قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل موات الأرض وغيره.
الموات لغة: هي التي لا نبات فيها قال الله تعالى: ﴿فأحيينا به الأرض بعد موتها﴾ [٩: فاطر].
وأما في العرف: فهي التي لا ملك عليها لأحد، ثم إن كانت بعيدة من العمران فيصح إحياؤها دون إذن الإمام.
فالإحياء تعمير دائر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر بعد انتفاعه بها.
وإن كانت قريبة جدا من العمران بحيث تكون مرتفقا لأهل القرية في مسرحهم ومحتطبهم، لم يجز إحياؤها لما فيه من التضييق والضرر على أهل القرية.
ابن رشد: لأنها لهم كالساحة للدور، وكالأفنية التي أخذ شيء منها ضرر بالطريق. ولا يجوز إحياؤها إلا أن يبيحها الإمام لأحد. إكمال الإكمال (^١).
(موات) بفتح الميم كسحاب ويقال: بضم الميم كغراب، وموات (الأرض ما سلم عن الاختصاص) وما لم يسلم منه فليس بموات، ويكون الإختصاص (بعمارة) بكسر العين هو ما يعمر به المكان، والعمارة بفتح العين كل ما يعمل على رأس من عمامة وتاج وقلنسوة، وبضم العين الإجارة.
قوله: (ولو اندرست) أي والإخصاص يكون بعمارة، ولو اندرست على المشهور.
وقال في التهذيب: ومن أحيا أرضا مواتا ثم تركها حتى دثرت وطال زمانها وهلكت أشجارها وتهدمت آبارها، وعادت كأول مرة، ثم أحياها غيره، فهي لمحييها آخرا، وهذا إذا أحيا في غير أصل كان له، فأما من ملك أرضا بخطة، أو اشتراء ثم أعلمها فهي له، وليس لأحد أن يحييها. انتهى من التهذيب (^٢).
قوله: (إلا لإحياء) أي من أحيا أرضا ثم اندرست، فإنها لمن أحياها آخرا.
قوله: (وبحريمها) أي ويكون الإختصاص بحريم العمامة أي بحقها وقاله
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٤٠٧.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٤٤٧.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
الأئمة، لقول رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^١).
قوله: (كمحتطب، ومرعى يلحق غدوا ورواحا، لبلد وما لا يضيق على وارد، ولا يضر بماء لبئر، وما فيه مصلحة لنخلة، ومطرح تراب، ومصب ميزاب لدار، ولا تختص محفوفة بأملاك، ولكل الانتفاع ما لم يضر بالآخر) إلى آخره، مثال للحريم أي وكذلك كمحتطب ومرعى يلحق غدوا ورواحا لبلد، وكذلك ما لا يضيق على وارد في معطن أو غيره، وكذلك ما لا يضر بماء لبئر، وكذلك ما فيه مصلحة لنخلة، لو قال الشيخ: مصلحة لكنخلة ليعلم النخلة وغيرها، وكذلك مطرح تراب، ومصب ميزاب لدار غير محفوفة بأملاك، وأما الدار المحفوفة بالأملاك فلا تختص بمطرح تراب ولا مصب ميزاب، بل ينتفعون به كلهم ما لم يضر الإنتفاع بجاره.
قوله: (وبإقطاع الإمام) أي ويكون الإختصار بإقطاع من الإمام المعتبر أفعاله.
أقطع إذا أعطى، وقطع إذا منع.
قوله: (ولا يقطع) الإمام (معمور العنوة) على أن يكون (ملكا) لمن أقطعه له، وأما غير المعمور فإنه يقطعه له، وأما الإنتفاع بالمعمور فجائز.
قوله: (وبحمى إمام محتاجا إليه، قل من بلد عفا لكغزو) أي ويكون الإختصاص بحمى إمام بأربعة شروط:
الأول: أن يكون محتاجا إليه.
الثاني: أن يكون قليلا.
الثالث: أن يكون ذلك بموضع عفا أي أنردس.
الرابع: أن يكون ذلك لدواب غزو ونحوه.
فإن اختل شرط منها فلا يجوز، وهذا كله إذا بقي لأهل البلد ما يكفيهم.
قوله: (وافتقر لإذن وإن مسلما إن قرب) أي وافتقر الإحياء لإذن من الإمام، وإن كان من أراد الإحياء مسلما، وأحرى الذمي، إنما يفتقر الإحيا لإذن من الإمام إذا كان قريبا من البلد.
قوله: (وإلا فللإمام إمضاؤه) أي وإن أحيا الأرض بغير إذن الإمام، حيث يفتقر لإذنه، فللإمام إمضاء فعله إن كان صوابا، (أو جعله متعديا)، وحكم المتعدي
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: مسند عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الحديث: ٢٨٦٥. وأخرجه مالك في الموطأ: (٣٦) كتاب الأقضية، (٢٦) باب القضاء في المرق، الحديث: ٣١.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
قد تقدم.
قوله: (بخلاف البعيد، ولو ذميا بغير جزيرة العرب) وهو مفهوم قوله: إن قرب، وأما إن بعد فلا يحتاج إلى إذن، ولو كان الذي أحياها ذميا، وأحرى المسلم، إنما يكون ذلك لذمي، إذا كان بغير جزيرة العرب، وأما جزيرة العرب فليس لذمي الإحياء فيه لقوله ﷺ: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (^١)، وهي: مكة والمدينة واليمن.
قوله: (والإحياء بتفجير ماء وبإخراجه وببناء، وبغرس وبحرث وتحريك أرض، وبقطع شجر، وبكسر حجرها وتسويتها، لا بتحويط ورعي كلا، وحفر بئر ماشية) أي كأن سائلا سأله ما الإحياء، فقال: الإحياء يكون بتفجير الماء من باطن الأرض، وبإخراج الماء عن ظاهر الأرض، فيبقى المكان خاليا من الماء. لا كما قال البساطي تحلله وكذلك يكون الإحياء ببناء أو بغرس شجر، وبحرث أرض مع تحريكهما معا، ويكون الإحياء بقطع شجر، ويكون بكسر حجر الأرض مع تسويتهما معا، ولا يكون الإحياء بتحويط على الأرض، ولا بقطع شجرة أو شجرتين، وكذلك لا يكون رعي الكلاء إحياء.
الكلأ مهموز مقصور، ويطلق على الرطب واليابس، وأما الرطب يقال له الخلاء، واليابس الحشيش، وكذلك لا يكون حفر بئر ماشية إحياء.
قوله: (وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة، وعقد نكاح، وقضاء دين، وقتل عقرب، ونوم بقائلة، وتضييف بمسجد بادية، وإناء لبول إن خاف سبقا، كمنزل تحته، ومنع عكسه، كإخراج ريح، ومكث بنجس، وكره أن يبصق بأرضه وحكه وتعليم صبي، وبيع وشراء، وسل سيف، وإنشاد ضالة، وهتف بميت، ورفع صوت كرفعه بعلم، ووقيد نار، ودخول كخيل لنقل، وفرش، ومتكة) أي وجاز السكنى في مسجد لرجل تجرد للعبادة، وكذلك امرأة متجالة، لأن المسجد إنما بنى للعبادة، وكذلك يجوز في المسجد عقد نكاح، واستحبه بعضهم تبركا به، وكذلك يجوز في المسجد قضاء دين ظاهره ولو كثر لخفة ذلك، وكذلك أكل ما خف، وكذلك في كتب ما خف من الوثائق، وكذلك
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (٥٨). كتاب الجزية. (٢٩) - باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك. الحديث: ١٩٢٢١. وأخرجه مالك في الموطأ: (٤٥). كتاب الجامع. (٥). باب ما جاء في إجلاء اليهود عن المدينة. الحديث: ١٨.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
يجوز في المسجد قتل عقرب أو حية.
قال مالك: ولا تقتل في المسجد قملة ولا يلقيها فيه حية، وأما البراغيث وهي من دواب الأرض فلا بأس أن تطرح فيه حية.
وقال أيضا: كره قتل ما كثر من القمل والبراغيث، واستحق ما قل من ذلك. انتهى من اللخمي (^١).
وكذلك يجوز النوم في المسجد قائلة وسط النهار ولمسافر وحاضر، وكذلك يجوز إطعام الضيف في مسجد البادية لا الحاضرة، وكذلك يجوز لخائف سبع، أو لصوص، أو ظلمة إلجاؤه إلى المسجد أن يتخذ إناء لبول أو غائط، وكذلك يجوز أن يكون المنزل تحت مسجد، ومنع عكسه وهو أن يكون المنزل فوق المسجد، لقوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦]، كما منع إخراج ريح في المسجد وإن كان خاليا، لحرمة المسجد والملائكة، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يؤذ ما لم يحدث» (^٢) قيل: وما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط. انتهى من اللخمي (^٣).
وكذلك يمنع المكث في المسجد بنجس، ظاهره وإن غطاها، وقيل: إن غطاها فلا بأس، وكره أن يبصق بأرض المسجد غير المحصب، وأما المحصب والمحصر يجوز أن يبصق به إن لم يكثر، فإن بصق في غير المحصب يحكه ويزيله، وفي بعض النسخ وحكه أي إن وقع ونزل حكه، وكذلك يكره تعليم صبي في المسجد، لأن الصبي لا يتحفظ من النجاسة، وكذلك يكره البيع والشراء في المسجد، لقوله ﵇: «لا أربح الله تجارتك» (^٤) إذا رفعت السلعة إلى المسجد قصد البيع فيه، وأما إن لم يقصد ذلك فلا بأس.
وفي الحديث: «أحب بلاد الله مساجدها» (^٥).
_________________
(١) التبصرة لأبي الحسن اللخمي: ج ١، ص: ٤١١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: (٣٩). كتاب البيوع. (٤٩). باب ما ذكر في الأسواق. الحديث: ٢٠١٣.
(٣) التبصرة لأبي الحسن اللخمي: ج ١، ص: ٤١١.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه: (١٢). كتاب البيوع. (٧٧). باب النهي عن البيع في المسجد. الحديث: ١٣٢١. قال أبو عيسى: حديث حسن غريب.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه: (٥). كتاب المساجد ومواضع الصلاة. (٥٢). باب فضل الجلوس في
[ ٣ / ٢٨٠ ]
عياض: كانت أحب لأنها أسست على التقوى وخصصت بالذكر، وكانت الأخرى أبغض لطلب الدنيا ومخادعة الناس والإعراض عن ذكر الله ﷺ ومظان الأيمان الفاجرة، والمساجد محل نزول رحمة الله سبحانه، والأسواق بضد ذلك (^١)، وكذلك يكره سل سيف أو سكين في المسجد، وكذلك يكره إنشاد ضالة في المسجد أي تعريفها وكذلك نشدها أي طلبها، لقوله ﷺ: «لا ردها الله عليك» (^٢)، وكذلك يكره الهتف بالإعلام بالميت في المسجد، وكذلك يكره رفع صوت في المسجد، كما كره رفع الصوت بعلم وإن في غير المسجد.
قال مطرف: لا أعلم مجالس الذكر، إلا مجالس الحلال والحرام، كيف تبيع وتشتري، وكيف تنكح، ولكن كره رفع الصوت بذلك فيه وأجازه ابن مسلة ولا ينسج فيه.
سحنون: ولا يخيط، واستخف في العتبية كتب ذكر ألحق فيه ما لم يطل. انتهى.
وكذلك يكره وقيد نار في المسجد، وكذلك يكره دخول خيل أو بغال أو حمير، لنقل من المسجد أو إليه لنجاسة أبوالها، وأما الإبل والبقر فلا يكره، وكذلك يكره الفرش والمتكئ في المسجد تعظيما له لا حصر فيجوز المتكا والوسائدة والنمرقة، ومن خرج من المسجد بحصا بيده نسيها، أو تعلقت بنعله، فإن ردها فحسن، وما ذلك عليه. انتهى.
وأما لو حملها قصدا فلا يجوز، لأنه نقل الحبس عن محله.
ورأيت قديما في شرح التهذيب للزناتي أن رجلا حمل حصبا من مكة وأتى بها إلى المغرب، فكانت بالليل تصوت حتى منعته من النوم، فقيل له ردها إلى موضعها فحينئذ تنام فردها إلى موضعها أو بعث بها فحينئذ نام.
وحكى ابن سعدون القروي (^٣) في كتاب التأسي له أن الركن الأسود أرسله
_________________
(١) = مصلاة بعد الصبح وفضل المساجد الحديث: ٢٨٨. (٦٧١).
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٦٠٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: (٥). كتاب المساجد. (١٨). باب النهي عن نشد الضالة في المسجد … الحديث: ٧٩. (٥٦٨).
(٤) ابن سعدون هو: محمد بن سعدون بن علي، أبو عبد الله القيرواني: عالم بالفروع والأصول، من فقهاء المالكية. ولد بالقيروان سنة: ٤١٣ هـ، ورحل إلى المشرق، وطاف بلاد المغرب والأندلس للتجارة، ومات في أغمات (بالمغرب الأقصى سنة: ٤٨٥ هـ .. من كتبه (تأسي أهل الإيمان بما طرأ على مدينة القيروان) و(مناقب أبي بكر بن عبد الرحمن وأصحابه) وكان أبو بكر من شيوخه، =
[ ٣ / ٢٨١ ]
اللعين: الجبائي إلى عبد الله رأس الشيعة المهدية، فلم يلبث أياما حتى مات عبيد الله، فلما دفن طرحته الأرض، ثم دفن فطرحته الأرض ثلاثا، فقيل إن هذا لأجل هذا الحجر فاردده حيث كان، فأمر بطرحه ورده فعند ذلك استقر عبيد الله في الأرض لعن الله جميعهم. انتهى.
وروى ابن القاسم النهي عن السؤال في المسجد.
ابن عبد الحكم: ولا يعطى سائل به. انتهى من ابن عرفة.
وسئل اللخمي عن سؤال الضعفاء في المساجد، ورفع الأصوات بالمسألة لأجل أن الناس يجتمعون فيها فيعطون فيها دون غيرها.
فأجاب: قال مالك: يحرمون ويقامون من المسجد.
قلت: ومن هذا ما يقع اليوم رفع الصوت في المساجد العظام لرفع الحوائج على السلاطين والقضاة والأمراء ونحوهم، فهو من هذا المعنى ولا يتركون، وليرفعوا مظالمهم خارج المسجد. والأصل في ذلك كله النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.
وقوله: لا بارك الله عليك وقول بعض السلف في البيع: إن هذا من سوق الآخرة، منعاه أنه لا يشاب بشيء من الدنيا. وهو من باب تنزيل المساجد. انتهى (^١).
قال محمد بن مسلمة: لا ينبغي لأحد أن يتعمد في المسجد برفع صوت ولا بشيء عليه من الأذى وأن ينزه عما يكره؛ قال المؤلف ﵀: حكى ذلك كله القاضي إسماعيل في مبسوطه في باب: فضل مسجد النبي ﷺ، والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم. انتهى من الشفا بتعريف حقوق المصطفى (^٢).
مر عمر بسائل يحمل مخلاة مملوة كسورا فعلاه بالدرة وأمر ففرغت بين يديه وأمر الضعفاء ينهبونها. إكمال الإكمال.
قوله: (ولذي مأجل، وبئر، ومرسال مطر، كماء يملكه منعه وبيعه، إلا من خيف عليه ولا
_________________
(١) = وكتاب في (الفقه) على مذهب مالك. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ١٣٧.
(٢) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣٣٨.
(٣) الشفا للقاضي عياض: الباب الرابع: في حكم الصلاة عليه والتسليم. الفصل العاشر: آداب دخول المسجد النبوي وفضله. ص: ٤٥٠.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
ثمن معه. والأرجح بالثمن، كفضل بئر زرع خيف على زرع جاره بهدم بئره، وأخذ يصلح) أي ولذي ماء حل (^١) وذي بئر وذي مرسال مطر بقي في أرضه من ماء ذلك المطر، كماء يملكه في وعائه منعه وبيعه، بيعه إلا من خيف عليه الهلاك، أو المرض الشديد ولا ثمن معه، فإن صاحب الماء ليس له منعه من ذلك الماء، فإن منعه منه قاتله، فإن قتله رب الماء فالقصاص واجب عليه، وإن قتله الخائف من الهلاك فدم رب الماء هدر، فإن كان معه ثمن والأرجح عند ابن يونس أن يأخذ ذلك بالثمن المعهود، مقابل الأرجح لا ثمن عليه لأن دفع الماء إليه واجب عليه، والواجب لا ثمن له، ووجه المشهور أن الذي وجب عليه الدفع قد فعله، والثمن شيء آخر.
قوله: كفضل بئر زرع تشبيه في وجوب الدفع، والإختلاف في الثمن أي كما يجب على ذي فضل ماء بئر لزرع خيف على زرع جاره بهدم بئره أو غوره أو غور عين، وأخذ يصلح بئره أو عينه، والبئر ليست بشرط، وكذلك غيره، والزرع ليس بشرط وكذلك غيره.
وقوله: خيف عليه شرط، وإلا فلصاحب البئر منعه والجار ليس بشرط، وكذلك غيره كل موضع يصله ذلك الماء، والهدم ليس بشرط، وأخذ يصلح شرط.
قوله: (وأجبر عليه، كفضل بئر ماشية بصحراء هدرا إن لم يبين الملكية) أي وأجبر المالك على الدفع في الفرعين، كما يجبر الحافر بئر ما شية بصحراء على دفع فضل مائه بلا ثمن إن لم يبين حين الحفر أنه حفره لنفسه، وأما إن بين أنه حفره لنفسه فله منعه وله بيعه وهو على عدم الملكية حتى يبين.
قوله: (وبدئ بمسافر وله عارية آلة، ثم حاضر، ثم دابة ربها) هذا في فضل الماء، ويبدء بالمسافر بجميع ريه لشدة كحاجة، وله أي وللمسافر على رب البئر عارية آلة يستخرج به الماء من دلو ورشاء وحوض، ويحتمل أن يكون معنى وله أي وللمسافر على الحاضر عارية آلة، وظاهره ولو اتخذ الآلة للكراء وهو ظاهر الروايات خلافا لما قاله ابن عبد السلام إن اتخذه للكراء فله منعه، فإن روى المسافر بنفسه، ثم يبدأ بنفس الحاضر إلى أن يرتوي، ثم بدابة رب البئر ثم بدابة المسافر.
قوله: (بجميع الري) راجع على الكل.
قوله: (وإلا فبنفس المجهود) أي وإن لم يكن في الماء فضل، أو كان فيه فضل
_________________
(١) ن: مأجل
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ولم يكن فيه جميع الري بدء بنفسه المجهود الذي بلغ الجهد من العطش والمشقة.
قوله: (وإن سال مطر بمباح سقي الأعلى، إن تقدم للكعب، وأمر بالتسوية، وإلا فكحائطين، وقسم للمتقابلين) أي وإن سال ماء مطر من موضع مباح لجميع الناس سقي الأعلى إن تقدم في الإحياء إلى الكعب، وهل يرسل ما زاد على الكعب فقط؟ أو يرسل كله فيه قولان، وإن تقدم الأسفل في الإحياء، فالمتقدم أولى بالسقي، وأمر للأعلى بتسوية أرضه، إن مكن لئلا يبلغ بعض الماء الكعب وبعضه أعلى من ذلك، وإن لم يمكن تسويته سقي كالحائطين، فإن كان الأرضان متقابلين قسم الماء بينهما إذ لا مرجح.
قوله: (كالنيل) تشبيه لإفادة الحكم أي وهو كالسيل من المباح إذ لا عمل لأحد فيه.
قوله: (وإن ملك أولا قسم بقلد، أو غيره، وأقرع للتشاح في السبق) أي وإن ملك الماء بأن أجروه جميعا قسم بينهم بقلد، وهو قدر مثقوب أو غيره فإذا تنازعوا في السبق أقرع بينهم فيه.
قوله: (ولا يمنع صيد سمك، وإن من ملكه، وهل في أرض العنوة فقط؛ أو إلا أن يصيد المالك تأويلان) أي ولا يمنع أحد صيد سمك وإن كان السمك في أرض مملوكة، وهل هذا المنع في أرض العنوة فقط، لأنها أرض خراج وانتفاع، أو لا يمنع مطلقا إلا أن يصيد المالك، فله منعه فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (وكلا بفحص، وعفاء لم يكتنفه زرعه) أي ولا يمنع الكلاء في مكان فحص، وهو الموضع الذي استغنى عنه مالكه.
وقال بعضهم: هو الموضع الذي عجز عنه صاحبه، وكذلك العفاء من الأرض المملوكة الدارس وهذا إذا لم يكتنف الموضع زرعه أي أحاط به، وأما إن أحاط به زرعه فله منعه خوفا على زرعه من المواشي.
قوله: (بخلاف مرجه وحماه) أي فإن له منعه.
المرج: مرعاه من أرضه، وحماه ما منعه من كلاء أرضه ليرعى فيه.
[ ٣ / ٢٨٤ ]