[ ١٨١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(القياس (١»
معنى القياس، وبيانُ مدى اعتماد النحو عليه، وعدمُ إمكانِ إنكارِه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
معنى القياس:
عرفه أبو البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة) بأن معناه في اللغة: التقدير، وهو مصدر قايست الشيء بالشيء مقايسة وقياسًا، أي: قدرته، ومنه المقياس، أي: المقدار، وقيس رمح، أي: قدر رمح، وقال: وهو في عرف العلماء -أي: في اصطلاحهم- عبارة عن: تقدير الفرع بحكم الأصل، وقيل: هو حمل فرع على أصل بعلة وإجراء حكم الأصل على الفرع، وقيل: هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع، وقيل: هو اعتبار الشيء بالشيء بجامع، وهذه الحدود كلها متقاربة. انتهى.
وعرفه في كتابه المسمى (الإغراب في جدل الإعراب) بأنه يعني في الاصطلاح: هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه، كما أوضح المراد بالنقل والمنقول فقال: فأما النقل: فالكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة. انتهى.
وأشار السيوطي إلى مكانة القياس وأهميته بالنسبة لبقية أدلة النحو فقال: وهو معظم أدلة النحو والمعول في غالب مسائله عليه؛ كما قيل: "إنما النحو قياس يُتبع"؛ فاستشهد السيوطي هنا بصدر بيت من بحر الرمل اقتطعه من قصيدة للكسائي أورد منها السيوطي في كتابه (بغية الوعاة) أحد عشر بيتًا، وهي:
أيها الطالب علمًا نافعًا اطلب النحو ودع عنك الطمع
إنما النحو قياس يُتبع وبه في كل علم يُنتفع
[ ١٨٣ ]
وإذا أبصر النحوَ فتًى مر في المنطق مرًّا فاتسع
فاتقاه كلُّ من جالسه من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر النحوَ الفتى هاب أن ينطق جبنًا فانقطع
فتراه ينصب الرفع وما كان من نصب ومن خفض رفع
يقرأ القرآن لا يعرف ما صرف الإعراب فيه وصنع
والذي يعرفه يقرؤه وإذا ما شك في حرف رجع
ناظرًا فيه وفي إعرابه فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم ليست السنة منا كالبدع
كم وضيع رفع النحوُ وكم من شريف قد رأيناه وضع
قال السيوطي: ولهذا -يريد ولمكانة القياس في علم النحو- قيل في حده -يعني: في حد النحو-: إنه علم بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب، وقال صاحب (المستودع): كل علم فبعضه مأخوذ بالسماع والنصوص وبعضه بالاستنباط والقياس وبعضه بالانتزاع من علم آخر؛ فالفقه بعضه بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة وبعضه بالاستنباط والقياس، والطب بعضه مستفاد من التجربة وبعضه من علوم أخر، والهيئة بعضها من علم التقدير وبعضها تجربة يشهد بها الرصد، والموسيقى جلها منتزع من علم الحساب، والنحو بعضه مسموع مأخوذ من العرب وبعضه مستنبط بالفكر والروية -وهو التعليلات- وبعضه يؤخذ من صناعة أخرى؛ كقولهم: الحرف الذي تختلس حركته في حكم المتحرك لا الساكن؛ فإنه مأخوذ من علم العروض؛ وكقولهم: الحركات أنواع: صاعد عالٍ، ومنحدر سافل، ومتوسط بينهما؛ فإنه مأخوذ من صناعة الموسيقى. انتهى ما نقله السيوطي عن صاحب كتاب (المستوفى) وهو ابن الفرخان.
[ ١٨٤ ]
وقبل أن نتابع السيوطي في استطراده للرد على من أنكر القياس نورد تفسيرًا لمصطلحات بعض العلوم والألفاظ المنقولة عن (المستوفى) مع التنبيه على أن السيوطي متصرف في النقل عنه:
فالهيئة: هي علم يعرف به أحوال الكواكب وجريانها ومنازلها، وعلم التقدير: هو العلم المعروف الآن بالهندسة، والرصد: هو تتبع حركات الكواكب، والاختلاس: هو الإتيان بحركة هاء الغائب كاملة من غير صلة -أي: من غير إشباع- إجراءً للوصل مجرى الوقف للضرورة الشعرية، ومن أمثلته قول مالك بن خريم الهمداني:
فإنْ يكُ غَثًّا أو سَمينا فإنَّنِي سَأَجعَلُ عيْنَيْهي لنفسهِ مقْنَعَا
أراد: "لنفسهي"؛ فحذف الياء ضرورة في الوصل تشبيهًا لها بها في الوقف عليها إذا قال: لنفسه، والشاعر في بيته وصف ضيفًا؛ فيقول: إنه يقدم إليه ما عنده من القراءة ويحكمه فيه ليختار أفضل ما تقع عليه عيناه؛ فيقنع بذلك.
أما الحرف الصاعد العالي فكفتحة "دعا"، والمنحدر السافل فككسرة "يرمي"، والمتوسط بينهما فكالمختلس كحرف الهاء في البيت السابق.
الردُّ على من أنكرَ القياس
اعتمد السيوطي في هذا الرد على ما ذكره أبو البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، ومجمل هذا الرد أنه لا سبيل إلى إنكار القياس في النحو؛ لأن النحو كله قياس؛ كما تجلى في تعريف أبي علي الفارسي له ومن بعده تعريف ابن عصفور وغيرهما، بأن النحو: علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب؛ فمن أنكر القياس في النحو فقد أنكر النحو كله.
[ ١٨٥ ]
ونوضح هذا الرد في النقاط الآتية:
أولًا: إنكار القياس في النحو جريًا على إنكار جماعة له في الفقه كالظاهرية أمر محال؛ لأن إنكاره يؤدي إلى المحال؛ ولذلك لا يُعلم أحد من العلماء أنكر القياس في النحو؛ وذلك لثبوته بالدلالة القاطعة التي لا يرقى إليها شك أو تشكيك؛ فالعلماء أجمعوا على أنه إذا قال العربي: كتب زيدٌ؛ فإنه يجوز قياسًا على قوله أن يسند الفعل "كتب" إلى كل اسم مسمى تصح منه الكتابة، عربيًّا كان كعمرو وبشر، أو أعجميًّا كأزدشير، وهو اسم فارسي وممن سمي به أزدشير بن هرمز -أحد ملوك الفرس- وإلى ما لا يدخل تحت الحصر، وإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال عادة، وإذا استحال النقل فيما ذكر كان قياسًا لا نصًّا على كل فرد فرد من تلك التراكيب غير المنحصرة في الوجود.
ثانيًا: كذلك العوامل الداخلة على الأسماء والأفعال، وهي الرافعة والناصبة والجارة للأسماء، والرافعة والناصبة والجازمة للأفعال؛ فإنه يجوز إدخال كل منها على ما لا يدخل تحت الحصر.
ونقل المسموع من ذلك عن العرب أمر متعذر؛ فإنه يتعذر في النقل دخول كل عامل من العوامل على كل ما يجوز أن يكون معمولًا له؛ ألا ترى أنه يتعذر أن يُنقل بعد عامل الرفع كل ما يجوز أن يكون مرفوعًا به، وبعد عامل النصب كل ما يجوز أن يكون منصوبًا به، وبعد عامل الجر كل ما يجوز أن يكون مجرورًا به، وبعد عامل الجزم كل ما يجوز أن يكون مجزومًا به؟! فلو لم يجز القياس واقتُصر على ما ورد في النقل من الاستعمال لبقي كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها لعدم النقل؛ وذلك منافٍ لحكمة وضع الألفاظ؛ فوجب أن يوضع -أي: النحو- وضعًا قياسيًّا عقليًّا -أي: مقتصرًا فيه على معرفة الأنواع دون الأفراد-
[ ١٨٦ ]
لا نقليًّا -أي: لا مقتصرًا فيه على التراكيب المنقولة عن العرب- لتعذر ذلك بخلاف اللغة -يعني: مفردات الألفاظ- فإنها وضعت وضعًا نقليًّا لا عقليًّا، أي: ولذلك قال ابن فارس اللغوي: وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها. انتهى.
ومن ثم لا يجوز القياس في اللغة؛ بل يقتصر على ما ورد به النقل؛ ألا ترى أن القارورة -وهي: وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل- سمي بذلك لاستقرار الشيء فيها، ولا يسمى كل مستقر فيه قارورة؛ وكذلك سميت الدار دارًا لاستدارتها، ولا يسمى كل مستدير دارًا.
وختم الأنباري هذا الرد بقوله: فلو قلنا إن النحو ثبت نقلًا لا قياسًا وعقلًا؛ لأدى ذلك إلى رفع الفرق بين اللغة والنحو، وإلى التسوية بين المقيس والمنقول، وذلك مخالف للعقول. انتهى.
حلُّ شُبَهٍ تُوردُ على القياس
ذكر أبو البركات الأنباري تحت هذا العنوان في الفصل الثاني عشر من (لمع الأدلة) ثلاث شبه واعتراضات لإمكان ورودها من المنكر للقياس، وأتبعها بذكر الجواب عليها، وقد صدر هذا الفصل بقوله: اعلم أن لمنكر القياس أن يقول: الاعتراض على ما ذكرتموه من القياس من ثلاثة أوجه:
أما مضمون الوجه الأول من الاعتراضات أو الشبه في ضوء ما ذكره أبو البركات الأنباري: فهو لو جاز حمل الشيء على الشيء بحكم الشبه -يعني: كما هو مقتضى القياس- لما كان حمل أحدهما على الآخر بأولى من صاحبه.
ومثل لذلك بمثالين يتضح من خلالهما مفهوم هذا الاعتراض:
[ ١٨٧ ]
أولهما: أنه ليس حمل الاسم المبني لشبه الحرف على الحرف في البناء بأولى من حمل الحرف لشبه الاسم على الاسم في الإعراب، يعني: أنكم تقولون: إن الاسم بني لشبهه بالحرف؛ فجعلتم الحرف هو الأصل في البناء وحملتم عليه الاسم بحكم ما أوردتموه من أوجه الشبه، ومع إقراركم بوجود هذه الأوجه بينهما لم تكملوا المعادلة ليكون الحرف معرَبًا حملًا له على الأصل في الإعراب وهو الاسم بحكم الشبه؛ لمنافاة ذلك للواقع اللغوي؛ فقياسكم إذًا غير مطرد.
والمثال الثاني: ليس منع الاسم من الصرف -أي: من التنوين- حملًا له على الفعل لشبهه به بأولى من تنوين الفعل حملًا له على الاسم بحكم هذا الشبه؛ ومع ذلك لا ينون الفعل مما يدل على بطلان قياسكم الاسم على الفعل.
والوجه الثاني من الاعتراضات على القياس: أنه إذا كان القياس حمل الشيء على الشيء بضرب من الشبه؛ فما من شيء يشبه شيئًا من وجه إلا يفارقه من وجه آخر؛ فإن كان وجه المشابهة يوجب الجمع -يعني: يوجب الجمع بين المقيس والمقيس عليه في الحكم ومد حكم المقيس عليه إلى المقيس- فوجه المفارقة يوجب المنع -أي: يوجب منع مد الحكم من المقيس عليه إلى المقيس- وليس مراعاة ما يوجب الجمع لوجود المشابهة بأولى من مراعاة ما يوجب المنع لوجود المفارقة.
ومن أمثلة ذلك: ما لم يسمَّ فاعله؛ فإنه وإن أشبه الفاعل من وجه فقد خالفه وفارقه من وجه آخر فإن كان وجه المشابهة يوجب القياس -أي: قياس ما لم يسمَّ فاعله على الفاعل في الأحكام التي كانت للفاعل- فإن وجه المفارقة يوجب منع القياس.
والوجه الثالث من الاعتراضات: أنهم قالوا: لو كان القياس جائزًا؛ لكان ذلك يؤدي إلى اختلاف الأحكام؛ لأن الفرع قد يأخذ شبهًا من أصلين مختلفين إذا حُمل على كل واحد
[ ١٨٨ ]
منهما وجد التناقض في الحكم، وذلك لا يجوز؛ مثال ذلك: "أنْ" الخفيفة المصدرية تشبه أصلين مختلفين تشبه "أنَّ" المشددة من وجه وتشبه ما المصدرية من وجه، و"أنَّ" المشددة معملة؛ فهي تنصب المبتدأ وترفع الخبر و"ما" المصدرية غير معملة؛ فلو حملنا "أنْ" الخفيفة المصدرية على "أنَّ" المشددة في العمل وعلى "ما" المصدرية في ترك العمل؛ لأدى ذلك إلى أن يكون الحرف الواحد معملًا وغير معمل في حال واحدة، وذلك محال.
وبعد انتهائه من الاعتراضات الثلاثة السابقة أورد الأجوبة عليها على النحو الآتي:
أما قولهم في الوجه الأول: "إنه لو جاز حمل الشيء على الشيء بحكم الشبه؛ لما كان حمل أحدهما على الآخر بأولى من صاحبه"؛ فظاهر الفساد؛ وذلك لأن الاعتبار في كون أحدهما محمولًا على الآخر أن يكون المحمول خارجًا عن أصله إلى شبه المحمول عليه، أي: أن يكون المقيس خارجًا عما هو الأصل في بابه إلى شبه المقيس عليه؛ فالمحمول -وهو المقيس- صار أضعف لخروجه عن أصل بابه إلى شبه المحمول عليه وهو المقيس عليه؛ والمحمول عليه أقوى؛ لأنه باقٍ على أصله ولم يخرج إلى شبه المحمول؛ فلما وجب حمل أحدهما على الآخر كان حمل الأضعف على الأقوى أولى من حمل الأقوى على الأضعف.
وعلى هذا الاعتبار يخرج ما ذكرتموه من حمل الاسم على الحرف في البناء دون حمل الحرف على الاسم في الإعراب.
وبيان ذلك: أن الاسم لما خرج عما هو الأصل في بابه وهو الإعراب ضعُف في بابه؛ في حين أن الحرف لم يخرج عما هو الأصل في بابه -وهو البناء- فلم يضعف؛ فكان حمل الاسم على الحرف في البناء لضعفه في بابه ونقله عن أصله
[ ١٨٩ ]
أولى من حمل الحرف على الاسم في الإعراب؛ لقوته في بابه وعدم نقله عن أصله.
وينطبق هذا الاعتبار كذلك على ما لا ينصرف؛ فالاسم لما خرج عن أصله إلى شبه الفعل لوجود علتين فيه من العلل التسع التي يجمعها بيتان من الشعر، وهما:
جمع ووصف وتأنيث ومعرفة وعُجمة ثم عدل ثم تركيبُ
والنون زائدةٌ من قبلها ألفٌ ووزنُ فعلٍ وهذا القول تقريبُ
وهاتان العلتان إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى؛ أو لوجود علة واحدة تقوم مقام العلتين، لما خرج الاسم عن أصله وأشبه الفعل في ذلك؛ ضعُف في بابه، والفعل لما لم يخرج عن أصله قوي في بابه؛ فلما وجب حمل أحدهما على الآخر كان حمل الاسم على الفعل في عدم التنوين لضعفه في بابه وخروجه عن أصله أولى من حمل الفعل على الاسم في دخول التنوين؛ لقوته في بابه وعدم نقله عن أصله.
ولا خلاف في أنه ليس الأصل في الاسم أن يكون فيه علة من هذه العلل التسع؛ لأنها كلها فروع كما أن الفعل فرع، فإذا اجتمع منها علتان في اسم؛ علمنا أنه قد خرج إلى شبه الفعل.
وقد أوضح الأنباري في كتابه (أسرار العربية) معنى كون العلل التسع المذكورة فرعًا فقال: فإن قيل: ومن أين كانت هذه العلل فروعًا؟ قيل: لأن وزن الفعل فرع على وزن الاسم، والوصف فرع على الموصوف، والتأنيث فرع على التذكير، والألف والنون الزائدتان فرع؛ لأنهما تجريان مجرى علامة التأنيث في امتناع دخول علامة التأنيث عليهما، والتعريف فرع على التنكير، والعجمة فرع
[ ١٩٠ ]
على العربية، والجمع فرع على الواحد والعدل فرع؛ لأنه متعلق بالمعدول عنه، والتركيب فرع على الإفراد؛ فهذا وجه كونها فروعًا. انتهى.
قال الأنباري في (لمع الأدلة) رادًّا على الاعتراض الثاني: وأما قولكم في الوجه الثاني: إن القياس حمل الشيء على الشيء بضرب من الشبه وما من شيء يشبه شيئًا من وجه إلا يفارقه من وجه آخر؛ فإن كان وجه المشابهة يوجب الجمع فوجه المفارقة يوجب المنع؛ فظاهر الفساد أيضًا.
وأوضح الأنباري سبب فساد هذا الاعتراض: وهو أنه إنما يجب القياس عند اجتماع المقيس مع المقيس عليه في معنًى خاصٍّ -وهو معنى الحكم أو ما يوجب غلبة الظن- والافتراق في ما عدا ذلك لا يؤثر في جواز الجمع، وبناء عليه؛ يخرَّج ما مثلتم به وهو قياس ما لم يسمَّ فاعله على الفاعل في الرفع؛ فإنه وإن كان يشابهه من وجه ويفارقه من وجه؛ إلا أن الوجه الذي يوجب القياس من المشابهة أولى من الوجه الذي يمنع من جواز القياس من المفارقة؛ لأن المعنى الموجب للقياس من المشابهة: هو الإسناد، وهو المعنى الخاص الذي هو معنى الحكم في الأصل، وأما المعنى الموجب لمنع القياس من المفارقة؛ فليس بمعنى الحكم ولا أثر له فيه بحال؛ فلهذا كان القياس أولى من منعه.
وأبطل الأنباري الاعتراض الثالث الذي يتضمن تأدية القياس إلى تناقض الأحكام بأنه ظاهر الفساد كسابقيه؛ لأن المقيس لا يلحق بكلا المشبه بهما المختلفين، وإنما يلحق بأقواهما وأكثرهما شبهًا، ومن هنا؛ فإن "أنْ" الخفيفة المصدرية تلحق بـ"أنَّ" المشددة المصدرية لا بـ"ما" المصدرية؛ لأن الأولى أكثر شبهًا بها من الثانية لمشابهتها لها لفظًا ومعنًى دون الثانية التي تشبهها معنى فقط.
[ ١٩١ ]
أركانُه القياس وشروطه
الركن الأول من أركان القياس الأربعة: الأصل المقيس عليه، ومن شرطه ألا يكون شاذًّا:
ذكر السيوطي أن للقياس أربعة أركان: وهي أصل -وهو المقيس عليه- وفرع -وهو المقيس- وحكم، وعلة جامعة.
ومثل لذلك بمثال نقله عن أبي البركات الأنباري: وهو أن تركب قياسًا في الدلالة على رفع ما لم يسمَّ فاعله -أي: الدلالة على رفع نائب الفاعل- فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدمًا عليه؛ فوجب أن يكون مرفوعًا، قياسًا على الفاعل؛ فالأصل المقيس عليه هو الفاعل، والفرع المقيس هو ما لم يسمَّ فاعله -أي: نائب الفاعل- والحكم الذي امتد من الأصل إلى الفرع هو الرفع، والعلة الجامعة هي الإسناد، والأصل في الحكم -وهو الرفع هنا-: أن يكون للأصل الذي هو في هذه المسألة الفاعل؛ وإنما أجري على الفرع الذي هو نائبه، أي: امتد إليه بالعلة الجامعة التي هي الإسناد.
وقد عقد السيوطي لهذه الأركان الأربعة أربعة فصول أولها: في الأصل المقيس عليه، وذكر أن من شرط المقيس عليه ألا يكون شاذًّا -أي: خارجًا- عن سنن القياس -أي: عن طريقه ونهجه- فإن خرج عن نهج القياس؛ فإنه لا يقاس عليه وإن لم يكن مردودًا في نفسه عند البلغاء لورود السماع به؛ فهو يُحفظ ولا يقاس عليه، ومن أمثلة هذا الشاذ تصحيح عين الأفعال: استحوذ، واستصوب، واستنوق، مع استحقاقها بمقتضى القياس أن تُعل -أعني: أن تغير، كما سبق بيانه- وكحذف نون التوكيد في قول الشاعر:
[ ١٩٢ ]
اضرب عنك الهمومَ طارقَها ضربك بالسوط قونَسَ الفرسِ
قونس الفرس: هو العظم الناتئ بين أذني الفرس، وأصل الكلام: اضربن عنك -بنون توكيد خفيفة ساكنة- وفعل الأمر يبنى مع نون التوكيد على الفتح، وقد حذف الشاعر نون التوكيد وهو ينويها؛ فلذلك أبقى الفعل مبنيًّا على الفتح كما كان عليه وهو مقرون بها؛ لتكون هذه الفتحة مشيرة إلى النون المحذوفة ودليلًا عليها، وهذا الحذف شاذ؛ لأن نون التوكيد الخفيفة لا تحذف إذا وليها حرف متحرك كالبيت المذكور، ووجه ضعفه في القياس: أن الغرض من التوكيد التحقيق؛ وإنما يليق به الإسهاب والإطناب لا الاختصار والحذف؛ وإنما تحذف نون التوكيد الخفيفة إذا وليها حرف ساكن؛ كقول الأضبط بن قريع السعدي:
لا تهينَ الفقير علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه
والأصل: "لا تهينن" بنونين؛ أولاهما: لام الكلمة، والثانية: نون التوكيد الخفيفة؛ فحذف الشاعر نون التوكيد لالتقاء الساكنين: نون التوكيد الخفيفة، ولام "أل" بعدها، وأبقى الفتحة قبلها -أي: قبل نون التوكيد- دليلًا عليها.
ومن الخروج عن سنن القياس: حذف صلة الضمير دون الضمة وهو المسمى بالاختلاس؛ كقول الشماخ يصف حمار وحش هائجًا:
له زجلٌ كأنهُ صوتُ حادٍ إذا طلب الوسيقةَ أو زميرُ
يقول: إذا طلب وسيقته -وهي أنثاه- صوَّت بها في تطريب وترجيع؛ كالحادي يتغنى بالإبل، أو كأن صوته مزمار، وشاهده "كأنه" أصلها: "كأنهو" بالمد؛ فحذف الصلة وأبقى الضمة مُنَزَّلةً منزِلَةً بين منزلتي الوصف والوقف، وهو أمر لم يُعهد في القياس نعم؛ يجوز القياس على ما استُعمل للضرورة في الضرورة؛ تطبيقًا لمقولة أبي علي الفارسي؛ كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم؛ كذلك يجوز أن نقيس شعرنا على شعرهم انتهى.
[ ١٩٣ ]
ونفى ابن جني أن يكون الشعراء المحتج بشعرهم كانت ضرورتهم أقوى من ضرورتنا، وكان عذرهم فيه أوسع من عذرنا، اعتمادًا على أنهم كانوا يرتجلون الشعر ارتجالًا من غير تمهل وترفق فيه ومراجعة له كما يفعل الشعراء المولدون.
وأوضح أن الشعراء المحتج بشعرهم ليس جميع شعرهم مرتجلًا؛ بل كان منهم من يترسَّل ويتمهَّل كالشعراء المولدين، ومن هؤلاء: زهير بن أبي سلمى، ومروان بن أبي حفصة؛ كما أن من المولدين من يرتجل -أي: فتساوى الآخرون بالأولين- وكما لا يقاس على الشاذ نطقًا لا يقاس عليه تركًا؛ فقد أوضح ابن جني أنه إذا كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت -أي: تجنبت- ما تحامت العرب من ذلك وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله.
ومثَّل لذلك بترك استعمال ماضي الفعلين "يذر"، و"يدع"؛ فلا يقال: "وذر" أو "ودع" لترك العرب إياهما استغناء عنهما بـ"ترك"، ولا مانع من استعمال نظيرهما المطِّرد في الاستعمال والقياس كـ"وزن" و"وعد" وإن لم تسمع أنت هذا النظير؛ فالشذوذ في الترك والنطق مقصور على محله لا يتجاوز لغيره.
جوازُ القياس على القليل
ذكر السيوطي أنه ليس من شرط المقيس عليه: الكثرة؛ فقد يقاس على القليل لموافقته للقياس، ويمتنع على الكثير لمخالفته له، وما أورده السيوطي هنا منقول عن (الخصائص) ذكره ابن جني تحت عنوان: باب في جواز القياس على ما لا يقل ورفضه فيما هو أكثر.
ومن أمثلة القياس على القليل الموافق للقياس: قولهم في النسب إلى شنوءة: شنأيٌّ، ولم يرد في النسب إلى فعولة غير هذه الكلمة؛ فهي بذلك تعد كل
[ ١٩٤ ]
المسموع في النسب إلى هذا الوزن؛ فلك أن تقيس عليها ما لم يسمع فتقول في النسب إلى ركوبة -وهي ما يركب من الدواب-: ركبيٌّ، وإلى حلوبة -وهي الناقة المعدة للحلب-: حلبيٌّ، وإلى "قتوبة" وهي الناقة التي يوضع عليها القتب -وهو الرحل الصغير الذي يجلس عليه الراكب-: قتبِيٌّ قياسًا على "شنأيّ" إجراء لما كان على وزن فعولة مجرى ما كان على وزن فعيلة؛ لمشابهته إياه من أربعة أوجه:
- فكلاهما ثلاثي -أي: مكون من ثلاثة أحرف- وثالثه حرف لين وآخره تاء تأنيث، ويتواردان على معنى واحد -أي: يأتي أحدهما مكان الآخر- نحو أثيم وأثوم، ورحيم ورحوم، ومشِيٌّ ومشوٌّ، والأصل فيهما: مشييٌ ومشويٌ، ونهيٌّ عن الشيء ونهوٌّ، والأصل فيهما: نهييٌ ونهويٌ، فلما استمرت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار؛ جرت واو شنوءة مجرى ياء حنيفة؛ فكما قالوا "حنفيٌّ" قياسًا قالوا "شنأيٌّ" أيضًا قياسًا، قال ابن جني: قال أبو الحسن -يعني: الأخفش-: فإن قلت: إنما جاء هذا في حرف واحد -يعني: في كلمة واحدة وهي كلمة شنوءة- قال: فإنه جميع ما جاء.
وعلق ابن جني على رد الأخفش مبديًا إعجابه بهذا الرد قائلًا: وما ألطف هذا القول من أبي الحسن! وتفسيره أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف، والقياس قابله ولم يأتِ فيه شيء ينقضه، فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضًا صحيحًا في القياس مقبولًا؛ فلا غرو ولا ملام. انتهى.
والمعنى: أنهم عدوا كلمة: شنأيٌّ، هو كل ما سمع عن العرب في النسب إلى الكلمة التي على وزن فعولة؛ فهي كل المسموع أو كل المنقول وكل الوارد عن
[ ١٩٥ ]
العرب، وهو في الوقت نفسه موافق للقياس؛ فلا مانع من القياس عليه، ويعد هذا القياس صحيحًا مقبولًا؛ فلا غرو ولا ملام على القائل به.
ومن أمثلة ما لا يجوز القياس عليه مع كونه واردًا عن العرب أكثر من "شنأيّ" لمخالفته للقياس: قولهم في النسب إلى ثقيف وقريش وسليم: ثَقَفيٌّ وقُرشِيٌّ وسلَميٌّ، قال ابن جني: فهذا، وإن كان أكثر من شنأيّ؛ فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس؛ فلا يجوز على هذا في سعيد: سعَديٌّ، ولا في كريم: كرَمِيٌّ. انتهى.
وابن جني أشار بما سبق إلى ما ذكره سيبويه في (الكتاب) نقلًا عن شيخه الخليل: أن كل شيء عدلته العرب -أي: حادت به ورجعت به عن طريق القياس- تركته على ما عدلته عليه العرب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٩٦ ]