قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه حكم من ارتد بعد إسلامه، هذه هي الجناية الثانية وما يكون به الكفر من قول وفعل وعمل، وما لا يكون به الكفر، وما اختلف فيه.
قوله: (الردة كفر المسلم بصريح، أو لفظ يقتضيه، أو فعل يتضمنه كالقاء مصحف بقدر، وشد زنار، وسحر): ابن عرفة الردة كفر بعد إسلام تقرر، وتقرره بالنطق بالشهادتين مع التزام أحكام الإسلام قال المصنف: الردة كفر المسلم، ولم يقل كفر المؤمن، لأن الحكم على الظواهر.
عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (^١).
وأصل الكفر انتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الله تعالى، أو صفاته العلا.
فقولنا انتهاك خاص، احترازا من الكبائر والصغائر، لأنها انتهاك وليست كفرا. انتهى.
ويكون الارتداد بلفظ صريح كأشركت بالله، ويكون بلفظ يقتضي الكفر، كقوله عزير ابن الله، ويكون بعمل يتضمن فعله الكفر، وذكر لذلك أمثلة، كإلقاء مصحف بقدر أي بنجاسة أو لطخه بها، وكذلك لطخ الكعبة بالنجاسة كفر، وكذلك شد زنار ببلد الإسلام كفر، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وكذلك السحر كفر، وهو من أمثلة فعل يتضمن الكفر، ويحتمل أن يكون من أمثلة لفظ يقتضي الكفر.
ابن عبد السلام والمذهب أن الساحر كافر.
قال: وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط في المرأة تقر أنها عقدت زوجها عن نفسها، أو عن غيرها من النساء: أنها تقتل. انتهى من ابن فرحون (^٢).
وفي الطرر لابن عات قال: لا يجوز الجعل على حل المربوط والسحر، وكذلك لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا يعرف له حقيقة ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٠) - كتاب الجهاد والسير. (١٤٧) - باب لا يعذب بعذاب الله. الحديث: ٢٨٥٤
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢١٤/ ٢١٥.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
يوقف عليها ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه وينسب نقل ذلك إلى الاستغناء لابن عبد الغفور.
قال اللخمي: عمل السحر والإجارة عليه حرام، وعمل ما يبطله والإجارة عليه جائزة.
وللسحر حقيقة يصح تعلقه بذات الإنسان، فيؤثر في النفس بغضا ومحبة (^١).
وقال أبو عبيد في حديث عبد الله بن مسعود: «إن التمائم والرقى والتولة من الشرك» (^٢).
قال الأصمعي: التولة بكسر التاء (^٣).
قال أبو عبيد: وإنما أراد بالرقى والتمائم عندي ما كان بغير لسان العرب مما لا يدرى ما هو، فأما الذي يحبب المرأة إلى زوجها فهو عندنا من السحر (^٤).
قال في مختصر العين: التولة شيء كالسحر يحبب المرأة إلى زوجها.
قوله: (وقول بقدم العالم، أو بقائه، أو شك في ذلك، أو بتناسخ الأرواح) أي وكذلك يكفر من قال بتناسخ الأرواح أي انتقالها من شخص إلى شخص أبد الآباد.
أهل التناسخ قوم من الفلاسفة قبل الإسلام وكان منهم في دولة الإسلام فريقان فريق من جملة القدرية، وفريق من غلاة الروافض، قالوا: أهل التناسخ ذكروا أن أرواح الصديقين إذا خرجت من أبدانهم اتصلت بعمود الصبح إلى أن تبلغ بالنور الذي فوق الفلك، وتكون في السرور دائما، وأرواح أهل الضلالة تتناسخ في أجسام الحيوانات، فلا تزال تنتقل من حيوان إلى حيوان إلى أن تصفوا من ظلمتها فحينئذ تتصل بالنور الذي فوق الفلك.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١٣، ص: ٦١٥٤.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ٩، ص: ١٧٤، الحديث: ٨٨٦٢. مكتبة العلوم والحكم - الموصل الطبعة الثانية، ١٤٠٤ - ١٩٨٣ تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.
(٣) تهذيب اللغة المؤلف: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري: ج ١٤، ص: ٢٢٨، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - ٢٠٠١ م الطبعة: الأولى تحقيق: محمد عوض مرعب.
(٤) غريب الحديث لابن سلام طبع باعانة: وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية. تحت مراقبة: الدكتور محمد عبد المعيد خان أستاذ آداب اللغة العربية بالجامعة العثمانية. ج ٤، ص: ٥١. الطبعة: الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند سنة ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٤ م.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
قوله: (أن) بقوله (في كل جنس نذير، أو ادعى شرعا مع نبوته ﵊، أو بمحاربة نبي، أوجوز اكتساب النبوة، أو ادعى أنه يصعد للسماء، أو يعانق الحور، أو استحل كالشرب) أي وكذلك يكفر من قال في كل جنس نذير لأن في ذلك تكليف الحيوانات، ولأنه يكون نبي قرد أو خنزير أو دودة ويحتج بقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤] إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف انبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصف المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله. انتهى من الشفا (^١).
وكذلك يكفر إذا ادعى شركا لنفسه أو لغيره في نبوته ﷺ، وكذلك يكفر من قال بمحاربة النبي ﷺ، لأن من حاربه فقد حارب الله ﵎، وكذلك يكفر من جوز اكتساب النبوة لأن النبوة لا تنال بالأعمال وإنما هي فضل من الله ﷾ على من شاء، وكذلك يكفر من ادعى أنه يصعد إلى السماء، لأنه مستحيل في الدنيا، وكذلك إن ادعى أنه يعانق الحور العين أو أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها، وكذلك يكفر من ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، لأنه كذب النبي ﷺ لأنه أخبر أنه خاتم النبيئين. وكذلك يكفر من استحل ما حرمه الله كالخمر والزنى وغير ذلك مما حرمه بعد علمه بتحريمه.
قوله: (لا بأماته الله كافرا) أي لا يكفر من قال لغيره: أماتك الله كافرا (على) القول (الأصح)، وقيل: يكفر بذلك.
وفي مجموع البرزلي: حكى النووي في الدعاء على الظالم بعدم الوفاة على الإيمان وجهين، هل هو دعاء بارتضاء الكفر أو لا، واختار الثاني وكان شيخنا الفقيه الإمام يختار الجواز في المتمرد في الظلم الغافل عن أحوال دار الآخرة، إذا كان اختيار الإمام ابن عرفة جواز الدعاء عليه بعدم الوفاة على الإيمان واللعن أحرى.
قوله: (وفصلت الشهادة فيه) أي وفصلت الشهادة في الكفر، ما وجه ما كفروه به لأنه قد يكفر عند الشهود، ولا يحكم الحاكم بكفره، وظاهر قوله وفصلت الوجوب.
قوله: (واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وعطش ومعاقبة وإن لم يتب فإن تاب، وإلا قتل. واستبرئت بحيضة، ومال العبد لسيده) أي فإن ارتد من كان ظاهر الإسلام فإنه يستتاب ثلاثة أيام ولا يترك بالجوع والعطش، وينفق عليه من ماله، ولا ينفق على عياله من
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٢٨٤
[ ٣ / ٤٦١ ]
المال، فإن تاب فلا كلام وبقي ماله له وإن لم يتب قتل وإن كان المرتد امرأة متزوجة أو مطلقة رجعية، فإنها تستبرء بحيضة لاحتمال حملها حرة كانت أو أمة، أقر السيد بوطئها وهذه إحدى المسائل التي تستبرأ الحرة فيها بحيضة واحدة والأخرى من زنت وهي ذات زوج فلا تقتل إلا بعد الاستبراء.
والثالثة: المرأة إذا التعنت زوجها فلا تقتل حتى تستبرأ ويلغز بهذه المسائل. وإن كان المرتد عبدا ولم يتب فإنه يقتل وماله لسيده.
قوله: (وإلا ففيء، وبقي ولده مسلما) أي وإن لم يكن عبدا بل حر فما له فيء يجتهد فيه الإمام في مصالح المسلمين، الأوكد، فالأوكد وبقي ولده الصغار مسلمين إن مات على ردته.
قوله: (كأن ترك) أي كما إذا غفل عنه أي عن ولد المرتد حتى إذا بلغ فإنه يحكم له بحكم الإسلام.
قوله: (وأخذ منه ما جنى عمدا على عبد، أوذمي) أي فإذا جنى المرتد عمدا على عبد أو ذمي، فإنه يؤخذ من ماله قيمة العبد ودية الذمي إذ لا قصاص فيهما.
قوله: (لا حر مسلم) أي لا يؤخذ منه ما جنى عمدا على حر مسلم لأنه يندرج في قتله إذا قتل.
قوله: (كأن هرب لدار الحرب) أي لو قتل رجلا حرا عمدا في ردته وهرب إلى بلاد الحرب لم يكن لولاة المقتول في ماله شيء، ولا ينفق على ولده وعياله منه بل يوقف فإن مات على ردته فهو فيء وإن تاب ثم مات كان ماله لورثته.
قوله: (إلا حد الفرية) أي فإنه لا يندرج في قتله وهو مخرج من قوله: لا حر مسلم أي ولا يؤخذ منه ما جنى عمدا على حر مسلم إلا حد الفرية.
قوله: (والخطأ) أي فإن جنى المرتد على حر مسلم خطأ فالأرش (^١) (على بيت المال) وقيل على عاقتله، وقيل: في ماله.
قوله: (كأخذه جناية عليه، وإن تاب فماله له، وقدر كالمسلم فيهما) أي على المرتد كما يأخذ بيت المال أرشه إذا جنى عليه، وإن تاب المرتد فماله له، وقيل: لبيت المال، ويقدر المرتد كالمسلم في العمد والخطأ، وإليه أشار بقوله: فيهما.
مسألة: روى ابن سحنون عن أبيه في المسلم يرفع زوجته المسلمة إلى الحاكم
_________________
(١) ن: فالإرث.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
يدعي عليها أنها ارتدت عن دينها فتنكر، أن الحاكم يفرق بينهما لإقراره بارتدادها الموجب للفرقة، قال: وكذلك لو كانت الزوجة كتابية. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وقتل المستسر بلا استتابة، إلا أن يجيء تائبا، وماله لوارثه) أي المستسر بالكفر وهو الزنديق في العرف اليوم يقتل بلا استتابة، إذ لا تعرف توبته إلا أن يجيء تائبا قبل أن يظهر عليه، فإنه تقبل توبته فإن قتل المستسر فما له لورثته لما أظهر الإسلام، لأن الحكم على الظواهر بخلاف ميراث المرتد.
قوله: (وقبل عذر من أسلم، وقال: أسلمت عن ضيق، إن ظهر، كأن توضأ وصلى) أي وقبل عذر من أظهر الإسلام ثم أظهر الكفر وقال: إنما أظهرت الإسلام لخوف على نفسي أو مالي ولست بمسلم، فإنه يقبل قوله إن ظهر عذره بأنه ضيق عليه بخوف أو حبس ونحوه، وأما إن لم يظهر عذره فإنه يحكم فيه بحكم المرتد. انتهى.
وإنما يقبل عذره إذا لم يقم على إظهار إسلامه بعد زوال عذره، وأما إن أقام عليه بعد زوال العذر فلا يقبل قوله بل يقتل، وكذلك الكافر يتوضأ ويصلي صلاة الإسلام وقال: إنما فعلت ذلك خوفا على نفسي أو مالي، فإنه يقبل عذره إن ظهر عذره ظاهره ولو طال الأمد (^٢).
قوله: (وأعاد مأمومه) أي ومن صلى خلفه في تلك المدة التي أظهر فيها الإسلام، فإنه يعيد أبدا إذا قبلنا عذره، لأنه صلى خلف كافر
قوله: (وأدب من تشهد، ولم يوقف على الدعائم) أي وإذا تلفظ الكافر بالشهادتين ولم يوقف على بقية دعائم الإسلام وهي: الصلاة والصوم والزكاة والحج ثم ارتد، فإنه يؤدب، ولا يحكم بارتداده، لأنه لا يكون مرتدا إلا بعد التزام أحكامها، وهو لم يلتزم بعد، وكذلك إن وقف على الدعائم ولم يقبلها فإنه يؤدب ولا يقتل.
قوله: (كساحر ذمي إن لم يدخل ضررا على مسلم) أي كما يؤدب ساحر ذمي إن لم يدخل ضررا بسحر على مسلم، ولو أدخل عليه ضررا به لقتل، لأنه نقض العهد بإدخال الضرر على المسلم، ولا تقبل منه توبة غير الإسلام.
قوله: (وأسقطت صلاة، وصياما، وزكاة، وحجا تقدم، ونذرا، وكفارة، ويمينا بالله، أو بعتق، أو ظهار، وإحصانا) إلى آخره أي وأسقطت الردة قضاء صلاة سواء كانت قبل
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٤٣.
(٢) ن: العمر
[ ٣ / ٤٦٣ ]
الردة أو فيها، وكذلك الصيام، وكذلك زكاة فرط إن كان فرط فيها، فإذا أسلم بعد ارتداده فلا قضاء عليه في ذلك، وكذلك إذا حج قبل الارتداد ثم أسلم، فإن ذلك الحج لا يسقط عنه فرض الحج، عاد كأن لم يحج إذ لا عبرة بحج تقدم على الردة، وكذلك النذر تسقطه الردة سواء كان قبل الردة أو فيها، فإذا أسلم بعد ارتداده، فإن النذر يسقط عنه، وكذلك اليمين بالله، وكذلك إذا حلف بعتق عبد غير معين ثم ارتد ثم أسلم، فإن ذلك لا يلزمه، وكذلك إذا ظاهر من أمرءته ثم ارتد ثم أسلم، فإن الظهار لا يلزمه، وكذلك إن ارتد وهو محصن، فإن الإحصان يسقط عنه كأن لم يكن محصنا، فإذا زني فلا يرجم بل يحد.
قوله: (ووصية) أي فإذا مات على ردته فإن الوصية تبطل.
قال ابن يونس: لأن الرجل إنما تجوز وصاياه في ماله وهذا المال ليس هو للمرتد وإنما هو لجماعة المسلمين.
قوله: (لا طلاقا) أي لا تسقط الردة، طلاقا، فإن طلق زوجته ثلاثا ثم ارتد ثم أسلم، فإن الارتداد لا يسقط التحريم بل لا يتزوجها إلا بعد زوج، ظاهره ارتدت المرأة أم لا، وهو قول ابن المواز، وأما ابن القاسم قال: إذا ارتدا جميعا ثم أسلما، فإن الطلاق يسقط، ويجوز له تزويجها من غير زوج.
ابن زياد (^١) عن مالك: إذا ارتدت المرأة تريد بذلك فسخ نكاحها لا يكون ذلك طلاقا وتبقى في عصمته.
قوله: (وردة محلل) أي فإن طلق رجل زوجته ثلاثا ثم تزوجها غيره نكاحا يحل المبتوتة، ثم ارتد فإن ارتداده لا يبطل ذلك التحليل، لأن أثره في المرأة لا فيه هو، ولفظ ردة محلل مرفوع عطفا على الضمير في أسقط.
قوله: (بخلاف ردة المرأة) أي فإنه يبطل إحلالها، فإذا طلقها زوجها ثلاثا فتزوجت غيره ثم ارتجعها، فإن إحلالها يبطل وتصير كمن لم تتزوج بعد الثلاث، فإن تابت من الارتداد، فليس لزوجها الأول أن يتزوجها إلا بعد زوج، لأنها أبطلت إحلالها بالردة.
_________________
(١) علي بن زياد التونسي العبسي أبو الحسن ثقة مأمون متعبد بارع في الفقه تفقه بمالك وسمع منه ومن الثوري والليث وغيرهم وسمع منه البهلول بن راشد وسحنون وأسد ابن الفرات وغيرهم مات سنة: ١٨٣ هـ. أو ١٨٢ هـ .. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب: ٦٨: ص: ٢٠٤/ ٢٠٥. الترجمة ٦٨.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
قوله: (وأقر كافر انتقل لكفر آخر) أي وأقر كافر على ملة الكفر التي انتقل إليها كيهودي تنصر أو تمجس أو العكس فإنه يقر على ذلك الكفر، لأن الكفر ملة واحدة وقال ﷺ: «من بدل دينه فاضربوا عنقه» (^١) يريد الدين المستقيم، وقيل: يقتل.
قوله: (وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون بإسلام أبيه فقط) أي فإذا أسلم كافر فإن ولده الصغير الذي لم يميز أو كان مجنونا، فإنه يحكم بإسلامه بإسلام أبيه فقط لا إسلام الأم أو الجد، لأن الصغير يتبع أباه في الدين القويم لا غيره ولذلك يبقى ولد المرتد مسلما لأنه ارتد عن الدين القويم.
قوله: (كأن ميز، إلا المراهق) أي كما يحكم بإسلام الصغير المميز إذا أسلم أبوه، إلا أن يكون الصغير مراهقا كابن ثلاثة عشر سنة، فلا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه بل يجبر على الإسلام بتهديد وضرب، ولا يجبر بالقتل إن امتنع من الإسلام، فإن مات أبوه قبل بلوغه فإن إرثه منه يوقف إلى بلوغه، فإن أسلم ورثه وإن أبى أن يسلم لم يرثه، ويكون المال للمسلمين، ولو أسلم قبل البلوغ لم يأخذ المال حتى يحتلم إذ لو رجع إلى الكفر ولم يجبر على الإسلام بالقتل بل يكره بغير القتل.
قوله: (والمتروك لها، فلا يجبر بقتل، إن امتنع، ووقف إرثه) أي فإذا أسلم أبو المميز وغفل عنه إلى المراهقة، فإنه يجبر على الإسلام بغير القتل.
قوله: (وبإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه) أي وحكم بإسلام الصغير إذا سباه مسلم تبعا لإسلام سابيه، هذا قول ابن شاش، والذي تقدم في الجنائز خلافه، وقال فيه: وإن صغيرا ارتد أو نوى به سابيه الإسلام، وهذا هو قول ابن القاسم، لأنه محكوم بكفره. انتهى.
وأما إن كان معه أبوه فلا يحكم بإسلامة تبعا لأبيه.
قوله: (والمتنصر من كأسير على الطوع، إن لم يثبت إكراهه) أي وإذا ثبت أن أسير المسلمين في بلاد الحرب أو التاجر إليهم ونحوه تنصر، فإنه يحمل كفره على الطوع إلا أن يثبت إكراهه فقال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [سورة النحل: ١٠٦] وأفعال المكلف محمولة على الطوع إلا أن يتبين خلافه. انتهى كلام ابن الحاجب في هذا الباب هنا، وباقي الباب اختصره المصنف من الشفا في تعريف
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٩٢) - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم. (٢) - باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم. الحديث: ٦٥٢٤ ولفظه: من بدل دينه فاقتلوه.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
حقوق المصطفى ﷺ.
قوله: (وإن سب نبيا أو ملكا، أو عرض، أو لعنه، أو عابه، أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غير صفته، أو ألحق به نقصا، وإن في بدنه، أو خصلته، أو غض من مرتبته، أو وفور علمه، أو زهده، أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له بحق رسول الله، فلعن، وقال: أردت العقرب) إلى آخره أي ومن شتم نبيا لم يختلف في نبوته أو شتم ملكا مجمع على أنه ملك من الملائكة، فإنه يقتل بلا استتابة، وإن كان الشتم تعريضا والتعريض أن يذكر أمرا ومراده غيره سواء أثبت أو نفى، مثال ما إذا أثبت كقوله: نسبي معروف كأنه قال ونسب الآخر غير معروف، ومثال ما إذا نفى كقوله لست بزان كأنه قال للآخر أنت زان.
وقال في الرسالة: وفي التعريض الحد (^١)، فإذا كان في التعريض الحد في غير النبي وأحرى أن يكون في النبي، وكذلك يقتل إذا لعن نبيا أو ملكا وكذلك إذا نسب إليه العيب والعيب ضد المستحسن من خلق وخلق ودين، فإنه يقتل، وكذلك إذا قذفه أي رماه بفاحشة، وكذلك يقتل من استخف بحق النبي ﷺ كما إذا قيل له نهى النبي عن كذا فيقول لا أبالي بنهيه.
قال البرزلي: ورأيت في بعض الفتاوي عن البرجيني (^٢) تحلله من قال إن آدم عصى ربه قتل، فإن قال: قال ذلك في القرآن، يقال له: الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء.
قلت: فتمثيل النحويين في ﴿وعصى آدم ربه﴾ [طه: ١٢١] كفر ولم يندم وكفره أخروي لأنه زاد على نص القرآن ولم يندم، وهو زيادة في القدح.
ولو قال: إن كنت عصيته فقد عصى آدم فهذا أشد من قوله: إن كنت رعيت فقد رعي آدم، لأنه خرج مخرج التنقيص. انتهى (^٣).
وروى ابن وهب عن مالك من قال: إن رداء النبي ﷺ ويروى أن زر النبي ﷺ وسخ أراد به عيبه قتل، وقال بعض علمائنا أجمع العلماء على أن من دعى على نبي
_________________
(١) متن الرسالة للقيرواني: ص ١٢١.
(٢) أبو محمد عبد السلام البرجيني: الإمام الفقيه العالم العامل أخذ عن المازري وغيره، وأخذ عنه: أبو محمد بن بزيزة وغيره له فتاوي مشهورة، كان حيا سنة ٦٠٦ هـ .. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: ج ١، ص: ٢٤٢، الترجمة: ٥٦٣، ط ١: ٢٠٠٣ م.
(٣) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ٣٠٦.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. انتهى من الشفا (^١).
وكذلك يقتل من غير صفة النبي ﷺ كما إذا قال: هو أسود أو الطويل أو القصير ومات قبل أن يلتحى، وكذلك يقتل إن لحق بالنبي ﷺ نقصا في بدنه وأخرى في دينه أو تشبيه بشيء على طريق السب له والإزدراء عليه أو التصغير بشأنه، وكذلك إن ألحق به نقصا في خصلته أي في شأنه كله أو نقص من مرتبه أي درجته أو نقص في وفور علمه أي كثرته أو نقص في زهده أو أضاف إليه ما لا يجوز عليه كالميل إلى بعض نسائه أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه كالمداهنة في الأحكام، إذا قال ذلك على طريق الذم، وهذا قيد في غالب هذه الأحوال، وكذلك يقتل إذا قيل له سألناك بحق الرسول ﷺ فلعن أو ذكر كلاما قبينحا، فقيل له: ما تقول يا عد والله فقال: أشد من كلامه الأول فقال: إنما أردت برسول الله العقرب فقال ابن أبي سليمان (^٢): أشهد عليه وإنما شريكك يريد قتله وثواب ذلك قال حبيب بن الربيع (^٣): لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل لأنه امتهان وهو غير معزز
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض: ص: ٥٤٢.
(٢) أحمد بن أبي سليمان واسم أبيه داود. ويعرف بالصواف مولى ربيعة. روى أبوه عن عبد الله بن نافع. روى عنه ابنه. قال أبو العرب: كان أبوه من أهل العلم، وما علمت عليه إلا خيرا. ويكنى أحمد بأبي جعفر. من مقدمي رجال سحنون. وسمع من أبيه أبي سليمان. وسمع منه أبو العرب، والناس. قال ابن أبي سعيد: كان حافظا للفقه، مقدما فيه، مع ورع وصيانة لعلمه، أديبا راوية للشعر، كثير القول له، وأحد كبار المالكية، ووجوههم. قال أبو العرب: كان شيخا صالحا ثقة فقيها، كريم الأخلاق، بارا بمن قصده، مسارعا في حوائجه. وكان يلبس القلنسوة الطويلة. قال عيسى بن مسكين: أحمد بن أبي سليمان حكيم. قال غيره: كان أكثر كلامه حكمة. قال الباجي: هو فقيه. قال ابن حارث كان له بالشعر عناية في أول أمره. فلما صار الى درجة العلم، وصحبة العلماء، ترك قوله. قال ولم يكن معدودا في أهل الحفظ، ولا في أهل المعرفة، بما دق من العلم. قال ابن أبي سليمان: أتى بي أبي الى سحنون، سنة سبع عشرة ومائتين لأسمع منه. فاستصغرني، وأجاز لي جميع كتبه. ثم صحبت سحنونا، بعد ذلك، عشرين سنة. وعمي. وكان سبب طلبه العلم، فيما حكاه أنه قال: كنت أولا أطلب الشعر، فرأيت في المنام، كأني على حائط يرجف ونار عظيمة، وأنا أخاف أن أقع فيها. وتوفي ابن أبي سليمان رحمه الله تعالى، في آخر رمضان سنة إحدى وتسعين ومائتين مولده سنة ست ومائتين. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٥١٠/ ٥١٢.
(٣) حبيب بن الربيع مولى أحمد بن أبي سليمان الفقيه. كان فقيها عابدا. كناه أبو الوليد الباجي: بأبي القاسم. وغيره بأبي نصر. يروي عن مولاه أحمد، ويحيى بن عمر، ومحمد أخيه، والمغامي، وحماس، وابن أبي داود العطار، وعبد الجبار وأبي عياش، ويحيى بن عبد العزيز، وعمر بن =
[ ٣ / ٤٦٧ ]
للنبي ﷺ ولا مقر له فوجب إباحة دمه (^١).
قال البرزلي: وسمعت شيخنا الفقيه الإمام ﵀ في من تشفع بالنبي ﷺ ولم يقبل المسؤول شفاعته. قال: نزلت ببجاية وأفتى فقهاؤها بأنه لا يلزمه شيء، واجتمع بما وقع في حديث بريرة في قولها: «آمر أو شفيع؟» يعني في زوجها، فقال: «شفيع» فقالت: لا حاجة لي به (^٢)، ولم ينكر عليها ذلك وتركته. انتهى من مجموع البرزلي (^٣).
وفيه: وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال لرجل: انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا فقال له: قد كان أبو النبي ﷺ كافرا، فقال: جعلت هذا مثلا فعزله، وقال: لا يكتب لي أبدا.
قوله: (قتل، ولم يستتب حدا جواب عن المسائل كلها أي فلا يستتاب لأن توبته لا تعرف وميراثه لورثته من المسلمين.
قوله: (إلا أن يسلم الكافر) أي فإن قال الكافر ما تقدم ذكره، فإنه يقتل إلا أن يسلم فلا يقتل، لأن الإسلام يجب ما قبله، وقيل يقتل وإن أسلم لأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة.
قوله: (وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل، أو سكر، أو تهور) أي بما تقدم ذكره أي وهو تأكيد في القتل إذ لا يعذر أحد بالكفر بالجهل أو السكر لأنه أدخله على نفسه، وكذلك لا يعذر بالتهور وهو الوقوع في الشيء بغير مبالات.
قوله: (وفي من قال: لا صلى الله على من صلى عليه جوابا لصل، أو قال: الأنبياء يتهمون، جوابا لتتهمني، أو جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ قولان) أي وفي قتل
_________________
(١) = يوسف، وابن بسطام، وابن الحداد، وعبد الرحمن الورقة، وغيرهم. وروى عنه: أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله تعالى، وابن ادريس، وعلي بن إسحاق، وجماعة. قال القاضي أبو الوليد الباجي: هو فقيه. قال الخراط: كان فقيه البدن، يميل الى الحجة، عالما بكتبه، حسن الأخلاق، بارا سمحا. وكان مولاه أحمد يقول: الذي خسرته في ابني، ربحته في حبيب. وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وهو ابن نيف وثلاثين سنة، رحمه الله تعالى. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٤٦، ٤٧.
(٢) الشفا للقاضي عياض: ص: ٥٤٣.
(٣) الحديث أخرجه النسائي في سننه (٤٩) كتاب آداب القضاة (٢٨) شفاعة الحاكم للخصوم قبل فصل الحكم. الحديث: ٥٤١٧.
(٤) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ٣٠٣.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
من قال: لا صلى الله على من صلى عليه جوابا لمن قال له: صل على النبي ﷺ وعدم قتله قولان.
ومن قال: يقتل لأنه شتم الملائكة الذين يصلون عليه، ومن قال: لا يقتل، لأنه شتم الناس الذين يصلون عليه لقرينة الغضب، أما لو قال: لا ﷺ لم يختلف في قتله، وكذلك من قال: الأنبياء يتهمون جوابا لمن قال: تتهمني ففي قتله قولان، ومن قال: يقتل لشناعة لفظه، ومن قال: لا يقتل لاحتمال أن يكون خبرا عمن اتهمهم من الكفار، وكذلك من قال: جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ في قتله وعدم قتله قولان، والقتل أظهر من عدمه.
قوله: (واستتيب في هزم، أو أعلن بتكذيبه، أو تنبأ، إلا أن يسر على الأظهر) من قال أن النبي ﷺ هزم في الحروب فإنه يستتاب، فإن تاب فلا كلام وإلا قتل، لأنه نقص، إذ لا يجوز عليه ذلك في خاصته إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته، وكذلك من أعلن بتكذيبه ﷺ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ظاهره كذبه في الرسالة أو صدقه فيها وكذبه في غيرها، وفرق البساطي فقال: إن كذبه في الرسالة لا يستتاب، وأما إن لم يعلن التكذيب بل ظهر عليه، فإنه يقتل بلا استتابة كالزنديق، وكذلك من ادعى النبوة فإنه يقتل بعد الإستتابة إلا أن يسر ذلك فلا يستتاب على ما ظهر عند ابن رشد.
قوله: (وأدب اجتهادا) (في: أد واشك للنبي، أو لو سبني ملك لسببته، أو يا ابن ألف كلب، أو خنزير، أو عير بالفقر فقال: تعيرني به والنبي قد رعى الغنم، أو قال لغضبان: كأنه وجه منكر، أو مالك، أو استشهد ببعض جائز عليه في الدنيا حجة له، أو لغيره) أي وأدب القائل إذا ما طلبتك وأشك للنبي ﷺ نزل هذا في عشار طلب من شخص شيئا يأخذه منه فقال له أشكوك للنبي فقال له العشار أدي واشك للنبي، فإنه يؤدب اجتهادا من الإمام، وكذلك يؤدب بالإجتهاد من قال: لو سبني ملك أو نبي لشتمته لقبح مقالته، وكذلك يؤدب من قال لآخر: يابن ألف كلب وألف خنزير أو قرد باجتهاد من الإمام فلا يقتل لأنا لسنا على تحقيق أن الناس كلهم أولاد نوح وأما إن علم أنه قصد الأنبياء فإنه يقتل.
وقد رأيت لأبي موسى بن مناس (^١) ﷺ في من قال لرجل: لعنك الله إلى آدم،
_________________
(١) أبو موسى بن مناس ﵀ من كبراء فقهاء إفريقية ونبهائها، والمقدمين بها، وله كلام كثير،
[ ٣ / ٤٦٩ ]
أنه إن ثبت ذلك قتل.
قلت: نقل لي بعض أصحابنا عن شيخنا الإمام أنه وفق فيه، لأن إلى غاية الأصل عدم دخول ما بعدها فيما قبلها. انتهى من البرزلي (^١).
وكذلك يؤدب بالاجتهاد من عير بالفقر فقال: تعيرني بالفقر والنبي قد رعى الغنم فإنه يؤدب لأنه عرض بذكر محمد في غير موضعه. التعيير والتوبيخ والتتريب بمعنى قال تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢] وكذلك إن قال لغضبان أو قبيح الوجه كأنه وجه منكر، أحد الملكين يأتيان القبر أو وجه مالك خازن النار، فإنه يؤدب لذكره الملائكة ولشنيعة لفظه، وكذلك يؤدب من استشهد أي طلب الشهادة لبعض جائز في حق النبي ﷺ في الدنيا ذكر ذلك حجة له أو لغيره كما إذا قال إن أحببت النساء فقد أحبهن النبي ﷺ، أو إن لم أعرف أن التذكير ثمرة النخل وتركه مضر به، فإنه ﷺ لم يعرفه وذكر هذا على وجه الترفع لنفسه.
قوله: (أو شبه لنقص لحقه لا على التأسي، كإن كذبت فقد كذبوا، أو لعن العرب، أو بني هاشم، وقال: أردت الظالمين) أي وكذلك يؤدب إذا أشبه نفسه بالنبي عليه اسلام لأجل نقص لحقه لا أن شبهه على الاقتداء، كقوله: إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو كيف أسلم من ألسنة الناس فلم تسلم منهم الأنبياء، وكذلك يؤدب من لعن العرب أو بني هاشم، وهذا أحرى، وكذلك من لعن بني إسرائيل أو بني آدم وإن قال: أردت الظالمين من العرب أو بني إسرائيل فلا يسقط ذلك عنه التأديب، والعرب هم ولد عدنان وقحطان، وولد غيرهما ليس من العرب.
قوله: (وشدد عليه في كل صاحب فندق قرنان، ولو كان نبيا. وفي قبيح لأحد ذريته ﵊ مع العلم به) أي وشدد النكال على القائل كل صاحب فندق قرنان وإن كان نبيا لأن قوله عام والقرنان زوج الزانية، وكذلك يشدد بالعقوبة على من قال قولا قبيحا لأحد من ذريته ﷺ إذا علم أنه من ذريته.
غفل الشارح هنا
قوله: (كأن انتسب له) أي كما يؤدب إذا نسب نفسه للنبي ﷺ بلا بينة تثبت
_________________
(١) = وتفسير لمسائل المدونة مسطرة، وقد سمع من البوني. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٢٢٩.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ٣٠٦.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
ذلك، روى أبو مصعب عن مالك: من انتسب إلى آل النبي ﷺ يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق الرسول ﷺ.
قوله: (أو احتمل قوله) أي وكذلك يؤدب إذا احتمل قوله أنخ: سب ويحتمل غيره، فلا يقتل بل يشدد عليه بالضرب الوجيع والسجن والقيود.
قوله: (أو شهد عليه عدل، أو لفيف فعاق عن القتل) أي وكذلك يؤدب إذا شهد عليه عدل لما يوجب قتله من السب فعاق القتل أي امتنع لعدم كمال النصاب في الشهادة، وكذلك إذا شهد عليه اللفيف من الناس وتعذرت التزكية فعاق القتل لعدم التزكية فإنه يشدد عليه في الأدب بالضرب الوجيع.
وقوله: فعاق القتل راجع على المسائل الثلاث إذا احتمل قوله: السب أو شهد عليه عدل أو لفيف. انتهى.
قوله: (أو سب من لم يجمع على نبوته) أي ويؤدب من سب من لم يجمع على نبوته كالخضر ﵇، وذي القرنين وإسحاق ومريم وأم موسى وخالد بن شنان أو سب من لم يجمع علي أنه ملك كهاروت وماروت، فإنه يشدد عليه في الأدب.
قوله: (أو صحابيا) أي وكذلك يؤدب من سب أحد أصحاب رسول الله ﷺ. ظاهره وإن كان الصحابي عائشة زوج النبي ﷺ. وقال بعضهم: من سب عائشة ﵂ قتل لأن براءتها نزلت في الكتاب العزيز.
سأل أحمد بن القاضي النعمان أبا سعيد خلف ابن أخي هشام فقال: لم تقولون أن من قذف عائشة يقتل، وإنما قال الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٤] إلى قوله: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] وجلد رسول الله ﷺ أهل الإفك ثمانين فلم تأخذوا بالقرآن ولا بما فعل النبي ﷺ فقال أبو سعيد: قال الله تعالى: ﴿أولئك مبرءون مما يقولون﴾ [النور آية ٢٦] وقال: ﴿والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ [النور: ٢٦] فجلد من قذفها قبل البراءة بالقرآن وبعد البراءة من قذفها فقد رد القرآن ومن رد حرفا من القرآن فقد وجب قتله بإجماع. انتهى من معالم الايمان في مناقب صلحاء القيروان (^١).
_________________
(١) هو كتاب معالم الإيمان وروضات الرضوان في مناقب المشهورين من صلحاء القيروان. تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن علي الأنصاري الاسيدي، من ولد أسيد بن حضير، أبو زيد، المعروف بالدباغ مؤرخ، باحث فقيه من أهل القيروان كان مولده سنة: ٦٠٥ هـ ومات سنة: ٦٩٩ هـ الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ٣٢٩. ولم أتمكن من الحصول على نسخة منه بعد.
[ ٣ / ٤٧١ ]
قوله: (وسب الله كذلك) أي كما تقدم في سب الأنبياء وقوله: كذلك يحتمل أنه يقتل، الفرق بين من تعرض له سبحانه أو لأنبيائه ﵈، لأنهم من جنس البشر فيلحقهم الأذى بما ينسب إليهم وهم معصومون وهو سبحانه منزه عن جميع المخلوقين مستغنيا عنهم بذاته وصفاته فلا يلحقه أذى منهم بوجه.
قوله: (وفي استتابة المسلم خلاف، كمن قال لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه) أي فإن سب المسلم الله ففي قتله وأدبه قولان فإن قلنا يقتل فهل يقتل بلا استتابة أو بعد الاستتابة وإن تاب ترك قولان، وكذلك الخلاف في قتل من قال لقيت من مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه لأنه نسب الجور إلى الله، وقيل لا يقتل بل يؤدب أدبا شديدا ونزلت في هارون ابن حبيب أخي عبد الملك الفقيه وكان ضيق الصدر كثير التبرم، وكان قد شهد عليه بشهادات أنه قد قال عند استلاله من مرض لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا، فأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد (^١) بقتله وأن مضمن قوله تجوير الله تعالى وتظلم منه والتعريض فيه كالتصريح، وأفتى أخوه عبد الملك بن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم (^٢)، وسعيد بن سليمان القاضي (^٣) بطرح القتل عنه إلا أن القاضي رأى
_________________
(١) إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل يكنى أبا إسحاق كان خيرا فقيها يكنى أبا إسحاق عالما بالتفسير - له رحلة لقي فيها علي بن معبد وعبد الملك هشام ومطرف بن عبد الله ولقي سحنونا وروى عنه. مذكور في المالكية عالم بالفقه بصير بطرق الحجة كان يناظر يحيى بن مزين ويحيى بن يحيى كان صلبا في حكمه عدلا وله تأليف في تفسير القرآن. وكان يذهب إلى النظر وترك التقليد وحكى إبراهيم عن مطرف بن عبد الله ليس في الكرسنة زكاة لأنها علف. وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين في رمضان. الديباج لابن فرحون:
(٢) ثقفي قرطبي لقي أبا إسحاق. سمع من أبيه، وغيره. ورحل فسمع بالمشرق من جماعة. قال ابن أبي دليم وكان من أهل الفقه. وتوفي في رجب سنة ست وخمسين ومائتين. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٤٥٠. ٤٥١.
(٣) ٤٧٧ سعيد بن سليمان بن حشيب بن المعلى بن إدريس بن محمد بن يوسف الغافقي البلوطي من أهل قرطبة يكنى أبا خالد استقصاه الأمير عبد الرحمن ابن الحكم مرتين قال خالد عن الأعناقي عن ابن وضاح قال ولي القضاء أربعة فاتصل العدل بهم في الآفاق دحيم بن اليتيم بالشام والحارث بن مسكين بمصر وسحنون ابن سعيد بالقيروان وأبو خالد سعيد بن سليمان البلوطي بقرطبة. تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس للحافظ أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يونس الأزدي سنة الولادة/ سنة الوفاة ٤٠٣ هـ. تحقيق: عزت العطار الحسيني. ج ١، ص: ١٩٣. الناشر مطبعة المدني سنة النشر ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م مكان النشر القاهرة.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
عليه التثقيل في الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه إلى التشكي. انتهى من الشفا (^١).
وأفتى أبو عمران في رجل قال: لو شهد على أبو بكر الصديق إن كان في مثل ما لا يجوز فيه الشاهد الواحد فلا شيء عليه وإن أراد غير هذا يضرب ضربا يبلغ به حد الموت وذكروها رواية والله أعلم ولهذا تأدب سحنون في قوله: لو شهد عمر ابن عبد العزيز ﵀ في هلال رمضان وحده ما صمت ولا أفطرت. انتهى من البرزلي (^٢).
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٥٧٩/ ٥٨٠.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ٣٣٨.
[ ٣ / ٤٧٣ ]