قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الشفعة. (الشفعة) ثابتة بالسنة والإجماع وهو تعبد، وقيل: معلل، وفيه ثلاثة أبواب:
الأول في أركانها وهي: المأخوذ، والآخذ، والمأخوذ منه الباب.
الثاني: في كيفية الأخذ.
الثالث: ما تسقط الشفعة به.
الشفعة من الزيادة أي زاد نصيب شريكه على نصيبه، أو من الشفع ضد الوتر، أو من الشفاعة.
ابن عرفه: الشفعة استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بالثمن.
قوله: (أخذ شريك) أي لما قال: أخذ شريكه أخرج الجار وسيأتي به نصا.
قوله: (ولو ذميا باع المسلم لذمي) أي ولو كان الشريك ذميا شارك مسلما، وباع المسلم الشقص لذمي وأحرى إن باعه لمسلم، فلا اعتراض على الشيخ كما قاله بعضهم.
قوله: (كذميين تحاكموا) أتى به دليلا أي لأنهم كذميين تحاكموا (إلينا) فإنما نحكم بينهم بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا فلا نتعرض لهم.
قوله: (أو محبسا ليحبس، كسلطان) أي وللمحبس أن يأخذ بالشفعة بشرط أن يحبس الشخص المأخوذ لا ليملكه، كما للسلطان أن يأخذ الشفعة لبيت المال، كما إذا مات إنسان وترك بنتا لا غير، فباعت البنت مالها في الدار، فإن الحاكم يأخذ بالشفعة لبيت المال.
قوله: (لا محبس عليه ولو ليحبس، وجار وإن ملك تطرقا، وناظر وقف) أي فليس له الأخذ بالشفعة ولو ليحبس الشخص إذ لا أصل له يستشفع به، وكذلك الجار لا شفعة له وإن ملك في الدار طريقا وأحرى إن لم تكن له وكذلك ناظر وقف لا شفعة له.
فرع: وهل للشريك أن يحبس نصيبه أم لا، فإن كان المشاع مما ينقسم فله ذلك، وإن كان مما لا ينقسم فليس له تحبيسه للضرر على شريكه.
قوله: (وكراء) أي من أكرى شقصا من دار فليس لشريكه أخذه بالكراء، وقيل:
[ ٣ / ١٩٣ ]
له ذلك. وعادة الشيخ أن يقول في مثل هذا قولان.
قوله: (وفي ناظر الميراث قولان) أي هل له أن يأخذ الشفعة لبيت المال أم لا قولان.
قوله: (ممن تجدد ملكه اللازم اختيارا) لما فرغ تعلله من الآخذ، شرع في بيان المأخوذ منه، وهو ممن تجدد ملكه ولو اشتريا معا فلا شفعة لأحدهما على الآخر، واحترز بقوله: اللازم من بيع الخيار، إذ لا شفعة قبل لزومه، واحترز بقوله: اختيارا من الداخل عليه بغر اختار كالميراث، فإنه لا شفعة فيه.
قوله: (بمعاوضة) أي إنما يؤخذ بالشفعة ما حصل بمعاوضة لا كصدقة أو هبة.
قوله: (ولو موصى ببيعه) أي ولو كان المبيع موصى لبيعه ليدفع ثمنه (للمساكين) فإن للورثة الشفعة، لأن مراد الميت دفع الثمن للمساكين (على) القول (الأصح والمختار) عند اللخمي.
قوله: (لا موصى له ببيع جزء عقارا، ولو مناقلا به إن انقسم) أي ومن أوصى ببيع جزء من داره لفلان فمات، فليس للورثة إذا اشترى فلان الجزء للشفعة لأن مراد الميت أن يملكهم.
قوله: عقارا منصوب على المفعولية أي هذا هو المأخوذ أي الشفعة أخذ شريك عقارا.
العقار بفتح العين الأرض، وقد يطلق عليها وما يتصل بها، ولو كان ذلك العقار مناقلا.
المناقلة تبديل الشقص بالشقص أو الشقص بالكل.
قوله: إن انقسم يريد أن الشفعة في العقار مشروطة بأن يكون قابلا للقسم، واحترز به مما إذا كان لا يقبل القسمة، أو يقبلها بضرر كالحمام ونحوه بناء على أنها لضرر القسمة.
قوله: (وفيها الإطلاق، وعمل به) أي وفي المدونة: الإطلاق أي قبل القسمة أم لا بناء على أنها لضرر الشركة.
لو قال الشيخ: وفيها أيضا، لأن ما قبله فيها، والأول هو المشهور، ولكن عمل بالإطلاق.
قوله: (بمثل الثمن ولو دينا، أو قيمته) هذا هو المأخوذ به أي وللشريك أخذ ما باعه شريكه بالثمن مثله إن كان مثليا ولو كان الشقص مأخوذا عن دين إن كان الدين
[ ٣ / ١٩٤ ]
حالا، وإلا فقيمته أو قيمته إن كان مقوما.
قوله: (برهنه وضامنه، وأجرة دلال، وعقد شراء) أي وللشفيع أخذ الشقص بمثل الثمن مع رهنه أو ضمانه إن كان وأجرة دلال للشقص، وأجرة كاتب عقد شراء وما يكتب فيه، وهذا إذا دفع المبتاع المعتاد من ذلك وأما إن دفع أكثر فليس على الشفيع الزيادة (وفي) دفع (المكس) لأنه أدخل عليه، وعدمه لأنه ظلم على المبتاع (تردد) لعدم النقص.
قوله: (أو قيمة الشقص في كخلع، وصلح عمد، وجزاف نقد) إلى آخره أي وللشريك أخذ ما دفع شريكه بقيمته، كما إذا دفع شقصا من دار في صداق، فإن الشريك يستشفع بقيمة الشقص لا بصداق المثل، وكذلك إذا خالعت زوجها بشقص، فإن الشفيع يأخذ بقيمة الشقص لا بخلع المثل، وكذلك من صالح عن دم عمد بشقص فإنما يشفع بقيمة الشقص لأن دم العمد لا قيمة له، وكذلك إذا اشترى شقصا بجزاف نقد ذهب أو فضة، فإنما يؤخذ بالشفعة بقيمة الشقص لا بخلع المثل، وهذا مذهب الغزالي تخلله وهو شافعي.
قوله: (وبما يخصه إن صاحب غيره) أي وأخذ الشفيع الشقص بما يخصه من الثمن إن صاحبه غيره في عقد البيع، كما إذا اشترى شقصا من دار وفرس في عقد (ولزم المشتري الباقي) في الصفقة وإن قل.
قوله: (وإلى أجله إن أيسر، أو ضمنه مليء، وإلا عجل الثمن إلا أن يتساويا عدما على المختار) أي فإن باع الشقص لأجل، فللشفيع أخذه بالأجل إن أيسر بالثمن أو ضمنه وإلا أي وإن لم يكن موسرا أو لم يضمنه موسر عجل الحق وإلا فلا شفعة.
قوله: وإلى أجله يريد إذا قام الشفيع في الوقت، وأما إن لم يقم حتى حل الأجل، فهل يضرب له الأجل أم لا فيه قولان، إلا أن يتساوا المبتاع والشفيع عدما، فلا يعجل على المختار.
قوله: (ولا يجوز إحالة البائع به) الإضافة إضافة مصدر إلى المفعول، والمعنى: لا يجوز للمبتاع أن يحيل البائع على الشفيع بالثمن المؤجل، لأن الحوالة إنما تجوز بالدين الحال.
قوله: (كأن أخذ من أجنبي مالا ليأخذ ويربح. ثم لا أخذ له، أو باع قبل أخذه، بخلاف أخذ مال بعده ليسقط أي كما لا يجوز أخذ من له الشفعة مالا من أجنبي، ليأخذ الشفعة، ويربح ذلك المال، فإن وقع ونزل فلا أخذ له، وكذلك لا شفعة للشفيع، إن
[ ٣ / ١٩٥ ]
باع الشقص الذي له فيه الشفعة قبل الأخذ بالشفعة، لأنه بيع ما ليس عندك، بخلاف أخذ مال من المبتاع بعد عقد البيع، ليسقط ماله في الشفعة وأنظر هنا.
فرع: غريب أن المرء قد يبيع شقصه ثم يشفع فيه وذلك إذا ورث شقص شريكه قبل سقوط شفعته، وهذه إحدى ست مسائل التي تتربت على الميراث. انتهى من التاج والإكليل (^١).
مسألة: ومن اشترى أرضا فقبضها، ثم قام عليه رجل فطلبها بالشفعة، فزعم المشتري أنه اشترى شيئا مقسوما وقال الشفيع: أنها لم تقسم، فالقول قوله لأنه مدعى عليه. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (كشجر وبناء بأرض حبس، أو معير، وقدم المعير بنقضه، أو ثمنه، إن مضى ما يعار له، وإلا فقائما) أي كما أن الشفعة في شجر وبناء في أرض حبس أو أرض معير إذا باع أحد الشريكين نصيبه من الشجر أو البناء، وقدم المعير عن الشفيع بدفع قيمة نقضه أو الثمن الذي باعه به، إن مضى مدة المعار لها. وإلا أي وإن لم تمض المدة فقيمته قائما، إن كانت أقل، أو الثمن إن كانت أقل فإن أخذ المعير ذلك فكأن المبيع لم يكن وإن أبى المعير أن يدفع شيئا فللشريك أخذه بالشفعة.
قوله: (وكثمرة، ومقتأة، وباذنجان، ولو مفردة) أي وكما أن الشفيع في الثمار والمقثأة والباذنجان ولو بيعت مفردة وأحرى إن بيعت مع الأصل.
قوله: (إلا أن تيبس) أي فلا شفعة يحتمل إلا أن تيبس الثمرة وقت البيع، ويحتمل إلا أن تيبس وقت القيام.
قوله: (وحط حصتها إن أزهت، أو أبرت) وهذا تفريع على ما إذا كانت الثمرة لا شفعة فيها أي وحد حصة الثمرة إن كانت يوم البيع مزهية أو مأبورة وأخذ بالشفعة بعد يبسها فإنه لا شفعة له في الثمار، بل يأخذ الأصل بالشفعة بحصته، ويحط عنه ما ينوب الثمرة؛ لأن لها حصة من الثمن، وأما إن كانت غير مأبورة فلا يحط عنه من الثمن شيء، إذ لا حظ لها من الثمن. انتهى من ابن غازي (^٣).
ولو استغنى الشيخ بذكر الأبار عن الزهو لأنه من باب أحرى لكان أحسن.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٧، ص: ٣٦٩. ٣٧٣.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٦٨.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٧٧.
[ ٣ / ١٩٦ ]
قوله: (وفيها أخذها ما لم تيبس أو تجد، وهل هو خلاف؟ تأويلان) أي وفي المدونة في موضع له أخذها ما لم تيبس.
وفيها في موضع آخر ما لم تجذ، وهل هو اختلاف؟ أو ليس بخلاف؟ فيكون المعنى: إذا اشترى الثمرة بغير أصلها له أخذها ما لم تيبس، ويكون معنى ما لم تجذ إذا اشتراها مع الأصول فيه تأويلان.
قوله: (وإن اشترى أصلها فقد أخذت وإن أبرت، ورجع بالمؤنة) أي ليس فيها ثمرا أو فيها غير مؤبر أخذت بالشفعة وإن أبرت، ورجع المبتاع بالمؤنة على الشفيع ولو زاد على قيمة الثمرة.
قوله: (وكبئر لم تقسم أرضها) أي وكذلك الشفعة في البئر إذا لم تقسم أرضها (وإلا فلا) أي وإن قسمت أرضها فلا شفعة (وأولت) المدونة (أيضا بـ) البئر (المتحدة) وأما المتعددة ففيها الشفعة.
قوله: (لا عرض، أو كتابة ودين) شرع ﵀ في بيان ما لا شفعة فيه أي ولا شفعة في عروض.
قوله: وكتابة ودين، وذكر الشفعة في الكتابة والدين مجاز، والمراد أن السيد إذا باع كتابة مكاتبه فليس للمكاتب ردها من المبتاع، وكذلك من اشترى من رجل دينا له على رجل، فليس للذي عليه الدين أن يرد الثمن من للمشتري.
قوله: (وعلو على سفل وعكسه، وزرع، ولو بأرضه، وبقل) أي ليس لصاحب سفل على صاحب علو وعكسه شفعة، لأنهما جاران لا شريكان، وكذلك لا شفعة في الزرع، ولو بيع مع الأرض، وكذلك لا شفعة في البقول.
قوله: (وعرصة، وممر قسم متبوعه) أي ولا شفعة في العرصة، ويقال لها: الساحة والباحة والقاعة وممر أي طريق بين ديار قسم متبوع كل منها.
مسألة: إذا قسم القاضي على الغائب الشريك بعد أن وجبت له الشفعة ثم قدم الغائب وأراد الأخذ بالشفعة فله نقض البيع والأخذ بالشفعة عند مالك وابن القاسم. صح من المفيدة.
قوله: (وحيوان إلا في كحائط) أي ولا شفعة في حيوان إلا حيوانا في حائط بيع وأخذ بالشفعة، فيكون ذلك الحيوان الذي فيه تبعا للحائط.
قوله: (وإرث، وهبة بلا ثواب، وإلا فبه بعده) أي لا شفعة في ملك تجدد بإرث لأنه لم يدخل في ملكه اختيارا، وكذلك لا شفعة في هبة بلا ثواب وهو مفهوم قوله:
[ ٣ / ١٩٧ ]
بمعاوضة. وإلا أي وإن كانت الهبة للثواب ففيه الشفعة بعد الثواب، لأنه كالبيع.
مسألة: إذا وهب رجل رجلا هبة مطلقة وادعى أنها للثواب، وقال الموهوب لغير الثواب حكم بالعرف مع اليمين، فإن أشكل فالقول قول الواهب مع يمينه. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وخيار إلا بعد مضيه) أي ولا شفعة فيما بيع خيارا، إلا بعد مضي أمد الخيار فيكون فيه الشفعة.
قوله: (ووجبت لمشتريه إن باع نصفين خيارا ثم بتلا فأمضى) أي ووجبت الشفعة لمشتري الخيار إن باع نصفين لرجلين خيارا ثم بتلا فأمضى الخيار وهو مبني على أن بيع الخيار منعقد من أوله، فمشتري البتل هنا متجدد ملكه هذا قول ابن القاسم وهو جار على الخلاف المعهود من مذهبه، لأن مذهبه أن بيع الخيار منحل قال أشهب هي لمبتاع البتل.
قوله: (وبيع فاسد، إلا أن يفوت فبالقيمة، إلا ببيع صح فبالثمن فيه) أي ولا شفعة في بيع فاسد، إلا أن يفوت فتكون فيه الشفعة بالقيمة التي وجبت، إلا أن يكون الفوت ببيع صحيح، فتكون الشفعة بالثمن في البيع الصحيح.
قوله: (وتنازع في سبق ملك، إلا أن ينكل أحدهما) أي لا شفعة لأحدهما إذا تنازعا في سبق الملك إذا حلفا أو نكلا، فإن نكل أحدهما فالشفعة للحالف.
ابن عرفة ولا أعرفها بنصها لأحد من أهل المذهب، وإنما هو نص وجيز الغزالي، فأضافها ابن شاس للمذهب، وأصول المذهب لا تنافيها، وهي كاختلاف المتبايعين في كثرة الثمن وقلته. انتهى من ابن غازي (^٢).
مسألة: إذا اختلف المبتاع والشفيع في مرور السنة وانقضائها بعد البيع ولا بينة، فالشفيع مصدق مع يمينه وهو مدعى عليه، لأن الشفعة قد وجبت له، والمبتاع مدع لتأريخ يسقط الشفعة فلا يقبل قول البائع. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٣).
ومن فتاوي أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بالمكوي (^٤): مسألة وقعت
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٦٨.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٨٠.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٦٨.
(٤) مولى بني أمية، وسكن قرطبة، شيخ فقهاء الأندلس في وقته، تفقه بأبي ابراهيم وصحبه، وكان أبو إبراهيم يتفرس فيه النجابة فحرضه واعتنى به. قال ابن عفيف: إليه انتهت رئاسة العلم بالأندلس =
[ ٣ / ١٩٨ ]
ببلد سبته وهي إذ ذاك من عمل صاحب الأندلس وذلك أن الفقيه يحيى بن تمام (^١) من أهلها اشترى حصة من حمام فيه شرك، وأشهد البائع لابن تمام في الظاهر أنه تصدق به عليه؛ ليقطع شفعة الشريك فقام الشريك بشفعته، فأفتى الفقهاء بها إذ ذاك كلهم بقطع الشفعة إذ لا شفعة في الصدقة فقال الشفيع للقاضي: لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة بقرطبة فرفع إليهم السؤال على وجهه وبدء بالشيخ أبو عمر فوقع أسلفها: هذا من حيل الفجار، وأرى الشفعة واجبة فلما رآ ابن تمام جوابه قال: هذا عقاب لا يطار تحت جناحيه، والحق خير ما قيل، هات مالي وخذ حمامك. انتهى من المدارك (^٢).
مسألة: إذا ادعى رجل على رجلين دارا، فكذبه أحدهما وصدقه الآخر فصالحه المصدق على مال، فأراد المكذب الأخذ بالشفعة فله ذلك. انتهى من الجواهر (^٣).
قوله: (وسقطت إن قاسم أو اشترى، أو ساوم، أو ساقى، أو استأجر) إلى آخره هذا شروع منه الله في مسقطات الشفعة أي وسقطت الشفعة إن قاسم الشفيع المشتري لأن طلبه القسمة يدل على إسقاطه الشفعة مفهوم قوله: إن قاسم أنه إذا قاسم عنه حاكم في غيبته أن الشفعة لا تسقط والمفهوم صحيح، وكذلك تسقط الشفعة إذا اشترى الحصة التي أراد أخذها بالشفعة، وكذلك إن ساومها فقط. لو استغنى الشيخ بهذه عن التي قبلها لكان أولى، لأن الشفعة إذا كانت، تسقط بالمساومة، وأحرى الشراء، وكذلك تسقط شفعته إن أخذ الحصة المشترات مساقاة، لأن ذلك يدل على إسقاطها.
قوله: أو استأجر أطلق الإجارة على ما لا يعقل أي وتسقط الشفعة إذا أكترى
_________________
(١) = حتى صار بمثابة يحيى بن يحيى في زمانه، واعتلى على جميع الفقهاء، ونفذت الأحكام برأيه، فحكم على الحاكم، وبعد صيته بالأندلس، وحاز رئاسة أحاديثها مشهورة، وكان ﵀ من ذوي المتانة في دينه والصلابة في رأيه والبعد عن هوى نفسه، لا يداهن السلطان، ولا يدع صدعه بالحق، كان البعيد والقريب عنده في الحق سواء. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٢٣٨ - ٢٣٧.
(٢) قال عياض في مداركه: من فقهاء سبتة في هذا الحين، قال أبو بكر الحسن بن مفرج القيسي كان من فقهائها مشهورا بالعلم بها، وهو صاحب مسألة الشفعة في الصدقة. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٢٣٣.
(٣) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٢٣٩/ ٢٤٠.
(٤) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٠٨.
[ ٣ / ١٩٩ ]
الحصة المبيعة.
قوله: (أوباع حصته) أي وتسقط الشفعة إذا باع الحصة التي يستشفع بها، مفهومه لو باع بعضها فلا تسقط الشفعة، وإنما الخلاف بما يأخذ به هل بجميع حصته؟ أو بما بقي في يده منها.
قوله: (أوسكت بهدم أو بناء، أو شهرين، إن حضر العقد) أي ومما يسقط شفعة الشفيع سكوته مع هدم المشتري ما اشتراه، أو بناؤه، أو سكوته بشهرين إن حضر العقد. لو زاد الشيخ وكتب شهادته في العقد، كما ذكره بن رشد، ومع ذلك هو خلاف ظاهر المدونة والرسالة.
قوله: (وإلا سنة) أي وإن لم يكن شيء مما تقدم من المسقطات فسنة تسقطها. قوله: (كأن علم فقاب، إلا أن يظن الأوبة قبلها، فعيق وحلف إن بعد) أي فإن علم بالبيع وغاب فالسنة تسقط شفعته، إلا أن يظن الأوبة قبل السنة فعيق أي منع من الرجوع لعذر، وحلف على ذلك، إن بعد ما بعد السنة، وإلا فلا يمين عليه، فإن شفعته لا تسقط.
قوله: (وصدق إن أنكر علمه) أي وصدق الشفيع إن ادعى عليه المشتري علم البيع لأن الأصل عدم العلم.
قوله: (لا إن غاب أولا) هذا شروع منه فيما لا يسقط الشفعة أي فإن كان غائبا حين البيع غيبة بعيدة، فإن شفعته لا تسقط، ولو أقام سنين علم بالبيع أم لا، ما لم يصرح بإسقاطها إلى أن يحضر فيعتبر في حقه من المدة ما اعتبر في حق الحاضر، فإن غاب الشفيع والمشتري في موضع واحد فكالحاضرين.
قوله: (أو أسقط لكذب في الثمن، وحلف) أي فلا تسقط شفعته إن أسقطها، لأجل كذب في الثمن ثم ظهر له أن الثمن أقل، ولكن يحلف أنه ما سلم إلا لأجل كثرة الثمن. قال أشهب: لا يمين عليه.
قوله: (أو في المشترى، أو المشتري) هذا هو الذي في المدونة أي ولا تسقط شفعة الشفيع إذا أسقطها، لأجل كذب في المشتري، كما إذا قيل له: باع شريكك نصف حصته فأسقط الشفعة، ثم ظهر له أنه باع الحصة كلها، فإن له أن يقوم بشفعته، وكذلك إن أسقطها، لأجل كذب في المشتري أسلم فاعل كما إذا قيل للشفيع: اشترى فلان حصة شريكك فسلم ثم ظهر أنه ابتاعه رجل آخر، فللشفيع القيام بأخذ الشفعة، لأنه يقول: أرضى بشركة فلان لا غيره.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
قال ابن غازي: يغلب على الظن أن المصنف هكذا قاله بلفظين الأول اسم مفعول والثاني اسم فاعل لعود الضمير من قوله بعده: أو انفراده عليه، ولعل الناسخ من المبيضة ظن التكرار فأسقط أحد اللفظين. انتهى (^١).
قوله: (أو انفراده) أي وللشفيع القيام بالشفعة، إذا قيل له اشترى فلان شريكك حصته فأسقط، ثم ظهر أنه اشتراها مع رجل آخر.
قال أشهب: لا يأخذ إلا حصة الذي لم يسلم له.
قوله: (أو أسقط وصي أو أب بلا نظر) أي بناء على أن الشفعة من باب الاستحقاق لا من باب الشراء وفيه خلاف.
ولا يسقط شفعة صبي إذا استقل بالنظر لنفسه، فيوم استقلاله بالنظر كيوم حضور الغائب، والسفيه، والمجنون كالصبي.
وقوله: بلا نظر مفهومه إن كان بالنظر فإنها تسقط.
قوله: (وشفع لنفسه، أو ليتيم آخر) أي ويأخذ الأب، أو الوصي الشريك إذا باع حصة محجوره أخذ الحصة بالشفعة لنفسه، ولكن بعد نظر الإمام في ذلك خيفة المحابات، وكذلك إن شفع لمحجوره من نفسه، فإن الإمام ينظر فيه، وكذلك يشفع من محجوره لمحجوره.
قوله: (أو أنكر المشتري الشراء وحلف وأقر به بائعه)، هكذا في نسخة المصنف تجوز تحمل لله في إطلاق المشتري على من لم يثبت له شراء، لأن الفرض أنه منكر، وهذا من المسقطات، فلعل الناقل من المبيضات وضعه في غير محله.
غفل الشارح هنا رحم الله أي فلا شفعة، لأن عهدة الشفيع على المشتري، وقد أنكر الشراء وحلف ولم يثبت البيع.
قوله: (وهي على الأنصباء) أي والشفعة على قدر الإنصباء للآخذين بالشفعة جمع نصيب وقيل على الرؤوس.
قوله: (وترك للشريك حصته) يعني أن الشفيع إذا ابتاع شخصا من شريك آخر، فإن الشريك إذا قام على المشتري ليأخذ بالشفعة، فلا يأخذ منه الشقص كاملا، بل لا بد أن يترك له ما يخصه من ذلك الشقص.
قوله: (وطولب بالأخذ بعد اشترائه لا قبله) أي وطولب الشفيع بأخذ الشفعة أو
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٨٢.
[ ٣ / ٢٠١ ]
تركها، لأجل ما يلحق المشتري من الضرر، إنما يطالب الشفيع بذلك بعد اشتراء الشقص لا قبله أي لا يطالب بالأخذ قبل الشراء، إذ لو أسقطها لم يضره إذا قام بالشفعة، ولذلك قال: (ولم يلزمه إسقاطه) أي قبل الشراء، لأنه أسقط ما لم يجب له بعد.
قوله: (وله نقض وقف كهبة، وصدقة، والثمن لمعطاه؛ إن علم شفيعه) أي فإن حبس المشتري الحصة المشترات أو وهبها أو تصدق بها، فإن الشفيع له نقض الحبس، والهبة، والصدقة، فيأخذها بالشفعة، والثمن لمن أعطي له الشقص، بشرط أن يكون الواهب عالما أن للحصة الموهوبة شفيع إذا كان أعطاه الثمن.
قوله: (لا إن وهب دارا فاستحق نصفها) النصف ليس بشرط وإنما هو تمثيل يعني من ابتاع دارا فوهبها لرجل ثم استحق بعضها وأخذ الباقي بالشفعة، فإن ثمن الباقي المستشفع فيه للواهب ولا شيء للموهوب فيه.
قوله: (وملك بحكم أو دفع ثمن، أو إشهاد) يريد أن الشفيع يملك الشقص بأحد أمور ثلاثة: إما بحكم حاكم بالشفعة، أو بدفع الثمن للمبتاع وإن لم يرض، أو بالإشهاد أنه أخذ بالشفعة، ظاهره أشهد بحضرة المبتاع أم لا.
ابن عبد السلام: إن أشهد بحضرة المبتاع الشريك في الشفعة إذا باع شريكه، تحقق له بسبب يقتضي المطالبة بأن يملك الشقص المبيع بالشفعة. ولم أر خلافا في أنه غير مالك. انتهى من كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^١).
فرع: في الحمالة من تقييد أبي عمران العبدوسي: من وجبت له شفعة فأشهد في خفية أني على شفعتي، وسكت حتى جاوز الأمد المسقط حق الحاضر ثم قام لم ينفعه هذا الإشهاد قيدتها من أحكام الدبوسي (^٢) بعد ما بحثت عن هذه الأحكام فلم أجدها إلا بسبتة. انتهى من ابن غازي (^٣).
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ٢٢. الفرق الحادي والعشرون والمائة بين قاعدة من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وبين قاعدة من انعقد له سبب المطالبة بالملك هل يعد مالكا أم لا.
(٢) عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد الدبوسي: أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود. كان فقيها باحثا نسبته إلى دبوسية (بين بخارى وسمرقند) ووفاته في بخارى، عن ٦٣ سنة عام: ٤٣٠ هـ .. له "تأسيس النظر في ما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه ومالك الشافعي، و"الاسرار" شستربتي في الاصول والفروع، عند الحنيفة، وتقويم الأدلة "أصول، في شستربتي) في الاصول، والامد الأقصى.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٨٧.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
قوله: (واستعجل إن قصد ارتياء أو نظرا للمشتري إلا كساعة) أي واستعجل الشفيع بما عنده إن قصد أرتياء أو مشاورة، أو قصد نظرا للمشتري إن كان غائبا عن المجلس، إلا أن يطلب المهملة ساعة فإنه يمهل.
قوله: (ولزم إن أخذ وعرف الثمن) أي ولزم الشقص الشفيع إن أخذ بالشفعة وعرف الثمن، وأما إن لم يعرف الثمن فله الرجوع فيها، وهل له الأخذ وهو مذهب المدونة أولا وهو مذهب الموازية.
قوله: (فبيع للثمن) أي بسبب أنه يلزمه الشقص بالأخذ إن عرف الثمن يباع الشقص في الثمن إذا كان عديما.
قوله: (والمشتري إن سلم، فإن سكت فله نقضه، وإن قال: أنا آخذ أجل ثلاثا للنقد، وإلا سقطت) أي ولزم الشقص المشتري إن سلم الشفيع الشفعة فإن سكت المشتري حين قال له الشفيع: أخذت بالشفعة فللمبتاع نقض الأخذ بالشفعة إن لم يأت الشفيع بالثمن، وإن قال الشفيع: أنا آخذه أجل إلى ثلاثة أيام، لأجل النقد، وإلا أي وإن لم يأت بالثمن في الأجل سقطت شفعته.
قوله: (وإن اتحدت الصفقة، وتعددت الحصص والبائع لم تبعض) أي وإن اشترى أشقاصا في صفقة واحدة عند عدد من الناس وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، فإن الشفعة لا تبعض، فأما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع. قصد الشيخ تحلله الوجه المشكل، وأحرى إن اتحدت الحصة، وأحرى إن اتحد البائع.
قوله: (كتعدد المشتري على الأصح) أي كما لا تبعض الشفعة إذا تعدد المشتري على الأصح لوقال الشيخ ولو تعدد المشتري فيسقط على الأصح لأنه مذهب المدونة ولا يحتاج إلى التصحيح.
قوله: (وكأن أسقط بعضهم، أو غاب، أو أراده المشتري) أي كما لا تبعض الشفعة إذا تعدد الشفيع فأسقط بعضهم ماله من الشفعة فإن الآخذين إما أن يأخذوا الكل بالشفعة أو يتركوه وكذلك إن غاب بعض من له الشفعة فأراد الحاضر الآخذ بالشفعة فإما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع فلا تبعض وكذلك إن أراد المشتري التبعيض فلا يجبر عليه الشفيع أشكل هذا على المؤلف (^١) ﵀.
قال في التوضيح: الحاصل أن من ادعى عدم تبعيض الشفعة فالقول قوله.
_________________
(١) ن: الموافق
[ ٣ / ٢٠٣ ]
قوله: (ولمن حضر حصته، وهل العهدة عليه، أو على المشتري، أو على المشتري فقط، كغيره) أي ولمن قدم في غيبته حصته في الشفعة، إذا وجد الحاضر قد أخذ بالشفعة، وإن أخذ القادم حصته في الشفعة، وهل يكتب عهدته على الشفيع الذي دفع له الثمن، أو يكتبها على المشتري فهو مخير بينهما وهو تأويل، أو يكتب عهدته على المشتري فقط، كما يكتب الشفيع عهدته على المشتري في غير هذا الفرع فيه تأويلان هكذا هو الصواب. لعل الناسخ من المبيضات ظنه تكرار فأسقط أحد اللفظين.
قوله: (ولو أقاله البائع) أي ويكتب عهدته على المشتري ولو أقاله، واستشكلت المدونة في هذه المسأة بأنه إذا كانت الإقالة بيعا وجب تخييره في أخذه بالبيع، أو بالإقالة، وإن كانت حلا فلا بيع ولا شفعة، وأجيب بأنها حل، ولكن وجبت الشفعة للتهامها على قطع الشفعة الواجبة، لأن ذلك من حيل الفجار.
قوله: (إلا أن يسلم قبلها؟ تأويلان) أي إلا أن يسلم الشفعة قبل الإقالة، فتكون عهدته على البائع لأنه صار مشتريا.
قوله: (وقدم مشاركه في السهم، وإن كأخت لأب أخذت سدسا) شرع الله فيمن يقدم بالأخذ بالشفعة أي وقدم في الأخذ بالشفعة مشارك في السهم من ذوي الفروض (^١) كأخت لأب أخذت السدس وأحرى شقيقة، كما إذا ترك أختا شقيقة وأختا لأب أخذت سدسا تمام الثلثين، فإن باعت الشقيقة والأخت للأب أولى بالأخذ بالشفعة من الغاصب.
قوله: (ودخل على غيره) أي ودخل الأخص على غيره، فالضمير في دخل يعود على ذي السهم، وفي غيره يعود على من ورث بغير سهم، والتشبيه في قوله: (كذي سهم على وارث) تمثيل لقوله: ودخل لا أنه شيء آخر.
قوله: (ووارث على موصى لهم) أي كما يدخل وارث على موصى لهم إذا باع أحد الموصى لهم نصيبه.
قوله: (ثم الوارث، ثم الأجنبي) أي فإن سلم من يقدم في الشفعة، فإن الوارث يقدم على الشريك الأجنبي، فإن سلم الوارث فالشفعة للشريك الأجنبي.
قوله: (وأخذ بأي بيع، وعهدته عليه، ونقض ما بعده) أي فإذا تعدد البيع، كما إذا
_________________
(١) ن: الأرحام
[ ٣ / ٢٠٤ ]
الجزء الثالث باع المشتري الشخص ثم باعه المشتري حتى يتعدد البائع، فإن الشفيع يأخذ الشفعة بأي بيع شاء، ويكتب عهدته على من أخذ منه، فإن كانت الشفعة بالبيع الأول نقص ما بعده، وإن كان بالبيع الآخر صح ما قبله، وإن كان في المتوسط صح ما قبله ونقض ما بعده قيده اللخمي بما إذا كان غائبا، وأما إذا كان حاضرا فليس له الأخذ إلا بالأخير، لأنه إن حضر البيع وسكت كأنه أمضاه.
قوله: (وله غلته) أي وللمشتري غلة الشقص ما دام في يده، لأن ضمانه منه.
قوله: (وفي فسخ عقد كرائه تردد) أي فإن أكرى المشتري الأرض ثم أخذ بالشفعة، هل للشفيع فسخ الكراء؟ لأن الشفعة من باب الاستحقاق أو ليس له فسخ المستحق لأنها من باب الشراء فيه تردد بناء على أنه من باب الاستحقاق أو من باب الشراء، فإن قلت: المستحق إذا أمضى البيع الأول صح ما بعده، والشفيع إذا مضى الأول له أن يأخذ من الثاني فما الفرق؟ قلت: هذا سؤال ضعيف، فإن المستحق إذا أجاز البيع لم يبق له في الدار حق أصلا، والشفيع إذا أجاز الأول وهو باق على شركته في الدار، فإذا طرء بيع كان كالأول.
قال أبو محمد: ويتبين لي أن رجلا لو باع شقصا له في دار، ثم إن المشتري منه باع ذلك الشقص من رجل آخر، أن لبائعه الأول الأخذ بالشفعة، لأنه بيع ثان لم يله الأول انتهى من ابن شاس (^١).
قوله: (ولا يضمن نقصه) أي ولا يضمن المشتري النقص الكائن في الشقص، والأصل في المشتري أنه لا يضمن للشفيع شيئا مما حدث في الشقص من غصب أو هدم أو حرق أو غرق أو ما غار من العين، ولا يحط للشفيع لذلك من الثمن شيئا إما أخذه بجميع الثمن أو يتركه.
قوله: (فإن هدم وبنى فله قيمته قائما، وللشفيع النقض) أي وإن هدم المشتري بناء الدار ثم أقامه على وجهه أو غيره، فله قيمة البناء قائما، لأنه تصرف في ملكه، وليس بمتعد، وللشفيع نفس النقض إن كان باقيا وإن فات فقيمته.
قوله: (إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله، أو قاض عنه) إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر كأن قائلا قال له: كيف يتصور هذا شرعا، لأن الشفيع الحاضر يسقط قيامه بالشفعة بالهدم والبناء وهو ساكت، والغائب لا تلزمه قيمته قائما لتعديه، فقال: إما
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٨٨٠.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
لغيبة شفيعه فقاسم وكيله عنه فيبقى المشتري، ثم جاء الشفيع فللمشتري شبهة وللشفيع شبهة أو جبت هذا الحكم. وكذلك لو قسم القاسم القاضي عن الغائب والحكم فيه أظهر من الوكيل.
قوله: (أو أسقط لكذب في الثمن، أو استحق نصفها) أي فإذا أخبر الشفيع أن شريكه باع شقصه بكذا، فترك الشفعة استغلاء ثم قاسمه بناء على هذه الأخبار، ثم ظهر أنه كذب بعد البناء والهدم، فإن الشفيع على شفعته، فتكون للمشتري قيمة بنائه قائما، وللشفيع النقض بنفسه، وهذا إذا كان الكذب من غير المشتري، وأما إن كان الكذب منه فهدم وبناء، فإنه متعدد، وكذلك إن اشترى دارا ثم استحق نصفها بعد أن هدم وبني، فأخذ المستحق للنصف نصف الباقي بالشفعة لسبق ملكه.
قوله: (وحط ما حط لعيب، أو لهبة، إن حط عادة أو أشبه الثمن بعده) إلى آخره يعني أن البائع إذا حط عن المشتري شيئا من الثمن، لأجل عيب ظهر في المبيع، فإن تلك الحطيطة تحط عن الشفيع، وإن كانت الحطيطة ليست لأجل عيب، بل إنما هي هبت، فإنها تحط عن الشفيع إن كان مثل ذلك يحط عادة، فتحمل على قصد إصلاح البيع والتسامح، وكذلك تحط الحطيطة عن الشفيع، إن كان مثلها لا يحط عادة، ولكن الباقي يشبه الثمن بعد ما حط، لأنه من حيل الفجار، كما إذا اشترى بألف وأسقط عنه البائع تسع مائة، وبقيت المائة تشبه ثمن المبيع، وإن لم تشبه ما أنفق (^١) من الثمن فلا يحط عن الشفيع لأنه يحمل على أنها عطية.
قوله: (وإن استحق الثمن، أو رد بعيب بعدها رجع البائع بقيمة شقصه، ولو كان الثمن مثليا إلا النقد، فمثله، ولم ينتقض ما بين الشفيع والمشتري، وإن وقع قبلها بطلت) أي وإن استحق الثمن الذي وقع به البيع، أو ظهر فيه عيب بعد الأخذ بالشفعة، رجع البائع على المبتاع بقيمة الشقص، لأنه فات بالشفعة، ولو كان الثمن مثليا إلا النقد أي العين فيرجع بمثله، وقيل: لا يرجع بالقيمة إذا كان الثمن مثليا، بل يرجع لمثل المثلي، وأما ما بين الشفيع والمشتري فلا ينتقض بل يبقى على حاله، وإن وقع الاستحقاق أو الرد بالعيب قبل الشفعة بطلت لا تنقاض البيع.
قوله: (وإن اختلفا في الثمن فالقول للمشتري بيمين فيما يشبه) أي وإن اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن أو جنسه أو نوعه، فالقول قول المشتري مع يمين
_________________
(١) ن: ما بقي
[ ٣ / ٢٠٦ ]
فيما يشبه أن يكون ثمنا للشقص، لأنه مدعى عليه وقاعدة الشرع ترجيحه.
قوله: (ككبير يرغب في مجاوره) أي كملك أو سلطان، أو قاض يرغب في الدار المجاورة له، فيزيد في ثمنه لرغبته فيها، فيكون تمثيلا لما يشبه فيه قول المشتري، ويحتمل أن يكون تشبيها لإفادة الحكم.
قوله (وإلا فللشفيع، وإن لم يشبها حلفا ورد إلى الوسط، وإن نكل مشتر، ففي الأخذ بما ادعى أو أدى قولان) أي وإن لم يشبه قول المشتري، فالقول قول الشفيع إن أشبه، وإن لم يشبه ما قال حلفا ورد الشقص إلى الثمن الوسط، وكذلك إذا نكلا، فإن نكل أحدهما فالقول للحالف.
قوله: وإن نكل مشتر ليس هذا مفرع على اختلاف المشتري والشفيع، بل على اختلاف البائع والمشتري، غفل فيه بعض الشراح (^١).
والمعنى: وإن اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، وحلف البائع أنه باع بمائتين، ونكل المبتاع لزمه الشراء بمائتين، فأخذ منه البائع مائتين، فقام الشفيع يطلب الشفعة، فهل يأخذه بما ادعاه المشتري وهو مائة، لأنه الثمن الذي أقر به المشتري وقال: إن البائع ظلمه وأخذ ما ليس له، أو إنما يأخذ الشفعة بما ادعى المشتري وهو بمائتين، لأنه يقول: إنما خلصت الشقص بهذه المائة الثابتة، فصرت كأني ابتدأت الشراء بمائتين، لأني لو حلف لأتنقض البيع، ولم يكن للشفيع الشفعة قولان.
قوله: (وإن ابتاع أرضا بزرعها الأخضر فاستحق نصفها فقد، واستشفع) أي نصف الأرض فقط دون الزرع، وأخذ المستحق النصف الآخر بالشفعة (نصف الزرع ل) أجل بقائه بلا أرض) فلا يجوز بيعه منفردا.
قوله: (كمشتري قطعة من جنان بإزاء جنانه ليتوصل له من جنان مشتريه، ثم استحق جنان المشتري) أي كما يبطل البيع في القطعة، لأنه إنما اشتراه على الشرط حين كان له من أين يصل إليه، لأن القطعة صارت بلا طريق الجامع بين المسألتين طرو الاستحقاق في الغير.
قوله: (ورد البائع نصف الثمن وله نصف الزرع) وهذا من تتميم مسألة الأرض المستحقة نصفها دون الزرع أدخل بينهما مسألة القطعة.
_________________
(١) ن: الأشياخ
[ ٣ / ٢٠٧ ]
قوله: (وخير الشفيع أولا بين أن يشفع أو لا فيخير المبتاع في رد ما بقي أي ويقدم الشفيع في التخيير بين أن يأخذ بالشفعة أو يترك، فإن أخذ فلا كلام، وإن أسقطها فحينئذ يخير المبتاع في رد ما بقي من الأرض والزرع.
[ ٣ / ٢٠٨ ]