قوله: (باب) أي هذا باب ذكر فيه مسائل الوصية.
يقال: أوصى أيضا ووصى بتشديد الصاد وصية ومعناهما واحد.
الوصية على خمسة أقسام الشرع: مندوب إن اتسع المال والورثة غير محتاجين، والعكس مكروه، وواجب إن كان عليه حق، وممنوع بحرام، ومباح بعدم الأربعة المذكورة، ولا خلاف في جواز الوصية في الكتاب والسنة والإجماع، وإنما الخلاف في وجوبه وندبه.
ابن عرفة: الوصية عقد يوجب حقا في ثلث عاقده بعد موته، أو نيابة عنه بعد موت عاقده. انتهى.
وللوصية أربعة أركان الموصي وبه بدأ، والموصى له وبه ثنا، والصيغة وبها ثلث، والموصى به وبه ربع.
قال: (صح إيصاء حر) أخرج العبد، إذ لا تصح وصية العبد، (مميز) أخرج غير المميز من صبي أو مجنون أو سكران إذ لا تصح وصيته.
قوله: (مالك) أي صح إيصاء حر مميز مالك ملكا تاما، واحترز به من مستغرق الذمة، فإن وصيته لا تصح لأن ما في يده ليس ملكا له، بل لأربابه إن عرفوا وإلا فبيت مال المسلمين.
قوله: (وإن سفيها أو صغيرا) أي صح إيصاء الحر المميز المالك، وإن كان سفيها أو صغيرا، لأن الحجر عليه حفظا لماله خوف الاحتياج، فإن مات فقد ذهب الاحتياج، وإن عاش فله الرجوع، فإن منع من الوصية يكون المنع لأجل غيره من ورثته.
قوله: (ا - وهل إن لم يتناقض قوله؟ أو أوصى بقربة؟ تأويلان) أي وهل صحة وصية الصغير بما إذا لم يتناقض كلامه وهو تأويل أبي عمران، أو إنما تصح إذا أوصى بقربة وهو تأويل اللخمي.
قوله: (وكافرا إلا بخمر لمسلم) أي وصح إيصاء كافر إلا أن يكون ما أوصى به لمسلم خمرا أو خنزيرا فلا يصح.
قوله: (لمن يصح تملكه) هذا هو الركن الثاني أي إنما تصح الوصية إذا كانت
[ ٣ / ٥٦٦ ]
لمن يصح تملكه لا لمن لا يصح أن يملك كشجر وحجر.
قوله: (كمن سيكون إن استهل، ووزرع لعدده) أي كما تصح الوصية لمن سيكون إن استهل، سواء كان في البطن أم لا، وأما إن لم يستهل فلا يصح وإن أوصى لحمل وتعدد ذلك الحمل توأمان فأكثر، فإن الموصى به يوزع بينهم على السواء، إلا أن يبين الفضل.
قوله: (بلفظ أو إشارة مفهمة) هذا هو الركن الثالث وهي الصيغة والكتابة أحرى من الإشارة.
قوله: (وقبول المعين شرط بعد الموت، فالملك له بالموت، وقوم بغلة حصلت بعده) أي وقبول الموصى له المعين شرط في لزوم الوصية، وأما غير المعين كالفقراء والمساكين فلا يشترط فيه القبول لتعذره أي إنما يصح قبول المعين إذا قبل بعد موت الموصي، وأما قبوله قبل موته فلا يعتبر، إذ للموصي الرجوع فيها، فإذا قبل المعين، فإنه يملك الموصى به له بنفس موت الموصي، وقيل يوم القبول فإن قلنا بنفس الموت يملك، فإنه يقوم الموصى به مع غلة حصلت بعد الموت، وهذا التصوير ليس بمعين للموصى له، وقيل: يقوم بلا غلة ثم تتبعه الغلة وهو معين للموصى له.
وسئل ابن أبي الدنيا في رجل أوصى بثلث ما يخلفه لأول مولود يولد لبعض ورثته، ومن متروكه جنات، وقد تزايد المولود المذكور، فلمن يكون عائد اغتلال الثلث الموصى به في الكتب المذكور من يوم وفات الموصي إلى اليوم الذي ولد فيه المولود المذكور، أيكون ذلك للورثة في تلك المدة المذكورة أم يكون للموصى له.
فأجاب بعد سطر الافتتاح: من شرط ملك الموصى له قبول ما أوصي له به، ومن حين القبول يكون له الاغتلال والخراج على المشهور من القولين وقبول هذا لا يتصور إلا بعد وجوده فيقبل له الناظر له، ويحكم بما أوصي له به وبغلة حينئذ.
انتهى من البرزلي (^١).
قوله: (ولم يحتج رق لإذن في قبوله، كإيصائه بعتقه، وخيرت جارية الوطء، ولها الانتقال) أي ولم يحتج ذو رق في قبول الوصية لإذن سيده، كما لا يحتاج إلى إذن الرقيق إذا أوصى السيد بعتقه، فإنه لا يستأذن في العتق بل يعتق، لأن العتق حق الله
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٥، ص: ٥٨٢.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
تعالى، فإن كان الذي أوصى بعتقه جارية الوطء، فإنها تخير بين العتق وبين إبقائها جارية للوطء، إنما خيرت دون العبد لأنه قد يكون في عتقها ضرر عليها، إذ بقاؤها جارية للوطء لا ضرر عليها، إذ تباع لمن يدفع عنها الضرر وذلك هو الفرق بينها وبين العبد.
فإن اختارت الجارية أحد الأمرين فلها الانتقال إلى الآخر ما لم ينتجز، فرض الشيخ المسألة بما إذا أوصى بعتقها، وأما المدونة إنما فرضها إذا أوصى ببيعها للعتق ورءا للشيخ ألا فرق بينهما.
مفهوم قوله: جارية الوطء أن غير جارية الوطء لا تخير بل تعتق والمفهوم صحيح.
قوله: (وصح لعبد وارثه إن اتحد، أو بتافه أريد به العبد) أي وصح الإيصاء لعبد وارثه وإن كثر الموصى به إن اتحد الوارث، وإن لم يتحد الوارث يصح بشرطين: أن يقل ما أوصى به كالدينار والثوب.
الشرط الثاني: أن يقصد به العبد لا سيده.
قوله: (ولمسجد، وصرف في مصالحه) أي وصح الإيصاء لمسجد.
لو قال الشيخ: لك مسجد، ليدخل القنطرة ونحوها واللام في لمسجد يعبر عنه بلام المصرف وليس لام الملك. انتهى.
لا يقال أن المسجد ليس ممن يصح تملكه لأن الذين ينتفعون به أهل للتملك وصرف الموصى به للمسجد ونحوه في مصلحته.
قوله: (ولميت علم بموته، ففي دينه أو وارثه) أي وصح الإيصاء لميت إن على الموصى بموته، فيصرف الموصى به له في دينه إن كان مدينا أو وارثه إن لم يكن مدينا، وأما إن لم يعلم بموته فلا يصح.
قوله: (ولذمي) أي وصح الإيصاء لذمي، انظر هل له مفهوم الصفة أي لا حربي لتقويته، أم لا مفهوم له فيجوز وكل وافق قولا.
قوله: (وقاتل علم الموصي بالسبب) أي وصح الإيصاء لقاتل بشرط أن يعلم الموصي بذي السبب، كما إذا ضربه ضربا أدى إلى قتله، فأوصى له، فإن تلك الوصية تصح، وإن كان الضرب عمدا، فالوصية في المال دون الدية، وإن كان خطئا فالوصية في المال وفي الدية.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يعلم بذي السبب (فتأويلان) في صحة الوصية وعدم
[ ٣ / ٥٦٨ ]
صحتها، مفهوم المدونة تبطل الوصية للاستعجال، أو تصح لأنها بعد الضرب، فلا يتهم بالإستعجال وإليه ذهب أبن المواز، وأما إن وصى له فقتله بعد الوصية عمدا، فإن الوصية تبطل وإن كان خطأ نفذت من المال دون الدية، ولو ترامى الموت عن سببه وعلم بعمده ولم يغير الوصية لكان ذلك رضا بتماديها. انتهى.
قوله: (وبطلت بردته) شرع هنا نعم الله فيما يبطل الوصية أي وبطلت الوصية بردة الموصي أو الموصى له، يريد إذا مات على ردته، وأما إن رجع إلى الإسلام فلا تبطل إن كانت مكتوبة قاله أصبغ. وأما الشيخ فقد أطلق.
قوله: (وإيصاء بمعصية) هذا هو الركن الرابع أي وإن أوصى بمعصية بالموصى به فإن الوصية تبطل قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: ٢] وما أدى إلى المعصية فهو معصية.
قوله: (ولوارث كغيره بزائد الثلث يوم التنفيذ، وإن أجيز فعطية، ولو قال) أي إذا أصى لوارثه، فإن الوصية تبطل، فلا وصية لوارث لأن الله تعالى أعطى لكل ذي حق حقه، وكذلك تبطل الوصية في زائد الثلث، إذا أوصى به لغير وارثه وإن قل الزائد، وقيل: لا يرد إلا الزائد المعتبر، فأما الثلث فجائز ظاهره ولو قصد به الإضرار وهو المشهور، وقيل: إن قصد به الإضرار فلا يجوز، وإن أجيز الزائد أو الوارث فهو عطية من الورثة، فيحتاج إلى حوز على المشهور، وقيل: لا يحتاج إلى حوز، لأنه تنفيذ من فعل الميت، وعلى المشهور لا بد أن يكون الوارث المحيز للزائد رشيدا غير محاط بالدين.
قوله: (إن لم يجيزوا فللمساكين) أغنياء لقوله: ولوارث أي وتبطل الوصية لوارث وإن قال الموصي: إن لم يجيزوا الورثة فهو للمساكين ولا يرجع إلى الورثة فتبطل، لأنه إضرار، وقد أعطى الله تعالى لكل ذي حق حقه.
قوله: (بخلاف العكس) أي فإنها لا تبطل، هو أن يقول للمساكين إلا أن يجيزه الورثة لولدي فلان.
قوله: (وبرجوع فيها - وإن بمرض - بقول، أو بيع، وعتق، وكتابة، وإيلاد) أي وتبطل الوصية برجوع فيها وإن كان الرجوع في المرض، ظاهره وإن شرط ألا رجوع له فيها، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم فله الرجوع، وإن قال: عملت على القول بأن ليس للموصي الرجوع، يقول كأن رجعت فيها أو أبطلتها، أو بفعل كما إذا
[ ٣ / ٥٦٩ ]
أوصى له بعبد ثم باعه، فإن ذلك رجوع في الوصية، وكذلك إذا أوصى له بعبد ثم أعتقه فإنه رجوع، وكذلك إذا أوصى له به ثم كاتبه، فإنه رجوع في الوصية، لأن الكتابة إما بيع أو عتق، وكذلك إذا أوصى له بأمة ثم استولدها فإن ذلك رجوع فيها.
قوله: (وحصد زرع، ونسج غزل، وصوغ فضة، وحشو قطن، وذبح شاة، وتفصيل شقة) اعترض جميع الشروح هذا، لأن القصد فقط لا يكون رجوع فيها بل الدرس هو الرجوع، وكذلك إذا وصى له بغزل ثم نسجه، فذلك رجوع في الوصية، وكذلك إذا أوصى له بقطعة ثم صاغها سوارا أو خلخالا أو ضربها دراهم فإن ذلك رجوع فيها، وكذلك إذا أوصى له بقطن ثم حشى به ثوبه، فإن ذلك رجوع فيها، وينبغي أن يكون هذا في غير المخدة أي الوسادة إذ لا يكون كونه فيها رجوع، وكذلك إذا أوصى له بشاة أو بقرة ونحوها ثم ذبحها، فإن ذلك رجوع في الوصية، وكذلك إذا أوصى له بشقة ثم فصلها جلبابا أو غيره فإنه رجوع فيها.
قوله: (وإيصاء بمرض أوسفر انتفيا، قال: إن مت فيهما، وإن بكتاب ولم يخرجه، أو أخرجه ثم استرده بعدهما) أي وإذا قال في مرضه إن مت من مرضي هذا، أو قال إن مت في سفري هذا، فداري أو عبدي لفلان ثم صح من المرض، ورجع من السفر، فإن الوصية تبطل وإن كانت بكتابة وأحرى بغير كتابة ولم يخرج الكتاب من يده أو أخرجه ثم استرده بعدهما أي بعد المرض أو السفر.
قوله: (ولو أطلقها) هو راجع لقوله: ثم استردها أي تبطل الوصية إذا استرد الكتاب، ولو أطلق الوصية ولم يقيدها بمرض ولا بسفر.
قوله: (لا إن لم يسترده أو قال متى حدث الموت أو بنى العرصة، واشتركا) إلى آخره شروع منه الله فيما لا تبطل به الوصية أي لا تبطل الوصية إن لم يسترد الكتاب، وكذلك لا تبطل إن قال في وصيته: متى حدث بي حدث الموت فكذا لفلان ظاهره بكتاب أم لا أخرجه أم لا استرده أم لا، وكذلك إذا أوصى له بالعرصة ثم بني الموصي العرصة ثم مات، فإن الوصية لا تبطل بل يشترك الموصى له بقيمة العرصة مع الوارث بقيمة البناء.
قوله: (كإيصائه بشيء لزيد، ثم لعمرو. ولا برهن، وتزويج رقيق، وتعليمه، ووطء، ولا إن أوصى بثلث ماله فباعه، كثيابه واستخلف غيرها، أو بثوب فباعه، ثم اشتراه) أي وإن أوصى لزيد بشيء ثم أوصى بذلك الشيء لعمرو، فإنهما يشتركان فيه، إلا أن يدل دليل أنه رجع عن الأول فيكون للثاني.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
وكذلك إن أوصى بشيء لفلان ثم أرهن ذلك الشيء، فإن الرهن لا يبطل الوصية، وعلى الوارث أن يفتكه من المرتهن ليأخذه الموصى له.
وكذلك إذا أوصى له برقيق ذكرا أو أنثى ثم زوجه، فإن ذلك ليس برجوع في الوصية، وكذلك إذا أوصى له برقيق ثم علمه الصنعة فليس برجوع فيها، وكذلك إذا أوصى له بأمة ثم وطئها فإن الوطء دون الاستيلاد ليس برجوع، عزل المني عنها أم لا.
وسكت الشيخ ﷺ عن جواز وطئها بل هو جائز، وكذلك إن أوصى بثلث ماله ثم باع ذلك المال، فإن ذلك ليس برجوع فيها، وكذلك إن أوصى له بثياب جسده فباعه واستخلفه غيرها، فإن ذلك لا يبطل تلك الوصية لأنه محمول على الثياب التي يموت فيها، وكذلك لا تبطل الوصية إذا أوصى له بثوب معين ثم باعه ثم اشتراه بعينه، وكذلك المكاتب يعجز فإن الوصية لا تبطل فيه.
قوله: (بخلاف مثله) أي فإذا أوصى له بثوب فباعه ثم اشترى مثله فإن ذلك رجوع.
قوله: (ولا إن جصص الدار، أوصبغ الثوب، أو لن السويق: فللموصى له) إلى قوله: (بزيادته) أي فإن أوصى له بدار ثم جصصها بالجص أي بيضها أو أوصى له بثوب ثم صبغ الثوب، أو أوصى له بسويق ثم لت السويق بالسمن الموصى به للموصى له مع زيادته في المسائل الثلاث ولا يشركان فيه كما تقدم في العرصة.
قوله: (وفي نقض العرصة قولان) النقض بفتح النون الهدم أي وإن أوصى له بدار ثم هدم بناءها، هل ذلك رجوع في العرصة؟ أم لا قولان. ويحتمل أن يكون نقض بضم النون، ويكون الخلاف في النقض وهو ما يبنى به، وأما العرصة فلا خلاف أن ذلك لا رجوع فيها.
قوله: (وإن أوصى بوصية بعد أخرى فالوصيتان، كنوعين، ودراهم وسبائك، وذهب، وفضة) أي لازمتان كنوعين أي كما إذا وصى بقمح، ثم أوصى بشعير، وأحرى إذا أوصى بجنسين، وكذلك إذا أوصى بجزء ثم بعدد، فإنهما وصيتان.
قوله: (وإلا فأكثرهما وإن تقدم) أي وإن كانت الوصيتان من صنف واحد، فللموصى له أكثرهما وإن تقدم ذكره وأحرى إن تأخر.
قوله: (وإن أوصى لعبده بثلثه عتق إن حمله الثلث، وأخذ باقيه وإلا قوم في ماله) أي وإن أوصى لعبده بثلث ما خلفه، عتق العبد في الثلث إن حمله، فإن بقي من الثلث
[ ٣ / ٥٧١ ]
شيء أخذه، وإن لم يحمله الثلث قوم العبد في ماله، فإن كانت قيمة العبد مائة وماله مائة ومال السيد مائة، فإن العبد يعتق لأنه ثلث المال.
قوله: (ودخل الفقير في المسكين كعكسه) أي وإذا أوصى بشيء للمساكين فإن الفقراء يدخلون معهم، كما إذا أوصى للفقراء فإن المساكين يدخلون لأجل العرف بالتسوية بخلاف الزكاة فإن الله تعالى جعلهما صنفين، فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] وقال الشيخ في الزكاة: ومسكين وهو أحوج. قال ابن عرفة: وفي دخول الفقير في المسكين وعكسه نظر، إن لم يكن الموصي عاميا.
مسألة: رجل حضرته الوفاة فأوصى بشجرة بعينها إن يتصدق بها عنه للمساكين ولم يسمهم بأعيانهم، والشجرة في وسط الجنان وهو بعيد من المدينة لا يتميز جمعه للمساكين، فأراد الورثة أن يبدلوها بغيرها مما يلي الطريق.
الجواب أن الذي أوصى بشجرة وسط جنانه للمساكين أن معنى قوله: فيما قيمته البينة عليه أنه أو قعها حبسا عليهم، ينتفعون بثلها، فلا تباع ولا تبدل، والطريق واجب في جنانه إذا حملها الثلث وإن لم يفهموا عنه أنها تحبيس، فإنها تباع ويتصدق بثمنها وبالله التوفيق. انتهى في الأسولة.
قوله: (وفي الأقارب، والأرحام، والأهل أقاربه لأمه، إن لم يكن أقارب لأب) إلى آخره أي وإن أوصى لأقارب فلان أو لأرحامه أو لأهله ن فإن أقارب فلان من جهة أمه يدخلون بشرط ألا يكون له أقارب من جهة أبيه، وأما إن كان له أقارب من جهة أبيه فإن أقاربه لأمه لا يدخلون.
قوله: (والوارث كغيره: بخلاف أقاربه هو) أي والوارث من أقارب فلان يدخل في الوصية كما يدخل غيره بخلاف ما إذا أوصى لأقاربه هو نفسه، فإن الوارث لا يدخل في الوصية للقاعدة الشرعية: أن لا وصية لوارث.
قوله: (وأوثر المحتاج الأبعد) أي إذا أوصى لأقاربه هو أو لأقارب فلان، فإن المحتاج في الأقربين يؤثر على غيره، فيعطى أكثر من نصيبه.
قوله: الأبعد أي ويؤثر المحتاج الأبعد وأحرى المساوي وأحرى منه الأقرب.
قوله: (إلا لبيان. فيقدم الأخ وابنه، على الجد) أي ويؤثر المحتاج إلا لبيان من الموصى بأن يقول يقدم الأقرب فالأقرب ويحتمل أن يكون البيان لا تؤثروا أحدا على أحد، فإن قال: قدموا الأقرب، فبسبب ذلك يقدم الأخ وابن الأخ على الجد،
[ ٣ / ٥٧٢ ]
لأن الأخ ولد الأب، والبنوة أقرب من الأبوة.
قوله: (ولا يخص) أي فإن كان المحتاج يؤثر، ولكن لا يخص بالكل بخلاف المحتاج في الحبس، فإنه يؤثر بالكل دون غيره.
قوله: (والزوجة في جيرانه) أي إذا أوصى لجيران فلان، فإن زوجة فلان تدخل في جيرانه، وهي أقرب الجيران.
قوله: (لا عبد مع سيده) أي وإن أوصى بجيران فلان فإن العبد لا يدخل مع سيده لأنه تبع للسيد، هذا إذا كان ساكنا مع السيد، وأما إن كان ساكنا وحده، فإنه يدخل في الجيران، كان السيد في الجيران أم لا، (وفي) دخول (ولد صغير وبكر) وإن بالغة في الجيران مع الأب (قولان): القول بعدم الدخول لابن الماجشون، والقول بدخولهما لسحنون، وأما الولد الكبير فإنه يدخل، وإن أوصى لجيرانه فأحسن الأقوال أنه لمن سمع الإقامة من جيران المسجد وأهله. برزلي.
قوله: (والحمل في الجارية) أي وإذا أوصى لأمة رجل وهي حامل، فإن الولد يدخل في الوصية إذا وضعته بعد الموت، وإلا فلا (إن لم يستثنه) الموصي.
قوله: (والأسفلون في الموالي) أي وإذا أوصى بشيء للموالي، فإن الموالي الأسفلون يدخلون في الوصية مع الأعلون.
قوله: (والحمل في الولد) أي وإذا أوصى لرجل بأولاد أمته، فإذا كانت حاملا، فإن ذلك الحمل يدخل في الوصية.
قوله: (والمسلم يوم الوصية في عبيده المسلمين) أي وإذا أوصى بعتق عبيده المسلمين، فإنه يدخل في العتق من كان مسلما يوم الوصية واستشكل، لأن المعتبر حال نفوذ الوصية إلا أن يقال أن هذا مراده.
قوله: (لا الموالي في تميم أو بنيهم) أي وإن أوصى بشيء لتميم أو لبني تميم، فلا يدخل معهم الموالي، خلافا لمن فرق بين تميم فيدخلون وبينهم لا يدخلون. قوله: (ولا الكافر في ابن السبيل) أي وإن أوصى لابن السبيل بشيء، فإن الكافر لا يدخل وإن كان غريبا.
قوله: (ولم يلزم تعميم كغزاة، واجتهد كزيد معهم، ولا شيء لوارثه قبل القسم) أي ولا يلزم القاسم للموصى به تعميم من أوصى له لتعذره، لكثرة من أوصى له وعدم حصره، وذلك كغزاة أو فقراء، أو طلبة العلم، بل يجتهد القاسم في القسمة بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى، كما يجتهد في القسمة إذا أوصى لمعين كزيد مع
[ ٣ / ٥٧٣ ]
المجهولين كغزاة، لا يقال أنه يقسمه بينهم نصفين، لما كانت الوصية لمعين ومجهول، فإن مات المعين قبل القسمة فلا شيء لوارثه، لا يقال لما مات الموصى له ملك وارثه الوصية بنفس الموت، لأنه لما كان القسم بالاجتهاد كأنه لم يكن له الموصى به قبل القسمة.
قوله: (وضرب لمجهول فأكثر بالثلث) أي فإذا أوصى لمعين، ولمجهول بشيء كزيد، أو عمرو وقود مصباح دائما، أو سقي الماء دائما وإطعام الخبز دائما وأوصى بأحد هذه الأشياء، فإنه يضرب لذلك المجهول أي يحاص له بثلث مال الميت كله، والمعين يحاص له بقدر المسمى له، فيكون رأس مال المجهول ثلث الميت، لأنه الذي يملكه الموصي وهو المشهور، سواء كان المجهول منفردا أو أكثر من واحد، فإذا كان الثلث ثلاث مائة مثلا، والمسمى للمعين مائة وخمسون مثلا، فيكون الموصى به مجهولا ومعينا أربع مائة وخمسون، فتوقف حصة المجهول سواء كان واحدا أو أكثر وهي مائتان، ويعطى للمعين كان واحدا أم لا مائة وهي ثلث الثلث، وللمجهول أو المجاهيل ثلث الثلث وهي مائتان.
الحاصل: يضرب للمجهول أي يحاص له بثلث الميت، ويحاص للمسمى له بالمسمى قل أو كثر واحد أم لا بمائة، وإذا كان المجهول ذو عدد، فهل يقسم على الحصة؟ وهو اختيار التونسي، كما إذا قال: للوقيد للمصباح نصف درهم كل يوم، ولسقي الماء نصف درهم كل يوم ولتفرقة الخبز كل يوم درهم كامل، فإنهم يتحاصون أرباعا، فيأخذ ذو الدرهم الكامل اثنان وللآخرين درهم كامل لكل نصفه، وقيل يقسم على العدد، ونحوه لابن الماجشون في المجموعة وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: (وهل يقسم على الحصص؟ قولان).
قوله: (والموصى بشرائه للعتق يزاد لثلث قيمته، ثم استؤني، ثم ورث) أي وإن أوصى أن يشترى عبد فلان الفلان ليعتق، فإن أبى فلان من بيعه بالقيمة، يزاد له إلى ثلث القيمة، لأن الثلث حد القليل في الكثير، وحد الكثير في القلة، فإن أبى أن يبيعه بعد زيادة ثلث القيمة استؤني به أي تربص لعله يرضى، والتربص يكون بسنة، فإن لم يرض ببيعه بذلك ورث المال.
فرع: ولو باعه ثم قال: لو أعلم أن الموصي أوصى ليشتري ليعتق لم أبعه بهذا الثمن لا يقبل له ذلك العذر.
قوله: (وببيع ممن أحب بعد النقص والإباية) أي وإذا أوصى ببيع عبده لمن أحبه
[ ٣ / ٥٧٤ ]
العبد، فأحب أن يباع لشخص فأبى الشخص أن يشتريه نقص له من قيمته ثلثها، فإن أبى أن يشتريه بنقص الثمن استؤني ثم ورث.
فرع فلو أحب العبد شخصا آخر غير الأول، فله ذلك، وكذلك الثاني، والثالث والرابع، ما لم يطل ويضر بالوارث.
قوله: (واشتراء لفلان وأبى بخلا بطلت، ولزيادة فللموصى له) أي وإن أوصى أن يشتري من ماله عبد فلان، فيعطى لفلان آخر، فإن أبى سيده من بيعه بخلا أي حرصا في عبده لا لطلب الزيادة، فإن الوصية تبطل وإن كان إبايته طلبا للزيادة زيد له ثلث القيمة، فإن أبى من بيعه بعد الزيادة، فإن الثمن وزيادته للموصى له، لأن مراد الوصي انتفاعه بالعبد وهذا يقوم له مقامه.
قوله: (وببيعه للعتق نقص ثلثه، وإلا خير الوارث في بيعه، أو عتق ثلثه) إلى آخره، يريد أن الموصي تارة يوصي ببيع عبده لمن يعتقه وهو مراده لقوله: لعتق وتارة يوصي ببيعه لفلان، فإن أوصى ببيعه للعتق، فإنه ينقص من ثمنه مقدار الثلث منه، وإلا أي وإن لم يوجد من يشتريه بأقل من الثمن بالثلث، خير الوارث في بيعه بأقل من ذلك إن وجد، أو عتق ثلث العبد بتلا.
قوله: (أو القضاء به لفلان، في له) أي في بيعه له، والحكم في هذه المسألة كالحكم في الأولى، إلا في صورة واحدة وهي أن الورثة يخيرون في الأولى بين بيعه بما طلب المشتري، وبين عتق ثلث العبد، وفي هذه بما طلب فلان، أو يسلموا له ثلث العبد، وإلى هذا أشار بقوله: والقضاء به لفلان في له أي في قوله: بيعوه له.
قوله: (وبعتق عبد لا يخرج من ثلث الحاضر وقف إن كان لأشهر يسيرة، وإلا عجل عتق ثلث الحاضر ثم تمم منه) أي وإن أوصى بعتق عبد معين، وله مال حاضر وغائب، والحاضر لا يحمل ثلثه العبد، وقف الأمر إن كانت التركة تجتمع في أشهر يسيرة، وإلا أي وإن كان لا يجتمع إلا بعد أشهر كثيرة عجل من العبد عتق مقدار ثلث المال الحاضر، فما جاء من الغائب عتق منه مقابله من الثلث، ثم كذلك حتى يكمل عتقه.
قوله: (ولزم إجازة الوارث بمرض لم يصح بعده، إلا لتبين عذر بكونه في نفقته، أو دينه أو سلطانه) أي إذا أوصى لوراثه في مرض مخوف، أو أوصى لغير وارث بزائد الثلث، فأجاز الورثة الوصية، فإنه يلزمهم، ولا رجوع لهم بشرطين: أن يكون ذلك في المرض، وأنه لم يصح الموصي بعد ذلك بل مات بمرضه، إنما لزمهم ذلك الإجازة لأجل جريان السبب وهو المرض، ولا رجوع لهم إلا أن يتبين عذره بكونه
[ ٣ / ٥٧٥ ]
في نفقة الموصي، وخاف إن لم يجز ذلك قطع عنه النفقة، أو كان له عليه دين ويخاف إن لم يجز تلك الوصية طالبه بدينه، وكذلك إن خاف سلطته.
قوله: ولزم إجازة الوارث، ظاهره طلب منه الموصى الإجازة أم لا.
قوله: (إلا أن يحلف من يجهل مثله) هذا مستثنى من قوله: ولزم إجازة الوارث أي لزم إجازة الوارث إلا أن يحلف (أنه جهل أن له الرد) ومثله يجهل ذلك، فيكون له الرد حينئذ، وأما من كان مثله لا يجهل ذلك، فلا كلام له.
قوله: (لا بصحة ولو بكسفر) هذا مفهوم قوله: بمرض. الشيخ علله تارة يكتفي بالمفهوم، وتارة لا يكتفي به أي لا يلزمهم الإجازة إذا أوصى في صحة لوارث فأجازه الورثة، ولو كانت تلك الوصية في سفر مباح أو واجب أو غزو أو تطوع حج، وقيل: يلزمهم ذلك لأن السفر كالمرض.
قوله: (والوارث يصير غير وارث، وعكسه المعتبر ماله ولو لم يعلم) أي إذا أوصى لوارث ثم صار غير وارث، كما إذا أوصى لعمه وهو وارثه ثم صار غير وارث كما إذا أوصى لعمه وهو وارثه ولم يمت الموصي حتى صار له ولد، فإن الوصية تنفد لأن المعتبر المال لا حين الوصية، وكذلك عكسه، وهو أن يصير غير وارث وارثا، كما إذا أوصت امرأة لأجنبي ثم تزوجها، فإن الوصية تبطل إلا أن يجيزه الورثة، لأن المعتبر حال النفوذ، ولو كان الموصي لم يعلم بصيرورة الوارث غير وارث وعكسه، وقيل: إن لم يعلم ينفذ.
غفل الشارحان هنا غفلة ظاهرة.
قوله: (واجتهد في ثمن مشترى لظهار، أو لتطوع بقدر المال، فإن سمى في تطوع يسيرا، أو قل الثلث شورك به في عبد، وإلا فاخر نجم مكاتب) أي وإذا أوصى أن يشتري رقبة ليعتق رقبة، ليعتق عنه عن ظهاره، أو ليعتق عنه تطوعا، فإن الموصى أو من تولى الأمر يجتهد في ثمن العبد بقدر المال في القلة والكثرة، فإن كان المال واسعا اشترى عبدا رفيعا، وإن كان المال متوسطا فعبد متوسط، وإن كان قليلا فعبد دني، فإن كان الموصي سمى الثمن اليسير في اشتراء العبد في التطوع، أو سمى الكثير ولكن الثلث قليل شورك به أي المذكور وهو اليسير، والثلث القليل في عبد أوصى بمثل ذلك فيه، كما إذ كان آخر أوصى بمثل ما أوصى به هذا ولم يبلغ المسمى أو الثلث ثمن الرقبة كاملا، فإنه يشارك في هذا العبد بما أوصى به الآخر، وإن لم يوجد فيدفع ذلك في آخر نجم مكاتب.
[ ٣ / ٥٧٦ ]
قوله: (وإن عتق فظهر دين يرده أو بعضه رق المقابل) أي وإن عتق العبد الذي أوصى بعتقه ثم ظهر دين استغرقه، رق العبد وبيع في الدين، فإن كان ذلك يوفيه بعض العبد، فإن بقية الدين يعتق منه ورق المقابل للدين.
قوله: (وإن مات بعد اشترائه ولم يعتق اشتري غيره لمبلغ الثلث) أي وإن أوصى أن يشتري عبدا ليعتق عنه، فاشتري ثم مات قبل أن يحكم بعتقه، اشتري غيره، ثم إن مات العبد أيضا اشترى غيره إلى مبلغ الثلث، ظاهره ولو قسم المال لأن العبد لا يعتق بنفس الشراء. وفي بعض النسخ عوض ولم يعتق ولم يعين أي ولم يعين العبد الذي أوصى أن يشترى للعتق، وأما إن عين فمات قبل العتق فلا يشترى غيره.
قوله: (وبشاة أو بعدد من ماله شارك بالجزء، وإن لم يبق إلا ما سمى فهو له: إن حمله الثلث) أي والشاة ليس بشرط، وإنما هو تمثيل أي وإن أوصى له بشاة من شياهه، أو بقرة من بقره، أو بعير من إبله، وهو المراد بقوله: من ماله، فإن الموصى له يشارك الورثة بالجزء من الشياه، إن كانت عشر فله واحدة وإن كانت مائة فعشر شياه، فإن هلكت الشياه أو استحقت أو غصبت ولم يبق منها إلا ما سماه الموصي، فهو له إن حمله الثلث.
قوله: (لا ثلث غنمي فتموت) أي فإن أوصى له بثلث غنمه فتموت الغنم، فلا شيء للموصى له إن ماتت الغنم كلها، وإن بقي منها شيء فله ثلثه.
قوله: (وإن لم يكن له غنم فله شاة وسط، وإن قال من غنمي ولا غنم له بطلت، كعتق عبد من عبيده فماتوا) أي وإن أوصى له بشاة ولا غنم له فالموصى له شاة وسط، وإن قال له شاة من غنمي ولا غنم له، بطلت الوصية، لأنه كالمتلاعب، كما تبطل الوصية إذا أوصى بعتق عبد من عبيده وماتوا أو استحقوا.
قوله: (وقدم لضيق الثلث فك أسير) أي وإذا أوصى بفك أسير وغيره، وضاق الثلث عن الجميع، فإنه يقدم فك الأسير، فإن لم يبق شيء بطل الآخر، وإن بقي شيء قدم الأقوى فالأقوى، وإن تساووا فالمحاصة إن لم يعين الموصي البداية.
قوله: (ثم مدبر صحة ثم صداق مريض، ثم زكاة أوصى بها، إلا أن يعترف بحلولها، ويوصي فمن رأس المال) أي ثم يقدم المدبر في صحة الموصي تقديما لفعل الصحة، فإن بقي شيء، فإن صداق المريض يقدم عن غيره، ومن الشيوخ من يقدمه عن المدبر في الصحة، لأن الصداق من باب المعاوضة، فإن بقي شيء، فإن الزكاة تقدم بشرط أن يكون أوصى بهما وإلا فلا، إلا أن يكون الموصي اعترف بحلولها ويوصي
[ ٣ / ٥٧٧ ]
بها فإنها حينئذ تخرج من رأس المال، وفي اعترافه بها نظر لأنه يتهم على إخراج زائد الثلث.
وقوله: ثم زكاة، إنما أخرها عن المدبر في الصحة، وصداق المريض، وزكاة دين، لأنه يتهم لعله أخرجه فجعله الشرع في الثلث.
قوله: (كالحرث والماشية) أي كما أن زكاة الحرث والماشية من رأس المال فتخرج (وإن لم يوص بها) فأحرى إن أوصى بها، الفرق بينها وبين المسألة الأولى أن الأولى يشترط فيها أن يوصي بها، وهذه تخرج وإن لم يوص بها.
قوله: (ثم الفطر، ثم كفارة ظهار وقتل، وأقرع بينهما، ثم كفارة يمينه، ثم فطر رمضان، ثم للتفريط، ثم النذر، ثم المبتل، ومدبر المرض، ثم الموصى بعتقه معينا عنده أو يشترى، أو لكشهر، أو بمال فعجله، ثم الموصى بكتابته، والمعتق بمال، والمعتق إلى أجل بعد، ثم المعتق لسنة على أكثر) أي فإذا بقي شيء بعد إخراج ما تقدم ذكره، أخرج زكاة الفطر أخرها الشارع على القول بسنيتها وشهره بعضهم، فإن بقي شيء فعتق عن ظهار، وعتق عن قتل، وأقرع بينهما أيهما يبدأ به لأنهما متساويان، إنما أخرهما لأنهما نشأ عن سببه، ولأن فيهما صوم، فإن بقي شيء فإنه يخرج كفارة اليمين بالله، إنما أخرها لأن فيها التخيير، فإن بقي شيء فإن كفارة فطر رمضان تقدم على غيره، إنما أخرها عن كفارة اليمين لأن كفارة اليمين بالقرآن، وفطر رمضان بالسنة، وما في القرآن مقدم على ما في السنة، فإن بقي شيء فإنه يخرج منه طعام التفريط في قضاء رمضان، فإن بقي شيء يخرج في طعام النذر المبهم الذي لا مخرج له، إنما أخره لأنه أدخله على نفسه، فإن بقي شيء فإنه يخرج المبتل عتقه في المرض، والمدبر في المرض وهما متساويان، فإن بقي شيء يعتق منه الموصى بعتقه ناجزا، سواء كان معينا عنده في ملكه أو معينا عند غيره ليشتري، أو كان عنده معينا وأوصى بعتقه بعد شهر، أو أوصى بعتقه على مال مؤجل فعجل العبد المال لا يبدأ أحد من هؤلاء عن صاحبه فيتحاصون، فإن بقي شيء بعد هؤلاء يبدأ بالموصى بكتابته، والمعتق بمال والمعتق لأجل بعد، فهؤلاء الثلاثة متساوون لا يقدم واحد منهم عن غيره، وكل متساوون لا يحملها الثلث كلها، فإنهم يتحاصون، فإن بقي شيء فإنه يقدم الموصى بعتقه إلى سنة على الموصى بعتقه لأكثر من سنة، وتحير فيه الشارح ﵀.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
قال ابن غازي: وكذا في المقدمات (^١) لأنه ذكر فيها المعتق لشهر، ثم لسنة، ثم لسنتين، كما فعل المصنف إلا زيادته هنا لأجل البعيد بعد الشهر، وقيل: السنة كما ترى، وحمله على أقل من سنة، حتى يكون مرتبة زائدة لم أره لأحد فتدبره.
قوله: (ثم بعتق لم يعين، ثم حج إلا لصرورة فيتحاصان كعتق لم يعين، ومعين غيره، وجزئه) أي فإن بقي شيء بعد ما تقدم، فإنه يقدم عتق عبد لم يعين كما إذا أوصى بعتق عبد ولم يعينه، فإن بقي شيء فإنه يحج الحج الموصى به إلا أن يكون الموصي ضرورة فإنهما يتحاصان بالقيمة، كما إذا أوصى بعتق لم يعين، ومعين غير عتق كالدنانير أو غيرها، وجزء كالربع أو السدس، فإن هذه الأشياء تتحاص في الثلث أو ما بقي منه بعد تقديم من تقدم ذكره.
قوله: (وللمريض اشتراء من يعتق عليه بثلثه، ويرث) أي وجاز للمريض أن يشتري بثلث ماله من يعتق عليه كوالده وابنه، لأن له التصرف في ثلثه، فإن مات في ذلك المرض ورثه، لأنه بنفس الشراء عتق ومات وهو حر، فإن قلت: هذا توليج وارث، فلا يرث كالمريض إذا تزوج في المرض فلا يرث.
قلت: هذا في النسب، والنسب أقوى من المال.
قوله: (لا إن أوصى بشراء ابنه وعتق) أي فإن أوصى بشراء أبيه أو غيره ممن يعتق عليه فاشترى بعد موته، فإنه لا يرثه لأنه لم يعتق إلا بعد موته ومات الابن والأب رقيقا، فإذا اشترى فإنه يعتق.
قوله: (وقدم الابن على غيره) أي فإن أوصى بشراء أبيه وابنه وضاق الثلث عنهما، فإن الابن يقدم على الأب لأن البنوة أولى من الابوة.
قوله: (وإن أوصى بمنفعة معين، أو بما ليس فيها، أو بعتق عبده بعد موته بشهر ولا يحمل الثلث قيمته خير الوارث بين أن يجيز، أو يخلع ثلث الجميع) أي وإن أوصى بمنفعة معن كسكن دار مثلا ولا يحمله الثلث أو أوصى بما ليس في التركة حمله الثلث أم لا، أو أوصى بعتق عبده بعد موته بشهر ولا يحمله الثلث، خير الوارث في المسائل الثلاث أن يجيز ما فعله الموصي أو يخلع ثلث الموصى كله، لأن الثلث للموصى شرط، وشرط حمل الثلث إنما هو في المسألة الأولى والثالثة لا الثانية.
قوله: (وبنصيب ابنه، أو مثله؛ فبالجميع) أي وإن أوصى لإنسان بنصيب ابنه من
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١١٥٩.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
الميراث أو مثله فلا فرق بين النصيب والمثل عند الفقهاء، خلافا لمن فرق فجمع بين نصيب الإبن الموصى له، فإن كان معه وصايا أخرى، فإن الموصى له بنصيب الإبن يحاصصها بجميع المال، وإن لم يكن معه وصايا فالثلث كله له، لأنه الذي يملكه الموصي، وإن كان الأولاد اثنين كأنه أوصى له بالنصف، ولهما رد الزائد، وإن كانوا ثلاثة فللموصى له الثلث.
قوله: (لا اجعلوه وارثا معه، أو ألحقوه به فزائد) أي وإن قال في وصيته اجعلوا فلانا وارثا مع ابني، أو قال ألحقوه به، فإن الموصى له يقدر ابنا زائد.
قوله: (وبنصيب أحد ورثته فبجزء من عدد رؤوسهم، وبجزء أو سهم فبسهم من فريضته) أي وإن أوصى لإنسان بنصيب أحد ورثته، فإن ذلك وصيته بجزء من عدد رؤوسهم ذكورا كانوا أو إناثا، وذكورا وإناثا، فيقدر الذكر اثنتان من النساء، فيعطى بحسب عدد الرؤوس، فإن أوصى له بجزء أو سهم، فذلك وصية بسهم من فريضته كانت عائلة أم لا.
سمع عيسى ابن القاسم: من مات وقد قال: لفلان جزء من مالي أو سهم منه أعطي من أصل فريضتهم سهما إن كانت من ستة فسهم منها، وإن كانت من أربعة وعشرين فسهم منها، وإن كان ورثته ولده، فإن ترك ذكرا أو أنثى فله الثلث، وإن ترك ذكرا وابنتين، فله الربع، وإن لم يكن له وارث فسهم من ستة. وقال أشهب: له سهم من ثمانية.
ابن رشد: قول اشهب أظهر.
ابن يونس: وإن لم يترك إلا ابنة أو من لا يحوز الميراث، فإن له سهما من ثمانية لأنه أقل سهم سماه الله لأهل الفرائض. انتهى من التاج والإكليل (^١). قوله: (وفي كون ضعفه مثله أو مثليه تردد) أي وإن قال في وصيته أعطوه ضعف نصيب ابني، فهل يعطى له ثلث مثل نصيب ابنه، أو يعطى مثليه ففيه تردد للمتأخرين لعدم نص المتقدمين، وهذا آخر تردد في هذا المختصر.
الضعف بكسر الضاد المثل، ويكون عذابا فقال تعالى: ﴿لكل ضعف﴾ [الأعراف: ٣٨].
قوله: (وبمنافع عبد ورثت عن الموصى له وإن حددها بزمن فكالمستأجر العبد ليس
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٨، ٥٤٩.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
بشرط أي وإن أوصى له بمنفعة فمات الموصى له، فإن المنفعة تورث عنه، لأنه محمول على حياة العبد عند ابن القاسم.
وقال اشهب: لا تورث عنه لأنه محمول على حياة الموصى له، ورد لأن للسيد انتزاع ماله وأرش جنايته، هذا كله إذا أطلق الموصي، وأما إن وجد المنفعة بوقت، فهو كالمستجير إذا انقطعت المدة ويحتمل أن يريد بقوله: كالمستأجر اسم الفاعل، فيكون لورثة الموصي ببيعه إذا قرب الأجل.
قوله: (فإن قتل فللوارث القصاص أو القيمة) أي فإن قتل هذا العبد الموصى بمنفعته، فإن لوارث الموصي القصاص فيه إذا قتل عمدا أو القيمة إن شاءوا أو قتل خطأ، لأن المنفعة قد انقطعت بموته.
قوله: (كأن جنى) هذا التشبيه راجع لما تضمنه ما قبله من انقطاع المنفعة، ولهذا قال بعد هذا: (إلا أن يفديه المخدم أو الوارث فتستمر) المنفعة.
قوله: (وهي ومدبر إن كان بمرض فيما علم) أي والوصايا، والمدبر في المرض، إنما تدخل في المال المعلوم للموصي حين الوصية، وأما ما لا يعلم به الموصي، فلا تدخل فيه الوصايا ولا المدبر في المرض، وأما المدبر في الصحة، فإنه يدخل في المعلوم والمجهول له، لأن نيته أن يعتق في ثلث ما خلفه.
قوله: (ودخلت فيه وفي العمرى) أي ودخلت الوصايا في المدبر في المرض إذا بطل تدبيره، وكذلك تدخل الوصايا في العمرى إذا رجعت يوما ما.
قوله: (وفي سفينة أو عبد شهر تلفهما ثم ظهرت السلامة قولان) أي وهل تدخل الوصايا في سفينة مثلا، أو عبد شهرا تلفهما حين الوصية ثم ظهرت السلامة بعد الموت، لأن الموصي قد يرجى فيه، ولم ييأس عنه أو لا تدخل لأنهما ليس بعالم بهما حين الوصية فيه قولان من غير ترجيح، وهذا آخر قولان في هذا المختصر. من وهب شيئا ثم لم يحزه حتى مات، وأوصى بوصايا، هل تدخل في الهبة كمال علم به، وبه أفتى ابن عتاب، أو ينظران كان مثله يجهل إبطال الهبة لعدم الحوز، فترجع ميراثا، وإن كان لا يجهل، فتدخل فيه الوصايا، وقد نزلت بشيخنا نعم الله في تركته، فاختلف فيها فقال بعضهم: هو كمال لم يعلم به. فرددت عليه بهذه المسألة، فخرج الحكم على ما ذكرته ثم ظهرت المسألة بعد الموت. انتهى من البرزلي.
[ ٣ / ٥٨١ ]
قوله: (لا فيما أقر به في مرضه، أو أوصى به لوارث) أي لا تدخل الوصايا فيما أوصى به الموصي للوارث أو غيره، ورده الشرع أو أوصى لوارثه بشيء ورده الشرع بل للورثة، ولم يفرق الشيخ بين الجاهل وغيره. انتهى.
قوله: (وإن ثبت أن عقدها خطه، أو قرأها ولم يشهد، أو يقل أنفذوها لم تنفذ) أي وإن ثبت عند الحاكم أن وثيقة الوصية خط الميت، أو قرأها عند قوم ولم يشهدهم على ما فيها، ولم يقل أنفذوها، لم تنفذ الوصية.
قوله: (وندب فيه تقديم التشهد، ولهم الشهادة) أي وندب تقديم شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أول الوصية. وهذا آخر ندب في هذا المختصر.
قوله: (ولهم الشهادة وإن لم يقرأه، ولا فتح، وتنفذ ولو كانت الوصية عنده) أي وللشهود الشهادة على الوثيقة، وإن لم يقرؤوها ولا فتحوها، وينفذ ما كان فيها، ولو كانت الوثيقة عند الموصي إذا عرفوها بعينها، وأحرى إن كانت عند غيره، سمع أشهب من أتاه أخ له بكتاب وصية طبع عليها، فقال: أكتب شهادتك بأسفله على إقراري أنه كتابي، ولا يعلم الشاهد ما فيها، فكتب شهادته في أسفلها على إقراره أنها وصيته أيشهد بها، قال: إن لم يشك في خاتمه أنه خاتمه فليشهد وإن شك فلا يشهد.
قوله: (وإن شهدا بما فيها وما بقي: فلفلان، ثم مات ففتحت فإذا فيها: وما بقي فللمساكين قسم بينهما) أي وإن شهد شاهد الوثيقة بما فيها، وما بقي من الثلث فلفلان ثم مات الموصي ففتحت الوثيقة، فإذا فيها وما بقي فللمساكين قسم بينهما فلفلان النصف وللمساكين، النصف، فليس برجوع في الوصية.
قوله: (وكتبتها عند فلان فصدقوه، أو أوصيته بثلثي فصدقوه يصدق؛ إن لم يقل لابني) أي وإذا قال في وصيته كتبت وصيتي عند فلان فصدقوه، وكذلك إن قال: أوصيته بثلثي أي بما يفعل بثلثي قصد قوة فصدقوه، فإنه يصدق في الصورتين إن لم يقل الوصية لابني، وأحرى إن قال لنفسي.
قوله: (ووصيي فقد يعم) أي وإذا قال في وصيته: فلان وصي، ولم يزد على ذلك، فإن الوصية تعم كل شيء.
الوصية إذا قصرت طالت، وإذا طالت قصرت بخلاف الوكالة، وأما عند ابن رشد الوصية والوكالة إذا قصرتا طالتا، وإذا طالتا قصرتا.
قوله: (وعلى كذا يخص به كوصيي حتى يقدم فلان) أي وإن قال فلان وصى على كذا، فإن ذلك الشيء يخص، وكذلك إن قال: فلان وصي حتى يقدم فلان، فإنه
[ ٣ / ٥٨٢ ]
يخص بعينه (^١) فلان، وإن قدم فلان انعزل الوصي، قبل أم لا، إلا أن يفهم منه أنه قبل.
قوله: (أو إلى أن يتزوج زوجتي) أي فإذا قال فلانة زوجتي وصيتي إلا أن يتزوج، فإنها إن تزوجت انعزلت، وفي بعض النسخ إلا أن تتزوج زوجتي أي فلان وصي إلى أن يتزوج زوجتي فتكون هي وصية، وهذا فيه بعد إلا أن يقال أنها إذا تزوجت قويت على القيام بهم.
قوله: (وإن زوج موصى على بيع تركته، وقبض ديونه صح) أي وإذا كانت وصية قاصرة على بيع التركة، وقبض الديون فزوج ذلك الوصي بنات الموصي، فإن النكاح صحيح ولا يفسخ، ولكن لا ينبغي له ذلك.
قوله: (وإنما يوصي على المحجور عليه أب، أو وصيه) قال ابن عرفة في تعريف الوصية: الوصية عقد يوجب حقا في ثلث عاقده بعد موته، أو نيابة عنه بعد موته، وهذا هو النيابة أي إنما للحصر، إنما يوصي على المحجور عليه أب رشيد، وإن كان الأب سفيها يكون وليه وليا على أولاده أو لا حتى يولي عليهم.
قوله: لا جد ولا أخ، والعم أحرى أو وصي الأب وإن بعد.
قال في الرسالة: ووصي الوصي كالوصي (^٢).
قوله: (كام، إن قل ولا ولي. وورث عنها) أي لأم المحجور الإيصاء عليه، ولكن بثلاثة شروط:
أن يكون المال قليلا.
الثاني: أن لا ولي للولد أبا أو وصيا.
الثالث: أن يكون المال ورث عنها.
فإن توفرت هذه الشروط لها أن توصي عليه.
قوله: (لمكلف مسلم، عدل، كاف) أي إنما يوصي الأب أو الوصي أو الأم بالشروط فيها إلى مكلف لا صغير ولا مجنون مسلم لا كافر عدل لا فاسق كاف لا عاجز، المراد بالعدل هنا الأمين لا عدل الشهادة، ولو اكتفى الشيخ بقوله: عدل عن مسلم لكفاه، إذ العدل لا يكون إلا مسلما.
_________________
(١) ن: بغيبة.
(٢) متن الرسالة: ص: ١٢٧.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
قوله: (وإن) كان (أعمى، وامرأة، وعبدا، وتصرف بإذن سيده) أي إنما يوصي لمكلف عدل كاف، وإن كان هذا المكلف أعمى أو امرأة أو عبدا له أو لغيره، وإن كان العبد لغيره وأوصى إليه، فإنه يتصرف بإذن سيده بأمره بقبول الوصية إلى العبد.
قوله: (وإن أراد الأكابر بيع موصى) أي وإن أوصى إلى عبده على أولاده الصغار وله أولاد كبار رشداء، فأراد الأكابر بيع الموصى (اشتري للأصاغر).
قوله: (وطرو الفسق يعزله، ولا يبيع الوصي عبدا يحسن القيام بهم) أي وإذا أوصى لأمين ثم طرأ عليه الفسق، فإنه يعزل لأن الأمانة شرط ابتداء ودواما، ولا يبيع الوصي عبد المحجورين إذا كان يحسن القيام بهم، لأن بيعه ليس مصلحة، والوصي كالوكيل، وهو معزول عن غير المصلحة.
قوله: (ولا التركة إلا بحضرة الكبير، ولا يقسم على غائب بلا حاكم) أي وإذا كان للموصى أولاد محجور عليهم وكبار رشداء، فلا يبيع الوصي تركة الأب إلا بحضرة الكبار، لأنه ليس بوصي عليهم ولا وكيل، إذ لا يقسم على غائب بلا حاكم، لأنه وكيل كل غائب، والواو في قوله: ولا يقسم على غائب بمعنى إذ.
قوله: (ولاثنين حمل على التعاون، وإن مات أحدهما أو اختلفا فالحاكم) أي وإن أوصى إلى اثنين حمل قوله على التعاون، فلا يستقل أحدهما بشيء دون صاحبه، فإن مات أحدهما أو اختلفا أي فإن مات أحد الوصيين، أو اختلفا في الرأي على أمر، فالحاكم هو الناظر، فإن رآ أن يرد الأمر إلى الحي منهما، أو قدم آخر معه فعله وينظر فيما اختلفا فيه، يمضي فعل أصوبهما إن كانا حيين. انتهى.
وسألت شيخنا - حفظ الله - عما إذا كانا حيين وأبا أحدهما أن يقبل الوصية. فأجاب: ما الفرق لأن مراد الموصي أن لا ينفرد أحدهما بذلك.
قوله: (ولا لأحدهما إيصاء) أي وليس لأحد الوصيين إيصاء، بل للحاكم النظر في تقديم المقدم عليهم.
قوله: (ولا لهما قسم المال، وإلا ضمنا) أي وليس للوصيين قسم مال المحجور، وينفرد كل منهما بالرأي فيما بيده، فإن قسماه ضمناه.
وأجمل الشيخ هنا ﵀ ما يضمنان، واختلفا هل يضمن كل منهما الجميع؟ لتعديه بالإنفراد بما في يده وبتعديه بما في يد صاحبه لرفع يده عنه، أو إنما يضمن ما في يد صاحبه فقط فلا يضمن ما تحت يده فيه قولان.
قوله: (وللوصي اقتضاء الدين، وتأخيره بالنظر، والنفقة على الطفل بالمعروف، وفي
[ ٣ / ٥٨٤ ]
ختنه وعرسه وعيده، ودفع نفقة له قلت، وإخراج فطرته، وزكاته، ورفع للحاكم إن كان حاكم حنفي، ودفع ماله قراضا، وبضاعة، (ولا يعمل هو به) شرع هنا الله يذكر ما جاز للوصي فعله وما لا يجوز أي وللوصي اقتضاء الدين من غرماء الموصي، وله تأخير الغريم لأجل نظر، كما إذا خاف إن قام عليه، قام الغرماء، فتكون المحاصة، أو خاف الإنكار، أو كان الدين قليلا، أو استألف بتأخيره، وغير ذلك مما يعرف عند النزول، وكذلك للوصي النفقة على الطفل بالمعروف أي بالعادة بحسب قلة المال وكثرته، وكذلك طعام ختنه إذا ختن، ولا جناح على من أكل منه، وكذلك طعام عرسه أي نكاحه، وطعام عيده، ويشترى له ما يلعب به وصدق في ذلك كله، وكذلك يجوز له دفع نفقة له قليلة، وكذلك يخرج عنه زكاة الفطر وزكاة العين والحرث والماشية، ولكن إن وجد هنالك حاكم حنفى رفع أمر الصغير إليه في زكاة العين إذ لعله يحكم بسقوطه عنه، وكذلك يجوز له دفع ما محجوره قراضا وبضاعة لما فيهما من التنمية، ولكن لا يعمل هو بنفسه قراضا، لأنه كالوكيل، والوكيل معزول عن نفسه. قوله: (ولا اشتراء من التركة، وتعقب بالنظر) أي ولا يجوز للوصي الاشتراء من سلع التركة، فإن وقع ونزل وفعله تعقب بالنظر، فإن رآه الحاكم صوابا أمضاه وإلا فلا، وقال في المدونة في كتاب الدور والأرضين يعمل في السوق فإن زاد فللمحجور.
قوله: (إلا كعمارين قل ثمنهما، وتسوق بهما الحضر والسفر) هذا مستثنى من قوله: ولا اشتراء من التركة أي إلا اشتراء حمارين أو ثلاث مثلا قل ثمنهما كثلاثة دنانير وتسوق بهما الحضر والبادية.
مسألة: وإذا كان للمحجور جنات تحتاج إلى سقي وعلاج، ففرط فيها الوصي أو الناظر له حتى فسدت فإنه يضمن ذلك لتفريطه فيها وإهمالها. قاله صاحب الطرر.
وذكرها ابن سهل في باب مسائل المحجور بأبسط من هذا، وأنه يؤدب. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
قوله: (وله عزل نفسه في حياة الموصي) أي وللوصي عزل نفسه ما دام الموصى حيا.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٧٦.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
وقوله: (ولو قبل) مستعنى عنه إذ لا عزل إلا بعد القبول.
قوله: (لا بعدهما، وإن أبى القبول بعد الموت فلا قبول له بعد، والقول له في قدر النفقة، لا في تاريخ الموت) أي ليس له عزل نفسه بعد الموت والقبول وإن أبي القبول له بعد الموت فلا قبول له بعد ذلك، لأنه صار أجنبيا، نعم وإن رآه الحاكم أهلا قدمه، فلا يكون وصيا، والقول للوصي في قدر النفقة لأنه أمين.
أهمل الشيخ هنا قيودا: أن يكونوا في حجره، وأن يحلف، وأن يدعي ما يشبه، لا في تاريخ الموت أي لا يقبل قوله: لأنه غير مأمون على التاريخ بل القول للطفل. قوله: (ودفع ماله بعد بلوغه) أي لا يقبل قول الوصي في دفع المال للأيتام بعد بلوغهم قال تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦] ظاهره وإن طال، وهو ظاهر المدونة.
ابن عرفة: وهو المعروف من المذهب، وقيده بعضهم بما إذا لم يطل، وأما إن طال فإنه يقبل قوله.
[ ٣ / ٥٨٦ ]