قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الشركة.
الشركة في اللغة الاختلاط والامتزاج، والأصل في الشركة قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ [الكهف: ١٩] وقوله ﵇: «حفظ الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه» (^١) أو كما قال.
قوله: (الشركة إذن في التصرف لهما مع أنفسهما) الشركة بكسر الشين وفتحها وضمها، بهذا عرفها ابن الحاجب.
قال ابن عرفة: وقد قبلوه ويبطل طرده بقول من ملك شيئا لغيره: أذنت لك في التصرف فيه معي؛ وقول الآخر له مثل ذلك، وليس بشركة؛ لأنه لو هلك ملك أحدهما لم يضمنه الآخر، وهو لازم الشركة ونفي اللازم ينفي الملزوم ويبطل عكسه بخروج شركة الجبر كالورثة وشركة المتبايعين شيئا بينهم وقد ذكرهما إذ لا إذن في التصرف لهما. انتهى من ابن غازي (^٢).
قوله: (وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل) أي إنما تصح الشركة، إذا كان صدورها ممن يكون وكيلا، وممن يقبل الوكالة.
التوكيل مصدر وكل أي وكل توكيلا، والتوكل مصدر، وكل أي وكلته فتوكل أي قبل الوكالة.
أركان الشركة ثلاثة:
العاقدان ولا يشترط فيهما إلا أهلية التوكيل والتوكل. فإن كل واحد منهما متصرف لنفسه ولصاحبه بإذنه.
الثاني: الصيغة الدالة على الإذن في التصرف، أو ما يقوم مقامه في الدلالة على ذلك، ويكفي قولهما: اشتركنا، إذا كان يفهم المقصود منه عرفا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: (٢٣). البيوع. (٢٧). باب في الشركة. الحديث: ٣٣٨٥. ولفظه عند أبي داود: «إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما» كما أخرجه الحاكم في المستدر: كتاب البيوع. الحديث: ٢٣٢٢.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٧٤.
[ ٣ / ١٠٠ ]
الثالث: المحل: وهو المال أو الأعمال. انتهى من ابن شاس (^١).
قوله: (ولزمت بما يدل عرفا) أي ولزمت الشركة بما يدل عرفا عليها، قولا أو فعلا، ثم مثل بالقول بقوله: (كاشتركنا) وبعض النسخ كاشركنا والمعنى واحد.
قوله: (بذهبين أو ورقين اتفق صرفهما) أي وتجوز الشركة بذهبين أو ورقين بشرط أن يتفق صرفهما، أو يزيدية ومحمدية وإن لم يتفق صرفهما فلا يجوز، لو أخرج هذا ذهبا، وهذا ورقا لم يجز على المشهور، لأنه صرف وشركة، فلا يجوز وإن اتفق الوزن.
قوله: (وبهما منهما، وبعين، وبعرض، وبعرضين مطلقا، وكل بالقيمة يوم أحضر) أي وتصح الشركة بالذهب والورق من كل من الشركين، وكذلك تصح بعين في جهة، وعرض في جهة، وكذلك تصح بعرضين مطلقا اتفقا صفة ونوعا أم لا، وكل من العرضين رأس مال صاحبه قيمته يوم أحضر للشركة، وإن بيع بعد ذلك بأقل أو كثر، إذ المعتبر قيمته يوم أحضر للشركة، لا يوم فوته بالبيع كما قال: (لافات).
قوله: (إن صحت) أي وإنما يكون رأس مال كل من الشريكين قيمة سلعته يوم أحضر، إذا كانت الشركة وقعت صحيحة، وأما إن وقعت فاسدة، فرأس مال كل منهما ما بيعت به سلعته، كما إذا وقعت بتفاضل الربح والعمل إن عرف، وإن لم يعرف ذلك فقيمته يوم الفوات.
قوله: (إن خلطا ولو حكما) أي ولزمت الشركة لزوما يقتضي ضمان كل من الشريكين ما ضاع من مال صحابه، إن خلطا المالين، سواء كان الخلط حكما، كما إذا كان المالين بيد أحدهما، أو الخلط حسا كاختلاط المالين بعضه بعضا.
قوله: (وإلا فالتالف من ربه، وما ابتيع بغيره فبينهما) أي وإن لم يختلط المالين، فضمان التالف من ربه، وأما ما ابتيع بغير التالف فبين الشريكين، عليهما ثمنه إن لم يدفعاه بعد.
قوله: (وعلى المثلف نصف الثمن) هذا مستغنى عنه، لأنه لما قال بينهما، علمنا أن عليه نصف ثمنه سماه متلفا، وإن لم يكن أتلفه، أطلق المتلف على الذي تلف ماله، سواء كان التلف بسببه أو بغير سببه.
قوله: (وهل إلا أن يعلم بالتلف فله وعليه، أو مطلقا) أي وهل ما ذكر من الاشتراك
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٢٠.
[ ٣ / ١٠١ ]
فيما ابتيع بغير التالف بينهما مطلقا، علم الذي لم يتلف ماله أم لا، أو مشتركة بينهما، إلا أن يعلم بتلف مال صاحبه، فيكون له الربح وحده، وعليه الخسر فيه تردد.
قوله: (إلا أن يدعي الأخذ له؟ تردد) أي فيكون له ربحه وحده وعليه خسره بلا خلاف.
قوله: (ولو غاب نقد أحدهما إن لم يبعد ولم يتجر لحضوره) أي ولزمت الشركة ولو غاب أحد المالين بشرطين أن لا يبعد الغائب منهما جدا، وأن لا يتجر بالمال الحاضر إلا بعد حضور المال الغائب.
قوله: (لا بذهب وبورق) أي لا تصح الشركة بذهب في جهة، وبورق في جهة، وكذلك لا تجوز الشركة (وبطعامين، ولو اتفقا) صفة، لأنه بيع الطعام قبل قبضه، لأن كل واحد باع نصف طعامه للآخر، بنصف طعامه مع أنه لم يزل عليه يده.
قال ابن القاسم: ولم يزل مالك منذ لقيمته يمنعه، ولا أعرف لمنعه وجها.
أشار المصنف بلو إلى أن ابن القاسم أجازها بطعامين إذا اتفقا صفة.
قوله: (ثم إن أطلقا التصرف - وإن بنوع - فمفاوضة ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء) أي فإن أطلق الشريكان التصرف، وإن كان الإطلاق في نوع دون غيره، فجعل كل واحد منهما لصاحبه أن يتصرف في الغيبة والحضور في البيع والكراء، فذلك شركة مفاوضة، ولا يفسد هذه المفاوضة انفراد أحد الشريكين بمال غير مال المفاوضة يعمل فيه لنفسه، ولا يكونان شريكين، إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما.
قوله: (وله أن يتبرع إن استألف به أو خف، كإعارة آلة ودفع كسرة، ويبضع، ويقارض ويودع لعدر، وإلا ضمن، ويشارك في معين، ويقيل، ويولي، ويقبل المعيب وإن أبى الآخر، ويقر بدين لمن لا يتهم عليه. ويبيع بالدين) أي وللشريك أن يتبرع على أجنبي بهبة، أو إسقاط دين، أو تأخيره به، بشرط أن يستألف بذلك، وأما إن تبرع بغير استيلاف ضمن، إلا أن يغلب على ظنه أن شريكه لا يكره ذلك، وكذلك إن كان ذلك التبرع خفيفا، فإن ذلك له وإن لم يستألف به، وذلك كإعارة آلة، كالدلو، والرشا، والقدر، والقصعة، وكل ما جرت العادة به كدفع كسرة والكسرة في اللغة قطعة من كل ما يكسر، وكذلك للشريك أن يدفع قراضا، وأن يضع لأجل التنمية، وله أن يودع لأجل عذر كعورة منزله، أو لخوف اللصوص، فأودع المال لمن له جاه، أو لمن يهرب به
[ ٣ / ١٠٢ ]
فلا يضمن، وأما إن أودع بغير عذر فإنه يضمن، وكذلك للشريك أن يشارك بمال الشركة في شيء معين، ويقيل لمصلحة ويولي ما اشتراه، إذا أراه مصلحة، ويقبل المعيب وإن أبى شريكه، وله أن يقر بدين لمن لا يتهم عليه، ولا يجوز لمن يتهم عليه، وله أن يبيع بالدين، لأنه قد يكون فيه التنمية.
قوله: (لا الشراء به) أي ليس لأحد الشريكين أن يشتري بالدين، إذ لا يجوز له أن يعمر ذمة شريكه إلا بإذنه.
قوله: (ككتابة. وعثق على مال) تشبيه أي كما ليس لأحدهما أن يكاتب عبدا من عبيد الشركة بلا إذن من شريكه، لأن الكتابة من باب العتق، ولذلك ليس له أن يعتق العبد على مال يتعجله، لأن له أن ينتزع المال ويبقى عبدا، وهذا إذا كان المال من العبد، وأما إن أعتقه على مال من أجنبي فإنه يجوز.
قوله: (وإن إذن لعبد في تجارة) أي وليس لأحد الشريكين بلا إذن أن يأذن لعبد من عبيد الشركة في تجارة، لأن ذلك يؤدي إلى عيب العبد.
قوله: (أو مفاوضة) أي وليس لأحدهما أن يشارك في مال الشركة شركة مفاوضة.
قوله: (واستبد آخذ قراض، ومستعير دابة بلا إذن، وإن للشركة) لما فرغ تعلله مما يجوز لأحد الشركاء، وما لا يجوز له أن يفعله في مال الشركة. شرع فيما يستبد به أحدهما فقال: واستبد آخذ قراض أي وينفرد من أخذ قراضا من الشريكين بالربح والخسر، إذا أخذ ذلك بغير إذن شريكه (^١)، وأما إن أذن له في أخذه، فلا يستبد، وكذلك يستبد أحد الشركاء بالربح والخسر، إذا استعار دابة وإن لأجل مال الشركة، إذا استعارها بلا إذن صاحبه، فإن قلت: كيف يتصور الخسر في الدابة المستعارة، وهي ما لا يغاب عليها.
قلت: يضمن سرجها ولجامها، لأنه مما يغاب عليه، وأما إن تعدى عليها، فذلك ضمان تعد.
قوله: (ومتجر بوديعة بالربح والخسر، إلا أن يعلم شريكه بتعديه في الوديعة) أي ومن اتجر بوديعة عنده من أحد الشريكين، فإنه يستبد بالربح فيها والخسر إن كان، إلا أن يعلم شريكه بتعديه فيها، ويرضى، فإنه لا يستبد بالربح والخسر، بل لهما وعليهما.
_________________
(١) ن: صاحبه.
[ ٣ / ١٠٣ ]
قوله: (وكل وكيل، فيرد على حاضر لم يتول: كالغائب إن بعدت غيبته، وإلا انتظر) أي وكل واحد من الشركاء وكيل للآخر، وإن لم يصرحا بالوكالة، فبسبب ذلك يرد المبيع المعيب على حاضر منهم وإن لم يتول البيع بنفسه، بل تولاه شريكه وغاب غيبة بعيدة كالعشرة وما قرب منها، وأما إن قربت غيبته كاليوم، واليومين، والثلاثة، فإنه ينتظر ما عنده، إذ لعل له حجة، وحد البعد عشرة، وما قرب منها فهو على حكمها، واليوم واليومان قريبة، وما قارب منها فهو على حكمها.
قوله: كالغائب تشبيه لما مضى في باب الخيار أي فيرد على حاضر، كما يرد على الغائب، وهو قوله في خيار النقيصة: ثم قضى إن أثبت عهدة مؤرخة وصحة الشراء.
قوله: (والربح والخسر بقدر المالين، وتفسد بشرط التفاوت. ولكل أجر عمله للآخر) أي والربح من مال الشركة والخسر فيه بقدر المالين، وكذلك العمل.
وتفسد الشركة بشرط التفاوت في الربح والخسر، فإن وقعت شركة فاسدة، فلكل من الشركين أجر عمله للآخر، إذا لم يطلع عليها حتى فاتت، وإلا فسخ العقد فيها.
قوله: أجر عمله، أطلق أجر العمل على حقيقته ومجازه، فحقيقة تحقيقه الأجرة التابعة للعمل، ومجازه الربح التابع للمال، ويتصور هذا، إذا تفاوت المالان، كما إذا كان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث، واستويا في العمل، فإن صاحب الثلثنين يرجع بسدس الربح، وصاحب الثلث يرجع بسدس أجر العمل.
قوله: (وله التبرع، والسلف، والهبة بعد العقد) والذي تقدم تبرع أحد الشريكين على أجنبي، وهذا تبرعه على شريكه أي وللشريك التبرع على شريكه بعد العقد، وأما عند العقد فلا يجوز.
قوله: (والقول لمدعي التلف والخسر) أي ومن ادعى من الشركاء تلف ما بيده من مال الشركة، أو خسارته، فإنه يصدق مع يمينه إن كان متهما، إلا أن يدعي في الخسر ما لا يمكن فلا يصدق.
قوله: (ولآخذ لائق له) أي ومن أخذ من الشريكين ما يليق به، وادعى أنه أخذه لنفسه، فإنه يصدق. وأطلق الشيخ هنا وقيده في توضيحه بالمأكول، والملبوس، والمشروب.
قوله: (ولمدعي النصف) أي وإذا اختلف الشريكان في المال المشترك، فالقول
[ ٣ / ١٠٤ ]
قول من ادعى النصف، لأن الإشتراك يقتضي التسوية.
قوله: (وحملا عليه) أي وحمل الاختلاف (في تنازعهما) على النصف، وهذا قول أشهب، بشرط أن يحلفا معا، وأما ابن القاسم قال في الموازية: قد سلم مدعي النصف لصاحبه نصفه، ومدعي الثلثان مثلا يسلم الثلث لصاحبه، ويقسمان السدس بينهما نصفين.
قوله: (وللاشتراك فيما بيد أحدهما، إلا لبينة على كإرثه، وإن قالت لا نعلم تقدمه لها) أي والقول قول من ادعى الإشتراك فيما في حوز شريكه، إن ثبتت المفاوضة بينهما، إلا أن تقوم بينة أن ما كان في يده، كان من إرثا، أو صدقة، أو هبة، أو وصية أو وصي بها عليه، فإنه ينفرد به حينئذ، وإن قالت البينة لا نعلم تقدم الإرث ونحوه عن المفاوضة، لأن الأصل بقاء الملك.
قوله: (إن شهد بالمفاوضة، ولو لم يشهد بالإقرار بها على الأصح) أي والقول قول من ادعى الإشتراك فيما بيد صاحبه، بشرط أن تشهد البينة بالمفاوضة، ولو لم تشهد البينة بالإقرار بالمفاوضة على القول الأصح، مقابله لا بد من الإشهاد بالمفاوضة.
قوله: (ولمقيم بينة بأخذ مائة أنها باقية، إن أشهد بها عند الأخذ، أو قصرت المدة) أي والقول قول من أقام ببينة على حي أو ميت، يأخذ مائة من المال المشرك أنها باقية على الأخذ، إن شهد بها عند الأخذ يعني على التوثق.
وقوله: إن شهد بها صوابه إن أشهد بها أي أشهده الأخذ بها شهادة توثق قصرت المدة أملا، وكذلك القول قوله إن ادعى أنها باقية عنده، إن أقر للشهود ولم يشهدهم بشرط قصور المدة.
قوله: (كدفع صداق عنه في أنه من المفاوضة، إلا أن يطول كسنة، وإلا ببينة على كإرثه، وإن قالت لا تعلم) أي كما أن القول قول الشريك، إذا ادعى أنه دفع الصداق من مال المفاوضة عن شريكه، إلا أن يطول بكسنة فلا يصدق، إلا أن تقوم بينة أن الدافع دفع ذلك من ماله من كارث، فإنه يأخذه، وإن قالت البينة: لا نعلم أكان الدفع قبل المفاوضة أو بعدها.
وقوله: إلا ببينة مستثنى من المستثنى.
قوله: (وإن أقر واحد بعد تفرق أو موت فهو شاهد في غير نصيبه) أي وإن أقر أحد الشركاء بدين، بعد تفرق المال، أو موت الشريك، فإنه شاهد في غير نصيبه، وأما في نصيبه هو فهو إقرار بذلك الدين.
[ ٣ / ١٠٥ ]
قوله: (وألغيت نفقتهما) أي فإذا أنفق الشريكان في المال المشترك ألغيت نفقتهما (وكسوتهما) إذا كان المال بينهما نصفين، وإلا حسبا.
قوله: (وإن ببلدين مختلفي السعر) أي وألغيت نفقتهما، وإن كان الشريكان في بلدين، وأحرى بلد واحد، ولو اختلف البلدان في السعر، وأحرى إن اتفقا.
قوله: (كعيالهما، إن تقاربا) أي كما تلغى نفقة عيالهما إن تقارب العيالان، وأحرى إن تساويا.
قوله: (وإلا حسبا) أي وإن لم يتقاربا في العيال حسبا، ومن له فضلة عن الآخر رد إليه. قوله: (كانفراد أحدهما به) أي كما يتحاسبان إذا انفرد أحدهما بالعيال.
قوله: (وإن اشترى جارية لنفسه فللآخر ردها) أي والجارية ليست بشرط أي وإن أشترى أحد الشريكين جارية أو غيرها لنفسه، فللشريك الآخر ردها لمال الشركة، إن لم يطأ الجارية.
قوله: (إلا للوطء) أي فإن اشترى الجارية للوطء (بإذنه)، فليس له ردها، لأنه أسلف شريكه نصف ثمن الجارية، فلمشتريها نماؤها وعليه نقصانها.
قوله: (وإن وطئ جارية للشركة بإذنه) أي وإن وطئ شريك جارية للشركة بإذن شريكه، قومت عليه، حملت أملا، لأنها أمة محللة.
قوله: (أو بغير إذنه وحملت قومت) أي وإن وطئ الشريك جارية من مال الشركة بغير إذن شريكه، والحال أنها حملت منه، قومت عليه، إذا كان مليا بقيمتها.
قوله: (وإلا فللآخر إبقاؤها أو مقاواتها) أي وإن وطئها بغير إذنه ولم تحمل، فللشريك الآخر إبقاؤها من مال الشركة، أو تقويمها. وفي بعض النسخ أو مقاواتها من القوة أي يزيد كل واحد على الآخر حتى يغلبه.
قوله: (وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان) أي وإن شرط كل واحد من الشريكين على الآخر أن لا يستبد بفعل فهي شركة عنان.
قوله: (وجاز لذي طير وذي طيرة أن يتفقا على الشركة في الفراخ) أي وجاز لذي طير ذكر، وذي طيرة أنثى، أن يتفقا على الشركة في الفراخ.
البرزلي: هذا إذا كان الذكر يربى كالحمام، لأنهما يتعاونان جميعا، وإلا لم يجز كالدجاج، فإن جاء رجل ببيض إلى رجل فقال: اجعله تحت دجاجتك، فما كان من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ في هذا لصاحب الدجاجة، وعليه لصاحب البيض مثله،
[ ٣ / ١٠٦ ]
وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال ازرعه في أرضك بيننا فإنما له مثله والزرع لرب الأرض. انتهى (^١).
قوله: (واشتر لي ولك، فوكالة) أي وإذا قال رجل لرجل اشتر هذه السلعة لي ولك، فذلك محض توكيل وليس بشركة، بل هو مقصور على هذا الشراء ولا يتعداه، (وجان) هذا الشراء، وإن قال له: اشتر لي ولك (وانقد عني) ما يخصني من الثمن (إن لم يقل) الأمر اشتر لي ولك، وانقد عني (وأبيعها لك)، وأما إن قال: وأبيعها لك فلا يجوز، لأنه سلف جر منفعة، أسلفه الثمن على أن يبيعها له.
قوله: (وليس له حبسها إلا أن يقول: واحبسها، فكالرهن) أي فليس للمشتري الذي نقد عن صاحبه حبس السلعة فيما يخص صاحبه من الثمن، إلا أن يقول له انقد عني واحبسها في الثمن، فيكون حكمها حينئذ حكم الرهن.
قوله: (وإن أسلف غير المشتري جاز، إلا لكبصيرة المشتري) أي وإن كان الأمر بالشراء هو الذي أسلف الثمن جاز، إلا أن يكون المشتري ذا بصيرة في البيع أي ذا عقل فلا يجوز حينئذ، لأنه سلف جر منفعة.
قوله: (وأجبر عليها، إن اشترى شيئا بسوقه) لما فرغ تعلله من شركة العنان، شرع في ذكر شركة الجبر، وهذه تسمى شركة الجبر، قضى بها عمر بن الخطاب ﵁، سواء كان ذلك الشيء طعاما أو غيره، خلافا لأشهب خصه بالطعام.
وقوله: (بسوقه) شرط أي في سوق ذلك الشيء لا غيره، سمي السوق سوقا، لأن الناس يسوقون سلعهم إليه، أو لأن الناس قياما فيه على سيقانهم، ويذكر السوق ويؤنث.
قوله: (لا لكسفر وقنية) أي لا يجبر على الشركة إن اشترى الشيء لأجل سفر، أو أكل ونحوه، أو قنية، ويصدق أنه اشتراه لذلك لا لتجارة مع يمينه، إلا أن يظهر كذبه فلا يصدق.
قوله: (وغيره حاضر لم يتكلم) أي وغير المشتري حاضر حين الشراء، وهو من تجار ذلك الشيء، ولم يتكلم بزيادة في الثمن، وإن تكلم بزيادة فلا يجبر له الآخر على الشركة، لأن كلا منهما أراد أن يشتريها لنفسه.
قوله: (من تجاره) أي إنما يجبر المشتري على الشركة للحاضر الساكت، إذا
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٣، ص: ٤٣٤. بتصرف.
[ ٣ / ١٠٧ ]
كان الحاضر من تجار ذلك الشيء المشترى، ولو تكلم الحاضر، فقال: أشركني فقال له: نعم، أو سكت، واشترى على ذلك الشيء، كما يجري في سوق ذلك، لكان شريكا من باب أحرى.
قوله: (وهل وفي الزقاق لا كبيته؟ قولان) أي وهل يجبر المشتري على الشركة للحاضر الساكت، إذا اشترى الشيء في الزقاق، كما يجبر المشتري في سوق ذلك الشيء، أو لا يجبر على الشركة، كما لا يجبر المشتري على الشركة، إذا اشترى السلعة ببيت البائع، إذا كان البائع ليس من عادته أن يبيع في داره، وأما إذا كان ذلك عادته، فإن المشتري يجبر على الشركة للحاضر الذي لم يتكلم بزيادة. وللمسألة طرفان وواسطة، يجبر إذا اشترى في السوق، ولا يجبر إذا اشترى في البيت، وفي الشراء في الزقاق قولان، هل ذلك كالسوق؟ فيجبر، أو كالبيت فلا يجبر.
قوله: (وجازت بالعمل إن اتحد، أو تلازم) لما فرغ تعلله من شركة الجبر، شرع في ذكر شركة الأبدان فقال: وجازت أي وجازت الشركة بعمل الأبدان بشرط أن يكون ذلك العمل متحدا، كالقصارين، أو الحدادين، أو الخياطين وغير ذلك، وكذلك تجوز الشركة إن لم يتحد العمل، ولكن تلازم العمل مع الآخر، كما إذا كان هذا يغزل، وهذا ينسج، وهذا يطحن، والآخر يدفع له القمح.
قوله: (وتساويا فيه، أو تقاربا، وحصل التعاون، وإن بمكانين) أي ومن شروط جواز الشركة بالعمل، أن يكون العمل بين الشريكين متساويا في العمل أو تقاربا فيه في السرعة والإبطاء والجودة والرداءة، لأن التساوي متعذر، أو متعسر، والشرط أيضا أن يحصل التعاون، وإن كان الشريكان في مكانين، وأحرى في مكان واحد.
قوله: (وفي جواز إخراج كل آلة) أي وفي جواز إخراج كل منهما آلة، أو لا بد من ملك يشتركان فيه، أو كراء فيه تأويلان.
قوله: (واستئجاره من الآخر، أو لا بد من ملك أو كراء؟ تأويلان) أي وفي جواز استئجار آلة من الآخر، أو لا بد من ملك يشتركان فيه أو كراء فيه تأويلان.
قوله: (كطبيبين اشتركا في الدواء) هذا مثال، الدواء مهموز مثلث الدال، وأما الدوى بالقصر فهو الأحمق.
قوله: (وصائدين في البازين. وهل وإن افترقا؟ رويت عليهما. وحافرين بكركاز، ومعدن، ولم يستحق وارثه بقيته، وأقطعه الإمام) أي ويجوز اشتراك الصائدين بالبازين أو كلبين، وهل يجوز هذا الاشتراك؟ وإن افترق البازان، أو لا يجوز إن افترقا فيه
[ ٣ / ١٠٨ ]
قولان، رويت عليهما المدونة. وكذلك يجوز للحافرين بكركاز، أو آبار، أو قبور، أو معدن أن يشتركا في الحفر، فإن مات أحدهما لم يستحق وارثه بقية العمل فيه، بل يقطعة الإمام لمن شاء.
قوله: (وقيد بما لم يبد) أي وقيد ما وقع في المدونة في هذا الفرع بما لم يبدأ، وأما إذا بدء ما كانا يحفرانه، فإن الوارث يستحقه.
قوله: (ولزمه ما يقبله صاحبه وضمانه وإن تفاصلا) أي ولزم أحد الشريكين عمل ما قبله الآخر أحب أم كره، ويلزمه ضمانه إن تلف وإن تفاصلا، لأن المعتبر في ذلك حين القبض.
قوله: (وألغي مرض كيومين وغيبتهما) أي وألغي مرض أحد الشريكين، يومين أو نحوهما، ولا يستبد شريكه بما عمل فيهما، وكذلك غيبته اليوم واليومان، ويؤخذ من هذا أن غيبة معلم الصبيان الجمعة أنها تلغى، ولا تحسب عليه في مدة الإجارة.
قوله: (لا إن كثر) أي فإن كان المرض أو الغيبة أكثر من كيومين، فإنها لا تلغى بل يستبد الشريك بما عمل فيها.
قوله: (وفسدت باشتراطه ككثير الآلة، وهل يلغى اليومان كالصحيحة؟ تردد) أي وفسدت الشركة باشتراط إلغاء أكثر من كاليومين كما يفسد اشتراط كثير الآلة، فإن وقعت الشركة فاسدة، فهل يلغى فيها اليومان؟ كما يلغيان في الشركة الصحيحة، أولا يلغيان فيه تردد. قوله: (وباشتراكهما بالذمم أن يشتريا بلا مال) لما فرغ الله من شركة الأبدان شرع في بيان حكم شركة الذمم أي وفسدت الشركة بالذمم، لأنه من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وشركة الذمم هي أن يشتركا بلا مال، وهي شركة الوجوه.
قوله: (وهو بينهما) أي فإن وقع ونزل أنهما اشتريا بلا مال، فالمشترى بينهما.
قوله: (وكبيع وجيه مال خامل بجزء من ربحه) أي فلا يجوز بيع من له جاه عند الناس مال خامل خفي الذكر بجزء من ربحه، لأن قدر الربح مجهول، ولأن فيه تدليسا على الناس، إذ الناس لا يرغبون في سلع الخامل، والخمول نعمة وكل الناس يأباه، والظهور نقمة وكل الناس يتمناه.
فالخمول نعمة من الله، يقول الله ﵎ لعبده المؤمن في إعداد النعم:
[ ٣ / ١٠٩ ]
(ألم أخمل ذكرك) (^١). انتهى.
(ورب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره) (^٢).
قوله: (وكذي رحى وذي بيت، وذي دابة ليعملوا، إن لم يتساو الكراء) أي ولا يجوز لصاحب رحى، ولصاحب بيت، ولصاحب دابة، أن يشتركوا ليعملوا كلهم، إن لم يتساوا كراء الرحى، وكراء البيت، وكراء الدابة، وأما إن تساوا فلا بأس.
قوله: (وتساووا في الغلة، وترادوا الأكرية، وإن اشترط عمل رب الدابة فالغلة له، وعليه كراؤهما) أي فإن وقعت هذه الشركة الفاسدة متفاوة الكراء، فإن الغلة بينهما على السواء، لأنه حصل بعملهم ويترادوا فضل الأكرية، كما إذا كان كراء الرحى ثلاثة والبيت اثنان والدابة واحد، فإن صاحب البيت لا يرد شيئا، ولا يرد إليه شيء، وأما صاحب الدابة يرد واحدا لصاحب البيت.
قوله: وإن اشترط عمل رب الدابة والفرع الذي تقدم عملوا كلهم، وهذا إنما عمل رب الدابة وحده، فإن الغلة له وحده، لأنه حصل بعمله، وعليه كراء الرحى والبيت.
قوله: (وقضي على شريك فيما لا ينقسم أن يعمر أو يبيع) أي وقضي على شريك لشريكه فيما لا ينقسم أن يعمر أي ويصلح نصيبه أو يبيعه لمن يصلح، إذ لا ضرر ولا ضرار، فإن أبى أن يعمر أو يبيع باع عليه الحاكم، هل يبيع جميعه؟ ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم، وهو ظاهر لتقليل الشركاء.
ابن الحاجب إنما يبيع قدر ما يعمر به (^٣)، وهو ظاهر، لأنه قدر ما احتيج إليه، ولو انقسم ذلك لقسم بينهما.
قوله: (كذي سفل إن وهي) أي كما يقضى على ذي سفل، لصاحب علو، إن وهي السفل أي ضعف أن يصلح ويعمر، أو يبيع لمن يصلح ويعمر.
قوله: (وعليه التعليق والسقف، وكنس مرحاض) أي وعلى صاحبه السفل التعليق. والتعليق هو التدعيم، وهو ما يمسك به الأعلى حتى ينقض الأسفل، ويصلح،
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ج ٣، ص: ٥٤٢.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه: (٤٧). كتاب المناقب. (٥٥). باب مناقب البراء بن مالك. الحديث: ٣٨٥٤. ولفظه عند الترمذي: «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك».
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٣٩٥.
[ ٣ / ١١٠ ]
وكذلك عليه السقف أي خشب السقف، وعليه كنس مرحاض لأنه له، وإنما لصاحب العلو فيه الانتفاع فقط.
قوله: (لا سلم) أي ليس على صاحب السفل سلم للأعلى.
قوله: (وبعدم زيادة العلو، إلا الخفيف) أي وقضي على صاحب السفل بعدم زيادة العلو لأن ذلك يضر بجدران السفل إلا أن تكون الزيادة خفيفة لا تضر فلا تمنع.
قوله: (وبالسقف للأسفل) أي وقضي بالسقف لصاحب الأسفل إذا تنازعا فيه، لأن الله تعالى أضاف السقف إلى البيوت وقال تعالى: ﴿لبيوتهم سقفا من فضة﴾ [الزخرف: ٣٣] الآية.
قوله: (وبالدابة للراكب، لا متعلق بلجام) أي وإذا تنازع الراكب والمتعلق باللجام في الدابة، قضى بها للراكب، لأن حوزه أقوى من حوز المتعلق باللجام، وكذلك يقضى في الدابة للمتقدم في الراكبين.
قوله: (وإن أقام أحدهم رحا إذ أبيا، فالغلة لهم، ويستوفي منها ما أنفق) أي وإن أصلح أحد الشركاء رحى بينهم، إذا أبوا أن يصلحوه، فيما حصل من اللغلة لهم، ولكن يستوفي من الغلة ما أنفق على إصلاحه، فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم، وإن نقص فلا يرجع عليهم.
قوله: (وبالإذن في دخول جاره لإصلاح جدار ونحوه) أي وقضى على الجار لجاره في دخوله لإصلاح جداره ونحو ذلك، كما إذا أراد أن ينظر لجداره، أو ألقت الريح ثوبه في الدار، أو دخلتها دابته، قضي على الجار بدخول جاره لذلك، ارتكابا لأخف الضررين.
قوله: (وبقسمته إن طلبت لا بطوله عرضا) أي وقضى بقسمة الجدار إن طلبت القسمة عرضا، لا إن طلبت قسمته طولا، وقيل يقسم طولا، كما إذا كان غلظه ذراعا مثلا، فقسم طولا، كل من الشريكين صار له شيء من الجدار.
قوله: (وبإعادة الساتر لغيره، إن هدمه ضررا لا لإصلاح، أو هدم) أي وقضى على الجار بإعادة الساتر لجاره، إن هدمه لأجل الضرر على الجار، وأما إن هدمه لأجل إصلاحه ثم عجز عنه، أو انهدم الساتر بنفسه، فلا إعادة عليه، ويقال للجار، إن شئت استر على نفسك، أو اترك.
قوله: (وبهدم بناء بطريق، ولو لم يضر) أي وقضي بهدم بناء أي بسقوط بناء في الطريق، ولو لم يضر بالمار، ظاهره ولو كان لتوسيع مسجد، وأما إن أضر بالمارين
[ ٣ / ١١١ ]
فلا خلاف في هدمه وزواله حتى لا يبقى له رسم، وغلته مردودة، وتصرف للفقراء لا تحل للمغتل، ولا تمنع الحيازة على العامة، ومن ليس له ملك معلوم، والطريق كالمساجد من جلس فهو أحق، ومن قام سقط حقه. صح. برزلي.
وروى ابن وهب أن النبي ﷺ قال: «من اقتطع من طريق المسلمين وأبنيتهم شبرا من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين» (^١) وقيل إن لم يضر فلا بأس.
قوله: (وبجلوس باعة بأفنية الدور للبيع، إن خف) أي وقضى بجلوس باعة، وهو جمع بائع بجلوس في أفنية الدور للبيع، إن خف الجلوس ولم يضر بالمارين، وأما إن كان الجلوس غير خفيف، أو يضر بالمارين، فليس لهم ذلك.
وقضى عمر بن الخطاب ﵁ بالأفنية لأرباب الدور.
قال ابن حبيب: وتفسير هذا يعني بالانتفاع للمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة في الأفنية، وليس بأن تحاز بالبنيان والتحظير. ويجوز إخراج العساكر والرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طرق المسلمين. انتهى من ابن شاس (^٢).
قوله: (وللسابق) أي وقضي للسابق في الجلوس بالموضع في الأفنية والطرق والاسواق، فإن قام منه ونيته العود إليه، فهل يكون أحق به أم لا قولان.
قوله: (كمسجد) ونحوه فإن قام ليرجع إليه فهل يقضى له به؟ أملا قولان.
قوله: (وبسد كوة فتحت أريد سد خلفها) أي وقضى بسد كوة فتحت أراد الجار سد خلفها، قضى بسدها سدا لا يبقي لها أثرا، مخافة أن يطول الزمان، وتشهد الشهود على الكوة، بل يسد ظاهرها. غفل الشارح هنا ﵀.
فإذا أحدث على جاره بابا أو كوة، وثبت ضرر ذلك، فإن الباب يغلق غلقا حصينا، ويقلع منه العتبة لئلا يكون حجة عند تقادم الزمان، وكذلك ذكروا في الكوة إذا سدت، يقلع منها العتبة العليا، لئلا يكون حجة، وتغير عضادة الباب حتى لا يشك فيه أنه باب، وأما الكوة للضوء والروح فلا تمنع، ولتكن حيث لا يصلها
_________________
(١) الحديث بهذا المعنى أخرجه البخاري في صحيحه: (٦٣) كتاب بدء الخلق. (٢). باب ما جاء في سبع أرضين. ومسلم في صحيحه (٢٢) كتاب المساقاة (٣٠) باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها. الحديث: ١٣٧. (١٦١٠)
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٠٥.
[ ٣ / ١١٢ ]
المتطلع، والكوة بفتح الكاف وضمها، وقيل: الكوة بضم الكاف غير النافذة، وبفتحها هي النافذة.
قوله: (وبمنع دخان: كعمام، ورائحة كدباغ) أي وقضى بمنع دخان على جاره كدخان حمام أو فرن أو تنور وكذلك رائحة دباغ وكل ماله ريحة كريهة.
قوله: (وأندر قبل بيت، ومضر بجدار، واصطبل، أو حانوت قبالة باب) أي وقضى على جار بمنع إقامة أندر وهو الجرين قبل بيت جاره، لأن التبن يضره. وكذلك يقضى بمنع كل مضر بجدار، وكذلك يقضى بمنع إحداث إصطبل عند بيت جاره، لما فيه من الضرر ببول الدواب وزبلها ببيت جاره، وحركتها في الليل والنهار المانعة من النوم. والإطصبل: مربط الدواب، وكذلك المطاحن، وكير الحداد، وكذلك يقضى بمنع إحداث حانوت فيه قبالة باب جاره.
قوله: (وبقطع ما أضر من شجرة بجدار، إن تجددت، وإلا فقولان) أي ويقضى بقطع ما أضر من شجرة بجدار، بشرط إن تجددت الشجرة عن الجدار، وإن كانت الشجرة أقدم من الجدار، إلا أنها حدثت لها أغصان بعد بناء الجدار وأضرت به، هل تقطع؟ وهو قول مطرف وأصبغ أو لا تقطع؟ وهو قول عبد الملك، ووجوه الضرر كثيرة وعند النزول يعرف وينهى المضر عن المضر لجاره، فإن لم يكف عن الضرر بيعت داره عليه، وقيل: لا تباع لعله يتوب أو يموت.
قوله: (لا مانع ضوء وشمس، وريح، إلا لأندر) أي لا يقضى بمنع مانع ضوء، ولا مانع شمس، ولا مانع ريح، إلا أن يكون ذلك مضرا بأندر جاره.
قال في إكمال الإكمال: قلت: ومثله سريان عروقها في أرض الغير، فإنها تقطع منها تلك العروق كما تقطع الأفراع المنتشرة على حائط الغير فإنه يقضى بمنعه. والأندر بالدال مهملة الجرين لتيبيس الزرع. وقوله: لا مانع ضوء، ظاهره ولو قصد ذلك.
قوله: (وعلو بناء، وصوت ككمد) أي ولا يقضى بمنع علو بناء على الإجارة، قال في آخر كتاب القسم من المدونة: ومن رفع بنيانه فجاوز به بنان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه ويمنع من الضرر. انتهى (^١).
وكذلك لا يقضى بمنع صوت ككمد، والكمد الدق للثياب بعد الغسل، وأحرى
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٣٧٢. والمدونة الكبرى: ج ٤، ص: ٢٧٨.
[ ٣ / ١١٣ ]
ألا يقضى بمنع صوت قارئ أو ذاكر.
قوله: (وباب بسية نافدة، وروشن وساباط لمن له الجانبان: بسكة نفذت) أي ولا يقضى بمنع فتح باب لم يكن بسكة نافذة أي ماضية، هذا هو المشهور، وهو خلاف ظاهر الرسالة، لأنه لم يفرق بين النافذة وغيرها.
قوله: وروشن الروشن جناح يخرجه الشخص في علو حائطه ليبنى عليه أي ولا يقضى بمنع روشن، وكذلك لا يقضى بمنع سابط لمن له الجانبان بسكة نافذة، والسابط هو أن يكون له حائطان مكتنفي الطريق، فيمد عليهما خشبا ويضع عليها سقفا لينتفع به.
ابن شعبان وذلك مشروط بما إذا رفع عن رؤوس الركبان رفعا بينا.
قوله: (وإلا فكالملك لجميعهم) أي ولم تكن السكة نافذة فإنها كالملك لجميعهم، فلا يفعله إلا برضاهم. قال الشيخ: كالملك، ولم ويقل فذلك ملكهم بل شبهه بالملك لأنه ليس ملكه الحقيقي، إذ ليس لهم أن يسدوها لإرفاق الناس بأفنيتهم.
قوله: (إلا بابا، إن نكب) أي إلا فتح باب إن نكب أي انحرف عن أبواب بيوتهم، فإنه يجوز وهذا مستثنى من المستثنى.
قوله: (وصعود نخلة، وأنذر بطلوعه) والنخلة ليست بشرط وكذلك غيرها أي لا يقضى بمنع صعود نخلة أو دار، ولكن ينذر جيرانه بالصعود ليستروا على أنفسهم.
قوله: (وندب إعارة جداره لغرز خشبة، وإرفاق بماء، وفتح باب) أي وندب للجار إعارة جداره لجاره، ليغرز فيه خشبة، واختلف الأشياخ على قولين: هل لجار المسجد أن يغرز فيه خشبة؟ أم لا، وكذلك يندب له إرفاقه بماء في بيته، وكذلك ندب له أن يرفق لجاره بفتح باب ليس له عليه.
قوله: (وله أن يرجع) أي وللجار الذي أرفق جاره بما ذكر، أن يرجع في إعارته، ظاهره طال الزمان أم قصر، احتاج أم لا، مات المعمري أم لا، وقيل: لا يرجع به إلا إذا احتاج.
قوله: (وفيها: إن دفع ما أنفق أو قيمته) أي وفي المدونة في موضع يرجع إن دفع ما أنفق على من غرز خشبة، أو فتح بابا.
وفي المدونة في موضع آخر أو قيمته أي ويرجع المعير إن دفع قيمة ما أنفق على ذلك.
قوله: (وفي موافقته ومخالفته تردد) أي وفي موافقة ما وقع في المدونة
[ ٣ / ١١٤ ]
ومخالفته تردد.
واختلف الموفقون في كيفية التوفيق، فقال بعضهم: قيمة ما انفق، إذا أخرج من عنده شيئا من أجر ونحوه، أو ما أنفق إذا اشترى ذلك، وقيل: قيمة ما أنفق إذا طال الأمد، لأنه يتغير بانتفاعه، أو ما أنفق إذا كان بالقرب جدا.
ابن يونس: وعلى هذين التأويلين لا يكون اختلافا من قوله: ومنهم من قال: ما أنفق إذا لم يكن فيه تغابن، أو فيه تغابن يسير، وإلا فالقيمة، وهو على هذا اختلاف. انتهى من الصغير.
وعادة الشيخ أن يقول في مثل هذا: تأويلات. اختلف العلماء في المدة التي يجاز بها الضرر على أقوال عديدة ذكرها ابن رشد.
قوله: والصواب منها أن ما كان لا يؤمن من يده فهو غير عاقل وإن كان يؤمن من يده فهو كحيازة الأملاك فتدبره.
وفي الطرر: لا فرق في حيازة الضرر بين الأجنبيين والأقارب بخلاف حيازة الأملاك، وكذلك لا تعتبر حيازة الضرر على المولى عليهم إلا بعد رشدهم ومضى مدة الضرر بعد رشدهم وقدرتهم على القيام وعلمهم. انتهى من خط شيخنا محمود بن عمر في مجمعه (^١).
فصل [في بيان أحكام الشركة في الزرع]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الشركة في الزرع، وهي من العقود التي لا تلزم بالعقد، وكذلك المغارسة، والمقارضة، والمجاعلة، والشركة، والتحكيم.
قوله: (لكل: فسخ المزارعة، إن لم يبذر) أي لكل واحد من المعاقدين فسخ العقد في الزراعة، ما لم يبذر، وأما إن بذر فلا فسخ له. والبذر بذال معجمة.
قوله: (وصحت إن سلما من كراء الأرض بممنوع) أي وصحت العقدة في شركة الزرع، أن يسلم المتعاقدان من كراء الأرض بما يمنع كراءها.
قال ابن شاس: المشهور عدم جواز كراء الأرض بشيء من الطعام، ولو لم
_________________
(١) هذا نص ما ذكره البرزلي في نوازله: ج ٤، ص: ٣٧١.
[ ٣ / ١١٥ ]
تنبته، ولا ببعض ما تنبته من غير الطعام كالقطن والكتان ويجوز بالقصب والخشب. انتهى (^١).
قوله: (وقابلها، مساو) أي وقابل الأرض مساو لها، وهو شرط ثان، أن يكون مقابل الأرض من عمل وبقر معاد لا لكرائها عند مالك وأصحابه، سحنون: وهو صواب، فالمساوات شرط وعدمها مانع، وكثيرا ما يطلق الفقهاء الشرط على عدم المانع، ومفهومه إن لم يتساويا، فإن كان العمل أكثر من كراء الأرض بكثير لم يجز وهو كذلك.
قوله: (وتساويا) أي وهذا هو الشرط الثالث أي ويتساويا العاقدان في قدر المخرج، أو قيمته، فإن أخرج أحدهما الأرض وثلث البذر، والآخر العمل وثلثي البذر، على أن الزرع نصفان منعت، لأن زيادة البذر كراء الأرض، أو أخرج واحد ثلثي الأرض، وثلث البذر، والآخر ثلث الأرض وثلثي البذر، والعمل والزرع بينهما نصفان منعت. سحنون كأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه.
قوله: (إلا لتبرع بعد العقد) أي إلا أن يكون عدم التساوي بالتبرع بعد العقد اللازم بالبذر، بأن يعقدا على التساوي ويبذرا ثم يتبرع أحدهما.
سحنون من غير وأي أي ولا مواعدة لأنه بعد العقد محمول على التبرع وحملنا العقد على اللازم لقول أبي محمد: التبرع على القول بنفي اللزوم قبل العمل كالواقع قبله.
قوله: (وخلط بذر إن كان، ولو بإخراجهما) هذا هو الشرط الرابع أي خلط البذر إن كان منهما، ولو كان الخلط بإخراج البذرين إلى الفدان معا، ويبذرانه بحيث لا يتميز موضع بذر كل.
قال المصنف: وهو الجاري على قول مالك وابن القاسم، وإليه أشار بقوله: ولو بإخراجهما، وظاهره وإن تميز بذر كل في ناحيته وهو كذلك.
قوله: (فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم لم يحتسب به إن غر وعليه مثل نصف النابت) أي وعلم بأن بذر كل واحد بذره في ناحية لم يحتسب به إن غر شريكه بأن كان عالما بأنه لا ينبت، وذلك لأن بعض البذر إذا شم رائحة الدخان لا ينبت، وعلى
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣/ ص: ٣.
[ ٣ / ١١٦ ]
الغار لشريكه مثل نصف البذر النابت، والزرع بينهما.
ابن عبد السلام: وينبغي الرجوع على الغار بنصف قيمة العمل.
قال المصنف ﵀: ينبغي أن يرجع عليه بنصف قيمة كراء الأرض التي غر فيها. قوله: (وإلا فعلى كل نصف بدر الآخر، والزرع بينهما) أي وإن لم يغر شريكه، بأن لم يكن عالما أنه لا ينبت، فعلى كل منهما نصف بذر الآخر، فعلى صاحب النابت نصف غير النابت، وعلى صاحب غير النابت نصف النابت، ويكون الزرع لهما في الصورتين غر أولم يغر.
قوله: (كأن تساويا في الجميع) تشبيه لإفادة الحكم.
وقال ابن غازي: تمثيل لما تصح فيه الشركة (^١) في الزرع أي كما إذا تساويا في الجميع أرضا وعملا وبقرا.
قوله: (أو قابل بدر أحدهما عمل، أو أرضه وبدره، أو بعضه) يريد ومابه العمل أي وكذلك إن قابل بذر أحدهما عمل من عند الآخر، والأرض بينهما بملك أو كراء، وكذلك إن قابل عمله أحدهما من عند شريكه الآخر أرضه وبذره وما به العمل، وكذلك إن قابل عمله وبعض بذره أرض شريكه ومن البذر بعضه.
قوله: (إن لم ينقص ما للعامل عن نسبة بدره) وأشار بشرط الصحة في هذا بقوله: إن لم ينقص ما للعامل، كأن يكون عليه العمل وثلث البذر، وعلى الآخر الأرض وثلثا البذر، وللعامل ثلث الزرع، فأما إن نقص عن نسبة بذرهم بأن يخرج مع عمله ثلثي البذر، ويخرج صاحب الأرض ثلث البذر على أن الزرع لهما نصفان لم يصح، لأن زيادة البذر هنا كراء الأرض.
قوله: (أو لأحدهما الجميع) أي الأرض والبذر والبقر، (إلا العمل) فإنه على الآخر وله مثل الربع، فإنها تصح وهي مسألة الخماس.
قوله: (إن عقدا بلفظ الشركة، لا الإجارة، أو أطلقا) أي وإنما يصح هذا إذا عقد على لفظ الشركة لا بلفظ الإجارة، وكذلك لا يصح إن أطلقا ولم يقيدا بلفظ الشركة ولا بلفظ الإجارة.
قوله: (كإلغاء أرض، وتساويا غيرها أولأحدهما أرض رخيصة وعمل) أي كما لا يصح
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٠٠.
[ ٣ / ١١٧ ]
إلغاء أرض لها قدر وتساوي غيرها من البذر والعمل، وكذلك لا يجوز أن يكون لأحدهما أرض رخيصة وعمل، وللآخر عمل وبذر.
قوله: (على الأصح) صوابه على الأرجح.
قوله: (وإن فسدت) ولما قدم المزارعة الصحيحة وشروطها، علم أن الفاسدة ما اختل منها شرط، ولذا لم يحتج لبيانها بل ذكر حكمها فقال: وإن فسدت شركتهما ولم يعملا فسخت، وإن عملا (وتكافأ عملا) والأرض من أحدهما والبذر من الآخر وتساويا قيمة على أن الزرع بينهما نصفان (فبينهما) لكل نصفه (وترادا غيره) فعلى صاحب الأرض لصاحب البذر نصف مكيلته، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض، ولا خفاء في فسادها لمقابلة الأرض بالبذر.
قوله: (وإلا فللعامل، وعليه الأجرة) أي وإن لم يتكافأ في العمل بل تولاه أحدهما فقط، فللعامل جميع الزرع وعليه الأجرة لصاحب الأرض، كان للعامل بذر مع عمل، والأرض للآخر وفسدت لمقابلة الأرض بجزء من البذر.
قوله: (كان له بدر مع عمل، أو أرض، أو كل لكل) مفهومه إن لم يكن له بذر ولا أرض لا يكون الزرع له، بل قيمة عمله، والمفهوم صحيح، وكذلك إن كان له أرض مع عمل والبذر للآخر، أو كان كل من الأرض والبذر لكل منهما والعمل من أحدهما، فالزرع لصاحب العمل سواء كان مخرج البذر صاحب الأرض أوغيره، وعليه إن كان هو مخرج البذر كراء أرض صاحبه، وإن كان صاحبه مخرج البذر فعليه له مثل بذره، هكذا نقله الشيخ أبو محمد عن ابن القاسم. انتهى من فتح الجليل (^١).
وكلام الشارح في هذا الفصل غير مجوز غفل في مواضع.
* * *
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بقد قول خليل في آخر فصل الشركة في الزرع: كان له بذر مع عمل، أو أرض، أو كل لكل.
[ ٣ / ١١٨ ]