[ ١٤٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف، والتواتر والآحاد والرواة، والنقل عن النفي، وأدلة النحو عند الأنباري)
حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن أولى العلوم بالرعاية وأحقها بالاهتمام علم كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- ومعرفة أحكام الشرع الحنيف، ولقد نشأت علوم اللغة العربية جميعها من أجل الوصول إلى معاني القرآن الكريم، والحديث الشريف؛ فعلوم اللغة هي الأداة الموصلة إلى فهم الكتاب والسنة، ومعرفة الأحكام الشرعية. وبيان ذلك: أن الكتاب والسنة قد ورد بلغة العرب، ولا سبيل لفهم الكتاب والسنة إلا بمعرفة اللسان العربي.
ومن ثم نقل السيوطي عن كتاب (المحصول) للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة ست وستمائة من الهجرة قوله: "اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرضُ كفاية؛ لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع، ومعرفة الأحكام بدون معرفة أدلتها مستحيل، فلا بد من معرفة أدلتها، والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم. فإذًا توقف العلم بالأحكام على الأدلة، ومعرفة الأدلة تتوقَّف على معرفة اللغة والنحو والتصريف، وما يتوقف على الواجب المطلق وهو مقدور للمكلَّف فهو واجبٌ. فإذًا معرفة اللغة والنحو والتصريف واجبة" انتهى.
فقوله: "معرفة اللغة والنحو والتصريف" لا يُراد به هذه العلوم وحدها، وإنما يراد غيرها من العلوم العربية التي تتوقَّف عليها الأحكام الشرعية. وقوله: "فرض كفاية" المراد منه أنه لا يلزم جميع الناس أن يقوموا به، وإنما يلزم بعضهم، فإذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين.
ومعنى ما ذكره السيوطي نقلًا عن الإمام فخر الدين الرازي: أن هذه العلوم العربية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة يتوصل بها إلى هدف سامٍ، وغاية
[ ١٤٩ ]
نبيلة، وهي معرفة الأحكام الشرعية؛ إذ إن معرفة الأحكام الشرعية من الواجبات، ولا تتمّ هذه المعرفة إلا بمعرفة الأدلة، والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة، والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، والمراد بالسنة: أقوال النبي -ﷺ- وأفعاله، وأحواله، وتقريراته، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، وجاءت أقوال النبي -ﷺ- كذلك بلسان عربي، فلا سبيل إلى معرفة الأدلة إلا بمعرفة اللغة والنحو والتصريف. ومن هنا كانت معرفة هذه العلوم واجبة؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد، وما لا يتمّ الواجب إلا به فحكمه الوجوب.
وقوله: "ومعرفة الأدلة" فيه إظهار في موقع الإضمار، فقد كان يمكنه أن يقول: ومعرفتها. ولكنه اتجه إلى الإظهار؛ لئلا يتوهَّم متوهم أن الضمير يعود إلى الأحكام فأعاد ذكر الأدلة؛ لأنها المقصودة، فمعرفة الأدلة هي التي تتوقف على معرفة اللغة والنحو والتصريف. والمراد بالأدلة: الأدلة الأصلية، وهي الكتاب والسنة.
التواترِ والآحاد والرُّواةِ
بعد أن نقل السيوطي عن الإمام فخر الدين حكم معرفة اللغة والنحو والتصريف، نقل عنه أيضًا الطريق إلى معرفة اللغة: "وأكثر اللغة إنما يُعرف عن طريق النقل المحض -أي: النقل الخالص الذي لا شائبة للعقل فيه، ولا مجال له أصلًا، وبعض اللغة يكون طريقه النقل والعقل معًا -أي: مجموعهما- ولا يكون العقل وحده طريقًا إلى معرفة اللغة.
هذا، والنقل المحض قسمان: متواتر، وآحاد، ومعنى هذا القول أن اللغة قد وصلت إلينا منقولة إما نقلًا متواترًا يرويه الجماعة التي يستحيل عليهم الاتفاق
[ ١٥٠ ]
على الكذب دون غيرهم عن الجماعة التي يستحيل عليهم الاتفاق على الكذب كذلك. وإما نقل آحاد بأن يتفرَّد بالنقل واحد ولم يوجد به شرط التواتر".
وقد أورد الفخر الرازي إشكالات على المتواتر والآحاد، وهذه الإشكالات تجعل من المتعذِّر في الظاهر قبول اللغة بالنقل، لكنه ردَّ عليها بما يُزيل إشكالها.
أولًا: الإشكالات على المتواتر:
يَرِدُ على المتواتر ثلاثة إشكالات:
الإشكال الأول: اختلاف الناس في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ تداولًا ودورانًا على ألسنة المسلمين، كاختلافهم في لفظة "الله"، فزعم بعضهم أنها عبرية، وقال قوم: إنها سريانية. واللذين ذهبوا إلى أنها عربية اختلفوا هل هي مشتقَّة أو لا؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافًا شديدًا في الأصل المشتقة منه، ومن تأمَّل أدلتهم في تعيين مدلول هذا اللفظ الكريم، علم أنها متعارضة وأن شيئًا منها لا يفيد الظن الغالب فضلًا عن اليقين.
وكذلك اختلفوا في لفظ "الإيمان" وهو مصدر الفعل: آمن؛ هل همزته للتعدية؛ أو هي للصيرورة؟ وهل مسماه التصديق الجناني؛ أو النطق اللساني؛ أو هما معًا؟ واختلفوا كذلك في لفظ الكفر هل هو بمعنى الجحد؛ أو بمعنى الستر؟ وكذلك اختلفوا في لفظ "الصلاة" هل هي مصدر أو اسم مصدر؛ وهل معناه الدعاء أو الرحمة أو العطف أو الحنو؟ وهكذا يقع الاختلاف في معاني الكلمات التي كثرت دورانها وتداولها على ألسنة الناس مما يُظهر أن دعوى التواتر في اللغة متعذِّر.
وقد أجاب الفخر عن هذا الإشكال بأنه إن لم يمكن دعوى التواتر في معانيها على سبيل التفصيل؛ فإنا نعلم معانيها في الجملة؛ فنعلم أن لفظ "الله" عَلَم على الإله
[ ١٥١ ]
المعبود بحق؛ وإن كنَّا لا نعلم مسمى هذا اللفظ أذاته أي: فيكون اسمًا للذات بناء على أنه مرتجل غير مشتقّ؛ أو كونه معبودًا أي: بناء على أنه مشتقّ من أله إلهة كعبد عبادة؛ أم كونه قادرًا على الاختراع؛ أم كونه ملجأ للخلق؛ أم كونه بحيث تتحيَّر العقول في إدراكه إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ؛ وكذلك القول في سائر الألفاظ.
والإشكال الثاني: الجهل بشرط التواتر؛ لأنا لا نعلم حصول شرط التواتر فيما سبق من أزمنة؛ وشرط التواتر: هو استواء الطرفين والواسطة، وقد جهلنا هذا الشرط، والجهل بالشرط جهل بالتواتر نفسه، وللرَّد على هذا الإشكال نقول: إن الغاية القصوى في راوي اللغة أن يُسند ما يرويه إلى كتاب صحيح، أو إلى أستاذ متقن.
والإشكال الثالث: أخذ اللغة عن علماء ليسوا معصومين ولا بالغين حد التواتر، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم، وللرّدّ على هذا الإشكال نقول: إن عدم عصمتهم لا يستلزم وقوع النقل والتغيير.
ثانيًا: الإشكال على الآحاد:
وقد أورد الفخر الرازي إشكالًا على الآحاد، وحاصله: أن الرواة المجرَّحون لم يسلموا من القدح؛ فقد قدح الكوفيون والمبرد في كتاب سيبويه، كما قدح كثير من أهل اللغة في كتاب (العين) للخليل، وأفرد ابن جني في كتاب (الخصائص) بابًا في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض، وبابًا آخر غرضه القدح في الكوفيين، ومثل هذا كثير.
وللرّدّ عن هذا الإشكال نقول: إن القدح لا يلزم منه عدم القبول، فإن المبرد الذي قدح في كتاب سيبويه قد رجع عن أقواله في الكتاب، وإن العلماء الذين
[ ١٥٢ ]
قدحوا في (العين) لم يكن قدحهم فيه سببًا يصرف الناس عن الكتاب وعن الإفادة منه.
وقد أجاب الفخر عن الإشكالات كلها بقوله: "والجواب عن الإشكالات كلها: أن اللغة والنحو والتصريف تنقسم قسمين؛ قسم منه متواتر والعلم الضروري حاصل به، أو حاصل بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعًا لهذه المعاني، فإنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض -يعني: لفظتيهما- كانتا متسعملتين في زمنه -ﷺ- في معناهم المعروف، وكذلك الماء والهواء والنار وأمثالها. وكذلك لم يزل الفاعل مرفوعًا، والمفعول منصوبًا، والمضاف إليه مجرورًا. وقسم منه مظنون وهو الألفاظ الغريبة، والطريق إلى معرفتها الآحاد، وأكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول والثاني قليل جدًّا، فلا يتمسَّك به في القطعيات، ويتمسك به في الظنيات" انتهى.
وحاصل هذا الكلام أن الطريق إلى معرفة اللغة هو النقل بشقيه: المتواتر والآحاد، وأن القدح فيهما وإيراد الإشكالات عليهما لا يمنع من كونهما طريق معرفة اللغة.
النقلِ عن النفي
إن المراد بالنقل عن النفي هو أن يقول القائل: لم أره، أو لم أقف عليه، أو لم أجده، أو نحو ذلك من العبارات التي تدل على نفي الشيء وعدم وجوده، وذلك بخلاف قوله: لا أعرفه، أو لا أذكره، فليس في هذين القولين ونحوهما دليلٌ على نفي الشيء.
والسؤال الذي يطرحه هذا العنصر هو: هل في نفي المتكلم العلم بالشيء دليل على عدم وجود الشيء؟
[ ١٥٣ ]
لقد نقل السيوطي عن بهاء الدين بن النحاس أنه لا دليل فيه؛ فقال: "قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في (التعليقة): النقل عن النفي فيه شيء؛ لأن حاصله أنني لم أسمع هذا، وهذا لا يدل على أنه لم يكن" انتهى قول ابن النحاس.
وقوله: "فيه شيء" أي: فيه بحث ومناقشة، وقوله: "لا يدل على أنه لم يكن" أي: أن نفي العلم لا يدل على نفي الوجود.
ولم يعلق السيوطي -﵀- على القول الذي نقله؛ مما يرجح أنه يرى الرأي نفسه ولا يخالفه.
وتحقيق الأمر في هذه المسألة أن يُنظر في حال القائل، فإن لم يكن واسع الاطلاع غزير المعرفة؛ لم يكن في كلامه دليل على نفي الوجود، بل كان كلامه دليلًا على عدم معرفته هو، وعدم اطلاعه على ما ذُكر، ربما يكون غيره ممن اتسعت روايتهم، وكثر اطّلاعهم قد عرف ما غاب عن صاحبه. أما إذا صدر هذا القول عن إمام نحرير متتبع لكلام العرب، واسع الاطلاع؛ كان قوله بمنزلة التصريح بعدم ورود ذلك.
نظير ذلك ما قاله المحدثون في مثله، فإنهم قد صرَّحوا بأنه إذا قال الحافظ النقاد في حديث ما: لا أعرفه، فمعناه: لا أصل له. ولأبي الأسود الدؤلي كلام صريح في هذا الأمر ذكره ابن فارس: أنه بلغه عن أبي الأسود أن امرأ كلَّمه ببعض ما أنكره أبو الأسود، فسأله أبو الأسود عنه فقال: هذه لغة لم تبلغك. فقال له: يا ابن أخي إنه لا خير لك في ما لم يبلغني. فعرفه بلفطف أن الذي تكلم به مختلق، ومعنى ما ذكره أبو الأسود أن العالم المتتبع لكلام العرب إن نفى شيئًا كان نفيه دليلًا على عدم وجوده.
[ ١٥٤ ]
أدلة النحو عند الأنباري
إن الأنباري له في علم أصول النحو كتابان هما: (لمع الأدلة)، و(الإغراب في جدل الإعراب)، والإغراب بالعين المهملة، أو بالغين المعجمة. وقد أشار السيوطي في مقدمة (الاقتراح) إلى أنه لم يقرأ كتابَي الأنباري إلا بعد فراغه من كتابه (الاقتراح)، كما أشار هنا إلى أنه رأى كلام الأنباري بعد أن حرَّر كتاب السماع بفصوله وفروعه، فقال: "بعد أن حررت هذا الكتاب بفروعه، وجدت ابن الأنباري قال في أصوله: أدلة النحو ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال" انتهى.
وقد ذكر الأنباري هذه الأدلة الثلاثة أيضًا في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فقال: "أدلة صناعة الإعراب ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال" انتهى. وهذه هي الأدلة الغالبة. ويُضاف إليها دليل رابع وهو الإجماع الذي ذكره الأنباري في (لمع الأدلة)، وبذلك تكون أصول النحو الغالبة عند الأنباري أربعة أصول، وهي: النقل، والقياس، والإجماع، واستصحاب الحال؛ فالنقل هو الأصل الأول من أصول النحو، ويراد به المنقول، وهو الذي ذكره السيوطي تحت عنوان السماع.
وقد عرَّف الأنباري النقل بقوله: "الكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح، الخارج عن حدّ القلة إلى حد الكثرة"، وقد اشترط الأنباري في النقل الذي يُحتج به ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الكلام عربيًّا فصيحًا ينتمي إلى إحدى القبائل المأخوذ عنها، كما ينتمي إلى زمن الاحتجاج، وعليه يخرج ما جاء من كلام المولدين والمحدثين.
[ ١٥٥ ]
والثاني: أن يكون الكلام خارجًا عن حدِّ القلة إلى حدِّ الكثرة.
ولم يذكر السيوطي هذا الشرط الأخير، وإنما عرف السماع: بأنه كلام من يُوثق بفصاحته، ولعل الذي دفع الأنباري إلى وضع هذا الشرط أنه كان معنيًّا بمسألة القياس، وهو يرى أنه لا يجوز القياس على الشاذ والقليل؛ فالشاذ لا يجوز القياس عليه في نحو: الجزم بـ"لن" في قول كثير عزة:
أيادي سبا يا عزة ما كنت بعدكم فلن يَحْل للعينين بعدك منظر
فجزم الفعل الفعل المضارع "يحلى" بـ"لن"، ومثله قول الآخر:
لَنْ يخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائكَ مَنْ حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الحَلَقَه
فجزم الفعل المضارع بـ"لن"، ونظير ذلك النصب بـ"لم" في قول الراجز:
في أي يومي من الموت أفر أيوم لم يُقْدر أم يوم قُدِر؟
فنصب الفعل المضارع بـ"لم".
والشرط الثالث: أن يكون الكلام الفصيح منقولًا نقلًا صحيحًا، وقد عقد الأنباري في (لمع الأدلة) عدَّة فصول لخصها السيوطي في (الاقتراح)، ولنوجزها هنا في أربعة نقاط، وهي:
النقطة الأولى: أقسام النقل، وحكم كل قسم، وما يُشترط فيه:
ذكر الأنباري أن النقل ينقسم إلى تواتر وآحاد:
فالقسم الأول وهو: التواتر، والمراد به لغة القرآن الكريم، أي: ما عدا القراءات الشاذة؛ إذ القراءات الشاذة لا خلاف في أنها روايات آحاد، وليست متواترة، والمراد بالتواتر أيضًا: ما تواتر من السنة وكلام العرب، وهذا القسم دليل قطعي من أدلة النحو يُفيد العلم عند جمهور العلماء، وقد اشترط الأنباري للتواتر
[ ١٥٦ ]
شرطًا، وهو أن يبلغ عددُ النقلة حدًّا لا يجوز فيه على مثلهم الاتفاق على الكذب أي: لا يتصوَّر هذا الاتفاق، كنقلة لغة القرآن الكريم وما تواتر من السنة الشريفة، وكلام العرب، فإنهم انتهوا إلى حدِّ يستحيل على مثلهم الاتفاق على الكذب.
القسم الثاني: الآحاد، وهو ما تفرَّد بنقله بعض أهل اللغة، ولم يوجد فيه شرط التواتر، ومعنى أنه لم يوجد فيه شرط التواتر: أنه لم يجتمع على القول به عدد يستحيل على مثلهم الاتفاق على الكذب. وذكر أبو البركات الأنباري أن ما تفرَّد به بعض أهل اللغة يُعدُّ من أدلة الاحتجاج؛ فقال: "هو دليل مأخوذ به"، واختلفوا في إفادته، فذهب الأكثرون إلى أنه يُفيد الظن، وذهب بعضهم إلى أنه يفيد العلم، واختار الأنباري الأول، وهو أن خبر الآحاد يُفيد الظن. وقد عقد الأنباري فصلًا لبيان شرط نقل الآحاد ذكر فيه أنه يُشترط أن يكون ناقل اللغة عدلًا، رجلًا كان أو امرأة، حرًّا كان أو عبدًا، كما يُشترط في ناقل الحديث الشريف عن النبي -ﷺ- لأن باللغة معرفة تفسيره وتأويله، فاشترط في نقلها ما اشترط في نقله، ومعنى كلام الأنباري أن العدالة شرطٌ في راوي اللغة كي نضمن أنه يروي اللغة في دقة، ودون تحريف ظواهر اللغة وخصائصها.
ثانيًا: ونلاحظ في كلام الأنباري أنه اشترط العدالة في راوية اللغة، كما اشترطها في راوية الحديث، ولا يعني ذلك أن الأنباري يسوِّي بين اللغة الحديث في الفضل، وقد نبَّه على ذلك بقوله: "وإن لم تكن في الفضيلة من شكله" أي: وأن لم تكن اللغة تساوي الحديث في فضله ومنزلته ومكانته، إلا أنه يُشترط في نقلها ما يشترط في نقله. ورفض الأنباري رواية ناقل اللغة إن كان فاسقًا، فذكر أنه إن كان ناقل اللغة فاسقًا لن تُقبل روايته، والعلة في ذلك أن فسقه ربما يدفعه دفعًا إلى الكذب والادّعاء، ولأنه قد ارتكب محذور دينه مع علمه بتحريمه، أي: مع علمه
[ ١٥٧ ]
بأنه محرم عليه، فلم يُؤمَن مع ذلك أن يكذب مع علمه بتحريمه، أي: مع علمه بأن الكذب محرم عليه أيضًا".
وبعد أن بين أبو البركات الأنباري أن نقل العدل الواحد مقبول بيَّن أنه لا يشترط أن يوافقه غيره؛ فقال: "ويُقبل نقل العدل الواحد، ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره؛ لأن الموافقة لا تخلو إما أن تُشترط لحصول العلم أو لغلبة الظن، بطل أن تكون لحصول العلم؛ لأن العلم لا يحصل بنقل اثنين، فوجب أن تكون لغلبة الظن، وغلبة الظن قد حصلت بخبر الواحد من غير موافقة" انتهى.
ومعنى كلام الأنباري: أنه لا يُشترط في قبول العدل الواحد أن يُوافقه غيره.
والنقطة الثانية: قبول نقل أهل الأهواء:
والمراد بأهل الأهواء: أصحاب الأهواء الفاسدة، والآراء الضالة من المبتدعة كالمعتزلة والرافضة ونحوهم، والأهواء في اللغة جمع: هوى، وهو العشق والحب، ثم أطلقوه إذا أرادوا الشيء المستقبح. وقد عقد أبو البركات الأبناري الفصل السابع من فصول كتابه (لمع الأدلة) في قبول نقل أهل الأهواء، ولخصه السيوطي في (الاقتراح) في جملة واحدة؛ إذ قال: "ويقبل نقل العدل الواحد، وأهل الأهواء إلا أن يكونوا ممن يتديَّنون بالكذب" انتهى ما قاله السيوطي.
ومعنى ما قاله السيوطي: أنه يُقبل نقل أهل الأهواء إلا إذا كانوا ممن يتخذون الكذب دينًا كالخطّابية من الروافض، وما ذكره السيوطي هو من كلام الأنباري في (لمع الأدلة) إذ قال -﵀-: "اعلم أن نقل أهل الأهواء مقبول في اللغة وغيرها، إلا أن يكونوا ممن يتديَّن بالكذب كالخطابية من الرافضة" انتهى.
وليس هذا القول موضع إجماع العلماء، فمن العلماء من ذهب إلى أن نقل أهل الأهواء لا يُقبل، وقد أشار الأنباري إلى هذا الرأي بقوله: "وزعم بعضهم أنه لا
[ ١٥٨ ]
يُقبل نقل أهل الأهواء؛ لأنه إذا رُدَّت رواية الفاسق لفسقه، فلأن لا تُقبل رواية المبتدع لبدعته كان ذلك أولى" انتهى.
وفي هذا الكلام إشارة إلى أن فريقًا من العلماء لم يَقبل رواية أهل الأهواء والبدع؛ حملًا على رواية الفاسق التي ذكر الأنباري أنه لا يجوز قبولها، بل يجب ردُّها، ولم يرتضِ الأنباري هذا القول، فوصفه في بداية كلامه بأنه زعم، ثم وصفه بأنه ليس بصحيح. وفرق الأنباري بين الفاسق وصاحب البدع؛ فالفاسق قد يدفعه فسقه إلى الكذب، أما المبتدع فلا تحمله بدعته على الكذب؛ فصحَّ عنده أن يقبل نقل المبتدع دون نقل الفاسق، وأما المبتدع فما ارتكب محذور دينه مع العلم بالتحريم، وليست بدعته حاملة له على الكذب؛ فوجب أن يقبل" انتهى.
ونلحظ فيما ذكره الأنباري في هذه النقطة أن المعيار عنده هو التزام الصدق، فمن ظهرت صدقه قُبلت روايته، وإن كان من أهل الأهواء، ومن تدين بالكذب لم تُقبل روايته.
والنقطة الثالثة: في حكم قبول المرسل والمجهول:
وقد عقد الأنباري الفصل الثامن من كتابه (لمع الأدلة) في قبول المرسل والمجهول، وعرف المرسل: بأنه هو الذي انقطع سنده نحو: أن يروي أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد المولود سنة ثلاثة وعشرين ومائتين من الهجرة، والمتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين عن أبي زيد الأنصاري المولود سنة تسع عشرة ومائة من الهجرة، والمتوفى سنة خمس عشرة ومائتين، فابن دريد لم يدرك أبا زيد، فبينهما راوٍ أو أكثر، وهذا هو المراد من انقطاع السند؛ فالانقطاع يعني: عدم الاتصال بين الراوي والمروي عنه.
[ ١٥٩ ]
وقد ذكر السيوطي في كتابه (المزهر) أمثلة للمرسل منها ما في (الجمهرة) لابن دريد يقال: "فسأت الثوب أفسأه فسأً أي: مدته حتى تفزر، أي: تشقق". وأخبر الأصمعي عن يونس قال: "رآني أعرابي محتبيًا بطيلسان، والطيلسان: هو ضرب من الأوشحة يُلبس على الكتب، أو يحيط بالبدن، وهو خالٍ عن التفصيل والخياطة. فقال: علام تفسؤه؟ " والشاهد في هذا المثال: أن ابن دريد لم يدرك الأصمعي؛ لأن ابن دريد قد وُلد سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، والأصمعي قد توفي سنة ست عشرة أو خمس عشرة ومائتين، فبينهما راوٍ أو أكثر.
أما المجهول فقد عرفه بقوله: "والمجهول هو الذي لم يُعرف ناقله نحو: أن يقول أبو بكر الأنباري حدثني رجل عن ابن الأعرابي، ولم يذكر اسم هذا الرجل، وقد جمع الأنباري بين المرسل والمجهول، وحكم عليهما بحكم واحد، وهو الرّدّ وعدم القبول، فقال: وكل واحد من المرسل والمجهول غير مقبول، وإنما لم يقبل الأنباري المرسل والمجهول للشرط الذي اشترطه من قبل، من وجوب العدالة في قبول النقل، وانقطاع السند، وكذلك الجهل بالناقل يُفهم منهما عدم معرفة حقيقة الناقل إن كان عدلًا، أو غير عدل، ولأن العدالة شرط في قبول النقل؛ فقد رفض الأنباري المرسل والمجهول. وقال: وكل واحد من المرسل والمجهول غير مقبول؛ لأن العدالة شرط في قبول النقل. والجهل بالنقل وانقطاع سند الناقل يُوجبان الجهل بالعدالة، فإن من لم يذكر اسمه، أو ذكر اسمه ولم يعرف؛ لم تعرف عدالته، فلا يقبل نقله".
وما ذكره الأنباري هو أحد رأيين في المسألة، وفيها رأي آخر وهو قبول المرسل والمجهول، فقد أجازهما قوم محتجِّين بأن المرسل لو صدر عن عالم اتصل سنده؛ لوجب قبوله، وكذلك المجهول لو صدر عن عالم لا يُتهم في نقله لوجب قبوله أيضًا، ومعنى هذا الكلام أن من قبل المرسل والمجهول قد حملهما على المتصل
[ ١٦٠ ]
السند والمعلوم باعتبار أن الإرسال صدر ممن لو أسند؛ لقبل ولم يتهم في إسناده. فعدم الاتهام في الإسناد يعني: وجوب الأخذ بالمرسل، وعدم الاتهام في المعلوم يعني: وجوب الأخذ بالمجهول.
وردَّ الأنباري هذا الكلام وقال: "وهذا ليس بصحيح، وقولهم: "إن الإرسال صدر ممن لو أسند لقُبل ولم يتهم في إسناده فكذلك في إرساله"؛ قلنا هذا اعتبار فاسد، لأن المسند قد صرَّح فيه باسم الناقل، وأمكن الوقوف على حاله بخلاف المرسل، أي: فليس فيه تصريح باسم الناقل، وكذلك أيضًا النقل عن المجهول لم يُصرح أيضًا فيه باسم الناقل، ولا يمكن الوقوف على حقيقة حاله؛ بخلاف ما إذا صُرّح باسم الناقل، فبان بهذا أنه لا يلزم من قبول المسند قبول المرسل، ولا من قبول المعروف قبول المجهول" انتهى.
ونختم بأن نشير إلى أن السيوطي نقل كلام الأنباري مختصرًا في كتابه (الاقتراح)، ولم يذكر جواب الأنباري عن الرأي القائل بقبول المرسل والمجهول، وقد نبَّه على ذلك شُرّاح (الاقتراح)، فأخذوا على السيوطي أنه لم يذكر الجوابين.
والنقطة الرابعة: حكم الإجازة:
ويُعدُّ الحديث عن حكم الإجازة أثرًا من آثار علوم الحديث وانتقالها إلى أصول النحو؛ لأن الإجازة في الأصل مصطلح من مصطلحات علم الحديث، والمراد بها أن يُجيز المحدِّث لمعيِّن في شيء معين، كأن يقول المحدث: أجزت لفلان الكتاب الفلاني، فيجوز حينئذٍ أن يرويه عن شيخه، وأن يُحدِّث به، وأئمة الحديث على جوازها؛ إبقاء للتبرك بالانخراط في سلسلة الإسناد، والمراد بالإجازة هنا رواية الكتب والأشعار المدونة. وقد عقد الأنباري الفصل التاسع من
[ ١٦١ ]
(لمع الأدلة) لذكر اختلاف علماء اللغة في جوازها فقال: "اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز الإجازة، فذهب قوم إلى جوازها وذهب آخرون إلى أنها غير جائزة" انتهى.
ففي المسألة إذًا رأيان: أحدهما: الجواز، والآخر: المنع، وحجة من أجاز أن النبي -صلوات الله وسلامه عليه- كتب إلى ملوك؛ فنزل ذلك منزلة قوله وخطابه، وكتب صحيفة الزكاة والديات، ثم صار الناس يُخبرون بها عنهم، ولم يكن هذا إلا بطريق المناولة والإجازة. والمراد بالمناولة أن يناول العالم التلميذ كتابًا ليروي عنه ما فيه؛ فكان ما فعله الرسول -ﷺ- دليلًا على جواز الإجازة، وهو الرأي الذي ذهب إليه أبو البركات الأنباري ووافقه فيه السيوطي، وذهبت طائفة قليلة وُصفت بأنها شرذمة -أي: جماعة قليلة- إلى عدم جواز الإجازة، وحجتهم في ذلك أن المتكلم يقول: أخبرني فلان، ولم يحدث إخبار، وقد ردَّ أبو البركات الأنباري هذا القول، ووصفه بأنه غير صحيح فقال: "وليس بصحيح، فإنه يجوز لمن كتب له إنسان كتابًا ذكر فيه أشياءً أن يقول: أخبرني فلان في كتابه بكذا، ولا يكون كاذبًا" انتهى.
وخلاصة القول: أن الإجازة جائزة، بل هي إحدى الوسائل التي ينتقل بها العلم من العالم إلى تلميذه، ولا عبرة بقول من منعها".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٦٢ ]