[ ١٦٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(الإجماع)
حجيةُ إجماع النحاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الإجماع في اللغة مصدر الفعل الرباعي أجمع، وله معنيان:
أحدهما: العزم، يقال: أجمعت على الأمر، أي: عزمت عليه عزمًا لا يلحقه توانٍ ولا نقص.
والآخر: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي: اتفقوا عليه وتواطئوا.
ويرجع تعريف الإجماع في الاصطلاح إلى المعنى الثاني، وهو الاتفاق.
وقبل تعريف الإجماع في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن هذا المصطلح مصطلح فقهي اعتمده الفقهاء أصلًا من أصول الشريعة ودليلًا من أدلتها، وقد عرفوه بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد -ﷺ- بعد زمانه في عصر على حكم شرعي، ثم انتقل هذا المصطلح من الفقه إلى النحو؛ فكان الأصل الثاني من أصول النحو عند ابن جني الذي جعل أصول النحو ثلاثة كما ذكر السيوطي، وهي: السماع، والإجماع، والقياس.
والأمر الآخر: أن الإجماع إما أن يراد به إجماع النحاة؛ وإما أن يراد به إجماع العرب، والغالب أن يكون المراد به إجماع النحاة على حكم ما.
ومن هنا كان تعريف الإجماع في الاصطلاح هو: اتفاق نحاة البلدين -البصرة والكوفة- على حكم نحوي أو على أمر يتصل بالصناعة النحوية.
وقال السيوطي: المراد به: إجماع نحاة البلدين البصرة والكوفة.
وإنما قيد التعريف بنحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم -كما قال- الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها:
[ ١٦٥ ]
فالبصريون هم الذين وضعوا علم النحو وتعهدوه بالرعاية؛ فالبصرة صاحبة الفضل في وضعه وتعهده في نشأته.
والكوفيون نهضوا بهذا الفن ونافسوا في الظفر بشرفه؛ فكان منهم علماء تلاقوا مع علماء البصرة؛ فوثب هذا العلم على أيديهم جميعًا وثبة حيي بها حياة بعد.
وقد ذكر السيوطي في أول (الاقتراح) أن الإجماع هو أحد أصول النحو الثلاثة عند ابن جني وهي: السماع، والقياس، والإجماع، غير أن الإجماع لم يحظَ عند ابن جني بما حظي به السماع والقياس؛ فهما أصلان معتمدان مطلقًا؛ أما الإجماع فلا يكون حجة إلا إذا لم يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص.
ومن هنا وجدنا ابن جني يعقد في (الخصائص) بابًا عنوانه: القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة.
وعنه نقل السيوطي غير أنه اختصر الكلام اختصارًا غير مخلٍ، ونحن نذكر هنا كلام ابن جني كله إكمالًا للنفع وإتمامًا للفائدة:
قال -﵀-: "اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص".
فقوله: "إجماع أهل البلدين"، معناه: إجماع أهل البصرة والكوفة؛ لأن عليهما الاعتماد في الأحكام النحوية.
وقوله: "إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص"، معناه: أن الإجماع إذا خالف المنصوص أو المقيس عليه لم يكن حجة بل يجب تقديم النص عليه، وقد أراد ابن جني بكلامه هذا أن يفرق بين الإجماع عند النحاة والإجماع عند الفقهاء.
[ ١٦٦ ]
فالإجماع عند الفقهاء ملزم يجب قبوله ولا يجوز رده؛ بل قال بعض الفقهاء: إن الإجماع أقوى من النص؛ لأن النص قد يلحقه التغيير حين يتطرق إليه النسخ، والإجماع يسلم من أن يتطرق إليه النسخ.
ومن هنا كان إجماع المجتهدين من الفقهاء حجة، ومعنى كونه حجة: وجوب العمل به مقدمًا على باقي الأدلة.
أما إجماع النحاة؛ فلا يعد ملزمًا عند ابن جني، وقد أقره السيوطي على ذلك.
وإنما كان إجماع النحاة غير ملزم عند ابن جني لأمرين اثنين:
أحدهما: إمكان وقوع الخطأ من علماء البصرة والكوفة مجتمعين؛ فالنحاة لا يدخلون تحت قوله -ﷺ-: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»؛ إذ لم يرد في قرآن ولا سنة أن علماء النحو من البصرة والكوفة لا يجتمعون على الخطأ.
والأمر الآخر: طبيعة هذا العلم؛ فعلم النحو -كما وصفه ابن جني- علم منتزع من استقراء هذه اللغة؛ فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريقة نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي: أن كل من كُشف وأُبين له عن علة صحيحة أو طريقة واضحة وتمرس في دراسة هذا العلم تمرسًا طويلًا حتى أحس في نفسه القدرة على التمكن من مسائله والإحاطة بقضاياه؛ قام في نفسه دليل قاطع يغنيه عن الخليل بن أحمد، وثبت لديه من فكره برهان ساطع يكيفه عن أبي عمرو بن العلاء؛ فمن اتصف بهذه الصفات؛ جاز له أن يخالف إجماع أهل البلدين.
ولكن هذه المخالفة مشروطة بطول البحث والتقصي والبعد عن نزوات الفكر؛ كما أنها مشروطة أيضًا بإجلال السلف؛ لأنهم القوم الذين لا نشك في أن الله
[ ١٦٧ ]
-سبحانه وتقدست أسماؤه- قد هداهم لهذا العلم الكبير وأراهم وجه الحكمة في الترجيب له والتعظيم، وجعله -ببركاتهم وعلى أيدي طاعاتهم- خادمًا للكتاب المنزل وكلام نبيه المرسل، وعونًا على فهمهما، ومعرفة ما أمر به أو نهي عنه الثقلان منهما انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني إجلاله للسابقين من أهل العلم وتوقيره لهم، ويدل على تقديره إياهم أنه، مع إباحته مخالفتهم لمن تمرس بهذا العلم وعرف أصوله وقضاياه؛ إلا أن الأولى عنده موافقة الإجماع؛ إذ ذكر أننا -مع ذلك- لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها إلا بعد إمعان وإتقان.
ومعنى كلام ابن جني: أن من كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره لا يجوز له خرق إجماع أهل الكوفة والبصرة، والجرأة على مخالفة ما أجمع عليه الفريقان إلا بعد إمعان وإتقان.
وقد خرق ابن جني نفسه إجماع النحاة في مسألتين ذكر السيوطي إحداهما ولم يذكر الأخرى، وسنذكرها:
أما المسألة الأولى التي خرق فيها ابن جني إجماع النحاة: فالجر على الجوار في نحو قولهم: "هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ"؛ فـ"خربٍ" صفة لجحرُ؛ فكان حقه الرفع؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون تابعة للموصوف، وقد جاء قولهم: "خربٍ" مجرورًا؛ لأنه جاور مجرورًا، وأجمع العلماء على أنه من الشاذ الذي لا يقاس عليه ولا يجوز رد غيره إليه، وعلى هذا أجمع النحويون.
وخالفهم ابن جني وذهب إلى أن "خربٍ" صفة لـ"ضبٍّ"، على أن الأصل: خربٍ جحرُه؛ فـ"خربٍ" نعت سببي لـ"ضبٍّ"؛ كما هو شأن النعت السببي.
[ ١٦٨ ]
ولم يرتضِ المتأخرون ما ذهب إليه ابن جني؛ فوصف بعضهم ما قال ابن جني بأنه مسلك ظاهر على وجهه التكلف غير محتاج لما ارتكبه ابن جني في تخريجه من التعسف.
والمسألة الثانية التي خالف ابن جني الإجماع: ما يعود عليه الضمير في قول الشاعر:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فعل
فقد ذهب جمهور النحويين إلى أن الضمير في ربُّه عائد على متقدم، وهذا المتقدم هو المصدر الذي دل عليه قوله جزى؛ فالتقدير: جزى ربُّ الجزاءِ عني عديَّ بن حاتم، ومنع النحويون عود الضمير إلى "عديَّ"؛ حتى لا يعود الضمير على متأخر عليه في اللفظ والرتبة.
وخرق ابن جني إجماع النحاة؛ فأجاز أن يكون الضمير المتصل بالفاعل عائدًا إلى "عدي" الواقع مفعولًا به فقال: أجمعوا على أن ليس بجائز: "ضرب غلامُه زيدًا"؛ لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى، وقالوا في قول النابغة:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم
البيت: إن الهاء عائدة على مذكور متقدم؛ كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول مضافًا إلى الفعل فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنًى؛ وأما أنا -والكلام لابن جني- فأجيز أن تكون الهاء في قوله:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم
عائدة على "عديَّ" خلافًا على الجماعة" انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني أنه لا يرى بأسًا بمخالفة ما أجمع عليه النحويون؛ بل يرى مخالفة الإجماع جائزة؛ لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يلوِ بنص أو ينتهك حرمة شرع.
[ ١٦٩ ]
ومراده بالإلواء بالنص: المخالفة بالنص عن جهته وقصده، وإذا كان الإجماع عند ابن جني يجوز خرقه ومخالفته؛ فإن هناك رأيًا آخر، وهو: أن إجماع النحاة حجة ولا تجوز مخالفته.
وقد سبق إلى القول بهذا الرأي أبو العباس المبرد؛ فقد ذكر في (المقتضب): أنه لا يجوز أن يقال: جاءني الغلامُ زيدٍ، بالإضافة؛ وكذلك لا يجوز: هذه الدارُ عبدِ الله، ولا: أخذتُ الثوبَ زيدٍ.
وقد بين علة امتناع ذلك بقوله: وقد أجمع النحويون على أن هذا لا يجوز، وإجماعهم حجة على من خالفه منهم، واختار المتأخرون ما ذهب إليه المبرد؛ فعدوا الإجماع أصلًا من أصول النحو المعتبرة، ولم يجيزوا خرقه أو مخالفته أو الخروج عليه؛ ولذلك قال السيوطي بعد أن نقل كلام ابن جني: وقال غيره: إجماع النحاة على الأمور اللغوية معتبر؛ خلافًا لمن تردد فيه، وخرقه ممنوع ومن ثم رد. انتهى.
فقوله: "وقال غيره" يعني به: غير ابن جني؛ للذي تقدم من أن ابن جني يجيز خرق الإجماع ومخالفته.
وقوله: "إجماع النحاة" يقصد به نحاة البصرة والكوفة؛ لأنهم هم المعنيون في باب الإجماع.
وقوله: "معتبر" أي: معمول به لا يجوز لأحد خرقه ولا عبرة بمن تردد فيه.
وقد أحسن الشاطبي -﵀- حين قال في (المقاصد الشافية شرح الخلاصة الكافية): "ومخالفة إجماع النحويين كمخالفة إجماع الفقهاء وإجماع الأصوليين وإجماع المحدثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ". انتهى.
[ ١٧٠ ]
وقد ضرب السيوطي مثلًا يُستدل به على عدم جواز خرق الإجماع؛ فنقل عن ابن الخشاب قوله: "لو قيل: إن "مَن" في الشرط لا موضع لها من الإعراب لكان قولًا؛ إجراء لها مجرى إن الشرطية، وتلك لا موضع لها من الإعراب؛ لكن مخالفة المتقدمين لا تجوز". انتهى.
ومعنى ما قاله ابن الخشاب: أن هناك من الآراء ما يكون صحيحًا مستقيمًا عند النظر؛ ولكن يحول بينه وبين قبوله ما فيه من مخالفة المتقدمين، ومن أمثلة ذلك: "مَن" الشرطية؛ فإن لها في الإعراب محلًّا، ولو أن قائلًا قال: بأن ليس لها محل من الإعراب حملًا لها على "إنْ" الشرطية لكان قوله مستقيمًا؛ فمن القواعد المقررة في علم النحو جواز حمل الشيء على الشيء إذا أشبهه في لفظه أو معناه أو فيهما معًا، وقد أشبهت "مَن" الشرطية "إنْ" الشرطية في معناها، ومع استقامة هذا القول من جهة النظر؛ فإنه لا يجوز القول به لما فيه من مخالفة المتقدمين وخرق إجماعهم، ولما كان الإجماع معتبرًا عند غير ابن جني؛ فإنهم لم يلتفتوا لمن خالف ذلك منهم؛ بل رد المتأخرون كل ما فيه خرق لإجماع النحويين، والأمثلة على هذا الرد كثيرة نجتزئ منها بأربعة أمثلة تكشف لنا عن عناية المتأخرين بالإجماع وعده أصلًا من الأصول المعتبرة التي يعول عليها وردهم قول من خرقه أو خالفه.
ونلحظ في الأمثلة الآتية أنها تختلف عن المثال الذي ذكره ابن الخشاب في (المرتجل) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح)؛ لأن ما ذكره ابن الخشاب لم يقل به أحد من النحويين؛ وإنما افترضه افتراضًا؛ ليدل به على وجوب احترام ما أجمع عليه النحويون.
أما الأمثلة الآتية؛ فقد وقع فيها بالفعل خرق لإجماع النحويين:
[ ١٧١ ]
المثال الأول: انقسام الكلمة إلى اسم وفعل وحرف:
أجمع العلماء على انحصار أقسام الكلمة في هذه الأقسام الثلاثة: وهي الاسم، والفعل، والحرف، وزاد أبو جعفر بن صابر قسمًا رابعًا سماه: الخالفة -وهو اسم الفعل- ولا عبرة بقوله ولا اعتداد بخلافه؛ لما فيه من خرق إجماع النحويين؛ ولذا قال السيوطي في (الأشباه والنظائر): أجمعوا -إلا من لا يعتد بخلافه- على انحصار أقسام الكلمة في ثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف. انتهى.
والمثال الثاني: النداء بالهمزة و"يا":
ذهب جمهور النحويين إلى أن الهمزة: حرف موضوع لنداء القريب مسافة أو حكمًا، وأن "يا": حرف موضوع لنداء البعيد وإن كان يمكن أن ينادى به القريب لكثرة استعماله، ونقل ابن الخباز -المتوفى سنة سبع وثلاثين وستمائة من الهجرة- عن شيخه عمر بن أحمد بن أبي بكر -المتوفى سنة ثلاث عشرة وستمائة من الهجرة- أن الهمزة لنداء المتوسط وأن "يا" لنداء القريب.
وهذا المنقول فيه خرق لإجماع النحويين من وجهين:
الأول: دعوى أن الهمزة للمتوسط؛ وإنما هي عندهم لنداء القريب فقط.
والثاني: كون القريب لم يوضع لندائه غير "يا".
والمثال الثالث: الإخبار بالزمان عن الذات:
أجمع النحويون على أنه لا يجوز أن يكون ظرف الزمان خبرًا عن الذات؛ بل يجوز أن يكون خبرًا عن الحدث؛ فيجوز أن تقول: القيامُ يومَ الجمعة، ولا يجوز: زيدٌ يومَ الجمعة، ولم يخالف في ذلك إلا ابن الطراوة.
والمثال الرابع: المخالفة بين عطف البيان ومتبوعه:
[ ١٧٢ ]
أجمع النحويون على وجوب التطابق بين عطف البيان ومتبوعه، وقد أشار المتأخرون -ومنهم ابن مالك والمرادي- إلى هذا الإجماع؛ فقالوا: لا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، ويتوافقان أيضًا في التعريف والتنكير، وتخالفُهُما في التعريف والتنكير ممتنع.
وقد خرق الزمخشري إجماع النحويين؛ فأجاز أن يكون عطف البيان معرفة ومتبوعه نكرة، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: ٩٧)، فقال في (الكشاف): ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ولم يرتضِ جمهور النحويين ما ذهب إليه الزمخشري، ووصفوه بمخالفة الإجماع والسهو والغلط، وبأنه لا يُلتفَت إليه.
حجيةُ إجماع العرب
سبق أن أشرنا إلى أن الإجماع في اصطلاح النحويين يراد به أحد أمرين:
أحدهما: إجماع النحاة من البصريين والكوفيين، وقد سبق الحديث عنه.
والآخر: إجماع العرب.
وإذا كان الخلاف قد وقع بين العلماء في حجية إجماع النحاة؛ فإنه ليس بين العلماء خلاف في حجية إجماع العرب؛ فإجماعهم حجة عند الجميع؛ لأن الله تعالى صان ألسنتهم عن الخطأ في التعبير وصانهم عن الإقرار على الخطأ والتغيير.
يقول السيوطي: وإجماع العرب أيضًا حجة".
وقوله: "أيضًا" معناه: أنه يرى أن إجماع النحويين حجة خلافًا لمن أسقطه من أدلة الاحتجاج، ويدل على أن هذا هو رأيه قوله في أول (الاقتراح): "وقد تحصل
[ ١٧٣ ]
مما ذكراه -يعني: مما ذكره ابن جني والأنباري- أربعة، وقد عقدت لها أربعة كتب". انتهى.
وقد استبعد السيوطي وقوع هذا الإجماع من العرب؛ فقال: أنى لنا بالوقوف عليه.
ومعنى ما قاله السيوطي: أن حصول إجماع العرب والظفر به شيء مستبعد؛ لا يوصل إليه إلا بمشقة عظيمة.
ومن صور إجماع العرب: ما يعرف بالإجماع السكوتي، وهو الذي عرفه السيوطي بقوله: أن يتكلم العربي بشيء ويبلغهم ويسكتون عليه، أي: وهم يسكتون عليه. انتهى.
ففي سكوت العرب عما بلغهم إجماع منهم على جوازه، وهو الإجماع المعروف عند الفقهاء بالإجماع السكوتي، وقد عده كثير من الفقهاء معتبرًا كالإجماع القولي، وقد أراد السيوطي -﵀- إثبات الإجماع السكوتي في اللغة؛ فنقل عن ابن مالك قوله في (شرح التسهيل): "استدل على جواز توسيط خبر "ما" الحجازية ونصبه بقوله الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
ورد المانعون بأن الفرزدق تميمي تكلم بهذا معتقدًا جوازه عند الحجازيين؛ فلم يصب.
ويجاب: بأن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين، ومن مناهم أن يظفروا له بزلة يشنعون بها عليه؛ مبادرين لتخطئته، ولو جرى شيء من ذلك لنقل؛ لتوافر الدواعي على التحدث بمثل ذلك إذا اتفق؛ ففي عدم نقل ذلك عنه دليل على إجماع أضداد الحجازيين والتميميين على تصويب قوله". انتهى كلام ابن مالك.
[ ١٧٤ ]
ونقف في هذا النص على قضيتين تتعلق إحداهما بعلم النحو وتتعلق الأخرى بأصول النحو:
أما الأولى: فهي نصب خبر "ما" الحجازية إذا تقدم على اسمها؛ فمن المقرر في علم النحو: أنه يشترط في إعمال "ما" عمل "ليس" في لغة أهل الحجاز شروط؛ منها: بقاء الترتيب بين الناسخ واسمه وخبره بألا يتقدم خبرها على اسمها نحو: ما زيدٌ قائمًا؛ فإن تقدم الخبر على الاسم بطل إعمال "ما"؛ فيقال: ما قائمٌ زيدٌ، بالرفع، وقد أعمل الفرزدق -وهو تميمي- "ما" عمل "ليس" مع توسط الخبر بين الناسخ واسمه، وهو أمر لا يكاد يعرف -كما قال سيبويه في (الكتاب).
وتسلمنا هذه القضية النحوية إلى القضية الثانية الأصولية: وهي أن العرب الذين سمعوا الفرزدق لم ينكروا عليه هذا القول؛ فأخذ من إقرار سامعيه وعدم إنكارهم عليه أنه إجماع سكوتي تقوم به الحجة على جواز مثل هذا التركيب، وذكر بعض النحاة أنه ليس في كلام الفرزدق دليل على جواز هذا التركيب؛ لأن الفرزدق من بني تميم وهم يهملون "ما" مطلقًا، وقد أراد أن يتكلم بلغة الحجازيين -أي: بإعمال "ما"- فغفل عن شرط عملها -وهو مراعاة الترتيب- فأخطأ في التعبير، فما في كلامه خطأ لا يستدل به.
هذا حاصل ما ذكره المانعون، وقد رده ابن مالك بما سبق ذكره.
وقد ساق السيوطي كلام ابن مالك -﵀- ليستدل به على إثبات الإجماع السكوتي، وتحقيق الأمر: أن ليس فيما ذكر دليل على هذا الإجماع؛ إذ لا يلزم من سكوتهم جواز ما ذكر؛ لأن في البيت تخريجات أخرى يحسن بنا أن نذكرها إتمامًا للفائدة، وردًّا على السيوطي في دعواه:
إن قول الفرزدق: "وإذا ما مثلَهم بشر" ذكر فيه العلماء توجيهات متعددة:
[ ١٧٥ ]
منها: أنه لا يكاد يعرف -وهو قول سيبويه كما سبقت الإشارة إليه.
ومنها: أن "بشر" خبر و"مثلَهم" مبتدأ؛ ولكنه بني على الفتح لإبهامه مع إضافته إلى المبني؛ فهو نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ (الذاريات: ٢٣).
ومنها: أن يكون الأصل: "ما في الوجود بشرٌ مثلُهم"؛ فـ"مثلَهم" في الأصل نعت لـ"بشرٌ" و"بشرٌ" مبتدأ، والخبر محذوف وهو الجار والمجرور، ثم قدم النعت على المنعوت ونعت النكرة إذا تقدم عليها انتصب على الحال فـ"مثلَهم" حال.
وخلاصة ما سبق: أن ما ذكره ابن مالك ليس فيه دليل على إجماع العرب.
تركيبُ المذاهب
إن الحديث عن تركيب المذاهب أثر من آثار الدراسات الفقهية التي اقتبسها النحاة وأدخلوها في علم النحو، وتركيب المذاهب يشبه في أصول الفقه إحداث قول ثالث في مسألة فيها قولان، والمراد بتركيب المذاهب هنا: أن يعمد النحوي إلى الجمع بين مذهبين ليخرج مذهبًا ثالثًا.
وقد عقد له ابن جني بابًا في (الخصائص) وشبهه بتداخل اللغات.
ومن أمثلة تركيب المذاهب ما صنعه المازني في تصغير "يضع" إذا جعل علمًا لرجل؛ فمذهب يونس رد الحرف المحذوف؛ لأن الأصل فيه "يوضِع" على وزن "يفعل"؛ فحذفت الفاء لما وقعت بين عدوتيها الياء والكسرة؛ وفتحت العين لأن اللام حرف حلقي؛ فإذا أريد تصغير "يضع" علمًا؛ فإن يونس يرد الحرف المحذوف؛ إذ التصغير يرد الأشياء إلى أصولها؛ فيقول: "يويْضع"، ومذهب سيبويه عدم رد الحرف المحذوف؛ لأن الاسم استوفى ثلاثة أحرف؛ فينظر إليه سيبويه على أنه اسم ثلاثي فيقول في تصغيره: "يُضيْع".
[ ١٧٦ ]
ومذهب يونس في "جوارٍ" وهو في الأصل جمع "جارية" إذا جُعل علمًا لرجل منع صرفه؛ لأنه على صيغة منتهى الجموع عنده؛ فيبقيه يونس على أصله استصحابًا للأصل، وإبقاء لما كان على ما كان، وسيبويه يصرفه؛ لأن المنع إنما كان لصيغة منتهى الجموع، وقد فقدت هذه الصيغة بتصييره علمًا.
وقد ركب المازني من المذهبين -مذهب يونس ومذهب سيبويه- مذهبًا ثالثا، وهو: الصرف على مذهب سيبويه والرد على مذهب يونس؛ فاختار في تصغيره "يضع" علمًا رد المحذوف وهو مذهب يونس واختار الصرف وهو مذهب سيبويه؛ فجمع بينهما؛ فتحصل له مذهب ثالث مركب من مذهبي الرجلين.
فإذا أراد المازني تصغير "يرى" علمًا لرجل قال: رأيت "يُرَئِيًا"؛ فيرد الهمزة المحذوفة؛ لأن الأصل: "يَرأيُ"، وينونه، فرد المحذوف مذهب يونس، والصرف -أي: التنوين- مذهب سيبويه، ولو أراد يونس أن يصغر هذا الاسم لقال: "رأيت يُرئِيَ" برد الهمزة فقط وعدم التنوين؛ لأن مذهبه عدم الصرف؛ ولو أراد سيبويه أن يصغر هذا الاسم لقال: رأيت "يريًّا"، بإدغام ياء التصغير في الياء المنقلبة عن الألف وبتنوينه؛ لأن مذهبه الصرف؛ فقد عرف تركب مذهب المازني من مذهبي الرجلين.
الإجماع السكوتي وإحداث قول ثالث
إن هذا العنصر شديد الاتصال بالذي قبله؛ إذ يتناول سكوت النحاة عن أمر بلغه فلم ينكروه؛ كما يتناول إحداث قول ثالث مأخوذ من قولين.
تعريف الإجماع السكوتي:
إن الإجماع السكوتي مصطلح من مصطلحات أصول الفقه، ويراد به: أن ينطق بعض المجتهدين بحكم ويسكت الباقون عنه بعد علمهم به؛ لأن سكوتهم مجرد
[ ١٧٧ ]
عن الاستنكار موافقة وإن لم يصرحوا بها، وهو أحد الأدلة المعتبرة عند الفقهاء؛ فكثير من المحققين اعتبره وأجراه مجرى الإجماع القولي.
وقد انتقل هذا المصطلح من أصول الفقه إلى أصول النحو، ولم يكن أبو البقاء العكبري يعتد بالإجماع السكوتي من النحاة، ومن ثم فقد أحدث قولًا ثالثًا في مسألة نقلها عنه السيوطي ونسبها إلى كتابه (التبيين) وليس في كتاب (التبيين) المطبوع بين أيدينا شيء مما نقله السيوطي عنه؛ فلعله نقل ذلك عن نسخة خطية أخرى من الكتاب لم تصل إلينا.
وخلاصة القول في هذه المسألة: أن أبا البقاء العكبري يرى أن الضمير المتصل بـ"لولا" في نحو: لولاك، ولولاي، يجوز فيه وجهان لم يذكرهما الجمهور:
أحدهما: ألا يكون للضمير موضع من الإعراب.
والآخر: أن يكون هذا الضمير في موضع نصب.
وهذان القولان لم يسبق إليهما أحد من النحويين؛ وإنما النحويون في هذا الضمير وجهين وهما:
- أن يكون في موضع جر لأن "لولا" جارة، وهو قول جمهور البصريين.
- وذهب الأخفش والكوفيون إلى أن الضمير في موضع رفع على الأصل؛ لأن "لولا" إنما يليها المبتدأ ولا عمل لها أصلًا.
أما أبو البقاء العكبري؛ فقد أداه الاجتهاد إلى القولين الذين سبق ذكرهما، ثم أورد العكبري على نفسه سؤالًا حاصله: أن ما ذهب إليه خلاف الإجماع، والقول بما يخالف الإجماع مردود بناء على ما هو التحقيق من أنه لا يجوز خرق إجماع علماء العربية.
[ ١٧٨ ]
وقد أجاب العكبري عن هذا بقوله: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن هذا إجماع مستفاد من السكوت؛ وذلك أنهم لم يصرحوا بالمنع من قول ثالث؛ وإنما سكتوا عنه، والإجماع: هو الإجماع على حكم الحادثة -أي: النازلة- التي يقع البحث فيها قولًا -أي: مقولًا- منصوصًا مصرحًا به.
والثاني: أن أهل العصر الواحد إذا اختلفوا على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث. هذا معلوم من أصول الشريعة، وأصول اللغة محمولة على أصول الشريعة. انتهى.
ومعنى ما ذكره أبو البقاء: أن الإجماع المعتد به عنده، والذي لا يجوز خرقه لا تجوز مخالفته: هو الإجماع القولي الذي لا يكتفي فيه العلماء بالسكوت؛ وإنما يكون بالقول الصريح؛ كما يفهم من كلامه أن جواز إحداث قول ثالث في مسألة ذكر العلماء فيها قولين.
وقوله: "جاز لمن بعدهم" يريد من بلغ منزلة المتقدمين ووصل إلى رتبتهم في النظر والاجتهاد؛ كأبي علي الفارسي المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة؛ فإنه قد بلغ من الاجتهاد في علوم العربية مبلغًا عظيمًا سوغ له أن يستنبط، ومن ذلك: ما جوَّزه من إدخال الألف واللام على لفظة "كل" مع منع السابقين لذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٧٩ ]