي وهو الأب أو الوصي أو الحاكم أو مقدمه مكاتبة عبد من في حجره لمصلحة المحجور، فإن الكتابة أفضل له من بيع العبد ومن إبقائه قنا، وكذا يجوز مكاتبة أمته وطفل صغير، وإن كان ليس لهما مال ولا كسب أي عمل هذا هو المشهور، وقيل: لا يجوز كتابتهما خيفة أن تسعى الأمة بفرجها والصغير يسرق، وقال بعضهم: وجواز مكاتبة الصغير على القول بجبر العبد على الكتابة لأن الصغير لا عقل له.
قوله: (وبيع كتابة، أو جزء لا نجم، فإن وفى فالولاء للأول وإلا رق للمشتري) أي وجاز للسيد بيع الكتابة كلها أو جزء منهما كالربع والثلث أو النصف أو السدس.
قال في إكمال الإكمال: قال الشيخ: ولا بد من حضور المكاتب، ولا يغني قرب غيبته كما في الدين، لأن رقبته هي المبيعة على تقدير عجزه فلا بد من معرفتها.
ابن عبد السلام: لا يشترط حضور المكاتب وإقراره لأن الغرر في الكتابة مغتفر وأنت تعرف أن الإغتفار إنما هو في عقدها ابتداء لأنه طريق العتق لا في بيعها (^١).
لا يجوز بيع نجم معين منها لأنه غرر، إذ قد يؤدي النجم ثم يعجز، فإن بيعت الكتابة أو الجزء منها، فإن المكاتب يبقى مكاتبا، فإن وفى ما عليه لمشتريها خرج عتيقا، والولاء للسيد الأول لأنه قد انعقد له الولاء أولا، فإن عجز المكاتب أو هلك قبل الوفاء رق لمشتري الكتابة كلها، وأما إن اشترى الجزء منها، فإنه يرق له بنسبة الجزء من العبد.
هكذا قيدته عن شيخنا محمود بن عمر حفظه الله.
ومنع الشافعي وأبو حنيفة بيع الكتابة ورأياه من الغرر إذ لا يدري ما يحصل له النجوم أو الرقبة.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٩٣/ ٢٩٤.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
قلت: مال اللخمي إلى المنع فقال: قول ربيعة وابن أبي سلمة بالمنع أقيس، لأنه إذا ودى كان للمشتري النجوم فقط. وإن عجز عن أول نجم كانت له الرقبة. وإن عجز عن آخر نجم كانت له الكتابة والرقبة. وأصل سحنون في هذا البيع المنع مع الاختيار والجواز مع الضرورة، وهذا في بيع كل الكتابة. وأما بيع جزء منها كالشرط والثلث ففيه ثلاثة أقوال:
- الجواز السحنون وأصبغ وأحد قولي ابن القاسم.
- والمنع لمالك وابن القاسم في العسرة.
- والثالث: يجوز للشريك في المكاتب أن يبيع نصيبه منها لشريكه، ولا يجوز له
أن يبعها لأجنبي. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (وإقرار مريض بقبضها: إن ورث غير كلالة، ومكاتبته بلا محاباة) أجمل الشيخ ﵀ ولم يفرق بين أن يكون السيد حين عقد الكتابة أن يكون صحيحا أو مريضا وذكر الحكم إذا كان صحيحا حين العقد ولم يذكر الحكم إذا كان حين العقد مريضا، فإنه يكون في ثلثه ورث كلالة أم لا، وقال: وإقرار مريض أي وجاز إقرار مريض بقبض الكتابة بشرط أن يكون وارثه غير كلالة بل وارثه أب أو ولد، وكذلك يجوز مكاتبة مريض بشرط أن يكون ذلك بلا محابات أي ميل للعبد.
قوله: (وإلا) أي وإن كان وارث المريض كلالة أو كان مكاتبته ذلك محاباة، (ف) إنهما في ثلثه، فإن حملها مضت، وإلا مضى منها ما حمله الثلث، فإن لم يحمل منها شيئا بطلت وهذا مذهب المدونة.
قوله: (ومكاتبة جماعة لمالك فتوزع على قوتهم على الأداء يوم العقد) أي لمالك واحد لا لجماعة أي فإن كاتب السيد جماعة من عبيده، فإن الكتابة توزع أي تقسم على قدر قوتهم على أداء الكتابة لا على قيمهم، ربما كان من هو أقل قيمة هو أقوى على الأدى من أكثر القيمة منه، وإنما تعتبر القوة يوم عقد الكتابة.
قوله: (وهم، وإن زمن أحدهم حملاء مطلقا فيؤخذ من المليء الجميع، ويرجع إن لم يعتق على الدافع، ولم يكن زوجا، ولا يسقط عنهم شيء بموت واحد) أي والجماعة المكاتبين هم حملاء بعضهم على بعض وإن كان أحدهم زمنا أي به مرض ملازم له شرط ذلك عليهم أم لا وهو معنى الإطلاق، فسبب ذلك يؤخذ من الملي جميع الكتابة
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٩٣.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
كما في الضمان، فإن أخذ منه فإنه يرجع أو وارثه على المؤدى عنه بما أدى عنه إذا لم يكن ممن يعتق على الدافع، أو لم يكن زوجا له، وأما إن كان المؤدى عنه ممن يعتق على الدافع أو كان زوجا له، فلا يرجع عليه كما في فداء الأسارى من أيدي العدو، ولا يسقط شيء عن المكاتبين بسبب موت واحد بل ولو ماتوا كلهم إلا واحدا، فإنه يؤدي الجميع، ومن مات منهم مات عبدا ولكن يرثه ورثته في ما بقي عن ما نابه من الكاتبة، والمذهب هنا خالف القياس لأن القياس يرثه سيده لما مات عبدا.
هكذا قيدته عن شيخنا محمود بن عمر.
قوله: (وللسيد عتق قوي منهم إن رضي الجميع وقووا) أي وللسيد عتق القوى على الأداء من الجماعة بشرطين: أحدهما أن يرضى جميع المكاتبين بذلك. الثاني: أن الباقين قووا على الأداء. وأما الضعيف يجوز عتقه وإن لم يرضوا به.
قوله: (فإن رد، ثم عجزوا صح عتقه) أي فإن رد عتق السيد للقوي بأن لم يرضوا أصحابه بعتقه ثم عجزوا كلهم صح عتق ذلك القوي لصحة عتقه، إذ رجوعه، إنما يكون لحق أصحابه، فلما سقط حقهم بعجزهم صح عتقه.
قوله: (والخيار فيها) أي وجاز الخيار في الكتابة للسيد أو العبد أو لهما.
قوله: (ومكاتبة شريكين بمال واحد لا أحدهما، أو بمالين، أو بمتحد بعقدين فيفسخ) أي وجاز مكاتبة شريكين في عبد واحد في عقد واحد بمال واحد وأجل واحد، فلا يعتق نصيب أحدهما ما لم يؤد جميع النجوم إليهما، فلا يجوز مكاتبة أحدهما دون الآخر لأن ذلك يؤدي إلى تبعيض العتق بغير تقويم، وكذلك لا يجوز كاتبتهما للعبد بمالين مختلفين في القدر والجنس والصفة والأجل وكذلك لا يجوز كتابتهما بمال واحد إذا كان ذلك في عقدين، فإن وقع العقد على الممنوع يفسخ.
قوله: (ورضا أحدهما بتقديم الآخر. ورجع لعجز بحصته) أي ويجوز رضى أحد المكاتبين لعبدهما بتقديم صاحبه في أخذ النجوم، فيقول له خذ أنت النجم الأول، وأنا آخذ الثاني جاز إذ كأنه أسفله، فإن وفى المكاتب كل ما عليه فلا كلام، فإن مات قبل أن يؤدي الشريك النجم، فلا يأخذ شيئا من شريكه الذي أخذ حتى يحل أجل النجم لأنه سلف منه له، فإن عجز المكاتب عن النجم رجع الإذن بالتقديم على الأخذ بحصته مما أخذ ويرق العبد لهما، يؤخذ من هنا أنهما إذا اشتركا في العبيد فقال أحدهما للآخر: غدهما أنت وأعشيهما أنا أنه جائز وهو ظاهر في المرة
[ ٣ / ٥٤٦ ]
الواحدة، وأما مرارا فلا، لأنه أسلفني وأسفلك.
قوله: (فإن قاطعه بإذنه من عشرين على عشرة، فإن عجز خير المقاطع بين رد ما فضل به شريكه، وبين إسلام حصته رقا، ولا رجوع له على الآذن وإن قبض الأكثر، فإن مات أخذ الآذن ما له بلا نقص إن تركه، وإلا فلا شيء له) التشبيه بينهما الجواز أي فإن كاتبا عبدهما على نجم ثم قاطعه أحدهما بإذن شريكه من عشرين على عشرة أي عشرة بدل العشرين من التي كانت له على العبد، كما إذا كاتبه على أربعين، فإن وفي المكاتب للآخر ما كان له عليه فلا كلام له، فإن عجز خير المقاطع بين رد ما فضل به صاحبه، ويكون العبد رقا لهما، وإسلام حصته رقا لصاحبه، وإن كان شريكه الذي أذن له بالقطاعة أخذ شيئا مما كان له على العبد فلا يرجع عليه المقاطع، وإن كان أخذ جل حصته، وإن مات هذا المكاتب أخذ الإذن لصاحبه بالقطاعة جميع ما كاتب عليه العبد إن كان في متروكه وإن لم يترك شيئا، فلا شيء له على المقاطع.
قوله: (وعتق أحدهما وضع لماله، إلا إن قصد العتق) أي وإذا كاتبا عبدهما على مال ثم عتق أحدهما حصته من المكاتب، فإن ذلك وضع لما كان له على المكاتب من النجوم، فلا يقومه عليه شريكه، إلا أن يقصد العتق بصريحه أو مفهومه، فإنه يقوم عليه حينئذ حصة صاحبه إن عجز المكاتب.
قوله: (فإن فعلت فنصفك حر فكاتبه ثم فعل وضع النصف، ورق كله إن عجز) أى وكذلك إذا قال لعبده: إن فعلت كذا أو إن فعلت أنت كذا فنصفك حر، ثم كاتبه، ثم فعل ما حلف عليه، وضع عن المكاتب نصف النجوم، فإن أدى البقية فلا كلام، خرج عتيقا، وإن عجز رق كله وهو مشكل، إلا أن يقول لما كانت يمينه على بر، كأنه قال ذلك الآن، فيكون ذلك وضعا لنصف ما عليه كالمسألة المتقدمة.
قوله: (وللمكاتب بلا إذن بيع واشتراء، ومشاركة، ومقارضة، ومكاتبة واستخلاف عاقد لأمته، وإسلامها أو فداؤها، إن جنت) إلى آخر ما ذكر أي ويجوز للمكاتب بلا إذن من سيده بيع واشتراء ومشاركة ومقارضة ومكاتبة، لأن السيد لما كتبه أذن له في ذلك، وكذلك له استخلاف عاقد على أمته طلبا للفضل، وأما العبد فله أن يعقد عليه بنفسه، وكذلك له إسلام أمته في الجناية وله فداؤها.
وقوله: (بالنظر) راجع إلى المسائل كلها، وأما على غير النظر فلا، (و) كذلك له (سفر لا يحل) في غيبته (فيه نجم) وأما إن كان يحل فيه نجم فلا، إلا بإذن.
قوله: (وإقرار في رقبته) أي وكذلك للمكاتب أن يقر بجناية تكون في رقبته،
[ ٣ / ٥٤٧ ]
كما إذا أقر بالقتل عمدا، فإنه يؤخذ به، فإن قتل قصاصا فلا كلام، وإن عفى عنه مجانا يبقى مكاتبا، وإن عفى عنه ليملك فلا.
وقال صاحب شفاء الغليل في قوله: وإقرار في رقبته صوابه وإقرار في ذمته (^١) وهو غفلة منه كم الله، بل هو كما قال الشيخ ﵀:
كفى المرء نبلا … أن تعد معايبه
فكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم
قوله: (وإسقاط شفعته) أي وللمكاتب إسقاطه شفعة وجبت له، ظاهره بالنظر أم لا، لأنه لم يذكره في المسائل التي ذكر فيها النظر.
قوله: (لا عتق، وإن قريبا، وهبة، وصدقة، وتزويج، وإقرار بجناية خطإ، وسفر بعد) أي ولا يجوز للمكاتب عتق عبد وإن كان قريبا منه كوالده وولده لأنه إتلاف لما له أي وكذلك لا يجوز له الهبة والصدقة، إلا الخفيف الذي جرت العادة بمثله، ولا يجوز له أن يتزوج لأنه عيب وله أن يتسرى، وكذلك لا يجوز إقرار بجناية خطإ لمن لا يتهم عليه وكذلك لا يجوز له سفر بعيد.
وقوله: (إلا بإذن) راجع على المسائل الست، هذا قول ابن القاسم، وقال غيره: لا يجوز وإن أذن السيد بالعتق والهبة والتزويج، لأن ذلك يؤدي إلى عجزه.
قوله: (وله تعجيز نفسه، إن اتفقا، ولم يظهر له مال) أي وللمكاتب تعجيز نفسه بشرطين:
أحدهما: أن يتفق هو وسيده على ذلك، وإن اختلفا فلابد من الحاكم.
الثاني: أن لا يكون له مال ظاهر، وأما إن كان له مال ظاهر فلا يجوز وإن اتفقا لحق الله تعالى في العتق، وإن اتفاقا على العجز ولم يكن له مال ظاهر، فإنه يرق لسيده ولو ظهر له مال بعد.
قوله: (فيرق، ولو ظهر له مال كأن عجز عن شيء، أو غاب عند المحل ولا مال له، وفسخ الحاكم، وتلوم لمن يرجوه) أي كما يرق المكاتب إذا عجز عن شيء حال أجله من النجوم التي كانت عليه، أو كان غائبا عند المحل أي حلول الأجل أو كان غائبا عند المحل أي عند حلول الأجل ولا مال له هنالك تؤدى منه الكتابة إن الحاكم يفسخ
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١١٤٤.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
الكتابة بعد التلوم لمن يرجو له شيئا لأنه وكيل كل غائب، وأما من لا يرجوه فلا تلوم فيه، وليس للسيد فسخ الكتابة بل إنما هو للحاكم.
قوله: (كالقطاعة، ولو شرط خلافه) أي كما يتلوم للمكاتب إذا قاطعه سيده على مال، فإن الحاكم يتلوم له، وإن شرط السيد خلاف التلوم، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم.
قوله: (وقبض إن غاب سيده، وإن قبل محلها) أي فإن غاب سيد المكاتب وأتى بما عليه، فإن الحاكم يقبضه وإن قبل أجله مما ليس للمدين تعجيله، لأن الكتابة ليست بدن ثابت، ولأن الأجل في النجوم حق للمكاتب لا للسيد، فإن قبضه الحاكم نفذ العتق. انتهى.
قال صاحب الجواهر: وإن كان السيد قد شرط عليه مع الكتابة سفرا أو خدمة فعجل الكتابة، فهل يسقط عنه ما شرط عليه؟ أم لا فيها روايتان. وإذا فرعنا على عدم السقوط فما الذي يلزمه؟ روايتان أيضا، إحداهما: أنه يؤديه بعينه. والأخرى أنه يؤدي قيمته. انتهى (^١).
قوله: (وفسخت إن مات وإن عن مال إلا لولد، أو غيره دخل معه بشرط، أوغيره، فتؤدى حالة، وورثه من معه في الكتابة فقط، ممن يعتق عليه) أي وفسخت الكتابة إن مات المكاتب عن مال، وأحرى عن غير مال، إلا إذا كان له ولد أو غيره أجنبيا كان أو غره، دخل بيعه في الكتابة بالشرط كما إذا كان الولد موجودا، أو دخل معه وإن بغير شرط كما إذا أحدث الولد بعد الكتابة، أو اشترى من يعتق عليه بإذن السيد، فإن الكتابة لا تفسخ بل تؤدى حالة ويرثه وارثه بشرطين:
أحدهما: أن يكون في الكتابة.
الثاني: أن يكون ممن يعتق عليه، وهذا إذا ترك وفاء لما عليه من النجوم، فإن انتفى أحد الشرطين فلا يرثه، وهذا كله خلاف القياس، والمذهب هنا خالف القياس، والقياس أن يرثه سيده لأنه عبد ما بقي عليه شيء، وهو مذهب الشافعي ﵀.
قوله: (وإن لم يترك وفاء وقوي ولده على السعي سعوا، وترك متروكه للولد إن أمن كأم ولده) أي الذي تقدم إذا مات وترك وفاء لما عليه، وهذا إذا مات ولم يترك وفاء،
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١٢٠٧.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
وذلك يشمل صورتين:
إحداهما: إن لم يترك شيئا.
الثانية: إن لم يترك ما لم يوفي لما عليه، فإن كان له ولد ذكرا أو أنثى وقوي على السعي سعوا وترك متروك الولد في يد الولد إن أمن، وإن لم يؤمن فلا يترك بيده، فإن كانت للمكاتب أم ولد، فإن ذلك المتروك يترك بيدها إن أمنت، وإلا فيرقان للسيد.
قوله: (وإن وجد العوض معيبا، أو استحق موصوفا) فقيمته (كمعين، وإن بشبهة) له (إن لم يكن له مال) أي وإن وجد السيد في العوض الذي أخذه في الكتابة معيبا، فإن الكتابة تفسخ، وكذلك إذا كاتبه على شيء موصوف واستحق ذلك الموصوف، فإن الكتابة تفسخ، وكذلك إذا كاتبه على عوض معين فاستحق ذلك العوض، وإن ملك المكاتب ذلك بشبهة، فإنها تفسخ وأحرى إن لم يكن له فيه شبهة، وهذا كله إن لم يكن له مال، وأما إن كان له مال فلا تفسخ، وهكذا إقرار هذه المسألة، ولكن فأين النقول وهي من مشكلات هذا المختصر.
وأما ابن غازي قال: صواب المسألة لا لعيب عوض أو استحقاقه أي لا تفسخ الكتابة لأجل عيب العوض أو استحقاقه إن كان للمكاتب مال فإنه يبقى مكاتبا ويرجع بمثل العوض، إن كان موصوفا أو بقيمته إن كان معينا.
قوله: إن لم يكن له مال شرط في فسخ الكتابة في هذه الصورة ثم هذا الكلام على مقتضى هذا الشرح مخالف للمذهب، فإن النصوص متظافرة على أن الكتابة لا تفسخ لعيب العوض، أو استحقاقه بل يعود العبد مكاتبا إن لم يكن له مال، وأما إن كان له مال فإن عتقه يمضي ويرجع عليه بما ذكر، فالكتابة لا تنفسخ على حال؛ وإنما الذي يفسخ إن لم يكن له مال هو العتق الذي حصل له بدفع العوض المستحق على قول؛ وعلى هذا فالحكم عكس ما ذكر.
قال: ورأيت في بعض النسخ: وإن وجد العوض معيبا فمثله أو استحق موصوفا فقيمته كمعين إن بشبهة، وإن لم يكن له مال اتبع به دينا، وهذا الكلام أقرب إلى الاستقامة وموافقة النقل، إلا أن قوله في المستحق إذا كان موصوفا: يرجع فيه بالقيمة ليس كذلك، بل إنما يرجع في الموصوف بالمثل كما تقرر في
[ ٣ / ٥٥٠ ]
العيب والاستحقاق (^١).
قوله: (ومضت كتابة كافر لمسلم، وبيعت) أي وإن كاتب الكافر عبده المسلم سواء ملكه مسلما أو أسلم عنده، فإن ذلك الكتابة تمضي وتباع تملك الكتابة لمسلم، فإن وفي الكتابة لمشتريها خرج عتيقا، وولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق للمشتري.
قوله: (كأن أسلم) أي وإذا كاتب الكافر عبده ثم أسلم العبد بعد الكتابة، فإن الكتابة تباع، فإن وفاها لمشتريها خرج حرا وولاؤه لعصبة السيد المسلمين، وإن لم يكونوا فالولاء للمسلمين، فإن أسلم السيد يوما ما رجع الولاء له، فإن عجز رق للمشتري.
قوله: (وبيع معه من في عقده) أي فإذا بيعت كتابة العبد المسلم، فإنها تباع كتابة من دخل معه في عقد الكتابة.
قوله: (وكفر بالصوم) أي وإذا وجبت الكفارة على المكاتب، فإنه إنما يكفر بالصوم لأنه رقيق، وإن أذن له السيد في الإطعام أجزأه، وأما العتق فلا يجزيه، وإن أذن له فيه لأن الولاء لغيره.
قوله: (واشتراط وطء المكاتبة، واستثناء حملها، أو ما يولد لها، أوما يولد لمكاتب من أمته بعد الكتابة، أو قليل، كخدمة، إن وفى) إلى قوله: (لفق) أي وإن كانت أمة واشترط عليه وطؤها، صح عقد الكتابة والشرط لغو، وكذلك إذا كاتبها واستثنى ما في بطنها أو ما يولد لها بعد الكتابة، فإن الكتابة تصح ويبطل الشرط، وكذلك إذا كاتب عبده واشترط عليه أن ما ولد له من أمته بعد الكتابة فلا يدخل معه، فإن عقد الكتابة يصح ويبطل ما شرط، وكذلك إذا كاتب عبده وشرط عليه أنه إذا وفي ما عليه يبقى يخدم له خدمة قليلة فالعقد صحيح والشرط باطل.
قوله: (وإن عجز عن شيء، أو عن أرش جناية، وإن على سيده رق، كالقن) وهذا قد تقدم لعله كرره ليركب عليه ما بعده أي وإن عجز المكاتب عن شيء من النجوم أو عن أرش جناية وإن كانت الجناية على السيد رق لعجزه كالقن، وقال: شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: لم تظهر لي فائدة كالقن لأنه لما قال: رق، علمنا أنه كالقن.
قوله: (وأدب إن وطئ بلا مهر، وعليه نقص المكرهة) أي وأدب السيد إن وطء مكاتبته ولا مهر لها عليه، وإن أكرهها فعليه ما نقصها وإن طاوعته فلا شيء لها
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١١٤٦. ١١٤٧. ١١٤٨. بتصرف
[ ٣ / ٥٥١ ]
عليه، وكل من تعلق عتقها بغير موته، فلا يجوز له وطؤها كالمكاتبة والمعتقة إلى أجل، وأما من تعلق عتقها بموته فيجوز له وطؤها كأم الولد والمدبرة.
قوله: (وإن حملت خيرت في البقاء وأمومة الولد: إلا لضعفاء معها، أو أقوياء لم يرضوا، وحط حصتها إن اختارت الأمومة، وإن قتل فالقيمة للسيد، وهل قنا أو مكاتبا تأويلان) أي وإن حملت المكاتبة الموطوءة خيرت في البقاء على حالها في الكتابة وأمومة الولد، ولها الخيار في أيهما شاءت إلا أن يكون معها في عقد الكتابة ضعفاء، فليس لها حينئذ التخيير بل تبقى في الكتابة وإن رضى الضعفاء، وكذلك لا خيار لها إذا كان معها في عقد الكتابة أقوياء لم يرضوا بأن تختار أن تكون أم الولد، وأما إن رضوا فيجوز، ولكن يحط عن أصحابها حصتها في الكتابة.
قوله: وإن قتل المكاتب فقيمته لسيده لأنه عبد، وهل يقوم في حال كونه قنا لا شائبة فيه، أو إنما يقوم مكاتبا بقي عليه كذا فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وإن اشترى من يعتق على سيده صح، وعتق إن عجز) أي وإن اشترى المكاتب من يعتق على سيده صح ذلك الاشتراء ويملكه إن أدى الكتابة وعتق وإن عجز عن أداء الكتابة عتق على السيد إذ لا يملك من يعتق عليه وقد تقدم.
قوله: وعتق بنفس الملك الأبوان وإن علوا والولد وإن سفل والإخوة.
قوله: (والقول للسيد في الكتابة والأداء) أي في نفي الكتابة أي فإذا تنازع السيد والعبد في وجود الكتابة، فالقول قول السيد، لأن الأصل عدم الكتابة، وليس عليه اليمين لأن العبد إنما ادعى الحرية، ولا تثبت دعوى العبد بشاهد وامرأتان، وكذلك إذا أقر السيد بالكتابة وتنازعا في أدائها، فإن القول قول السيد مع يمينه، لأنه إنما ادعى عليه المكاتب قبض المال، ويثبت دعوى العبد بشاهد وامرأتين وإن كان في قبض النجم الآخر وإن تعلق به العتق.
قوله: (لا القدر والجنس والأجل) أي فإذا تنازعا في قدر الكتابة أو وجود الأجل أو حلوله أو قدره، أو تنازعا في جنس الكتابة، فقال أحدهما: عبد، والآخر: فرس مثلا، فإن العبد مصدق مع يمينه في ذلك كله، لأن السيد مقر بالكتابة مدع يؤخذ بإقراره، ويكلف إثبات دعواه، فإن نكل المكاتب عن اليمين حلف السيد ويستحق ما ادعاه وإن نكل فلا شيء له.
قوله: (وإن أعانه جماعة، فإن لم يقصدوا الصدقة رجعوا بالفضلة، وعلى السيد بما قبضه، إن عجز) الجماعة ليست بشرط، لو قال: الله وإن أعين أي وإن أعين
[ ٣ / ٥٥٢ ]
المكاتب في أداء الكتابة، فإن لم يقصد من أعانه الصدقة عليه بما أعانه به رجع على المكاتب بالفضلة إن أدى ما عليه، وإن عجز عن الأداء رجع المعين على السيد بما قبضه منه، وهذا إذ اتفق المكاتب والمعين له على أن المدفوع إعانة لا صدقة، وأما إن اختلفا فإنهما يرجعان إلى العرف، وإن لم يكن عرف فالقول للمعين وهذا الفرع ليس في المختصر. انتهى.
وللمسألة نظائر كمن دفع إليه شيء على أنه عالم أو عابد أو شريف أو فقير فظهر خلافه، فإنه يؤخذ منه، وما أشبه ذلك.
والحاصل الضابط أن من دفع إليه شيء على أمر ولم يتم ذلك الأمر، فإن الدافع يرجع بما دفع إليه.
قوله: (وإلا فلا) أي فإن قصدوا الصدقة فلا رجوع على المكاتب بالفضلة إن عتق ولا على السيد إن عجز العبد.
قوله: (وإن أوصى بمكاتبته فكتابة المثل، إن حمله الثلث) أي وإن أوصى إنسان بكتابة عبده، فإنه يكاتب بكتابة مثله في القوة والضعف إن حمل الثلث قيمته (^١).
قوله: (وإن أوصى له بنجم، فإن حمل الثلث قيمته جازت) أي وإن أوصى لمكاتب بنجم معين، فإن حمل الثلث قيمة النجم جازت الوصية.
قوله: (وإلا فعلى الوارث الإجازة، أو عتق محمل الثلث) هذا منطبق على المسألتين أي وإن لم يحمله في المسألة الأولى والثانية الثلث فعلى الوارث أحد أمرين: أحدهما إجازة فعل الموصي، والأخرى عتق محمل الثلث أي ثلث الميت.
قوله: (وإن أوصى لرجل بمكاتبه، أو بما عليه، أو بعثقه جازت، إن حمل الثلث قيمة كتابته أو قيمة الرقبة على أنه مكاتب) الرجل ليس بشرط أي وإن أوصى إنسان بمكاتبه، أو أوصى له بما على مكاتبه جازت الوصية في المسائل الثلاث إن حمل ثلث السيد قيمة المكاتبة أو حمل ثلث قيمة رقبته على أنه مكاتب بقي عليه كذا الأقل منهما وقيمة المكاتب أقوى لأنه ينشط لأجل العتاقة.
وقوله: (وأنت حر على أن عليك ألفا، أو وعليك ألف لزم العتق والمال) أي وإذا قال لعبده: أنت حر على أن عليك ألفا أو قال له: أنت حر وعليك ألف لزم العتق السيد، والمال يلزم العبد في المسألتين، وليس لأحدهما الإباية، هذا قول مالك، وأما
_________________
(١) ن: رقبته.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
ابن القاسم لزم العتق السيد ولا يلزم المال العبد.
قوله: (وخير العبد في الالتزام والرد، في أنت حر، على أن تدفع، أو تؤدي، أو إن أعطيت أونحوه) أي إذا قال لعبده أنت حر على أن تدفع لي أو تؤدي لي أو إن أعطيتني أو إذا جئتني بكذا فإن العبد يخير في هذه الألفاظ بين التزام ما قال السيد وبين رده فيبقى رقيقا.
[ ٣ / ٥٥٤ ]