قال سيبويه في كتابه: " ما أغفله عنك شيئا " أي دع الشكّ. واختلف العلماء في مراد سيبويه في هذه المسألة وشرحها، فقال الأخفش سعيد بن سعدة: أنا مذ عقلت أسأل عن هذا فلم أجد من يعرفه على الحقيقة. وكان يونس يقول: ذهب من كان يعرف هذا، والسبب في هذا هو أن هذا كلام جرى كالمثل وفيه حذف قل استعماله مظهرا فمضى من كان يعرفه.
وقال المازني: غرض سيبويه في هذا بينّ لأنه قال " ما أغفله عنك شيئا " أي دع الشك. فالناصب لشيء الفعل المذكور وهو أغفل تقديره عنك فنصب غفلة على المصدر، ثم يضع الشيء مكان المصدر.
وقال الأخفش: ليس هذا الكلام بتعجب إنما معنى الكلام " الذي أغفله عنك شيئا " أي قليلا أمر من الأمور فيكون خبر المبتدأ مضمرا، ويكون ما بتأويل الذي على الخبر. ثم يقبل على صاحب له فيقول له: دع عنك الشك مما خبرتك به لأنه حق.
وكان الزجاج يقول: لم أر من هذه التفاسير شيئا يليق بالمسألة وإنما شرحها على الحقيقة على ما شرحه لنا أبو العباس المبرد، قال: تقدير هذا الكلام أن يكون رجل له صديق مناصح له، وله عدو مكاشح له ومظهر له الموده نفاقا ومسر العداوة فقال له صديقه: إن فلانا عدوّ لك. فقال: ما هو بعدو لي ولكنه صديق. فقال له صديقه في الحقيقة: هيهات ليس الأمر كما قدرت وانه لعدوّ عليك. ثم أقبل عليه فقال: ما أغفله عنك. أي إن عدوّك غافل عنك ولو علم أنّك هكذا واثق به لأهلكك. ثم قال له بعد ذلك شيئا فنصبه بفعل مضمر كأنه قال: فكر شيئا وانظر شيئا. أي انك لو فكرت أدنى فكر ونظرت أدنى نظر بان لك انه عدو لك ولم تركن إليه بعد هذا. وشيء يستعمل موضع ما يقل مقداره جدا، كقولك: هذا الدينار يزيد قيراطا وحبتين. فإذا كان مقدار الزيادة يسيرا جدا قيل: هذا الدينار يزيد شيئا. وكذلك وضع الرجل الشيء في مسألته مكان أدنى نظر وفكر. فغمض هذا الكلام لما قلّ استعمال هذا المضمر الذي ذكرناه في كلامهم. فهذا هو معنى قول سيبويه يعقب: ما أغفله عنك شيئا. أي دع الشك؟، هذا واضح بينّ وهو معنى المسألة في الحقيقة وهو من المضمرات التي تخفي على من لم يسمعها مظهرة، ألا ترى أنّ الناصب لشيء ليس المذكور في أول الكلام وإنّما ذكر سيبويه هذا الكلام في باب لولا والمضمر بعد هذا. ونظيره قول العرب: كان ذلك حينئذ الآن. ألا ترى إن حينئذ زمان قد مضى، والآن زمان أنت فيه. وإنما معنى الكلام: كان ذلك حينئذ واستمع، أنت إليّ الآن. أو لا ترى ان المضمر الذي يتصل به الآن غير الكلام المذكور أولا، وكذلك المضمر في باب لولا لأنك إذا قلت: لولا زيد لأكرمتك. إنما ترفع زيدا بالابتداء ولا خبر له في الظاهر وإنّما الخبر مقدر مضمر، والتقدير لولا زيد أهابه وأجلّه أو ما أشبه ذلك، لأكرمتك، فاللام جواب والخبر مضمر على ما ذكرت لك، ولابد من هذا الإضمار وإلاّ كان الكلام غير مستقيم.
والمضمر في كلام العرب أكثر من أن يحصى إلاّ انه يحيط به أصول ثلاثة، مضمر يجوز إظهاره وإضماره كقولك لرجل رأيته يضرب رجلا: الرأس، تريد: اضرب الرأس. أو رأيت قوما يتوقعون الهلال ثم كبرّوا فقلت: الهلال تريد: أبصروا الهلال، أو ترى رجلا في زيّ سفر فقلت: مكة أي وربي أي تريد مكة. وان شئت أظهرت هذا المضمر وان شئت أضمرته. وقال الأصمعي: قال رجل من بني تميم يوم جبلة واستقتلهم بعير أعور: يا بني تميم أأعور وذا ناب؟ على جهة التطيرّ. قال: ثم قلت لبعض الأعراب: أتعرفه بمكان كذا وكذا أو جذا، وهو موضع يمتلئ الماء، فقال: نعم وجاذا، أي أعرت به وجاذا.
ومضمر لا يجوز إظهاره وهو قولك: أزيدا ضربته؟، أعبد الله أكرمته؟ وما أشبه ذلك، وهو منصوب بفعل لا يظهر. قال الشاعر: الوافر
أثعلبةَ الفَوارسِ أو رياحا عَدَلتَ بهم طهَيةَّ والخِشابا
وكذلك قول الآخر: المنسرح
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
[ ٦٣ ]
والذئب أخشاه أن خلوت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا
فكذلك ما أشبهه منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. وكذلك قولهم: إيّاك والشرّ وإيّاك والمراء منصوب بفعل لا يظهر. وكذلك قوله: الطويل اإّياك إيّاك المراء فانه إلى الشرّ دعاء وللشر جالب لا يجوز إظهار الناصب لا يّاك. والمراء منصوب بفعل مضمر غير الذي نصب إيّاك، والتقدير دع المراء، وإظهاره جائز. ونظائر هذا المضمر الذي لا يجوز إظهاره كثير في كلامهم وهو نحو قوله: ما أغفلك عنك شيئا، في تركهم إظهار الناصب للشيء، واستعمالهم إيّاه مضمرا علما ما فسّرت لك.
ومضمر لا يجوز أن يستعمل ألا بعد موافقة المخاطب عليه وذلك إن تصير إلى رجل لم يخطر بباله ضرب زيد ولا إكرامه فغير جائز أن تقول له: زيدا، فتنصبه بفعل مضمر لأنه لا دليل عليه. فعلى هذه الأوجه الثلاثة إضمار الأفعال في كلام العرب فقس عليه إن شاء الله.
حدثنا أبو بكر محمد بن محمود بن محمد الواسطي بواسط قان حدثنا احمد بن سعيد الزهري قال حدثنا مكرم بن محرز بن المهدي عن عبد الرحمن بن عمرو الخزاعي من ولد أم معبد بقديد قال حدثني أبي محرز ابن المهدى عن جدّه حكيم بن هشام عن أبيه حبيش بن خالد قتيل البطحاء يوم الفتح إن النبي ﷺ حين خرج من مكة خرج منها مهاجرا هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأرقط فمروا على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت برزة جلدة تختبئ بفناء القبة ثم تطعم وتسقى فسألوها لحما وتمرا يشترونه منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مشتين فنظر ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت. هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرها وسمي الله ﷿ ودعا لها في شاتها فتفاجَّتْ عليه ودرّت واجترّتْ. فدعا بإناءُ يُربض الرهْط فحلبت فيه ثّجاَ حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آرهم ثم ازداد. ثم حلبها ثانيا بعد بدء حتى ملا الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحل عنها. فقلّما لبث حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا جافًا يتساوكن هزلي ضجا هدّ هن قليل. فلما رأى أبو معبد عجب فقال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حيالّ، ولا حلوب في البيت؟ قالت: والله إلاّ أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا: قال: صفيه لي يا أم معبد؟ قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة بلج الوجه، حسن الوجه، لم يعبه ثجلةَ ولم يزر صُقْلةَ، وسيما جسيما. أو قالت: فيما شك أبو ابرهة في عينيه دعج، وفي أشفاره غطف، وفي عنقه سطَعَ، وفي صوته صَحَل. ازج أقرن. إن صمت فعليه الوقار، وان تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب. حلو المنطق، فصل لا نزَْر ولا هذَر كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن من سمط، راحة لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين فهو انظر الفتية عودا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وان أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا معتدّ. فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي كنا نحدث عنه بمكة ما نحدث. ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن ذلكَ إن وجدت إليه سبيلا. فأصبح صوت بمكة يسمعونه عاليا ولا يدرون من صاحبه وهو يقول: الطويل
جزى الله رب الناس حين جزائه رفيقين نالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصيَّ ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجازى وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلو أختكم عن شائها وأمائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاء لشاة حائل فتحبلت له بصريح ضرة الشاة تزبد
فلما سمع حساّن بن ثابت الأنصاري هذا الشعر أجاب الهاتف بقوله: الطويل
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهّم وقد سرّ من يسرى إليه ويغتدي
[ ٦٤ ]
ترحّل عن قوم فضلتّ عقولهم وحلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم وأرشدهم من يتبع الحقّ يرشد
وقد نزلت منهم على أهل يثرب ركاب هدى حلتّ عليهم بأسعد
ليهن أبا بكر سعادة جده ّبصحبته من يسعد الله يسعد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قال أبو القاسم: أما قوله " كانت برزة جلدة " فالبرزة: البارزة، يقول: كان قد خلا لها فكانت تبرز للناس وتظهر ولم تكن بمنزلة الصغيرة المحجوبة. يقال: رجل جلد وامرأة جلدة بينّا الجلد وذلك من القوّة واحسب أصل ذلك من الجلد وهو ما غلظ من الأرض.
وقوله: " كان القوم مرملين " يقول: قد نفذ زادهم. قال أبو زيد الأنصاري يقال: أرمل الرجل وأقوى: نفذ زاده في سفر كان أو حضر. والمسنوّن: الداخلون في السنة. والسنة: المجاعة والجدب، وفي رواية أخرى على ما أخبرنا به الصائغ عن ابن قتيبة وكان القوم مشتين: أي داخلين في الشتاء لأن الشتاء وقت الشدة والضيق. وأنشد ابن قتيبة شاهدا لهذه الرواية الوافر
إذا نزل الشتاء بدار قوم تجنّب دار قومهم الشتاء
يقال: كسر وكسر كما يقال: بزر وبزر، ونفط ونفط، وجسر وجسر. ناحية منها، قال ابن قتيبة: هو الشقة التي تلي طرفها الأرض وفيه لغتان، يقال: كسر وكسر كما يقال: بزر وبزر، ونفط ونفط، وجسر وجسر. وقوله: فتفاجت عليه، يقول: فتحت رجليها تحلب، وكذلك يقال: نفج الرجل: إذا فتح ما بين رجليه ليبول. وقوله: فدعا بإناء يربض الرّهط: يريد إناء كبيرا يشرب منه الجماعة فيروون حتى يمنعهم عن النهوض ليربضوا. قال الرياشي: يقال أربضت الشمس: إذا اشتد حرّها، فتربض الشاة والظبي فتحملهما على أن يربضا ولا ينهضا. وقال الكسائي: أكبر الأقداح التبن وهو يروي عشرين رجلا وبعده الصحن وهو قريب منه، ثم العسف وهو يروى أربعة، ثم القدح وهو يروى اثنين، ثم القبب وهو يروى واحدا، والرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة، كذلك النفر والعصبة: فوق ذلك إلى الأربعين.
وقوله فحلبت فيه بخّا: أي صبا يقال: بخبخت الماء وغيره إذا صببته. وقوله: حتى علاه البهاء. يقول: علا الإناء اللبن وهو بياض رغوته، والرغوة والثمال واحد.
وقوله: يسوق أعنزا عجافا: أي هزلى نقي شهن. وقوله: يتساوكن: أي يتمايلن ضعفا قال كعب: الكامل
حزق تعاورها السّفار فجسمها عار تساوك والفؤاد خطيف
وبعضهم يرويه: تساوكن هزلا أي قد تساوين في الهزال كأنهن اشتركن فيه. والشاء عازب: أي بعيد عن المنزل في المرعى. والحياك جمع حائل وهي التي لم تحمل. وأمّا قولها في صفته صلى عليه وسلم: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، فالوضاءة: الحسن والجمال والأبلج المضيء من قولهم تبلج الصبح وانبلج: إذا انفجر ولم ترد به بلج الحاجبين لأنها وصفته بالقرن، وقولها: لم يعبه ثجله، فالثجل: عظم البطن واسترخاء أسفله، يقال: رجل أثجل وامرأة ثجلاء والثجل مثله.
وقولها: ولم يفته صقله. الصقل: عظم الصقلة وهي الخاصرة، والوسيم: الجميل وكذلك المقسم والقسيم والقسامة والوسامة: الحسن. والدعج: شدة سواد العين. والأشفار: أطراف الأجفان التي ينبت عليها الشعر والشعر هو الهدب. فجعلت الأشفار ها هنا الشعر نفسه لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو ناسبه. والنطف: أن يطول هدب العين حتى ينعطف، والسطع: طول العنق. والصحل: كالبحّة في الصوت. والزجج: سبوغ الحاجبين وكثرة شعرهما. والقرن: أن يلتقي طرفاهما. وقولها لا يأيس من طول: تقول ليس بعظيم الطول فيأيس مطاوله من مطاولته. ولا تقحمه عين من قصر أي لا تحتقره ولا تزدريه لقصره.
وقولها: محشود محفود، فالمحفود: المخدوم، والحفدة: الخدم والأخوان، والمحشود: من قولهم عين حشد من الناس أي جمع كثير. وقولها: لا عابس ولا مغتدّ تقول: ليس بعابس الوجه، والمغتدّ: الملوم. تقول: لا يلام على شيء يأتيه، وراوه ابن قتيبة لا عابس ولا معتد بالعين، وذهب إلى العداء وهو الظلم: والضرّ: لحم الضرع. والصريح: الخالص من اللبن وغيره.
[ ٦٥ ]
حدثنا أبو العباس احمد بن محمد بن سعيد الكوفي قال حدثنا احمد ابن زكريا قال حدثنا علي بن عبيد عن سليمان بن أسير عن إبراهيم عن علقمة ومسروق والأسود عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقبلني وهو صائم، ولكه كان أملككم لأربه. قال أبو العباس بن خندة: سمعت احمد بن عبد الحميد الحارثي وقد سأله رجل أهو سليمان بن يسير أو سليمان بن أسير فقال: ابن أسير بالألف، قال أبو القاسم: الاربة: الحاجة وكذلك الأرب والارب والمأربة. فأمّا الأربة بالضم: فالعقد. وأصل الصوم في كلام العرب: الإمساك، ويقال: صام النهار إذا قام قائم الظهيرة، وصامت الخيل إذا وقفت. قال النابغة: البسيط
خيلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحتَ العَجاجِ وخيلٌ تَعْلِكُ اللُّجُما
حدثنا أبو القاسم الصائغ: قال حدثنا ابن قتيبة قال روي أنَّ سويدًا قدم مكة فتصدّى له النبي ﷺ فعرض عليه الإسلام فقال له سويد: لعل الذي معك أكدى مثل الذي معي. قال: وما معك؟ قال: مجلّة لقمان. قوله: تصدّى: يعني تعرّض. والمجلّة: صحيفة فيها شيء من الحكم. وينشد للنابغة: الطويل
مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
هكذا يرويه بعض الناس بالجيم. قال يعني كتبهم التي كانوا يقرءونها. ورواه بعضهم " محلّتهم " بالحاء غير معجمة. قال: يعني بيت المقدس لأنها كانت دارهم، يعني المدينة فلذلك قال محلّتهم.
حدثنا أبو بكر يوسف بن يعقوب بن البهلول الأزرق قال حدثنا حميد بن الربيع قال حدثنا مسينة عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سليمة عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: " امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار ".
قال أبو القاسم: وليس بين العلماء خلاف أعلمه إن هذا اللفظ خرج مخرج العموم وهو خاص وإنما يراد به شعر الكفار خاصة دون الإسلاميين والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قد مُدِحَ وأجاز على الشعر لأنه أجاز كعب بن زهير بالبردة التي عند الخلفاء اليوم فباعها بعشرين ألف درهم. ومدحه العباس بن عبد المطلب والعباس بن مرداس وحسان بن ثابت. وقال النبي ﷺ لحسّان: " أجب قريشا عن شعرهم وروح القدس معك ". واكثر الصحابة قد قالوا الشعر.
اخبرنا الأخفش عن المبرد إن النبي ﷺ قال للنابغة الجعدي: أنشدني، فأنشده: الطويل
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل ذا لج يكن له حليم إذا ما أوتي الأمر أصدرا
فقال له: " أجدت لا يفضض الله فاك ". قال: فروى النابغة وقال طال عمره في زمان ابن الزبير وكأّن فاه البرد المنهل، ما سقطت سنّ ولا انغلّت غروبه.
اخبرنا المعنوي قال اخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي قال اخبرني محمد ابن سلام قال حدثنا أبو يحيى الضبّي قال: لقي ذو الرّمة رؤبة بن العجاج فقال له ذو الرّمة: ما معنى قول الراعي الطويل
أناخا بأشوال طروقا مخبّة قليلا وقد أقعى سهيل فعرّدا
فجعل رؤبة يقع ههنا وههنا مرّة إلى أن قال له: ويحك هي أرض بين المكليةّ والمجدبة. فقال: هو كذلك.
أخبرنا المعنوي قل حدثنا أبو خليفة قال حدثني سلام قال حدثني محمد بن أبان بن الاحوص بن محمد الشاعر كان يهوى أخت امرأته وكتم ذلك ويشبّب بها ولا يفصح باسمها، فتزوجت " مطر " فغلبه الأمر وأنشأ يقول: الوافر
أإن نادى هديلا ذات فلج مع الإشراق في فنن حمام
ظللت كأن دمعك سلك نظم هوى سيفا فأسلمه النظام
تموت تشوقا طربا وتحيا وأنت جو بدائك مستهام
كأنك من تذكّر أم حفص سقى بلدا تحل به الغمام
احل النّعف من أحد وأدنى مساكنها الشبيكة أو سنام
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
فلا غفر الإله لمنكحيها ذنوبهم وان صلوّا وصاموا
كأن المالكين نكاح سلمى غداة يرومها مطر نيام
فان يكن النكاح أحلّ شيئا فاّن نكاحها مطرا حرام
فلو لم ينكحوا ألا كفيّا لكان كفيهّا الملك الهمام
[ ٦٦ ]
فطلّقها فلست لها بندّ وألا مضّ مفرقك الحسام
أمّا قوله: أأن نادى هديلا، فأني سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول أصحابنا تقول: هديل الحمام هديلا، وهدر هديرا: إذا صوّت، وهدر الجمل ولا يقال هدل. وغير أصحابنا يجيزه، فإذا طرب قيل غردّ تغريدا. والتغريد قد يكون للإنسان وأصله من الطير. وبعضهم يقول: الهديل: ذكر الحمام، ويحتج بقول الراعي: الكامل
كهداهد كسر الرّماة جناحه يدعو بقارعة الطريق هديل
وساق حرّ: ذكر القمارى والحمام، ومنه قول الطرمّاح في تشبيهه الرماة بالحمام: المديد
بين أظآر بمظلومة كسراة الساق ساق الحمام
وأمّا قوله: " سلام الله يا مطر طيها " فانه منادى مفرد ونَوَّنهُ ضرورة.
وأمّا الخليل والمازني وسيبويه، فيختارون أن ينوّنوه مرفوعا ويقولون: لما اضطررنا إلى تنوينه نوّناه على لفظه، والى هذا كان يذهب الفراء ويختاره.
وأماّ أبو عمرو بن العلاء ويونس وعيسى بن عمرو الجرمي فينشدونه: " يا مطرا عليها " بالنصب والتنوين ويقولون: ردّه التنوين إلى أصله، وأصله النصب وهو مثل اسم لا ينصرف فإذا اضطر الشاعر إلى تنوينه نوّنه وصرفه وردهّ إلى أصله. قال الشاعر: الكامل
ما إن رأيت ولا أرى في مدّتي كجواري يلعبن في الصحراء
ألا ترى كيف نوّنه وخفضه. والقول عندي قول الخليل وأصحابه، وتلخيص ذلك: أن الاسم المنادى المفرد العلم مبني على الضم لمضارعته عند الخليل وأبي عمرو وأصحابهما للأصوات، وعند غيرهما لوقوعه موقع المضمر فإذا لحقه التنوين في ضرورة الشعر فالعلةّ التي من أجلها بني قائمة بعد فينوّن على لفظه لأنّا قد رأينا من المبنيّات ما هو منوّن نحو ايه، وغاق وما أشبه وليس بمنزلة ما لا ينصرف. لأن ما لا ينصرف أصله الصرف. وكثير من العرب لا يمتنع من صرف شيء في ضرورة شعر ولا غيره ألا أفعل منك. وعلى هذه اللغة قرئ " قواريرا قوايرا من فضة " بتنوينهما جميعها. فإذا نوّن فإنما يردّ إلى اصله، والمفرد المنادى العلم لم ينطق به منصوبا قط منوّنا في غير ضرورة شعر. وهذا بينّ واضح اخبرنا عبد الله بن مالك قان اخبرنا الزبير بن بكار عن عمّه قال: خرج عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة إلى الشام فلقيه جميل فقال: أنشدني شيئا عن شعرك يا جميل فانشد الطويل
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
ثم قال: أنشدني يا أبا الخطّاب فأنشده: الطويل
ألم تسأل الأطلال والمتربعا ببطن حليّات دوارس بلقعا
أما في رسول من ثلاث كواعب ورابعة تستكمل الحسن أجمعا
فلما تواقفنا وسلمت أقبلت وجوه رعاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني وقلن: امرؤ باغ أضلّ وأوضعا
وقرَّبن أسباب الهوى المتيمّ يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا
فقلت لمطريهنّ في الحسن إنّما ضررت فهل تسطيع نفعا فتنفعا؟
فصاح جميل: هذا والله الذي أخذ منه النسيب، ولم ينشد شيئا إلى أن افترقا.
يقال: نسب الشاعر بالمرأة ينسب نسيبا: إذا ذكر محاسنها في شعره. ونسب الرجل ينسبه نسبا ونسبة.
أنشدنا الأخفش قال أنشدنا المبرد قال أنشدني العطوي لنفسه يرثي أحمد بن أبي دؤاد: الطويل
وليس صرير النعش ما تسمعونه ولكنه أصلاب قوم تقصّف
وليس نسيم المسك ريّا حنوطه ولكنه ذاك الثناء المخلف
أنشدنا ابن دريد لنفسه: مجزوء الرمل
أعن الشمس عشاء كشفت تلك السّجوف
أم عن البدر تسرّى موهنا ذاك النصيف
أم على ليتي غزال علقت تلك الشنوف
أم أراك الحين ما لم يره القوم الوقوف
إنّ حكم المقل النجل على الخلق يحيف
هنّ قرّبن إلى ال وجد والوجد قذيف
فأزلن الصبر عنّي وهو لي خدن حليف
يالها شربة سقم شوبها سمّ مدوف
ساقها الحين لنفسي جهرة وهي عيوف
يا ابنة القيل اليماني وللدّهر صروف
[ ٦٧ ]
أن يكن أضحى مضيئا فله يوما كسوف
أو يكن هبّ نسيمًا فله يوما هيوف
لا يغرّنك سماحيي فمقتادي عنيف
ربّما انقاد جموح تارة ثم يصيف
فاحذري عزفة نفسي عنك فالنفس عزوف
أقصدت ضرغام غاب بين خيسيه غريف
ظبية يكنفها في ال ألمجيات الرفيف
ربّما أردى الجليد السّهم والرامي ضعيف
وعقار عتّقتها بعد أسلاف خلوف
كانت الجّن اصطفتها قبل والأرض رجوف
فهي معنى ليس يحتا ط به الوهم اللطيف
وهي في الجسم وساع وهي في الكأس قطوف
وهي ضدّ لظلام الليل والليل عكوف
يصرف الوامق عنها طرفه وهو نزيف
قد تعدّينا إليها النهّى والله رؤوف
ومقام ورده مستوبل ظنك مخوف
بكت الآجال لمّا ضحكت فيه الحتوف
خفضت فيه العوالي وعلت فيه السّيوف
قد تسربلت وعقبا ن الردى فيه تعيف
حين للأنفس في الرّو ع من الهول وجيف
أن بيتي في ذرى قحطان للبيت المنيف
ولي الجمجمة العلياء والعزّ الكثيف
ولي التالد في المجد قديما والطريف
كل مجد لم يسمّته اليمانون نحيف
السجوف: جمع سجف وهو الستر، يقال هو سجف وسجف، وقوله: تسرّى من قالك سروت ثوبي إذا ألقيته. والموهن: من أول الليل إلى ساعات منه، والنصف: الخمار، والليتان: صفحتا العنق، والشنوف جمع شنف، وهو ما علق في أعلى الأذن. والقذيف: البعيد، والحليف: الملازم، والشوب: الخلط. من قوله تعالى: (ثم أن لهم عليها لشوبا من حميم) والعيوف: الكاره للشيء، والقيل: الملك. ويقال: صاف عن الشيء إذا عدل عنه، وعزفت نفسي عن الشيء: إذا كرهته، والغاب: جمع غابة وهي الأجمة، وكذلك الخيس. والامجيّات: موضع. والرفيف: حركة الشيء وبريقه وصفاؤه. يقال: اسنان فلان ترف. والأسلاف جمع سلف. والخلوف: جمع خلف أو خالف. والخلف بفتح اللام يستعمل في الخير والشر، فأمّا الخلف بتسكين اللام فلا يكون إلا في الذمّ. والوساع: المسرعة. والقطف: مدراكة الخطو ومقاربته. والنزيف: السكران، والمستوفل: المكروه. والعوالي: جمع عالية وهي أعلى الرمح. وقوله: وعقبان الردى فيه تعيف، الردى: الهلاك، وتعيف: أي تدور حوله وتكره ورده.
حدثنا نفطويه قال حدثنا أبو يعقوب قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا شيبان عن قتادة م في قوله تعالى (والذين اتخذوا من دونه وليّا ما نعبدهم إلا ليقرَبونا إلى الله زلفى) قال: كانوا يقولون ما نعبد هذه الآلهة إلا ليشفعوا لنا عند الله.
قال أبو القاسم: في هذه الآية ضروب من السؤال على مذهب العربية.
منها أن يقال: أين خبر " الذين " مما تراه في سياق الكلام، ومنها أن يقال: أي لام هذه التي في يقرّبونا؟ ومنها أن يسأل عن موضع " زلفى " من الإعراب.
وتقدير الآية - والله أعلم - انه لما قال: (فاعبد الله مخلصا له الدين
الآية) الدين الخالص، فأخبر أن الدين هو ما أخلص لله تعالى. ابتدأه يخبر عن الكافرين موبّخا لهم. ومنبهّا على ضلالتهم، فقال: (والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى) والذين مبتدأ وخبره يقولون فأضمر لما في الكلام عليه من الدليل، كما قال تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) أي يقولون سلام. والسلام التي في قوله: " ليقربونا " لام كي تأويله لكي يقربونا وليست بلام الجحود وان كان قبلها ما، والفرق بين لام الجحود ولام كي إن لام الجود يجوز إسقاطها كقولك: " ما كان زيد ليخرج " فلو قلت " ما كان زيد يخرج " لكان كلاما كاملا ولام كي لا جوز إسقاطها. فلو قلت لأفي قولك: " قصدتك لتكرمني لمي قصدتك تكرمني لم يجز. وكذلك لا يجوز إسقاطها في هذه الآية. والزلفى: القربى وهو منصوب على المصدر لأن معنى يقربون ويزلفون سواء. والزلف: في قوله (وَزَلفا من اللّيل) جمع زلفة وهي ساعات يقرب بعضها من بعض، قال العجاج: الرجز
ناج طَوَاهُ الأَيْنُ مماّ وَجَفا طيّ الليالي زُلَفا فزَلفَا
[ ٦٨ ]
سمَاوَةَ الهِلالِ حتى احْقَوْقفاَ
اخبرنا أبو بكر احمد بن الحسن بن العباس بن الفرج النحوي المعروف بابن شقير قال حدثنا احمد بن عبيد بن ناصح بن عصيدة عن شيوخه يرفعه إلى محمد بن إسحاق قال: كان عمرو بن الجموع بن زيد سيدا شريفا وكان قد اتخذ له صنما من خشب يقال له مناة يعبده في داره. وكان ابنه معاذ بن عمرو بايع النبي ﷺ وكان يريد أباه على الإسلام فيأبى. فلما اسلم معاذ بن جبل وجماعة من فتيان قومه كانوا يجتمعون مع معاذ بن عمرو فيأتون ليلا إلى صنم عمرو فيلوثونه بالقذارة ويلطخونه بالنجاسات فإذا أصبح عمرو يقول: ويلكم من عدا الليلة على الهي فلما كثر ذلك عليه قال: إني والله لا أعلم من تعرض لك ولو علمت ذلك لمنعت عنك، ثم غسله ونظفه وطيبه وعلّق عليه سيفا وقال له: امنع عن نفسك إن كان فيك خير. فلما كان الليل وافى ابنه ومعاذ وجماعة معهم فقرنوا به كلبا ميتا وألقوه مع السيف والكلب في بئر لبني سليم مملؤة عذرة. فلما اصبح عمرو جعل يطوف عليه فلما وقف عليه استبصر وأسلم وحسن إسلامه وأنشأ يقول: المتقارب
أتوب إلى الله مما مضى واستغفر الله من ناره
وأثني عليه بآلائه اله الحطيم وأستاره
فسبحانه عدد الخاطئين وقطر السحاب ومدراره
هداني وقد كنت في ظلمة حليف مناة وأحجاره
وأنقذني بعد شيب القذا ل من شين ذاك ومن عاره
وقد كدت أهلك في ظلمه فدارك ذاك بمقداره
فحمدا وشكرا له ما بقيتمقالة عار لإنذاره
أرجى بذلك إذ قلته مجاورة الله في داره
ثم التفت إلى صنمه وأنشأ يقول: الرجز
أفّ لمنواك إلها في الدرن الآن فتّشناك عن سوء الغبن
تالله لو كنت إلها لم تكن أنت وكسب وسط بئر في قرن
الحمد لله الهي ذي المنن الواهب الرازق ديّان الدّين
هو الذي أنقذني من قبل أن أصير في ظلمة قبر مرتهن
قال أبو القاسم: يقال اخطأ الرجل في فعله يخطئ اخطا فهو مخطئ. والخطئ في دينه يخطأ خطأ إذا أثم فهو خاطئ يا هذا. فقوله: عدد الخاطئين، يريد المذنبين. والعاني: الخاضع الذليل. ومنه قوله: (وعنت الوجوه) ومنه قيل للأسير عان. والدّرن: الوسخ. والقرن: الجبل يقرن فيه بعيران، وإيّاه أراد نفي شعره. والقرن: مصدر الأقرن من الرجال وهو الذي التقى طرفا حاجبيه والقرن: جبل منفرد. والقرن كالعقل مسكن الراء -: اختصم إلى شريح في جارية بها قرن مملوكة فقال: اقعدوها فان أصاب الأرض فهو عيب وإلاّ فليس بعيب.
اخبرنا عبد الله بن مالك قال اخبرنا أبو مسلم الحرّاني قال حدثت عن عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير عن مجالد عن الشعبي قال: دخلت على مصعب بن الزبير فقال لي: يا شعبي ارفع هذا الستر فرفعته فإذا عائشة بنت طلحة فقال: كيف ترى؟ فقلت: ما كنت أظنهّ أّن في أهل الأرض من يشبه هذه. تقال: أما إني ما تهنأت بالعيش معها ولا انتفعت به متى، لأني رجل مذكر أريد أن يكون الأمر لي، وهي مذكرة تريد أن يكون الأمر لها. فلا أنا أتابعها، ولا هي تتابعني.
أخبرنا أبو محمد الضرير قال اخبرنا أبو مسلم الحرّاني قال روى عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن أبيه قال: رأيت عائشة بنت طلحة متكةَّ، ولو أنيخت جزور ما رؤيت.
اخبرنا الأخفش ونفطويه عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الهبنقع والهبنقعة: المزهوّ الأحمق وهو الذي يجلس على أطراف أصابع رجليه، ويسأل الناس. والسخل: مزج الشراب. والسّخيل: الغلام الحديث يصادق رجلا. والخضيل بكسر الضاد: كل شيء لا يرشرش، ومنه قيل شواء خضل: إذا كان رطبا جيد الإنضاج. والخضل: بإسكان الضاد: اللؤلؤ واحدته خضلة، ويروى أن امرأة قدمت زوجها إلى الحجاج فقالت تزوجني على فضلة.
ويقال: أكمخ الرجل: إذا قعد متعظما، والكيخم: من أسماء العظمة والسلطان، والكامخ عند أقحاح الأعراب السلامح. ويروى أّن أعرابيا قحا دخل قرية فاستطعم فقدموا له خبزا وكامخا فجعل يلمحه مغيظا ظنه سلامحا فقال له بعضهم: انه كامخ: قد علمت انه كامخ فأيّكم كخّ به.
[ ٦٩ ]
اخبرنا أبو عبد الله محمد بن حمدان البصري وأبو غانم المعنوي قال اخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام قال: كان سراقة البارقي شاعرا ظريفا زورا للملوك حلو الحديث فخرج في جملة من خرج لقتال المختار فوقع أسيرا فأتى به المختار فلما وقع بين يديه قال: يا أمين آل محص. انه لم يأسرني أحد ممن بين يديك. قال ويحك فمن أسرك؟ قال: رأيت رجالا على خيل بلق يقاتلوننا ما أراهم الساعة، هم الذين أسروني. فقال المختار لأصحابه: إن عدوّكم يرى من هذا الأمر ما لا ترون ثم أمر بقتله فقال: يا أمين آل محمد انك تعلم أنه ما هذا أوان تقتلي فيه. قال: فمتى أقتلك؟ قال: إذا افتتحت دمشق ونقضتها حجرا حجرا ثم جلست على كرسي في أحد أبوابها فهناك تدعوني فتقتلني وتصلبني. فقال المختار: صدقت، ثم التفت إلى صاحب شرطته. فقال: ويحك من يخرج سرى إلى الناس ثم أمر بتخلية سراقه. فلما أفلت أنشأ يقول وكان المختار يكنى أبا إسحاق: الوافر
ألا أبلغ أبا إسحاق إني رأيت البلق دهما مصمتات
ترى عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترّهات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا عليّ قتالكم حتى الممات
أما قوله: " ترأياه " فانه ردّه إلى أصله، والعرب لم تستعمل يرى وترى وأرى ونرى إلا بإسقاط الهمزة تخفيفا. أما في الماضي فالهمزة مثبتة.
وكان المازني يقول: الاختيار عندي أن أرويه ترياه بغير همز لآن الزحاف أيسر من رد هذا إلى أصله وكذلك كان ينشد قول الآخر: الطويل
ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر ومن يتملّ العيش يرأ ويسمع
بتحقيق الهمزة.
اخبرنا نفطويه قال حدثنا أبو يعقوب الحرمي قال حدثنا الحسين بن محمد قال حدثنا شيبان عن قتادة في قوله الله ش وجل (لقد كان لسباء في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال) الاثنان جميعا قال: كانوا قوما انعم الله عليهم نعما وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، فأعرضوا أي شركوا أمر الله ﷿ فأرسل الله عليهم سيل العرم. قال: والعرم وادي سبأ كان يجتمع إليه سيول أو أي شيء فعمدوا فسدّوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة وظفوا عليه أبوابا. وكانوا يأخذون من الماء بقدر الحكيمة ويسدون طيه ما سوى ذلك. فلما تركوا أمر الله أرسل الله عليهم جرذا يقال له الخلد فنقبه من أسفله فغرق جناتهم وخرب أرضهم وتمزقوا في البلاد وذلك عقوبة من الله لهم على كفرهم. قال: (ومزقناهم كل ممزق) ثم قال: (وبدّ لناهم بجنتهم جنتين ذواتي أكل خمط) والخمط: الأراك وأكله: بريره، والاصل شجر شبيه بالطرفاء إلا انه اعظم منه. وقوله: (وشيء من سدر قليل) قال: بنينا أرضهم خير ارض وشجرهم خير شجر، خرّب الله أرضهم وجعل شجرهم شجر شر شجر عقوبة لهم بكفرهم.
قال أبو القاسم: وللعلماء في العرم ثلاثة أقوال، قال بعضهم: العرم: البثق نفسه الذي انبثق عليهم. وقال آخرون: العرم: المسنياّت وهو جمع واحدته عرمة مثل لبنة ولبن ونبقة ونبق، وإلى هذا يذهب أهل اللغة، واحتجوا بقول النابغة الجعدي: المنسرح
من سَباَء الخاسرِينَ مأَْرَبَ إذْ يبنون من دون سيَلْهِ العرَِما
اخبرني الأخفش قال اخبرنا ثعلب قال اخبرنا الرياشي قال: سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يذكر عن أبي الضحاك قال: شهدت البثق الذي انبثق في اليمن أيام سبأ فوجدته مثل نهر يجرى بالبصرة. وأما سبأ فمهموز وغير مهموز إلا إن للعرب فيه لغتين منهم من جعله اسم حيّ مذكرا وان نسبوا إليه فتصرفه ومنهم من يجعله اسم قبيلة فلا يصرفه. وقد قرأت القراء بالصرف وتركه وكذلك ثمود قياسه هذا القياس بعينه في الصرف وترك الصرف. والجنة في كلام العرب: البستان. فأما الجرذ من الفأر فبضم أوله والذال المعجمة. وكذلك الجرذ في أرجل الدواب بالذال معجمة إلا انه مفتوح الأول، وكذلك الزرد بالذال معجمة لا غير.
اخبرني اليزيدي قال اخبرني عمي الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيدي
[ ٧٠ ]
مكن أبي محمد بن المبارك اليزيدي قال: إني لأطوف غداة يوم بمكة لقيني ماسين الزيات فقال لي: يا أبا محمد أنا منتظرك عند المقام نوافيك في المصيراني إذا فرغت من الطواف، فصرت إليه فقال لي: يا أبا محمد ما نمت البارحة لشيء اختلج في صدري منعني المْكر فيه النوم وما كنت أود إلا أن اصبح. قلت: وما ذاك؟ قال: يجوز في كلام العرب أن يقول الرجل: أريد أن أقول كذا وكذا لشيء قد فعله فقد ذلك غير جائز إلا على ضرب من الحكَاية فسر لك. قال: فما تقول في قول الله ﷿ (إن فرعون علا في الأرض) إلى إن بلغ إلى قوله (ونريد أن تمنّ على الذين استضعفوا ٠٠٠ الآية) فخاطب بها محمدا وقد فعل ذلك قبل. فقلت له: هذا من الحكاية التي ذكرتها لك لأنه لما قال (انه كان من المفسدين كان تقدير الكلام " وكان من حكمنا يومئذ أن تمن " فحكى ذلك لمحمد ﷺ. كما قاله في قصة يحيى (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت الآية) لأن تقدير الكلام " وكان من حكمنا سلام عليه) فحكى ذلك محمد حلى الله عليه وسلم. فقال لي: جزاك الله خيرا يا أبا محمد فقد فرّجت عنيّ لما شرحت ولأفيدنّك كما أفدتني.
قال أبو محمد فحدثني عن النبي ﷺ انه كان اكثر دعائه " اللهم إني أسألك اليقين والعفو والعافية وتمام النعمة في الدنيا والآخرة ".
اخبرنا المعنوي قال اخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال: كانت ميّ الني ينسب بها ذو الرمّة بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري. وكانت أم ذي الرمّة مولاة لآل قيس بن عاصم. فلما رأت شغف ذي الرمةّ بها وتزايد أمره أرادت أن توقع بينهما وحشة فقالت على لسان ذي الرمةّ: الطويل
على وجه ميّ مسحة من ملاحه وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
ألم ترأّن الماء يخبث طعمه ولو كان لون الماء في العين صافيا
فوجدت من ذلك مي. فما زال ذو الرمة يعتذر ويحلف أنه ما قاله. فقال: وكيف يكون ذلك وقد أفنيت عمري في التشبيب بها. قال أبو القاسم: وهذا الشعر أشبه شيء بقول ذي الرمة وهو مقارب لطبعه وشبيه بهذا الوزن والروى قول ذي الرمة. أنشدنا الأخفش: الطويل
تقول عجوز مدرجي متروحا على بابها من عند أهلي وغاديا
فقلت لها: لا أن أهلي لجيرة لأكثبة الدهنا جميعا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة أراجع فيها يا ابنة القوم قاضيا
ولكنني أقبلت من جانبي قسا أزور فتى نجدا كرميا يمانيا
من آل أبي موسى ترى القوم حوله كأنهم الكروان ابصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة تفادي اسود الغاب منه تفاديا
وما الخرق منه يرهبون ولا الحيا عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
اخبرنا ابن دريد قال اخبرنا أبو حاتم قال اخبرنا الأصمعي قال: العرب تقول " العرى الفادح خير من الزي الفاضح ".
اخبرنا ابن دريد قال اخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال رفع بعض القوم إلى المنصور رقعة يسأله فيها بناء مسجد في محلته فوقع فيها: " من أشراط الساعة كثرة المساجد فازدد أفي خطاك تزدد من الأجر.
اخبرنا الأخفش قال اخبرنا المبرد قال اخبرنا المازني عن الأصمعي قال اخبرني أبي وغيره: قال الحجاج بن يوسف ليحيى بن يعمر " هل الحرفي كلامي؟ " قال: معاذ الله. قال: عزمت عليك قال: تزيد الألف وتنقصها. قال: الحق بخراسان. فلما كان بعد ذلك كتب قتيبة بن مسلم من خراسان: إن العدو بعرعرة الجبل. ونحن بالحضيض. فقال الحجاج: من عند؟ وأنكر أن يكون هذا من كلامه. فقيل له: يحيى بن يعمر. فقال هذا من إملائه. قال المبرد: العرعرة: أعلى الجبل، والحضيض: أسفله حيث يفضي إلى السهل. وعرعرة البقرة: سنامها.
اخبرنا الأخفش عن المبرد عن الرياشي قال قال عدىّ بن المفضل: أتيت
[ ٧١ ]
عمر بن عبد العزيز استحفره بئرا بالعذبة. فقال لي: وأين العذبة؟ قلت: على مسيرة ليلتين من البصرة. فأحفرني وتذمّم إلاّ يكون بمثل هذا الموضع ماء واشترط عليّ أن أدلّ شارب ابن السبيل ثم حييته في يوم الجمعة فوجدته يخطب فسمعته يقول: " أيها الناس إنكم ميتون ثم أنكم مبعوثون ثم إنكم تحاسبون. فلئن كنتم صادقين لقد قصّرتم. ولئن كنتم كاذبين لقد كذبتم. أيها الناس انه من يقدر له رزق برأس جبل أو حضيض أرض يأته فاحملوا في الطلب ". قال: فأقمت عنده شهرا ما بي إلا استماع كلامه.
اخبرنا الأخفش قال اخبرنا المبرد قال: نقل الرواة انه لما توفي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ولم تحضر عائشة زارت قبره فقالت: يا أخي إني لو حضرت وفاتك ما زرت قبرك. وأنشأت تقول متمثلة: الطويل وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدَّعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معها
ثم إنها حفرت أبا بكر وهو يجود بنفسه فقالت: هذا والله كما قال حاتم: الطويل
أماوّى ما يغني المراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال لها أبو بكر: يا بنيةّ لا تقولي هكذا ولكن قولي (وجاءت سكر الحق بالموت) وهكذا كان يقروها أبو بكر ﵀.
أنشدنا الأخفش والزجاج قال أنشدنا المبرد لأبي العتاهية يرثى علي بن ثابت وكان مؤاخيا له، قال أبو العباس: كان علي أديبا ناسكا شاعرا ظريفا: الوافر
ألا من لي بأنسك أي أخيّا ومن لي أن أبثك ما لديّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشر كذاك خطوبه نشرا وطيّا
فلو نشرت قواك لي المنايا شكوت إليك ما صنعت إلياّ
وكانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
قال أبو العباس: اخذ هذا من قول بعض الأعاجم حضر ملكا لهم مات فقال: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال أبو العتاهية فيه أيضا: الخفيف
يا علي بن ثابت أين أنتا أنت بين القبور حيث دفنتا
يا علي بن ثابت بان منّي صاحب جلّ فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص المو ت وحركتني لها وسكنتا
قال أبو العباس: وهذا أيضا مأخوذ من قول بعض الأعاجم حضر موت صديق له، فلما قضى ارتفعت الأصوات بالبكاء عليه فقال: حركنا بسكونه.
وقال أبو العتاهية في عليّ بن ثابت أيضا: مجزوء الخفيف
صاحب كان لي هلك والسبيل التي سلك
كل حيّ مملّك سوف يفنى وما ملك
يا عليّ بن ثابت غفر الله لي ولك
اخبرنا عبد الله بن مالك قال اخبرني محمد بن أبي عبيد البصري عن أسد بن سعيد بن حنين عن أبيه قال حدثني ابن مغني رجل من ولد سعيد بن العاص قال حدثني إسحاق بن سعد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: كان العرجي وهو عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان يشبب بامرأة محمد بن هشام قال ابن مغني: وأما الهذلي يزيد بن عبد الله فحدثني انه كان يشبب بامرأته الحارثية وهو القائل: السريع
عوجي علينا ربة الهودج انك إن لا تفعلي تحرجي
ايسر ما قال حبيب لدى بين حبيب قوله عرّجي
تقض إليه حاجة أو يقل هل لي مما بي من مخرج
من حباكم بنتم ولم ينصرم وجد فؤادي الهائم المنضج
فما استطاعت غير أن أومأت بطرف عين شادن أدعج
تذود بالبرد لها عبرة جاءت بها العين ولم تنتج
مخافة الواشين أن يفطنوا بشاتها والكاشح المزمج
أقول لماّ فاتني منهم ما كنت من وصلهم ارتجي
إنّي أتيحت لي يمانية إحدى بني الحارث من مذحج
أحجّ إن حجّت وماذا مني واهنة إن هي لم تحجج
اخبرنا عبد الله بن الأعرابي الحارث الفهري إن إبراهيم بن المنذر حدّثهم قال حدثني محمد بن معن الغفاري قال اخبرني عمر بن عبد الله بن نصر قال: كنت جالسا عند طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر فدخل علينا كثير وأنا أتمثلّ بقول جميل: الطويل
[ ٧٢ ]
وحدّثتماني إن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذى شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المراميا
فأخذ برحله من ورائه ثم جل طربا حتى أتى العرش، يعني صدر البيت، ثم رجع وهو يقول: هو والله انسب العرب.
١ ١٢
[ ٧٣ ]