قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الغصب والاستحقاق، ولكن فصل بينهما بفصل. عرف الشيخ الغصب فقال: (الغصب: أخذ مال قهرا تعديا، بلا حرابة)، فلما قال: أخذ، شمل الأخذ كله، من سرقة، وخيانة، فلما قال: مال، أخرج الحر فلما قال: قهرا احترازا من السرقة والخيانة، فلما قال: تعديا، أخرج أخذ المال من مانع الزكاة، فلما قال: بلا حرابة، أخرج المحارب، إذ السلطان يكون غاصبا ولا يقال إنه محارب، وأخذ ملك الغير يتنوع بحسب قرائنه، فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب، أو علم مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما، ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع وحده من بين أخذة الأموال، لخبث هذا المنزع. انتهى من ابن عطية (^١).
قاعدة: أسباب الضمان ثلاثة: الإتلاف كخرق الثوب، والتسبب في الإتلاف كحفر البئر لإتلاف الحيوان، ووضع اليد غير مؤمنة كيد الغاصب، والمشتري شراء فاسدا وهو خير من قولنا: وضع اليد العادية، فإن هذه الأيدي الأخر ما وضعت إلا بإذن، وهي قاعدة مجمع عليها. انتهى من الذخيرة (^٢).
قوله: (وأدب مميز) أي وأدب غاصب مميز، وأحرى بالغ، ظاهره وإن عفا عنه المغصوب، ظاهره وإن كان المغصوب منه غير حاضر.
قوله: (كمدعيه على صالح، وفي حلف المجهول قولان) أي كما يؤدب مدعي الغصب على صالح، لأنه نسبه إلى ما لا يليق به، ومن آذا مسلما أدب، وأما مجهول حال الصلاح فلا يؤدب مدعي الغصب عليه، وهل يحلف أنه ما غصبه؟ أو ليس عليه اليمين فيه قولان مشهوران، ويحلف المتهم بالغصب ولا يؤدب من ادعى
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز لابن عطية: ج ٢، ص: ٢١٩
(٢) عقد الجوار لابن شاس: ج ٦، ص: ٢١٠.
[ ٣ / ١٧٢ ]
عليه الغصب، وأما المعروف بالغصب فإنه يسجن ولا يترك.
قوله: (وضمن بالإستيلاء) أي ويضمن الغاصب المميز بالاستيلاء، وهو مجرد حصول المغصوب في حوزه.
قوله: (وإلا فتردد. كأن مات، أو قتل عبد قصاصا) لو اسقطه الشيخ ابن غازي أي وإن لم يكن مميزا ففي ضمانه تردد المتأخرين، هل الخلاف في ضمانه كما نقل ابن الحاجب، أم في السن المخرج له إلى المتميز كما ذكر ابن عبد السلام، وذلك أن ابن الحاجب قال: وأما غير المميز فقيل المال في ماله، والدم على عاقلته، وقيل: المال هدر كالمجنون، وقيل: كلاهما (^١) هدر.
البساطي: يحتمل أن يريد أن الغاصب يضمن المغصوب بالاستيلاء عليه فقط، ولكنه في شيء خاص وهي الدور وشبهها وعلى هذا فيكون معنى قوله: وإلا فتردد أي وإن لم تكن دار فهل يكفي الإستيلاء، أو لابد من شيء معه في ذلك تردد، ويحتمل أن يريد بالإستيلاء زيادة على وضع اليد ويكون عاما في كل شيء، وعلى هذا فمعنى قوله: وإلا فتردد أي وإن لم يكن إلا وضع اليد، فهل يكفي في الضمان أو لا فيه تردد، ولا يخلو كل من التمشتين عن شيء، أما الأول فيحتاج إلى تقدير لا دليل له في كلامه عليه، ومع ذلك قال في النوادر عن كتاب ابن المواز: ومن غصب شيئا، فأدركه ربه بعينه ولم يتغير في بدنه فليس له غيره، ولا نظر إلى اختلاف سوقه، طال زمانه أو كان في ساعة (^٢)، وكذلك في المجموعة عن مالك وابن القاسم في الرقيق والحيوان، فظاهر الكلام الأول: أن الاستيلاء لا يكفي في كل شيء.
والثاني: أنه يكفي في العقار، فيكون محل التردد في العقار لاغيره، وأما الثانية فيقتضي أنه تردد في وضع اليد في المنقولات أنه كاف وقد تقدم الاتفاق أنه لا يكفي على النقلين، فإن قلت قد قال في النوادر عن مطرف وابن الماجشون: أن الأمة لو وجدها على حالها، غير أنه غاب عليها، أنه ضامن.
قلت: وذلك لاتهامه على الوطء، ولذلك فرق أصبغ بين الرائعة وغيرها وقال: ولا نقول ذلك في الذكور، ولا في إناث سائر الحيوان، فإن قلت: فهلا حملت كلامه على ما إذا غصب المنفعة خاصة، ويكون المعنى هكذا، وضمن بالاستيلاء
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٤٠٩.
(٢) النوادر والزيادات: ج ١٠، ص: ٣١٦.
[ ٣ / ١٧٣ ]
على الرقبة، وإن لم يكن الاستيلاء عليها، بل على المنفعة، فهل يضمن الرقبة أولا فيه تردد.
قلت: لم يترددوا، بل حكموا في صور ضمان الرقبة، كالمدعي للمكان المستعار إليه، والمستأجر إليه، وأحرى بضمان المنافع، كغاصب السكنى خاصة، وحمل كلامه على هذه مع ما فيه أقرب. انتهى من البساطي.
قوله: كأن مات مشتمل على أمثلة ونظائر في ضمان غير غاصب أي كما يضمن من غصب عبدا فمات ولو كان بسماوي، وكذلك إن قتل ذلك العبد المغصوب قصاصا، فإن الغاصب يضمنه، لأنه بالاستيلاء دخل في ضمانه.
قوله: أو ركب وهو مستغنى عنه لأنه قد دخل في ضمانه بالاستيلاء.
قوله: (أو ذبح شاة) أي فإنه يدخل في ضمانه ظاهره أنه يملكه بعد الذبح، يصنع به ما شاء، ولا خيار لربه في اللحم أو القيمة، وهو ظاهر كلام غيره. والمنصوص أن المغصوب منه مخير بين تضمينه القيمة، أو أخذ اللحم مع ما نقص.
قوله: (أو جعد وديعة) وهذا مستغنى عنه، لأنه قد تقدم في الوديعة.
قوله: (أو أكل بلا علم) أي يضمن إذا أكل المغصوب بلا علم منه أنه مغصوب، وأحرى في الضمان إن علم، ولا فرق بين العالم بالغصب في الضمان وغير العالم، إلا في الأدب، فإن غير العالم بالغصب لا يؤدب والعالم به يؤدب.
قوله: (أو أكره غيره على التلف) أي وكذلك يضمن إن كره غيره على إتلاف شيء.
قال سحنون: لرب الشيء أن يأخذ أيهما شاء المكره والمكره، لأن هذا مسبب وهذا مباشر، وكذلك إن أكرهه على أن يدخل دارا، ليأخذ منها متاعا يدفعه إليه، فإن المغصوب منه مخير في أخذ أيهما شاء، لتسبب هذا، ومباشرة هذا.
قوله: (أو حفر بنرا). الحفر ليس بشرط، والبئر ليس بشرط أي وكذلك يضمن إن حفر بئرا، أو حفر حفرة (تعديا)، حيث لم يأذن له الشرع بالحفر فيه، فإنه يضمن ما وقع فيه.
قوله: (وقدم عليه المردي، إلا لمعين فسيان) أي فإذا حفر حفرة حيث لم يأذن له الشرع، فأردى فيه غيره حيوانا أي أسقطه فيه، فإن المردي مقدم في الضمان، لأنه المباشر وهو أقرى من السبب، إلا إن حفرها لشخص معين، فأرداه فيها غيره، فإن
[ ٣ / ١٧٤ ]
الحافر والمردي سيان أي مثلان في القصاص في الإنسان، والضمان في غيره.
قوله: (أو فتح قيد عبد لئلا يأبق أو على غير عاقل، إلا بمصاحبة ربه، أو حرزا) أي وكذلك يضمن إن فتح قيد عبد أو غيره، قيد لكي لا يأبق، أو يشرد، وإن لم يأبق العبد إلا بعد زمان، وأما إن قيد العبد تأديبا، ففتح قيده ثم أبق فلا ضمان عليه، وكذلك يضمن إن فتح بابا على غير عاقل فذهب، ولو كان الحيوان في دار الفاتح، إلا بمصاحبة ربه، فإنه لا يضمن، وإن كان ربه الذي كان معه نائما، وكذلك إن فتح معه باب حرز فإنه يضمن ما سرق فيه.
وقوله: إلا بمصاحبة ربه، يعود على ما تقدم عنه وما تأخر من الحرز.
قوله: (لمثلي، ولو بغلاء بمثله) أي وضمن الغاصب المثلي إن عرف، وإلا فقيمته ولو غصبه في وقت الغلاء، ثم حكم عليه في زمن الرخاء، وكذلك العكس.
قوله: (وصبر لوجوده، ولبلده ولو صاحبة، ومنع منه للتوثق ولا رد له) أي وحيث حكم على الغاصب بمثل ما غصبه، ولم يوجد عنده، فإن المغصوب منه المثلي يصبر إلى أن يجده الغاصب، فلو حكمه عليه بالمثل في غير بلد الغصب، فإن المغصوب منه يصير إلى ذلك البلد، ولو كان ذلك المثلي بعينه مصاحبا للغاصب، وليس للمغصوب منه أن يقول للغاصب: رد متاعي بعينه إلى ذلك البلد، لأن مثل المثلي يقوم مقامه، ولكن يمنع ذلك الغاصب المصاحب للمثلي بعينه إلى أن يأتي برهن أو حميل توثقا، ولا رد له أي وليس للمغصوب منه أن يجبر الغاصب على رده إلى بلد الغصب.
وحد المثلي ما تماثلت أجزاؤه في الخلقة، والصورة، والجنس، وذلك مما يوزن أو يكال كالذهب والفضة والحديد والنحاس، وجميع الأطعمة، وكذلك ما يعد مما تستوي آحاد جملته في الصفة غالبا كالبيض والجوز ونحوه. انتهى.
قوله: (كإجازته بيعه معيبا زال، وقال: أجزت لظن بقائه) تشبيه لإفادة والحكم أي كما إذا غصبه شيئا معينا زال عيبه، فباعه الغاصب، فأجاز المغصوب منه ذلك البيع، وقال المغصوب منه أجزت البيع، لظن بقاء العيب، فإنه لا رد له في المبيع.
قوله: (كنقرة صيغت، وطين لبن، وقمح طحن، وبدر زرع، وبيض أفرخ) إلى آخره أمثلة لما يفيت أي فإذا غصب نقرة فصاغها حليا، أو ضربها دراهم، أو ضربها دنانير، فإنه لا يضمن إلا مثل النقرة وزنا وصفة، ولا يأخذ المضروب، وكذلك إن غصب طينا
[ ٣ / ١٧٥ ]
فضربه لبنا، فليس عليه إلا مثل الطين إن عرف وإلا فالقيمة، وكذلك إن غصب قمحا فعجنه، فإنه ليس عليه إلا مثل ذلك القمح كيلا وصفة، وكذلك إذا غصب بذرا فزرعه، فإنه لا يضمن إلا مثل البذر، وكذلك إذا غصب بيضة، فجعلها تحت دجاجة فأفرخت فليس عليه إلا مثل تلك البيضة.
قوله: (إلا ما باض إن حضن) أي إلا إذا غصب دجاجة أو حمامة مثلا فباض عنده، وحضن الطير البيض بيض نفسه، فإن المغصوب وفرخه للمغصوب منه.
قوله: (وعصير تخمر، وإن تخلل خير، كتخللها لذمي) أي وإن غصب عصيرا فتخمر عنده، فإنه ليس عليه إلا مثل العصير، وإن غصب عصيرا فتخلل عنده، فإن المغصوب منه يخير بين أخذه الخل أو مثل عصيره.
قوله: كتخللها لذمي، وتعين لغيره لو قال الشيخ: لكافر ليعلم المعاهد والذمي أي فإن غصب مسلم خمرا لذمي ونحوه، فتخلل الخمر، فإن الكافر يخير بين أخذ الخل ومثل خمره، وتعين أخذ ذلك الخل لغير الكافر وهو المسلم.
قوله: وإن صيغ كغزل أو حلي وغير مثلي، وفي بعض النسخ، وإن صنع ويكون تأكيدا لقوله: (وتعين لغيره) أي وتعين الخل لغير الذمي وإن صيغ فيكون قوله: كغزل تشبيه لا فادة الحكم.
وقوله: (وإن ضيع كفزل وحلي وغير مثلي فقيمته يوم غصبه، وإن جلد ميتة لم يدبغ، أو كلبا) أي وإن استهلك غزلا وشبهه، أو حليا، أو غير مثلي، فعليه قيمته يوم غصبه، وإن كان ذلك المغصوب جلد ميتة لم يدبغ، وأحرى إن دبغ، وكذلك إن كان المغصوب كلبا، فإنه يضمن قيمته إن كان الكلب مأذونا فيه، وإلا فلا يضمنه، فلا يقال: الكلب لا يباع، ليس على من قتله القيمة، وفي الأشياء ما لا يجوز بيعه، وإن استهلك أخذت قيمته، كأم الولد والمدبر وجلد الضحية وجلد الميتة.
قوله: (ولو قتله تعديا) راجع إلى قوله: بقيمته يوم غصبه ورد للكلب كما في الشامل ليس بشيء ء. انتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (وخير في الأجنبي فإن تبعه تبع هو الجاني، فإن أخذ ربه أقل فله الزائد من الغاصب فقط) أي فإن جنى أجنبي على المغصوب، فإن ربه مخير في اتباع الجاني، أو الغاصب، فإن اتبع الغاصب وأخذ من قيمة شيئه، رجع الغاصب على الجاني بأرش
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٥٤.
[ ٣ / ١٧٦ ]
الجناية، لأنه لما غرم منه قيمة المغصوب، كأنه ملكه، فإن أخذ المغصوب منه أقل من قيمة شيئه من أحدهما، فإن كان أخذها من الجاني، فله أخذ الزائد من الغاصب فقط، والزائد هو ما نقص عن قيمة شيئه يوم الغصب، فإن كان إنما أخذ الأقل من الغاصب فلا يرجع على الجاني بشيء لأنه قد أخذ من الغاصب ما عليه، وهو قيمة شيئه. وفي المسألة ثلاثة أقوال:
قيل: لا يأخذ الزائدة منهما.
وقيل: يأخذه منهما.
والثالثة: ما في المختصر.
قوله: (وله هدم بناء عليه، وغلة مستعمل، وصيد عبد، وجارح) أي وللمغصوب منه هدم بناء على المغصوب، وإن كان قصورا، إذ ليس للغاصب فيه حق، وكذلك للمغصوب منه غلة مستعمل. مفهومه أن غير المستعمل ليس له غلته، كما إذا عطل ولم يستعمل، ولم يشتغل، كدار يغلقها، أو دابة يحبسها، أو الأرض يبورها، فلا شيء عليه عند ابن القاسم في الغرم، وعليه الإثم، وهذا هو المشهور، وكذلك للمغصوب منه صيد عبد، كما إذا غصب عبدا فاصطاد العبد عند الغاصب، فإن الصيد لربه، وكذلك الجارح من كلب أو باز ونحوه، لا فرس وسيف ورمح، فليس على الغاصب إلا كراء الفرس أو الرمح أو السيف.
قوله: (وكراء أرض بنيت، كمركب نخر، وأخذ ما لا عين له قائمة) أي ومن غصب أرضا فبنا فيها ثم سكن واستغل، فإنه يغرم كراء القاعة (^١)، كما إذا غصب مركبا نخرا أي باليا فأصلحه فإن ربه يأخذه وعلى الغاصب كراؤه نخرا، وكذلك للمغصوب منه أخذ مالا عين له قائمة زاده الغاصب في المغصوب.
قوله: (وصيد شبكة، وما أنفق في الغلة) لما فرغ علله مما يكون للمغصوب منه، شرع في ذكر ما يكون للغاصب أي وللغاصب صيد شبكة لأن الشبكة لا تصيد بنفسها كالعبد والجارح، ولكن عليه كراء الشبكة، وكذلك للغاصب ما أنفق على المغصوب في الغلة إن لم يجاوزها، وإن جاوزت النفقة الغلة فلا شيء على المغصوب منه.
مسألة: وسئل عمن شهد عليه أنه استغل ضيعة زمانا عدوانا، وشهد الشهود أن
_________________
(١) ن: البقعة.
[ ٣ / ١٧٧ ]
قيمة ذلك على التقريب كذا وكذا دينارا دون معاينة بيع الغلة وحدها، هل تجوز شهادتهم على التقريب؟ أو لا وأثبت المطلوب أنه كان يعمر هذه الضيعة ويقوم عليها ويؤدي عليها الخراج، وأراد قطعه مما ثبت عليه من الغلة، فهل له ذلك أم لا؟ فأجاب: أن شهادة الشهود على التقريب والتخمين لا تجوز، بل يستنزل حتى يشهدوا على القطع بقدر ما شهدوا به ويحكم به، فإن ادعوا عليه زائدا عما شهد عليه حلفوا على ذلك، ويحاسب بما دفع من العمارة والقيام بالضيعة والخراج إن كان حقا واجبا وإلا فلا.
قلت: قوله: يستنزلون يحتمل أن يتخرج على قول مطرف: إذا شك الشهود في العدل (^١) يستنزلون وحكاه اللخمي في كتاب الأيمان بالطلاق في ظني. ويحتمل أن يجري على المشهور، لأنه غاية المقدور في هذه، والظالم أحق بالحمل عليه. انتهى من نوازل البرزلي (^٢).
قوله: (وهل إن أعطاه فيه متعدد عطاء فبه؟ أو بالأكثر منه ومن القيمة؟ تردد) إلى آخره أي من أعرض سلعته للسوق فأعطى فيها عدد من الناس عطاء أي ثمنا فاستهلكه آخر، هل يلزمه ما أعطاه فيها متعدد، وإليه الإشارة بقوله: أو إنما يلزمه الأكثر من ذلك، أو من القيمة فيه تردد.
قوله: (وإن وجد غاصبه بغيره وغير محله فله تضمينه، ومعه أخذه إن لم يحتج لكبير حمل، لا إن هزلت جارية، أو نسي عبد صنعة ثم عاد) أي وإن وجد المغصوب منه الغاصب بغير المغصوب، وفي غير محل الغصب، فللمالك تضمينه القيمة، وإن وجد المغصوب معه أخذه منه، إن لم يحتج لكبير حمل، وإن احتاج إلى كبير حمل فربه مخير بين أخذه، أو أخذ قيمته يوم الغصب.
قوله: لا إن هزلت جارية معطوف على قوله: كإن مات أو قتل عبدا قصاصا أي وضمن الغاصب المغصوب وإن (مات) (^٣) بخلاف الجارية إن هزلت ثم عادت لهيأتها، فإنه لا ضمان عليه فيها، وإنما يردها لربها، وكذلك إذا غصب عبدا صانعا فنسي الصنعة، ثم عادت، فإنه لا يضمنه.
_________________
(١) ن: العدد.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٥، ص: ١٥٠.
(٣) زيادة من ن ب.
[ ٣ / ١٧٨ ]
الهزال: هزل بضم الزاء وفتحها ضد السمن، وبكسرها ضد الجد.
ابن عرفة: وقول بن الحاجب وابن شاس: لو هزلت الجارية ثم سمنت أو نسي العبد الصنعة ثم تذكرها حصل الجبر هو كقوله في المدونة: من اطلع على عيب قديم فيما ابتاعه فلم يرده حتى زال فلا رد له، والهزال والنسيان زوالهما في المغصوب كذلك ولا أعرفه في المذهب نصا لغيرهما بل للغزالي في وجيزه. انتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (أو خصاه فلم ينقص)
قال البرزلي في جامعه: إنا نجد الرجل يكون على صفة من العقل، فإذا خصي نقص عقله. صح منه.
أي ومن غصب عبدا فخصاه، ولم تنقص قيمته لأجل ذلك، وأحرى إن زادت، فليس لربه إلا أخذه.
قوله: (أو جلس على ثوب غيره في صلاة) أي وكذلك لا يضمن الجالس على ثوب غيره في الصلاة، فقام رب الثوب فانخرق، لأن ذلك مما لا يجد الناس منه بدا، والتعليل يدل على أن الصلاة ليست بشرط.
قوله: (أو دل لصا) أي ومن دل لصا أو غاصبا فلا ضمان عليه، يريد ما لم يمش معه إلى المدلول عليه، وقيل: يضمن مطلقا.
قال أبو محمد: من أخبر سلطانا أو جائرا أو فاسقا بأسماء قوم ومواضعهم وهو يعلم أن الذي يطلبهم به ظلم فينالهم بسبب تعريفه ظلم، أو عقوبة، فإنه ضامن لما غرموه مع العقوبة الموجعة انتهى من نظم اللباب في آخر الغصب.
قوله: (أو أعاد مصوفا على حاله، وعلى غيرها فقيمته، ككسره) أي وكذلك لا يضمن إذا غصب مصوغا فغيره ثم أعاده لهيأته، وإن أعاده على غير حاله ضمن قيمته يوم الغصب، كما يضمن قيمته إذا كسره.
قوله: (أو غصب منفعة فتلفت الذات) وهذا هو المتعدي أي ولا ضمان على الغاصب للمنفعة دون الذات كما إذا غصب سكنى دار فانكسرت الدار فلا يضمنها، وإنما يضمن الغاصب ما استعمل.
قوله: (أو أكله مالكه ضيافة) أي فإن قدم الغاصب الطعام إلى مالكه، فأكله ظنا
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٥٤/ ٨٥٥.
[ ٣ / ١٧٩ ]
مع الجهل بحاله، فإن الغاصب يبرأ من الضمان، بل لو أكرهه على أكله فأكله لبرئ الغاصب ومهمى أتلف الآخذ من الغاصب فالضمان عليه حتى لو كان مغرورا، كما لو قدم الغاصب الطعام للضيف، فأكله ظنا منه أنه ملك المقدم لضمن بالأكل.
قوله: (أو نقصت للسوق) أي ومن غصب شيئا له قيمة ثم نقصت السوق شيئا له قيمة ثم نقصت سوقه فرده فلا شيء عليه إلا الأدب الموجعة، فلو غصب ما قيمته عشرة فعاد إلى درهم فرده بعينه فلا شيء عليه إذ لا يراعى انخفاض الأسواق كما لا يراعي ارتفاعها، وإن تلف قبل رده فالواجب عليه عشرة وهي قيمته يوم الغصب.
قوله: (أو رجع بها من سفر ولو بعد) اي ولا يضمن إن تعدى عليها فركبها أو حمل عليها ثم رجع بها من سفره ذلك على حالها ولم تتغير في بدن وإن كان سفره بعيدا.
قوله: (كسارق) تشبيه لإفائدة الحكم.
قوله: (وله في تعدي كمستأجر، كراء الزائد إن سلمت، وإلا خير فيه وفي قيمتها وقته) أي وللمالك إذا تعدى المستجأر منه أو المستعير منه في المسافة أو زيادة الحمل كراء الزائد إن سلمت الدابة، وإن لم تسلم خير في أخذ دابته وكرائها أو قيمتها يوم التعدي أجحف بحمدالله.
قوله: (وإن تعيب، وإن قل ككسر نهديها أو جنى هو أو أجنبي خير فيه) أي وإن تعيب المغصوب عند الغاصب بسماوي، وإن قل العيب ككسر نهديها أي ثدييها عند الغاصب، خير المالك في أخذ شيئه بلا شيء، وفي قيمته، وكذلك إن جنى الغاصب على المغصوب خير المغصوب منه في أخذ شيئه مع ما نقص، أو في قيمته، فإن كان الجاني على المغصوب أجنبيا خير المغصوب منه في أخذ شيئه بعينه، وأرش الجناية من الجاني أو أخذ القيمة من الغاصب، فيرجع الغاصب على الجاني بالأرش لأنه لما دفع القيمة عاد المغصوب ملكا له.
قوله: (كصبغه في قيمته وأخذ توبه، ودفع قيمة الصبغ) أي كما إذا غصب ثوبا وصبغه فإن المغصوب منه يخير في تضمين الغاصب القيمة، وفي أخذ ثوبه ودفع قيمة الصبغ وهو ما صبغ به.
أجحف بحمدالله في هذه المسائل الثلاث.
قوله: (وفي بناءه في أخذه، ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة لم يتولها) إلى آخره أي إذا غصب أرضا وبنا فيها، فإن رب الأرض مخير في أخذ البناء ودفع قيمة النقض بعد سقوط أجرة كلفة النقض، إن لم يتولها، وأما إن تولاها بنفسه أو بعبده
[ ٣ / ١٨٠ ]
فليس عليه قيمة الكلفة.
قوله: (ومنفعة البضع) معطوف على قوله: المثلي أي وضمن الغاصب منفعة البضع بالتفويت، وتفويت البضع الوطء، فإن كان الوطء من الحرة ضمن لها صداق المثل، وإن كانت أمة فعليه ما نقصها الوطء ثيبا كانت أو بكرا (والحر بالتفويت) كذلك يضمن منفعة بدن (الحر بالتفويت) كما إذا غصب حرا فاستخدمه، فإنه يضمن للحر قيمة ما استخدمه.
قوله: (كحر باعه وتعذر رجوعه) أي كما يضمن دية الحر، إذا باعه وتعذر رجوعه.
نزلت في طليطلة (^١) وكتب قاضيها إلى ابن بشير قاضي قرطبة، فأفتى فيه أن يكلف برده، وإن لم يأت به فعليه ديته ذكرا كان أو أنثى.
قوله: (ومنفعة غيرهما بالفوات) أي ويضمن الغاصب منفعة غير البضع والحر بالفوات على المغصوب منه، وهذا يخالف ما تقدم من قوله: وغلة مستعمل، لأن مفهومه لا يضمن غير المستعمل، إذا عطل ولم يستعمل وهو المشهور، ولكن تبع الشيخ هنا القول المصوب وقد يستعمله.
قوله: (وهل يضمن شاكيه لمغرم زائدا على قدر الرسول إن ظلم؟ أو الجميع؟ أو لا؟ أقوال) أي وهل يضن شاكي مطلوبه إلى مغرم ظالم يغرم فوق الحق زائدا على أجرة الرسول، إن ظلم الشاكي بأن يأخذ حقه بلا شكوى، وإن كان مظلوما فلا شيء عليه، لأن الناس يلجؤون إلى السلاطين، أو يغرم الجميع إن ظلم، وإلا فلا شيء عليه أو لا يضمن شيئا وإن أظلم وأحرى إن كان مظلوما أقوال.
قوله: (وملكه إن اشتراه، ولو غاب أو غرم قيمته إن لم يموه ورجع عليه بفضلة أخفاها) أي وملك الغاصب المغصوب إن اشتراه، ولو غاب المغصوب، يؤخذ منه جواز بيع
_________________
(١) طليطلة هكذا ضبطه الحميدي بضم الطاءين وفتح اللامين وأكثر ما سمعناه من المغاربة بضم الأولى وفتح الثانية مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس يتصل عملها بعمل وادي الحجارة من أعمال الأندلس وهي غربي ثغر الروم وبين الجوف والشرق من قرطبة وكانت قاعدة ملوك القرطبيين وموضع قرارهم وهي على شاطئ نهر تاجه وعليه القنطرة التي يعجز الواصف عن وصفها وقد ذكر قوم أنها مدينة دقيانوس صاحب أهل الكهف قالوا وبقرب منها موضع يقال له جنان الورد فيه أجساد أصحاب الكهف لا تبلى إلى الآن والله أعلم وقد قيل فيهم غير ذلك كما ذكر في الرقيم. معجم البلدان: ج ٤، ص: ٣٩.
[ ٣ / ١٨١ ]
المغصوب من الغاصب، وإن لم يرده، ولم يذكر الخلاف هنا كما ذكره فيما تقدم في قوله: وهل إن رده لربه مدة تردد، ويؤخذ من هنا أيضا جواز وصف المشتري، وكذلك إذا غرم قيمة المغصوب فإنه يملكه، إلا أن يموه فيه أي يظهر فيه خلاف ما كان، فإن وصف المغصوب الغائب وصفا دون وصفه، فإن المالك يرجع عليه بالفضلة أي بالزيادة في الوصف الذي أخفاه.
قوله: (والقول له في تلفه ونعته وقدره وحلف) أي والقول للغاصب في تلف المغصوب وقدره ونعته مع يمينه لأنه غارم مدعى عليه، وقاعدة الشرع ترجيحه، والقدر يشمل الوزر، والعدد.
قوله: (كمشتر منه) أي كما أن القول قول مشتر من الغاصب مع يمينه في تلفه ونعته وقدره يريد إن كان يعرف قدره، وإلا فالمغصوب منه مصدق في قدره، وكذلك من غصب صرة فطرحها في بحر فلم يعرفها، فالمغصوب منه مصدق في قدره، وهو موافق للكتاب، وقبول قول الغاصب في التلف والنعت والقدر مع يمينه الضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس.
قوله: (ثم غرم لآخر رؤية) أي إذا غرم المشتري من الغاصب الذي لم يعلم بالغصب القيمة، إنما يغرمها لآخر رؤية إن لم تقم بينة على هلاكه، وأما إن قامت بينة فلا شيء عليه، لأنه دخل على الملكية.
قوله: (ولربه إمضاء بيعه، ونقض عتق المشتري، وإجازته) أي ولرب الشيء المغصوب إمضاء بيع الغاصب المغصوب، وكذلك له نقض عتق المشتري من الغاصب وله إجارته. قوله: (وضمن مشتر لم يعلم في عمد) أي وضمن مشتر من الغاصب ولم يعلم بالغصب في جناية عمد، وأما إن علم بالغصب فهو كالغاصب.
قوله: (لا سماوي، وغلة، وهل الخطأ كالعمد تأويلان) أي لا يضمن المشتري من الغاصب إن لم يعلم بالغصب إن هلك ما اشتراه بأمر من الله، وكذلك لا يضمن الغلة، لأن الغلة بالضمان أي يتوقع الضمان، وهل جناية المشتري غير العالم بالغصب خطأ كالعمد فيضمن، أو كالسماوي فلا يضمن فيه تأويلان.
قوله: (ووارثه، وموهوبه إن علما كهو، وإلا بدئ بالغاصب. ورجع عليه بغلة موهوبه، فإن أعسر فعلى الموهوب) أي ووارث الغاصب ومن وهب له المغصوب إن علما بالغصب فهما كالغاصب في الضمان ورد الغلة والأدب، وقد تقدم حكمه، وإن لم
[ ٣ / ١٨٢ ]
يعلما بدئ بالغاصب وإن لم يوجد عنده رجع على الموهوب وإليه أشار بقوله: بدئ بالغاصب، ورجع على الغاصب بغلة موهوبه إن كان موسرا، وقيل: لا يرجع عليه.
وإذا باع الجارية المغصوبة، فوطئها المشتري وهو عالم لزمه الحد، وإن كان جاهلا لم يحد.
وأما الولد فهو رقيق، ولا نسب له إن كان عالما، وإن كان جاهلا انعقد على الحرية، وضمن المشتري قيمة الولد يوم الحكم إن كان باقيا، إلا أن يكون يومئذ جنينا فتؤخذ قيمته يوم الوضع إذا وضع.
وقال المغيرة: يضمن الولد بقيمته يوم الوضع، وإن مات بعد ذلك، ويرد الأم. انتهى من ابن شاس (^١).
مسألة: وإذا اشترك رجلان في شيء مشاع فقصد الغاصب نصيب أحدهما والآخر محرم، ولم أقف عليه نصا، إلا ما استقرء في الرهن بالجزء المشاع وذكر له نظائر.
ابن ناجي وقال شيخنا حفظه الله فكلامه قصور، وقد ذكر فيها قولين في الأسولة وأن الصحيح عدم امتيازه، وقال: وبه أفتى مع صاحبا عيسى الغبريني. انتهى من ابن ناجي على التهذيب.
قوله: (ولفق شاهد بالغصب الآخر على إقراره بالغصب) أي لشاهد آخر على إقرار الغاصب بالغصب ممن شهد له الشاهد فينزع المغصوب من يد الغاصب، إن كان غير فائت، أو قيمته إن فات، فيبقى في يد المغصوب منه حائزا لا مالكا له.
قوله: (كشاهد بملكك لثان بغصبك، وجعلت ذا يد، لا مالكا، إلا أن تحلف مع شاهد الملك، ويمين القضاء) أي كما تلفق شهادة شاهد شهد لك بملك المغصوب إلى شاهد آخر شهد أن الغاصب غصبه منك، فإن المغصوب ينزع من يد الغاصب، ويجعل في يدك على أنك حائز لا مالك، إلا أن تحلف مع شاهد الملك يمين الاستظهار فتستحقه، ويمين القضاء أنك ما بعته، ولا وهبته، ولا خرج عن ملكك بوجه من الوجوه، وعن ابن سهل قال: يجب اليمين على المستحق ولو من يد الغاصب.
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٨٧٤.
[ ٣ / ١٨٣ ]
وقال ابن حمدون (^١): لا يمين على من يستحق من يد غاصب بخلاف ذي الشبهة. انتهى.
قوله: (وإن ادعت استكراها) وهذه المسألة ليست من المختصر، وإنما وجد في أصل المؤلف الله وإن ادعت استكراها وترك بياضا فكمله الأفقهسي فقال: (على غير لائق بلا تعلق حدت له) مفهومه إن تعلقت به فلا تحد للزنى ولا للمتعلق به، لما أنزل بها من فضيحة نفسها، ومفهوم قوله: غير لائق به أن اللائق بذلك لا تحد.
قوله: (والمتعدي جان على بعض غالبا)، وقد يكون جان على الكل كالمكتري والمستعير إذا تعدى المسافة.
فرع: في بيان الفرق بين الغاصب والمعتدي.
قال في الكتاب: والمتعدي يفارق الغاصب في جنايته، لأن المتعدي إنما جنا على بعض السلعة، والغاصب كان لجميعها غاصبا فضمنها يومئذ بالغصب، فلو تعدى رجل على صفحة أو عصا فكسرها، أو خرق ثوبا، فإن كان ما صنع قد أفسد ذلك فسادا كثيرا فربه مخير في أخذ قيمة جميعه أو أخذه بعينه ويأخذ ما نقصه من المتعدي. فإن كان الفساد يسير فليس له إلا ما نقصه بعد رفء المتعدي للثوب. انتهى من ابن شاس (^٢).
قوله: (فإن أفات المقصود) أي فإن أفات المتعدي المقصود من الشيء فذكر لذلك أمثلة من قوله: (كقطع ذنب دابة ذي هيئة، أو أذنها، أو طيلسانه، أو لبن شاة هو المقصود) إلى قوله: (وقلع عيني عبد أو يديه).
قاعدة: المنافع مقومة لا مثلية، فلو ركب دابة أحد قضى عليه بقيمة المنفعة.
قوله: (فله أخذه ونقصه، أو قيمته، وإن لم يفته فنقصه) أي فإن أفات المتعدي المقصود من الشيء فللمالك أخذ شيئه مع ما نقصه أو أخذ قيمته، وأما إن لم يفت المقصود، فليس للمالك إلا ما نقص، فذكر لذلك أمثلة فقال: (كلبن بقرة، ويد عبد أو
_________________
(١) ابن حمدون (٥٨٠ - ٦٥١ هـ.) هو أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر ابن حمدون، شرف الدين، القيسي التيقاشي نسبة إلى تيقاش من قرى قفصة بإفريقية فقيه، أديب، له اشتراك في جميع العلوم. أخذ عن موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي وتاج الدين الكندي، وتعلم بمصر، وولي القضاء في بلده من تصانيفه: أزهار الأفكار في جواهر الأحجار، وخواص الأحجار ومنافعها. شجرة النور الزكية/ ١٧٠
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٨٧٥.
[ ٣ / ١٨٤ ]
عينه).
قوله: كلبن بقرة جعل البقرة مخالفة للشاة، لأن البقرة تراد لغير اللبن من الحرث، وهذا في بلد يستعملون فيه البقر، وأما البلد الذي لا تستعمل فيه البقر ما الفرق بينهما وبين الشاة. والله أعلم.
قوله: (وعتق عليه إن قوم، ولا منع لصاحبه في الفاحش على الأرجح) أي فإن أفات المتعدي المقصود من العبد وقوم عليه فإنه يعتق عليه، لأنه كمن مثل بعبده إذ لما قوم عليه ملكه، وقيل: لا يعتق عليه لأنه مثل بعبد غيره، ولا منع لسيد العبد من التقويم في العيب الفاحش على الأرجح (^١) لو أسقط الشيخ في الفاحش لكان أولى.
قوله: (ورفا الثوب مطلقا) أي ورفا المتعدي على الثوب مطلقا، سواء كان الخرق يسيرا أو كثيرا.
قوله: (وفي أجرة الطبيب) أي فإذا أخذ المالك عبده أو دابته مثلا مع ما نقصها فاستأجر طبيبا على طبها فهل له الأجرة أولا؟ فيه (قولان).
* * *
_________________
(١) ن: الأصح
[ ٣ / ١٨٥ ]
فصل [في بيان أحكام الاستحقاق]
قوله: (فصل) هذا فصل يذكر فيه مسائل الاستحقاق.
قوله: (وإن زرع فاستحقت فإن لم ينتفع بالزرع أخذ بلا شيء) أي وإن زرع الغاصب أو المتعدي، فاستحقت الأرض، فإن لم ينتفع الغاصب بالزرع أي لم يبلغ الزرع حد الانتفاع به، وأحرى إن لم ينبت، أخذه المستحق بلا شيء أي وليس للمغصوب منه أن يبيعه للغاصب ويأخذ كراء أرضه، لأنه ملك الزرع وباعه منه وهو بيع فاسد، (وإلا فله قلعه؛ إن لم يفت) أي وإن كان الزرع قد بلغ حد الانتفاع به فللمستحق أن يأمر الغاصب أو المتعدي بقلع زرعه، إن لم يفت وقت ما تراد له الأرض من الزرع والمقاثي والبقول، بخلاف ما حمل عبد الحق عليه المدونة بما إذا فات وقت الزرع.
قوله: (وله أخذه بقيمته على المختار) أي وللمستحق أخذه بقيمته مقلوعا على ما اختاره اللخمي.
قوله: (وإلا فكراء السنة) أي وإن فات وقت ما تراد له الأرض فعلى الغاصب أو المتعدي كراء تلك السنة.
قوله: (كذي شبهة) أي فاستحقت الأرض بعد أن زرع فيه أي كما أن كراء السنة على ذي شبهة إن لم يفت وقت ما تراد له الارض، وأما إن فات فلا كراء عليه، لأنه دخل على وجه الشبهة والخراج بالضمان. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (أو جهل حاله) أي وإن زرع من جهل حاله هل هو ذو شبهة؟ أو غاصب، فاستحقت الأرض، ولم يفت وقت ما تراد له الأرض فعليه كراء السنة، وأما إن فات وقت ما تراد له فلا شيء عليه، لأنه محمول على الخير حتى يثبت خلافه.
قوله: (وفاتت بحرثها فيما بين مكر ومكتر) أي ومن اكترى أرضا بعرض فحرثها ثم استحق ما اكتراها به، فإن الأرض قد فاتت بالحرث، والحرث هنا تحريك الأرض، وعلى المكتري كراء السنة، لا يقول المكري يأخذ أرضه.
قوله: (وللمستحق أخذها، ودفع كراء الحرث، فإن أبى قيل له: أعط كراء سنة، وإلا أسلمها بلا شيء) أي وللمستحق أخذ الأرض من ذي الشبهة بعد أن حرثها، إن دفع له كراء الحرث، فإن أبى المستحق من دفعه، قيل لذي الشبهة أعط كراء سنة، وإن لم يدفعه أسلم الأرض بلا شيء.
[ ٣ / ١٨٦ ]
قوله: (وفي سنين يفسخ أو يمضي، إن عرف النسبة، ولأخيار للمكتري للعهدة، وانتقد إن انتقد الأول، وأمن هو) أي فإن استحقت الأرض ممن كانت في يده بعد أن أكراها سنين بعد أن زرع بعضها، فإن للمستحق فسخ ذلك الكراء وله امضاؤه فيما بقي، وأما ما فات فإنه للمستحق من يده، وإنما له الإمضاء إذا عرف نسبة ما بقي من الكراء، وإلا فلا يجوز، لأنه كراء مجهول ولا خيار للمكتري لأجل العهدة، وانتقد المستحق إن انتقد الأول وهو المكري وأمن هو أي الثاني وهو المستحق ولم يخف من دين أحاط به.
قوله: (والغلة لذي الشبهة أو المجهول للحكم) أي المجهول حاله هل هو ذو شبهة؟ أم لا أي والغلة له إلى الحكم، لأن الخراج بالضمان.
وأعلم أن المشتري لا يرد الغلة في خمسة مواضع: هذه ومن اشترى شيئا فاغتله ثم رده بعيب، والمشترى شراء فاسد فرده بعد أن اغتله، ومن اشترى ما فيه الشفعة وأغتله ثم أخذ بالشفعة، ومن اشترى شيئا فاغتله ثم فلس.
قوله: (كوارث، وموهوب، ومشتر منه) إلى آخره مثال لذي الشبهة.
قوله: (إن لم يعلموا) شرط، وأما إن علموا فهم كالغاصب في الضمان ورد الغلة والتأديب.
قوله: (بخلاف ذي دين على وارث، كوارث طرأ على مثله) أي فإنه يرد الغلة.
لو قال الشيخ: بخلاف ذي دين طرأ على وارث كوارث على مثله لكان أوضح وأبين.
الوارث يرد الغلة، لأن الخراج بالضمان، والوارث لا ضمان عليه، ولذلك يرد الغلة لذي دين أو وارث مثله في الاسم (إلا أن ينتفع) الوارث بنفسه ولم يستقل فلا شيء عليه ولكن بشروط ثلاثة: الأول هذه.
الثاني: أن يكون في نصيبه ما يقوم به.
الثالث: إلا أن لا يعلم بالطارئ.
قوله: (وإن غرس، أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته قائما، فإن أبى فله دفع قيمة الأرض، فإن أبى فشريكان بالقيمة يوم الحكم) أي وإن غرس أو بنا ذو الشبهة أو من جهل حاله هل هو ذو شبهة؟ أم لا، قيل للمالك أعطه قيمة الغرس أو البناء قائما، فإن أبي المستحق فللمستحق من يده دفع قيمة الأرض، فإن أبي فيكونان شريكان بقيمة ما لكل واحد، فيقال: كم تساوي هذه الأرض بلا بناء، فيقال: خمسة مثلا، ثم
[ ٣ / ١٨٧ ]
يقال: كم يساوي هذا البناء يقال عشرة، فلصاحب الأرض الثلث، إنما تعتبر القيمة يوم الحكم، وقيل: يوم الغرس أو البناء.
قوله: (إلا المحبسة فالنقض) أي الأرض المستحقة بالحبس، فليس للغارس أو الباني ذي الشبهة إلا النقض، إذ ليس هناك من يعطي قيمة الغرس أو البناء، ولا للغارس أو الباني أن يعطي قيمة الأرض، لأنه بيع الحبس فتعين أخذ نقضه، والنقض يفعل به ما يشاء، إلا أن يكون البناء كمسجد، فإنه يجعل النقض في مثله لأنه حبس فلا يملك.
النقض بضم النون ما يبنى به وبالكسر الهزيل.
قوله: (وضمن قيمة المستحقة، وولدها يوم الحكم) أي وإذ استحقت الأمة من يد ذي الشبة بعد أن أولدها، فإنه يضمن قيمتها وولدها يوم الحكم، ومن مات منهما قبل الحكم فلا شيء عليه فيه.
ابن شاس: إلا أن يكون يوم إذ جنينا فتؤخذ قيمته يوم الوضع إذا وضع. وقال المغيرة: يضمن قيمة الولد يوم الوضع وإن مات بعد ذلك. انتهى (^١).
ولا يخفى أنها استحقت بملك لا بحرية. غفل الشارع هنا ﵀
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
فكم أجاد ﵀ وأصلح.
قوله: (والأقل إن أخذ دية) أي وضمن المستحق من يده الأمة بعد أن أولدها الأقل من قيمة الولد أو الدية إن أخذ ديته، لأن القيمة إن كانت أقل فهي التي عليه، وإن كانت الدية هي الأقل هو الذي أخذ منه لا يلزمه غيره، وإن صالح فعليه الأقل من القيمة أو ما أخذ في الصلح، وإن اقتص منه فلا شيء عليه.
قوله: (لا صداق حرة أو غلتها) أي من اشترى أمة فوطئها وهي ثيب أو بكر فافتضها ثم استحقت بحرية، فلا شيء عليه في الوطئ لا صداق ولا ما نقصها، وكذلك إذ اغتلها لأن الغلة بالضمان.
قوله: (وإن هدم مكتر تعديا) شرط، وأما إن هدم بإذن المكري فلا شيء عليه، وإن هدمه تعديا (فللمستحق) أخذ (النقض وقيمة الهدم) صورته، يقوم البناء بعشرين مثلا ثم النقض بعشرة، فليدفع له العشرة (وإن أبرأه مكريه) بالهدم، لأنه أبرأه مماليس له.
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٨٧٤.
[ ٣ / ١٨٨ ]
قوله: (كسارق عبد، ثم استحق) أي كما يضمن سارق عبد وإن أبرأه المسروق من يده، لأنه أبرأه مما ليس له.
قوله: (بخلاف مستحق مدعي حرية، إلا القليل) أي فإن له أخذ قيمة عمله ممن استعمله إلا أن تكون الخدمة قليلة فلا يرجع بها المستحق.
لو وصل الشيخ هذا الفرع بقوله: لا صداق حرة أو غلتها لكان أولى لأنه في مقابلته.
قوله: (وله هدم مسجد) أي وللمستحق هدم مسجد بني في أرضه وليس له شراء النقض، لأنه حبس، بل يجعل النقض في مسجد آخر.
قوله: (وإن استحق بعض فكالمبيع) أي وإن استحق بعض ما بيده، فكالبيع إذا ظهر فيه عيب قديم، وقد تقدم ذكره في خيار النقيصة مجملا ومفصلا، ولذلك كان صوابه فكالعيب وهو في بعض النسخ الله أعلم إصلاح.
قوله: (ورجع للتقويم) أي وإن استحق بعض المبيع يرجع فيه إلى التقويم لا إلى التسمية، كما إذا اشترى عشرة أثواب كل ثوب بعشرة مثلا، فاستحق نصفها فأقل، فإنما يقوم المستحق فيرجع بقيمته لا إلى العشرة إن كانت قيمته أقل أو أكثر.
قوله: (وله رد أحد عبدين استحق أفضلهما بحرية) مفهومه وله التمسك وهو ظاهر التهذيب وهو خلاف المشهور، والمشهور ليس له إلا الرد فيهما. وقوله: بحرية قصد الوجه المشكل وأحرى إن استحق برق.
قوله: لا إن صالح (^١) صوابه (كأن صالح عن عيب بآخر) أي فإذا اشترى عبدا فظهر فيه عيب، فصالح البائع بعبد آخر، ثم استحق أحد العبدين فإن له الرد (وهل يقوم الأول يوم الصلح أو يوم البيع؟) فيه (تأويلان) وأما الثاني إنما يقوم يوم الصلح بلا خلاف.
قوله: (وإن صالح فاستحق ما بيد مدعيه رجع في مقر به لم يفت، وإلا ففي عوضه) أي وإن صالح المدعى عليه مدعيه بشيء ثم استحق ما بيد المدعي، فإن كان الصلح على الإقرار رجع المدعي في المقر به إن لم يفت بحوالة سوق فأعلا، وإلا أي وإن فات فإنه يرجع في عوضه وهو قيمته إن كان مقدما أو مثله إن كان مثليا.
_________________
(١) قوله: لا إن صالح الظاهر أن هذا اللفظ ورد في نسخة الوداني من المختصر لهذا قال: صوابه … والصحيح أنه إنما ذكر اللفظ الوارد في نسخ لم يطلع الشارح عليها والله أعلم.
[ ٣ / ١٨٩ ]
قوله: (فإنكار على الأرجح، لا إلى الخصومة) التشبيه بين المسئلتين الرجوع لا كيفية الرجوع أي فإن كان الصلح على الإنكار، فإنه يرجع بقيمة ما استحق من يده وإن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا، فلا يرجع إلى الخصومة، وقيل: يرجع إليها.
قوله: (وما بيد المدعى عليه، ففي الإنكار يرجع بما دفع، وإلا فبقيمته، وفي الإقرار لا يرجع) أي وإن استحق ما بيد المدعا عليه بعد أن صالح فيه، فإن كان الصلح على الإنكار، فإن المدعى عليه يرجع بما دفع إن لم يفت، وإلا فبقيمته إن كان مقوما، أو مثله إن كان مثليا فإن كان الصلح على الإقرار فلا يرجع عليه، لأنه قد أقر له أنه له وقيل يرجع عليه.
قوله: (كعلمه صحة ملك بائعه) أي كما لا يرجع على البائع إذا استحق عليه ما ابتاعه منه إن علم صحة ملك البيع للبائع، لأنه يعلم أن البائع مظلوم في استحقاق شيئه (لا إن قال داره) أي فإن اشترى منه دارا مثلا، فقال: هي لي، ثم استحق الدار، فإنه يرجع عليه بالثمن.
قوله: (وفي عرض بعرض بما خرج من يده أو قيمته، إلا نكاحا وخلعا، وصلح عمد، ومقاطعا به عن عبد أو مكاتب، أو عمرى) أي ورجع في بيع عرض بعرض فاستحق أحدهما بما خرج من يده إن لم يفت أو قيمته إن فات إن كان مقوما، أو مثله إن كان مثليا، إلا في هذه المسائل الست نكاحا، فإن تزوج امرأة بصداق ثم استحق، فإنه إنما يرجع بقيمة ما استحق من يدها لا إلى صداق المثل، وكذلك إذا خالعت زوجها فاستحق ما أخذه في الخلع، فإنه يرجع بقيمة ما استحق، فلا يرجع إلى خلع المثل، وكذلك إن صالح عن دم عمد فاستحق ما صالح به، فإنه يرجع بقيمة ما استحق من يده لا إلى الدم، فإن دم العمد لا قيمة له، وكذلك إن قاطع عبده على عتق بعبد ثم استحق العبد، فإنه يرجع بقيمة العبد المستحق من يده، وكذلك إن قاطع المكاتب بعبد ثم استحق العبد فإن السيد يرجع بقيمة العبد لا إلى المكاتب، وكذلك إن أعمر رجل دارا مثلا، ثم اشتراها فاستحق الثمن، فإنه يرجع بقيمته إن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا لا إلى العمري.
قوله: (وإن أنفذت وصية مستحق برق لم يضمن وصي، وحاج إن عرف بالحرية، وأخذ السيد ما بيع، ولم يفت بالثمن) أي لم يضمن، ولي ذلك أو حاج بالمال الموصي به، إن عرف العبد بحرية أي لم تظهر عليه علامة الرق، وأخذ السيد ما بيع من ذلك لم يفت بالثمن، والفوات يكون بحوالة سوق فاعلا، وكذلك الغائب إذا ادعى عليه
[ ٣ / ١٩٠ ]
فباع الحاكم عليه ماله، ثم قدم فأثبت أنه قضى ما ادعى به عليه، فإنه لا يأخذ المبيع عليه إلا بالثمن، لأنه حكم مضى.
قوله: (كمشهود بموته إن عذرت بينته وإلا فكالغاصب) أي كما يأخذ من شهد بموته ثم جاء ما بيع من سلعة إن عذرت بينته أي أتوا بعذر وإلا أي وإن لم تأت البينة بعذر فحكمه حكم الغاصب وقد تقدم.
قوله: (وما فات، فالثمن، كما لو دبر، أو كبر صغير) أي وأخذ السيد ما بيع ولم يفت والذي فات فالثمن في المسألتين متعين ويرجع بالثمن على البائع.
قلت: قال أبو إبراهيم ما معناه ولا معارضة في قوله: لم يضمن مع قوله: خير أو يرجع بذلك الثمن على البائع بحمل ما تقدم على أن الثمن فات وصرف في مصارفه.
والثاني قوله: كما لو دبر أو كبر صغيرا مثلا، لأن الفوات فرع، أجاب ابن أبي الهيثم (^١) في مسألة غائب عن ماله مدة من الزمان فلما انصرف وجده عند أقوام ادعوا ابتياعه، ولم يثبت لهم ذلك، ولا ظهرت لهم وثيقة به. وطلب منهم صاحب الأرض الغلة. فقال: إذا ثبت الأصل للقائم، وأنه لم يفته في علم شهوده، ولم يعلم شراء من وجد بيده إلا بقوله فاختلف فيه أصحاب مالك ﵀، واختلف فيه أيضا قول مالك، فقال: وقالوا: يحمل على الشراء حتى يستبين خلافه. ويعلم أنه غاصب، ولا غلة عليه. وقالوا أيضا: هو كالغاصب وعليه الغلة حتى يعلم الشراء. وقع القولان في أمهالت كتبه وخالفه أبو علي حسون في المسألة وقال: لا رجوع عليه. ولا أعلم خلافا بين مالك وأصحابه فيمن استحق بيده شيء، لا يعلم تفويته فيه أن لا رجوع عليه بغلة. وإنما يجب عليه الرجوع بالغلة على الغاصب. انتهى من المدارك (^٢).
وسئل ابن أبي زيد عمن بيده دابة فقال له آخر: هي لي من أين ملكتها.
فقال: اشتريتها من فلان رجل متغلب من جهة السلطان لا يستطاع له.
فقال لي بينة، فقال: اذهب فأت بها لأرجع فيما دفعت له. فذهب الرجل ليأتي
_________________
(١) قال عنه القاضي عياض: من أهل مالقة، وكبراء فقهائها، من هذه الطبقة. وولي القضاء، وألف كلاما في الفقه، حسنا. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٣٣٩.
(٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٣٣٩/ ٣٤٠.
[ ٣ / ١٩١ ]
بالبينة فردها من هي بيده للرج المتغلب وأخذ ثمنها وأحال صاحبها على طلبه منه.
فأجاب: إن قدر الطالب على إقامة البينة وأخذ الدابة ممن هي في يده فعل، وإن لم يجد البينة بهذا ولم يمكنه فله رد اليمين على الذي كانت بيده الدابة أن فلانا أقاله فيها ورد عليه، ثم يطلبه إن أمكنه (^١).
هكذا وجدت بخط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله.
قال ابن سهل: وفي بعض النسخ في آخر كتاب الإستحقاق من العتبية وأراها من سماع أصبغ، قلت: أرأيت القاضي إذا قضى بشيء للعامة كالطريق، أو الخاصة، أو الموردة ونحوها، من يشهد عليه؟ قال عدول من العامة، قلت: وكيف تجوز شهادتهم ولهم في ذلك سهم؟ قال: هذا مما لا بد منه، لأنه لا يوجد أحد ليس له سهم يشهد عليه. قال لي: وليس هذا سهما أيضا، ولو كان سهما ما قطع من سرق من بيت المال، ولا حد من زنا بجارية من المغنم، وهذا مثله. انتهى من ابن فرحون (^٢).
* * *
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٥، ص: ٢٥٠.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٨٩.
[ ٣ / ١٩٢ ]