قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الزنا، هذه هي الجناية الثالثة.
الزنا يمد ويقصر، والمد لغة نجد، والقصر لغة الحجاز قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة﴾ [الإسراء: ٣٢] وهو مما اجتمعت جميع الملل على تحريمه.
عرفه المصنف عجله فقال: (الزنا وطء مكلف مسلم) وهو من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، واحترز بالمكلف من الصبي والمجنون، ودخل السكران، واحترز بالمسلم من الكافر لأن وطئه لا يسمى زنا.
قوله: (فرج آدمي لا منك له فيه باتفاق تعمدا) أي وهو جنس شمل الذكر والأنثى قبلا كان أو دبرا لا ملك للواطئ فيه أي في الفرج محرم بإجماع من العلماء في حال كون الوطء تعمدا احترازا من الغلط بالظن أنها زوجته أو أمته.
قوله: (وإن لواطا، أو إثيان أجنبية بدبر، أو إثيان ميتة غير زوج، أو صغيرة يمكن وطؤها، أو مستأجرة لوطء، أو غيره، أو مملوكة تعتق، أو يعلم حريتها، أو محرمة بصهر مؤبد، أو خامسة، أو مرهونة، أو ذات مغنم، أو حربية، أو مبتوتة وإن بعدة. وهل وإن أبت في مرة؟ تأويلان. أو مطلقة قبل البناء، أو معتقة بلا عقد) أي وإن كان الوطء لواطا أي عمل قوم لوط وهو اتيان الذكر في دبره يسمى زنا وإن اختلفا في الحكم فإنه يرجم اللائط أحصن أو لم يحصن حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا بخلاف الحد، وكذلك إتيان أي وطء أجنبية بدبر فإنه زنى احترازا من الزوجة فإنه ليس عليه إذا وطء في دبرها إلا الأدب، وكذلك إذا وطء امرأة ميتة غير زوجة أو أمة فإنه زنى وأما زوجته، فإنه يؤدب فقط فلا يحد وإن كان وطؤها لا يجوز، وكذلك إذا وطء صغيرة يمكن وطؤها فإنه زنا.
قوله: يمكن وطؤها قول أشهب واقتصر عليه المصنف، وأما قول ابن القاسم فإنه يحد في الصغيرة يمكن وطؤها أم لا، وكذلك إذا وطئ امرأة مستأجرة لوطء أو غيره كالخدمة فإنه يحد وإن كان فيه خلاف أبي حنيفة غحله لضعف الخلاف، وكذلك إذا وطئ مملوكة تعتق عليه كأمه وإن علت وبنته وإن سفلت فإنه يحد، وكذلك من اشترى حرة وهو يعلم بحريتها ووطئها فإنه يحد.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
قال في المدونة: ومن اشترى حرة وهو يعلم بها فأقر أنه وطئها حد (^١).
غفل الشارح هنا ﵀
وسئل ابن رشد عن الخمس مسائل التي يجمع فيها الحد ولحوق النسب.
فأجاب عنها بأنها: الرجل يشتري الأمة فيولدها ثم يقر بحريتها وشرائها مع علمه بحريتها، أو يشتري الأمة فيولدها ثم يقر بحريتها وشرائها مع علمه بحريتها، أو يشتري الأمة ويولدها ثم يقر أنه اشتراها عالم بأنها ممن يعتق عليه ووطئها عالما بذلك وبعدم حليتها، أو يتزوج المرأة ويقر أنه طلقها ثلاثا وعلم أنها لا تحل له إلا بعد زوج ووطئها وأولدها كذلك، أو يشتري الجارية ويطؤها وهو يعلم أنها لا تحل له.
وكذا يتزوج المرأة ويطؤها وهو يعلم أنها لا تحل له بنسب أو رضاع مع علمه بعدم حلية ذلك، أو يتزوج امرأة ويقر أنها خامسة ويطؤها وهو يعلم أنها لا تحل له.
وإنما يثبت النسب في هذه المسائل لأن ظاهر الحكم يعطيه ووجب الحد بما أقر به على نفسه مما يوجبه ولا يسقط ما ثبت من نسب الولد بقوله.
وكذلك كل ما في معنى هذه المسائل إذ لا نص فيها.
وإنما ذكرت لكونها من أمهات مسائل يقاس عليها وضابطه: أن كل حد يجب بالإقرار ويسقط بالرجوع عنه فالنسب معه ثابت، وكل ما لا يسقط من الحدود بالرجوع عنه فلا يثبت النسب فيه. انتهى من البرزلي (^٢).
وقد ذكر الشيخ الحد فيها.
وكذلك يحد واطئ امرأة محرمة لصهر مؤبد، كما إذا تزوج امرأة ثم تزوج عليها ابنتها ووطء البنت بعد الدخول بالأم فإنه يحد.
واحترز به من غير المؤبد كبنت على أم لم يدخل بها، وكذلك يحد من تزوج امرأة خامسة إذا وطئها وهو مذهب المدونة خلافا لأهل الظاهر.
قال الفاكهاني: والصحيح أن مذهب أهل الظاهر لا يعتبر، وإنما يعتبر خلاف المذاهب الأربعة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وابن حنبل رحمه اللاه في بعض المواضع، وكذلك يحد واطئ أمة مرهونة عنده ومودعة إذ لا ملك له في فرجها،
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٤٥١.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ١٤٧.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
وكذلك يحد واطئ أمة ذات مغنم أي من الغنيمة قال بعضهم: وهذا في الجيش الكبير، وأما الجيش القليل فلا يحد، وقيل: لا يحد مطلقا، وعلى الحداد لا يستقر ملك القائمين عليها بنفس الغنيمة وإنما ملكوا أن يملكوا وقيل بل ملكوا بالاستيلاء وتقض الحرب وقد خرج بعض العلماء على القولين فروعا وهي: لو وقع في المغنم من يعتق على بعض الغانمين فإنه يعتق عليه ويغرم نصيب أصحابه، وكذلك لو أعتق عبدا من المغنم كمل عليه قاله سحنون فيهما، وقال ابن القاسم وأشهب: إذا أعتق أمة من المغنم فلا عتق له، ولو وطء جارية حد ولم تكن له أم ولد، وقال عبد الملك: لا حد عليه.
وقال سحنون: إن سرق ما يزيد على حصته بثلاثة دراهم قطع وإلا فلا، وأما الوطء فلا حد فيه والاستيلاء ثابت. انتهى من الجواهر (^١).
وبذلك يحد واطئ حربية في بلدها أو خرجت بنفسها ودخلت بلد الإسلام، وأما إن غنمها وخرج بها هو فلا يحد لأنه ملكها، وكذلك يحد واطئ مبتوتة وإن كانت في عدته، وأحرى إذا خرجت من العدة وهل هذا هو الحكم وإن كان أبتها في مرة واحدة لضعف الخلاف أن البتة لا تلزم إن وقعت مرة واحدة في فور، وقيل: لا يحد مراعاة للخلاف أن البتة لا تلزم إذا وقعت في مرة واحدة في ذلك تأويلان على المدونة.
وكذلك يحد واطئ مطلقته قبل البناء أو واطئ معتقته قبل عقد النكاح عليهما.
قوله: (كأن يطأها مملوكها أو مجنون؛ بخلاف الصبي) أي وكذلك تحد المرأة إذا وطئها مملوكها أو مجنون طائعة لهما بخلاف إذا وطئها صبي فإنها لا تحد بل تؤدب لأن وطء الصبي كلا وطئ، وذكره كالأصبع فلا يحصل لها مع الصبي من اللذة ما يحصل مع غيره.
وقوله: (إلا أن يجهل العين أو الحكم، إن جهل مثله، إلا الواضح) راجع إلى جميع المسائل أي يحد إلا أن يجهل عين الموطوءة، كما إذا ظنها زوجته أو أمته، فإنه لا يحد، وكذلك لا يحد إذا جهل حكم تحريم الزنا لقرب عهده بالإسلام، إن كان مثله يجهل ذلك كالأعجمي، إلا أن يكون الزنى واضحا، فإنه لا يعذر بالجهل فيه وهو مذهب المدونة. قال أصبغ يعذر.
_________________
(١) هذا نص ما في الذخيرة: ج ٣، ص: ٤٢٧. بتصرف وجيز ناقلا من الجواهر.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
قوله: (لا مساحقة) قال شيخنا: الله أعلم معطوف على قوله: الزنا وطئ مكلف لا مساحقة، لأن الوطء هو الإيلاج والمساحقة ليست بإيلاج وإنما هو أن تحك المرأة فرجها مع فرج الأخرى حتى تنزلا.
وقيل: أن تصنع المرأة شيئا كذكر الرجل تدخله في فرجها فلا تحد بل تؤدب اجتهادا من الإمام ولهذا قال: (وأدب) أي الإمام (اجتهادا) منه بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى.
قوله: (كبهيمة وهي كغيرها في الذبح والأكل. ومن حرم لعارض كحائض، أو مشتركة أو مملوكة لا تعتق أو معتدة أو بنت على أم، لم يدخل بها، أو أختا على أختها، وهل إلا أخت النسب لتحريمها بالكتاب تأويلان) أي كما يؤدب واطئ البهيمة والموطوءة كغيرها من الدواب في الذبح والأكل بلا خلاف عندنا، وكذلك يؤدب واطء امرأة حلال له في الأصل، وهي الآن حرم وطؤها بسبب عارض وذلك كحائض وصائمة بفرض أو تطوع بإذنه أو كانت محرمة أو معتكفة فلا يحد بل يؤدب، وكذلك واطئ أمة مشتركة لا يحد بل يؤدب لأنه متعد على شريكه.
وكذلك لا حد على واطئ مملوكته المعتدة يريد المتزوجة كما قال ابن الحاجب أو عدة أو تزويج ولم يذكرها الشارحان، وكذلك لا يحد واطئ مملوكته المحرمة عليه، ولكن لا تعتق عليه كالعمة والخالة بل يؤدب، وأما التي تعتق تقدم حكمها وكذلك إذا نكح ابنتا على أمها وطئها قبل الدخول على الأم بل يؤدب، وأما إذا وطئ البنت بعد الدخول بالأم فإنه يحد، وكذلك يحد إذا تزوج امرأة على أختها أو خالتها أو عمتها ووطئها بل عليه الأدب، وهل لا يحد مطلقا كانت الأخت من النسب أو الرضاع وإليه ذهب التونسي.
أولا يحد في الأخت من الرضاع، وأما أخت النسب فيحد فيها لتحريمها في كتاب الله، والأخت من الرضاع بالسنة وهي أضعف من الكتاب في ذلك تأويلان على المدونة.
وأما تزويجها على عمتها أو خالتها فلا يحد لأنه تحريم من جهة السنة، وهذا أصل وهو أن ما كان تحريمه من جهة السنة لا يحد فيه، وما كان من تحريم القرآن ففيه الحد قاله بعض الشيوخ. انتهى من الشرح الكبير (^١).
_________________
(١) الشرح الكبير للشيخ بهرام بعد قول خليل في باب الزنى أو بنت على أم لم يدخل بها، أو أختا =
[ ٣ / ٤٧٧ ]
قوله: (وكأمة محللة، وقومت وإن أبيا) أي وكذلك يؤدب واطئ أمة محللة له وشبهها كمن زوج ابنته لرجل وأدخل معها أمته على الزوج، فإنها كالمحللة يؤدب واطئها وإن عالما بالتحريم وقومت الأمة وإن أبا سيدها والمحللة له لا ينظر إليهما، فيدفع قيمتها لسيدها لتتم له الشبهة فيها وليس لربها التمسك بها بعد الوطء.
قوله: (أو مكرهة أو مبيعة بفلاء) أي ولا تحد المكرهة على الزنى ولا تؤدب، وكذلك المرأة الحرة إذا أقرت أنها مملوكة فباعها الذي أقرت له بالملك أقرت بذلك لأجل غلاء حصل لها ووطئها مشتريها لا حد عليها ولا أدب لأنها معذورة بشدة الجوع.
مسألة: لو أقر حر لرجل أنه مملوكه فباعه المقر له بالملك واقتسما الثمن ثم مات البائع وثبتت حرية المقر رجع المبتاع على المقر بجميع الثمن عقوبة له.
قوله: (والأظهر والأصح، كإن ادعى شراء أمة، ونكل البائع، وحلف الواطن إلى آخره يعني أن من وطئ أمة وادعى أنه اشتراها من مالكها وأنكر المالك البيع وتوجهت اليمين على البائع ونكل عنها وحلف الواطئ المدعي الشراء، فإنه لا حد عليه، لأنه تبين أنه وطئها وهي في ملكه، وهو قول ابن القاسم واختاره ابن رشد وأما ابن غازي: الأظهر نفيه.
مسألة مبيعة بالغلاء أي ومبيعة بالغلاء على الأظهر، ولهذا كان هكذا في بعض النسخ. انتهى.
قوله: (والمختار أن المكره كذلك، والأكثر على خلافه) أي والمختار للخمي من الخلاف أن الذي أكره على أن يزني لا حد عليه، وهو الذي عليه المحققون، والأكثر من الشيوخ على خلاف سقوط الحد عنه، وقيل بالفرق إن انتشر حد، وإلا فلا، وأسقطه اللخمي، لأن الانتشار طبيعة.
قوله: (ويثبت بإقرار مرة؛ إلا أن يرجع مطلقا، أو يهرب) شرع هنا ﴿الله﴾ فيما يثبت به الزنى وما لا يثبت به أي يثبت الزنى بإقرار الزاني به وإن مرة واحدة خلافا لمن قال إنما يثبت بإقراره أربع مرات وهو قول أبي حنيفة ﵁
قوله: إلا أن يرجع عن إقراره ذلك مطلقا أي رجع إلى ما فيه شبهة أم لا وأكذب نفسه، فإنه يقبل رجوعه عن ذلك الإقرار فلا يحد، وكذلك إن هرب فإنه
_________________
(١) = على أختها، وهل إلا أخت النسب لتحريمها بالكتاب؟ تأويلان. بتصرف. مخطوط
[ ٣ / ٤٧٨ ]
يكف عن حده.
قوله: (وإن في الحد) أي راجع إلى الرجوع عن الإقرار والهروب معا، بمعنى إن رجع وإن في وسط الحد أو هرب فيه سواء ذهب أكثر الحد أو أقله فإنه يترك ولا يحد.
قوله: (وبالبينة) أي وكذلك يثبت الزنى بالبينة وقد تقدم أن شرط الشهادة فيه أربعة عدول يشهدون أنهم رأوا فرجه في فرجها كالمرود في المحكلة في وقت واحد ورؤية واحدة، جعل الله الشهادة في الزنى خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء تغليظا على المدعي وسترا على العباد.
قوله: (فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها، وبحمل في غير متزوجة، وذات سيد مقر به) أي فلا يسقط الحد الثابت على المرأة بالزنى بشهادة أربع نسوة ببقاء بكارتها، لأن من أثبت حكما الذي هو الحد أولى ممن نفاه، وكذلك يثبت الزني بظهور حمل في امرأة غير متزوجة، أو غير ذات السيد أقر بوطئها، وأما إن ظهر بالمتزوجة فلا تحد لأن الولد لا حق للزوج، إلا أن ينفيه بلعان، وذكر المواق هنا كلاما غير ظاهر واعترض على الشيخ.
وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم) (^١)
قوله: (ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة) أي فإن ظهر بالمرأة غير ذات زوج أو سيد أقر بالوطء حمل وادعت أنها غصبت فلا يقبل منها ذلك إلا لأجل قرينة تدل على صدقها، كما لو جاءت مستغيثة عند النازلة أو جاءت بكرا تدمي عند النازلة وهذا هو المشهور.
اللخمي: يقبل قولها وإن لم تظهر قرينة لاحتمال أن تكون غصبت وكتمت رجاء ألا يكون عنه حمل، ولكن شرط في هذا أن تكون المرأة معروفة بالخير غير مطعون فيها.
قوله: (يرجم المكلف) لما فرغ مما يثبت به الزنى شرع يذكر كيفية الحد وقدره وما فيه التغريب وما ليس فيه فقال: يرجم المكلف (الحر المسلم) أخرج غير المكلف وأخرج العبد وأخرج الكافر وشروط الرجم ستة: البلوغ، والعقل، والإسلام،
_________________
(١) البيت للمتنبي انظر ديوان المتنبي تحقيق: د. عبد المنعم خفاجي وسعيد جودة السحار ود. عبد العزيز شرف. ص: ٣٦٥. الناشر مكتبة مصر ٣ شارع كامل صدقي. الفجالة.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
والحرية، ووطء صحيح في نكاح صحيح نظمها بعضهم فقال: (^١)
شروط الإحصان ست أتت … فخذها على النص مستفهما
بلوغ وعقل وحرية … ورابعه كونه مسلما
وتزويج صحيح ووطء مباح … متى اختل شرط فلن يرجما
قوله: (إن أصاب بعدهن بنكاح لازم) أي إنما يرجم الزاني إذا أصاب أي وطئ بعدهن أي بعد التكليف والحرية والإسلام في نكاح لازم احترازا من النكاح الذي للزوج فيه الخيار كما إذا كان فيها عيب يوجب الخيار فيها، وكذلك إذا كان الخيار للزوجة كما إذا كان في الزوج عيب يوجب لها الخيار، وكذلك النكاح الذي فيه الخيار للولي كما إذا تزوجها بغير إذنه.
قوله: (صح) أي بوطئ صحيح احترازا من وطء فاسد، فإنه لا يحصن كالوطء في الحيض. غفل الشارحان هنا لأنهما جعلا معنى صح أي صح النكاح إذ فيه تكرار وأيضا فيه ترك صحة الوطئ وهي شرط.
قوله: (بحجارة معتدلة) أي يرجم المرجوم بحجارة معتدلة لا صغيرة ولا كبيرة، لأن في الصغيرة تعذيبه، وفي الكبيرة تغيير خلقته، ويتقى الوجه عند الرجم.
قوله: (ولم يعرف بداءة البينة) أي ولم يعرف الإمام مالك البداية للبينة بالرمي عند الرجم (ثم) يليهم (الإمام) ثم الناس بل سواء من ابتدأ برجمه.
قوله: (كلائط مطلقا وإن عبدين أو كافرين) أي كما يرجم اللائط مطلقا أحصن أو لم يحصن وإن كانا عبدين أو كافرين وهو بخلاف الزاني في هذا الحكم.
قوله: (وجلد البكر الحر مائة، وتشطر بالرق وإن قل) أي وجلد البكر الذي لم يحصن ذكرا كان أو أنثى مائة سوط، وستأتي صفة السوط، والضرب إن شاء الله وتشطر ذلك الحد لأجل الرق قنا كان أو غيره كالمكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل أو المعتق بعضه وإن قل المعتق منه وأم الولد.
قوله: (وتحصن كل دون صاحبه بالعتق والوطء بعده) أي وتحصن كل من الزوجين دون صاحبه بالعتق، فإذا وطئ الزوج بعد عتقه فإنه يحصل له الإحصان بذلك الوطء، وكذلك إذا أعتقت هي ووطئها الزوج بعد عتقها، فإنها تكون محصنة بذلك
_________________
(١) قال الفاكهاني: أنشدنا لنفسه القاضي زين الدين بن رشيق وذكر هذه الأبيات.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
الوطء، خص العتق بالذكر إذ يحصل من الزوجين به الإحصان، وأما البلوغ والإسلام قد لا يحصل بهما.
قوله: (وغرب الحر الذكر فقط عاما، وأجره عليه. وإن لم يكن له مال فمن بيت المال) أي وإذا جلد البكر الحر الذكر مائة، فإنه يغرب عن بلده عاما كاملا واحترز بالذكر من الأنثى، فإنها لا تغرب إذ في تغريبها مضرة أخرى لعدم الولي، أو الرفقة المأمونة أو لضرر الولي بخروجه معها واحترز بالحر من العبد، فإنه لا يغرب لحق السيد ومؤنة خروجه إلى حيث يغرب إليه ونفقته من ماله، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال، فإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يوجد فعلى المسلمين، انظر فإن زنى حيث غرب إليه، هل يغرب إلى بلد آخر أو لا لأنه غريب.
قوله: (كفدك، وخيبر من المدينة، فيسجن سنة. وإن عاد أخرج ثانية) مثالان لبعد ما يغرب إليه الزاني بينهما وبين المدينة يومان فيسجن هناك سنة كاملة، ولا يقيد إلا إذا خيف هروبه، فإن تمت السنة أخرج من السجن وإن عاد إلى الزنا بعد ذلك غرب ثانية، ويحتمل وإن عاد إلى الموضع الذي أخرج منه قبل تمام السنة أخرج ثانية، وقال الشيخ: أخرج ولم يقل أعيد تنبيها على أنه ليس بشرط أن يعاد إلى الموضع الذي غرب إليه أو لا، بل يجوز أن يغرب إلى غيره.
قوله: (وتؤخر المتزوجة لحيضة) أي وتؤخر المتزوجة التي ثبت عليها الزنى بإقرار أو بينة في الرجم إلى أن تحيض حيضة واحدة للاستبراء لحق الزوج، إذ لعل بها حمل، وهذا احد المسائل التي تستبرأ بها الحرة بحيضة، وثانيها المرتدة وثالثها الملاعنة، وهذا في المتزوجة، وأما غير المتزوجة فلا يؤخر إلا إذا تخلق الولد، فإنها تؤخر لحق الولد متزوجة كانت أو غيرها.
قوله: (وبالجلد اعتدال الهواء) أي يؤخر من حده الجلد بالجلد لاعتدال الهواء أي لا حر مفرط، ولا برد مفرط خشية الهلاك.
قوله: (وأقامه الحاكم والسيد؛ إن لم يتزوج بغير ملكه بغير علمه) أي إنما يقيم الحدود الحاكم على الحر أو العبد، وكذلك السيد يقيم حد الزني والقذف والشرب على عبده أو أمته إذا ثبت عليهما ببينة أو إقرار، إن لم يتزوج الرقيق بملك غير سيده حرا كان أو رقيقا، وأما إن كان متزوجا لملك غير سيده، فلا يقيم عليه الحد إلا الإمام أو قائم مقامه، فلا يقيم السيد الحد على عبده أو أمته بمجرد علمه بسببه، بل
[ ٣ / ٤٨١ ]
إذا ثبت بإقرار أو بينة.
قوله: (وإن أنكرت الوطء بعد عشرين سنة، وخالفها الزوج فالحد)، إلى آخره أي ومن أقامت مع زوجها عشرين سنة ثم ثبت عليها الزني، فلما ثبت عليها أنكرت الوطء من الزوج في تلك المدة، وقال الزوج بل وطئتها فلا تصدق في عدم الإحصان بل ترجم، وهذه المسألة في كتاب النكاح الثالث من المدونة.
قوله: (وعنه في الرجل يسقط ما لم يقربه، أو يولد له. وأولا على الخلاف أو لخلاف الزوج في الأولى فقط)، أو بأنه سكت، أو بأن الثانية لم تبلغ عشرين تأويلات) أي وعن الإمام مالك رحمة الله في كتاب الرجم من المدونة فيمن تزوج امرأة وتقدم مكثه معها بعد الدخول بها فثبت عليه الزني، فقال ما جامعتها منذ دخلت بها، فإن لم يعلم وطؤه بولد أو إقرار لم يرجم، وأول القولان الواقعان في المدونة على أنهما خلاف لأنهما متعارضان لقبول قول الرجل دون المرأة أو ليس بخلاف، وإنما اختلفوا في كيفية التوفيق قال بعضهم: إنما يقبل قول الزوج لأن الزوجة لم تدع أنه وطأها ولو ادعته لكانت كالزوج ولم يقبل قول الزوجة لأن الزوج خالفها وادعى أنه وطئها، وقال بعضهم: إنما يقبل قول الزوج دونها لأن الزوج في الغالب إذا عرض له ما يمنعه من الوطء فإنه يخفيه لأنه عيب وقد يسكت عنه بخلاف الزوجة، فإن العادة إظهار ذلك من جهتها وضعف هذا الفرق لأن المرأة ساكتة هنا، وقال بعضهم: أن الطول الذي فيه قول الزوج لم يبلغ عشرين سنة ولو بلغها لم يقبل.
قوله: كالزوجة فيه تأويلات أربع.
قوله: (وإن قالت: زنيت معه، فادعى الوطء والزوجية، أو وجدا ببيت وأقرا به وادعيا النكاح أو ادعاه فصدقته هي ووليها وقالا: لم نشهد حدا) أي وإن قالت امرأة زنيت مع هذا الرجل فادعى الوطء والزوجية حدا معا، وكذلك إن وجدا في بيت أو غيره وادعيا النكاح وهما غير طارين بل بلديين وأقرا بالوطء فإنهما يحدان، لأن الأصل عدم السبب المبيح، وأما الطارين فلا حد عليهما وكذلك إن ادعى النكاح على امرأة فصدقته فيه ووليها وقالا لم نشهد أحدا.
والرجل والمرأة إذا أقرا بالوطء لأن النكاح لا يجوز إلا بعدلين.
وقوله: حدا جواب عن المسائل الثلاث.
فرع ومن تغامز مع أجنبية، أو تضاحك معها، ضرب عشرين.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
يريد: إذا كانت طائعة، فإن قبلها طائعة ضربا خمسين خمسين، وإن لم تكن طائعة في تقبيله ضرب هو خمسين. ومن جس امرأة ضرب أربعين، فإن طاوعته ضربت مثله. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص ٢٢٧.
[ ٣ / ٤٨٣ ]