[ ١٩٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(القياس (٢»
حملُ فرعٍ على أصلٍ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقبل أن نبدأ الحديث عن هذه العناصر نشير إلى أن السيوطي -﵀- قد افتتح هذه المسألة بقوله: "القياس في العربية على أربعة أقسام".
ومعنى ما ذكره السيوطي: أن هذه الأقسام الأربعة هي أقسام القياس باعتبار المقيس والمقيس عليه؛ لأن للقياس أقسامًا مختلفة باعتبارات متعددة؛ وإنما كانت أقسام القياس أربعة باعتبار المقيس والمقيس عليه، بدليل الاستقراء.
حمل فرع على أصل:
إن المراد بحمل فرع على أصل: أن يأخذ المقيس حكم المقيس عليه؛ لأنه أصله؛ فالمقيس عليه هو الأصل، والمقيس هو الفرع، وللأصل حكم؛ فيأخذ الفرع حكم أصله.
وقد ذكر السيوطي أن هذا النوع من القياس يسمى قياس المساوِي؛ وإنما سمي بذلك لأنه قد حصلت فيه المساواة بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس؛ فكان حكمهما واحدًا.
ومن أمثلته: إعلال الجمع وتصحيحه حملًا على المفرد في ذلك؛ كقولهم: قِيَم ودِيَم، في جمع قيمة وديمة، وقولهم: زِوَجة وثِوَرة، في جمع زوج وثور؛ لأن الجمع تابع لمفرده في صحته وإعلاله؛ فإذا كان المفرد معلًّا كان الجمع مثله؛ وإذا كان المفرد صحيحًا كان الجمع مثله كذلك؛ فكلمة: "قِيَم" الأصل فيها "قِوَم" بالواو لا بالياء؛ لأنها من التقويم، وكلمة "دِيَم" الأصل أن يقال فيها "دِوَم" بالواو؛ لأنها من الدوام؛ ولكن أبدلت الواو فيهما ياءً لأنها وقعت عينًا لجمع
[ ١٩٩ ]
صحيح اللام وقبلها كسرة، وكانت في المفردة معلة -أي: مغيرة- فمفرد قيم: قيمة، ومفرد ديم: ديمة، والأصل في المفردين: قِوْمة ودِوْمة.
وقد أعلت الواو في المفرد الذي هو أصل الجمع -أي: أبدلت ياء- لسكونها إثر كسرة؛ فأعلت في الجمع -وهو الفرع- حملًا للفرع على الأصل؛ فإذا كانت الواو صحيحة في المفرد وجب تصحيحها في الجمع، نحو قولهم: "زِوَجة" فإنه جمع "زوج"؛ ولم تقلب الواو في الجمع لسلامتها في المفرد، وكذلك قالوا: "ثِوَرة" في جمع "ثور"؛ ولم يعلوا الواو في الجمع لسلامتها في المفرد أيضًا.
والخلاصة: أن الفرع يحمل على الأصل في صحته وإعلاله؛ فإذا كان الأصل صحيحًا كان الفرع صحيحًا؛ وإذا كان الأصل معلًّا كان الفرع معلًّا، ويلاحظ أن المفرد هو أصل الجمع لأنه أسبق منه.
حملُ أصلٍ على فرعٍ
إن المراد بحمل أصل على فرع: هو أن يثبت الحكم للفرع ثم يحمل الأصل عليه، وهو عكس النوع الأول، وقد أفرد ابن جني لهذا القسم من القياس بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب من غلبة الفروع على الأصول، ومعناه: تشبيه الأصل بالفرع وحمله عليه، وعليه وعلى غيره اعتمد السيوطي في كتاب (الاقتراح)، وذكر أن هذا القسم من القياس يسمى قياس الأولى؛ لأنه إذا ثبت الحكم للفرع فالأصل أولى به، والأمثلة التي حُمِل فيها الأصل على فرعه كثيرة ذكر السيوطي منها ما يلي:
المثال الأول: حمل المصدر على الفعل في الصحة والإعلال، والمصدر أصل للفعل على الرأي الراجح والمذهب المختار، ومع كون المصدر أصلًا والفعل فرعًا
[ ٢٠٠ ]
عنه؛ فالمصدر يحمل على الفعل في صحته وإعلاله؛ فيصح إذا كان الفعل صحيحًا ويعل إذا كان الفعل معلًّا.
ومن أمثلة ذلك: إعلال المصدر لإعلال فعله وتصحيحه لصحته؛ كقمت قيامًا، وقاومت قِوامًا، وبيان ذلك أنهم لما أعلوا الفعل في الجملة الأولى -وهو قام من قمت- أعلوا مصدره -وهو قيام- حملًا عليه؛ فإن الأصل في الفعل أن يكون "قوَم"؛ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، والأصل في المصدر أن يكون بلفظ "قِوام"؛ لكن وقعت الواو عينًا لمصدر فعل أعلت في فعله، وقبلها كسرة وبعدها ألف؛ فقلبت ياءً.
فنلحظ أن المصدر قد أعلت عينه لما كانت عين الفعل معلة، وإن اختلف وجه الإعلال؛ فلما صححوا عين الفعل في الجملة الثانية وقالوا: قاوم من قاومت؛ صححوا عين المصدر حملًا عليه؛ فقالوا: قوامٌ؛ فسلمت العين في المصدر لسلامتها في الفعل؛ فالمصدر في الحالتين محمول على الفعل؛ فهو من باب حمل الأصل على الفرع.
والمثال الثاني من أمثلة هذا النوع من الحمل: حمل الحرف على الحركة في الحذف عند الجزم، فقد نقل السيوطي عن ابن جني قوله: ومن حمل الأصل على الفرع حذف الحروف للجزم -وهي أصول- حملًا على حذف الحركات له وهي زوائد. انتهى.
والمراد بالحروف التي تحذف للجزم: أحرف العلة الثلاثة التي ينتهي بها الفعل المضارع، وهي: الألف، والواو، والياء، وحرف النون في الأمثلة الخمسة؛ فإنها تحذف عند الجزم حملًا لها على حذف الحركات، والحروف أصل لقوتها والحركات فروع عن الحروف.
[ ٢٠١ ]
والمثال الثالث من أمثلة هذا النوع من الحمل كذلك: حمل الاسم على الفعل في منع الصرف، وقد ذكر السيوطي هذا المثال نقلًا عن ابن جني، ومعناه: أن الاسم أصل والفعل فرع عنه؛ وإنما كان الاسم هو الأصل والفعل هو الفرع؛ لأن الفعل مشتق ومأخوذ من أحد أنواع الاسم -وهو المصدر- ومع كون الاسم أصلًا للفعل؛ فقد حمل الأصل -وهو الاسم- على الفرع -وهو الفعل- فمُنع الاسم من الصرف عند مشابهته للفعل في وجود علتين: إحداهما راجعة إلى اللفظ، والأخرى راجعة إلى المعنى، أو عند وجود علة واحدة تقوم مقام العلتين؛ فلما حُمل الاسم على الفعل كان ذلك من حمل الأصل على الفرع.
والمثال الرابع من أمثلة هذا النوع من الحمل أيضًا: حمل الاسم على الحرف في البناء، فمعلوم أن مرتبة الحرف دون مرتبة الاسم؛ لأن الحروف موضوع للربط بين الاسم والفعل، ومع كون الاسم أصلًا والحرف فرعًا حُمل الاسم على الحرف؛ فبني عند قيام الشبه بين الاسم والحرف.
والمثال الخامس من أمثلة هذا النوع من الحمل كذلك: حمل الفعل على الحرف في عدم التصرف، ومثاله الذي ذكره ابن جني ونقله السيوطي عنه هو حمل "ليس" و"عسى" في عدم التصرف على "ما" و"لعل" كما حملت "ما" على "ليس" في العمل؛ فإن "ليس" و"عسى" فعلان على الرأي الراجح، وقد منعا التصرف أي: لا يصاغ منهما غير الماضي؛ فلا يبنى من "ليس" مضارع ولا اسم باتفاق النحويين كما لا يبنى من "عسى" مضارع ولا اسم على الرأي الأصح؛ وإنما منعا التصرف حملًا لـ"ليس" على "ما" لأنهما بمعنى واحد وهو النفي وحملًا "لعسى" على "لعل"؛ لأنهما بمعنى الترجي.
والمثال السادس من أمثلته أيضًا: حمل العطف على التثنية، فالعطف أصل والتثنية فرع، ويشترط في عطف الفعل على الفعل: اتحاد الزمان، وإن اختلفت الصيغ؛ فيجوز عطف
[ ٢٠٢ ]
الماضي على المضارع إن أريد بالمضارع معنى الماضي أو بالماضي معنى المستقبل؛ وأما إذا اختلف زمانهما فلا يجوز عطف أحدهما على الآخر، وقد ذهب أبو حيان إلى أن هذا من حمل الأصل وهو العطف على الفرع وهو التثنية؛ وإنما كان العطف هو الأصل لأن المثنى يغني عن المتعاطفين.
وذكر أبو حيان ما يشير إلى أنه يمكن ألا تكون هذه المسألة من باب حمل الفرع على الأصل إذا قيل: إن العطف في الفعل نظير التثنية في الاسم -أي: لعدم قبول الفعل للتثنية.
ونختم الحديث بمثال سابع ذكره السيوطي نقلًا عن ابن جني وجعله في مقدمة الأمثلة التي يستدل بها على حمل الأصل على الفرع، وقد أرجأناه لما يمتاز به من شرح وبيان بذكر أشباه له ونظائر، وهذا المثال ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ فأوضح أن سيبويه أجاز في جر "الوجه" من قولك: هذا الحسنُ الوجهِ، أن يكون من موضعين: أحدهما بإضافة الحسن إليه، والآخر تشبيهه بالضارب الرجل، مع أنه من المعلوم أن الجر في الرجل من قولك: هذا الضاربُ الرجلِ؛ إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إياه بالحسن الوجه؛ لكن لما اطَّرد الجر في نحو: هذا الضاربُ الرجلِ والشاتمُ الغلامِ، صار كأنه أصل في بابه حتى دعا ذلك سيبويه إلى أن عاد فشبه "الحسن الوجه" بـ"الضارب الرجل" من الجهة التي إنما صحت للضارب الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه.
وهذا يدلك على تمكن الفروع عندهم؛ حتى إن أصولها التي أعطتها حكمًا من أحكامها قد حارت -أي: رجعت- فاستعادت من فروعها ما كانت هي أدته إليها، وجعلته عطية منها لها، وجعل ابن جني ذلك من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع قد أفاده من الأصل.
[ ٢٠٣ ]
وقال ابن جني أيضًا في (الخصائص): وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم؛ فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من الأصل، وأعاد ابن جني ذكر حمل "الحسن الوجه" على "الضارب الرجل" مع كون الجر في "الحسن الوجه" هو الأصل، وابن جني يشير فيما تقدم إلى عبارة سيبويه في (الكتاب) في باب الصفة المشبهة، بعد ذكره: أنك كما تقول: الضاربُ زيدًا تقول: هو الحسنُ الوجهَ، أي بنصب معمول الصفة المشبهة المقترنة بـ"أل" إذا كان المعمول معرفة على التشبيه بالمفعول به.
قال: وقد يجوز في هذا أن تقول: هو الحسنُ الوجهِ على قوله: هو الضارب الرجل؛ فالجر في هذا الباب من وجهين: من الباب الذي هو له وهو الإضافة، ومن إعمال الفعل ثم يستخف فيضاف. انتهى.
ومعنى ما ذكره سيبويه وابن جني: أن الأصل في قولنا: هذا الحسنُ الوجهِ: جر "الوجه"، والأصل في قولنا: هذا الضاربُ الرجلَ: نصب الرجل، إلا أن كلًّا منهما قد حمل على صاحبه؛ فجاز في "الحسن الوجهِ" أن يكون منصوبًا حملًا على "الضارب الرجلَ" وجاز في "الضارب الرجلَ" أن يكون مجرورًا حملًا على "الحسن الوجهِ"؛ وإنما جاز الأمران لأن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه؛ عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما وتمكينًا لهما وإظهارًا لأثر المماثلة بين المشبه والمشبه به.
والأمثلة على ذلك متعددة، وقد ذكر السيوطي لنا ستة أمثلة نوردها بحسب ترتيب ورودها في (الاقتراح) وهي:
المثال الأول: تشبيه الفعل المضارع باسم الفاعل، وتشبيه اسم الفاعل بالفعل المضارع. وبيان ذلك: أنه سمي الفعل المضارع مضارعًا لأنه ضارع اسم الفاعل
[ ٢٠٤ ]
-أي: شابهه، كما سبق أن ذكرنا- ولما كان الفعل المضارع شبيهًا باسم الفاعل خالف بقية الأفعال وأعرب، والأصل في الأفعال البناء، وعكس العرب الأمر؛ فشبهوا اسم الفاعل بالفعل في الدلالة على التجدد والحدوث، وأعملوه عمل الفعل تتميمًا للمشابهة بينهما.
والمثال الثاني: تشبيه الوقف بالوصل وتشبيه الوصل بالوقف؛ فإذا كانت الكلمة مختومة بتاء؛ فإن الأصل إبقاء التاء عند الوصل وإبدالها هاء عند الوقف، وهي اللغة الفصحى، وبعض العرب يقف على التاء وسمع بعضهم يقول: يا أهل سورة البقرتْ، فقال بعض من سمعه: والله ما أحفظ منها آيتْ؛ فكان الوقف بالتاء.
كما يكون الوصل بالتاء: ومن ذلك قولهم -﵇ والرحمتْ، بالتاء من غير إبدالها هاء، وقول الراجز: الله نجاك بكفي مسلمتْ، أي: مسلمة. ولما فعلوا ذلك عكسوا الأمر؛ فشبهوا الوصل بالوقف فقالوا: سبسبا وكلكلا، بلا تنوين والأصل تنوينه؛ ولكنهم شبهوه بالوقف، والسبسب: هو المفازة أو الأرض المستوية البعيدة، والكلكل: هو الصدر.
والمثال الثالث: إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وإجراء اللازم مجرى غيره؛ فمن إجراء غير اللازم مجرى اللازم: تسكين الهاء من الضمير "هي" بعد همزة الاستفهام في قول الفرزدق:
فقمت للضيف مرتاعًا فأرقني فقلت أهْيَ سرت أم عادني حلم
فقد قل سكون الهاء من الضمير بعد همزة الاستفهام؛ ولكن الشاعر أجرى السكون غير اللازم مجرى اللازم فنطق به، ومن ذلك قول الآخر:
ومن يتَّقْفَ إن الله معه ورزق الله مؤتاب وغادي
[ ٢٠٥ ]
مؤتاب: أي راجع.
وقد أجرى الشاعر في البيت "تقِف" مجرى "علِم" حتى صار: تقْف كعلم، ولما أجرى العرب غير اللازم مجرى اللازم أجروا اللازم مجرى غيره أيضًا في قراءة: "على أن يحيِي الموتى" (القيامة: ٤٠) بإسقاط حركة النصب في الفعل المضارع بعد "أنْ" المصدرية الناصبة إجراء للنصب مجرى الرفع الذي لا يلزم فيه الحركة.
والمثال الرابع: حمل النصب على الجر وحمل الجر على النصب، فقد حمل العرب النصب على الجر في المثنى وجمع المذكر السالم؛ لأن الجر فيهما جاء على أصل إعراب الحروف، وهو الجر بالياء، وحُمِل النصب على الجر؛ فكان النصب بالياء أيضًا، ثم حملوا الجر على النصب في باب الممنوع من الصرف فكان مجرورًا بالفتحة، وجره بالفتحة خلاف الأصل؛ ولكنه محمول على نصبه.
والمثال الخامس: تشبيه الياء بالألف وتشبيه الألف بالياء، فمن المعلوم أن الألف لا تظهر عليها علامات الإعراب، وأن الياء تقدر عليها الضمة والكسرة وتظهر عليها الفتحة؛ فتقول: رأيت القاضيَ، وأكرمت الداعيَ.
وقد شبهت العرب الياء بالألف في تقدير الفتحة عليها؛ فقال الشاعر:
كأن أيديهن بالقاع القَرِق أيدي جوارٍ يتعاطين الوَرِق
وصف الراجز إبلًا بسرعة السير، والقَرِق: المكان الأملس المستوي الذي لا حجارة فيه، والوَرِق: الدراهم.
والراجز قدر الفتحة على الياء من "أيديهن" والنصب في مثله يظهر لخفته؛ إلا أن الراجز قدره إجراءً للياء مجرى الألف.
وكما شبهوا الياء بالألف في تقدير الفتحة عليها شبهوا الألف بالياء في تقدير السكون عليها؛ وذلك في قوله:
[ ٢٠٦ ]
إذا العجوز غضبتْ فطلِّقِ ولا ترَضَّاها ولا تملَّقِ
فأثبت الألف في "ولا ترضَّاها" وقدر السكون عليها حملًا على الياء التي حملت هي في تقدير الفتحة عليها على الألف.
والمثال السادس: وضع المنفصل موضع المتصل ووضع المتصل موضع المنفصل، فمن الأحكام المقررة أن الضمير لا يجوز انفصاله إن أمكن اتصاله، وقد وُضِع الضمير المنفصل في الموضع المتصل في قول الشاعر:
بالباعثِ الوارثِ الأمواتُ قد ضمنتْ إياهمُ الأرضُ في دهر الدهارير
فإن الأصل "قد ضمنتهم الأرض"؛ ولكن الضمير المنفصل وضع موضع المتصل.
كما وضع الضمير المتصل في موضع الضمير المنفصل في قول الشاعر:
وما نبالي إذا ما كنتِ جارتنا ألا يجاورنا إلّاك ديار
فإن الضمير المتصل لا يلي إلا في الاختيار، وقد وليها في الاضطرار؛ إجراءً له مجرى الضمير المنفصل الذي انفصل في موضع يمكن فيه اتصاله -وهو قول الشاعر السابق: قد ضمنت إياهم الأرض".
حملُ نظيرٍ على نظيرٍ
المراد بحمل النظير على النظير: حمل الشيء على شيء يشبهه ويماثله، وقد تكون المماثلة بين المحمول والمحمول عليه في اللفظ دون المعنى، أو في المعنى دون اللفظ، أو فيهما معًا؛ فهذه أنواع ثلاثة ولكل نوع أمثلته:
أولًا: حمل النظير على النظير في اللفظ دون المعنى. له أمثلة متعددة منها ما يلي:
[ ٢٠٧ ]
المثال الأول: زيادة إن بعد ما المصدرية الظرفية وبعد ما الموصولة لشبههما في اللفظ بـ"ما" النافية التي تزاد "إنْ" بعدها كثيرًا كما في قول النابغة:
ما إنْ أتيتُ بشيء أنت تكرهه إذًا فلا رفعت سوطي إليَّ يدي
وقول الآخر:
فما إنْ طِبُّنا جبنٌ ولكن منايانا ودولة آخرين
وبزيادة "إنْ" بعد "ما" المصدرية الظرفية: قول الشاعر:
ورَجِّ الفتى للخير ما إنْ رأيته على السن خيرًا لا يزال يزيد
أي: ما رأيته، والمعنى: مدة رؤيتك له؛ فـ"ما" مصدرية ظرفية، وزيدت "إنْ" بعدها كما تزاد بعد "ما" الموصولة، ومنه قول الشاعر:
يرجِّي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب
والمعنى: يرجِّي المرء الذي لا يراه؛ فزيدت "إن" بعد "ما" الموصولة.
والمثال الثاني: دخول لام الابتداء على "ما" النافية حملًا لها على "ما" الموصولة؛ لأنها بلفظها، وقد دخلت لام الابتداء على "ما" النافية في قول النابغة:
لمَا أغفلتُ شكرَك فاصطنعني فكيف ومِن عطائك جلُّ مالي
البيت من قصيدة يتنصل فيها عما اتُّهِم به عند النعمان بن المنذر، وقد أدخل لام الابتداء على "ما" النافية، والأصل في لام الابتداء أن تدخل على الاسم الواقع مبتدأ؛ كقوله -ﷺ-: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».
و"ما" النافية لست مبتدأة؛ وإنما دخلته لام الابتداء؛ لأنها تشبه "ما" الموصولة في لفظها؛ فلما صح أن تدخل لام الابتداء على "ما" الموصول في نحو: أي لا الذي تصنعه حسن؛ جاز دخولها على "ما" النافية؛ لأنها تشبه الموصولة في لفظها.
[ ٢٠٨ ]
والمثال الثالث: توكيد المضارع بالنون بعد "لا" النافية حملًا لها في اللفظ على "لا" الناهية؛ فقد كثر توكيد المضارع المسبوق بـ"لا" الناهية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: ٤٢)؛ فأجاز بعض العلماء توكيد المضارع المسبوق بـ"لا" النافية حملا لها على "لا" الناهية، وحملوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٦) ذهب بعض العلماء إلى أن "لا" في الآية نافية وقد جاء المضارع بعدها مؤكدًا بالنون حملًا لها على "لا" الناهية.
والمثال الرابع: حذف فاعل "أفعِل به" في التعجب لما كان مشبهًا لفعل الأمر في اللفظ؛ لأن فعل الأمر للواحد نحو: أكرِمْ، وأحسِنْ، يكون معه الفاعل ضميرًا مستترًا وجوبًا؛ ولما كان لفظ "أفعِل به" في التعجب كلفظ الأمر؛ حذف فاعله في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (مريم: ٣٨).
والمثال الخامس: بناء باب "حَذامِ" على الكسر تشبيهًا له بـ"دَرَاكِ ونَزَالِ"، ومعناه: أن ما كان علمًا لمؤنث على وزن فعال؛ فإنه يبنى على الكسر لأنه يشبه أسماء الأفعال نحو: دَرَاكِ بمعنى أدرك، ونَزَالِ بمعنى: انزلْ، ونكتفي بهذه الأمثلة الخمسة التي حمل فيها النظير على نظيره في اللفظ دون المعنى.
الصورة الثانية: وهي حمل النظير على نظيره في المعنى دون اللفظ، وهي: أن يحمل الشيء على شيء يشبهه في معناه ولا يشبهه في لفظه: وله أمثلة متعددة، ذكر السيوطي منها مثالين، وهما:
المثال الأول: جوازُ: غيرُ قائمٍ الزيدانِ؛ حملًا على: ما قائمٌ الزيدانِ؛ ولإيضاح هذا المثال وبيانه نقول: إن المبتدأ ينقسم قسمين: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له مرفوع يغني عن الخبر؛ فالمبتدأ الذي له خبر نحو: زيد قائم، والمبتدأ الذي له مرفوع
[ ٢٠٩ ]
يغني عن الخبر: هو كل وصف اعتمد على نفي أو استفهام، نحو: ما قائمٌ الزيدان؛ فقائم مبتدأ، والزيدان فاعل يغني عن الخبر، ونظيره المحمول عليه: غيرُ قائمٍ الزيدان؛ لأنه في معناه؛ فإن النفي الذي تدل عليه "ما" دلت عليه "غير"، وإن اختلف المثالان في اللفظ، وغير مبتدأ، وقائمًا مضاف إليه، والزيدان فاعل مرفوع بقائم، وقد أغنى عن الخبر.
ويحسن بنا أن نشير هنا إلى أن قد وقع في نسخ (الاقتراح) التي بين أيدينا قول السيوطي: ومن أمثلة الثاني -يعني: من أمثلة حمل النظير على النظير في المعنى فقط- جواز غير قائم الزيدان؛ حملًا على: ما قام الزيدان؛ لأنه في معناه. انتهى.
فذكر المحمول عليه بلفظ الفعل الماضي المسبوق بـ"ما" النافية، وهو سهو لم ينتبه إليه محققو (الاقتراح) في طبعاته المختلفة؛ لأن قولنا: ما قام الزيدان، لا علاقة له بما نحن فيه؛ فإن السيوطي قد قال بعد ذلك مباشرة: لأن المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو ذا مرفوع يغني عن الخبر. انتهى.
فإذا قيل: ما قام الزيدان -كما ورد في نسخ (الاقتراح) - فالجملة فعلية لا علاقة لها بالمبتدأ ولا بالخبر، والصواب ما أثبتناه.
والمثال الثاني: إهمال "أنْ" المصدرية مع المضارع حملًا على "ما" المصدرية؛ فيرفع الفعل المضارع بعدها، ومن ذلك قراءة مجاهد: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣) قرأ مجاهد: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَة" برفع الفعل "يُتِمُّ"، وقول الشاعر:
أن تقرآن على أسماءَ ويْحَكُما مني السلام وألا تُشعِرا أحدا
فالفعل "تقرآن" وقع بعد أن المصدرية، وهو مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة.
[ ٢١٠ ]
ثالثًا: حمل النظير على النظير في اللفظ والمعنى، ومن أمثلته "أفعَل" التفضيل، وهو اسم بإجماع النحويين، وأفعَلَ في التعجب نحو: ما أحسَنَ زيدًا، وقد صححه أنه فعل ماضٍ، وفاعله ضمير راجع لـ"ما" والمنصوب على التعجب هو المفعول، وأفعل التفضيل يوجب أفعل في التعجب وزنًا وأصلًا ومبالغة، وللتشبيه بينهما أجازوا تصغير أفعل في التعجب ومنعوا أفعل التفضيل أن يرفع الاسم الظاهر؛ حملًا لكل على الآخر.
حملُ ضدٍّ على ضدٍّ
إن حمل الشيء على ضده أو على نقيضه هو الصورة الرابعة من صور القياس، وله أمثلة متعددة منها: النصب بـ"لم"؛ حملًا على الجزم بـ"لن"؛ فإن "لم" و"لن" ضدان؛ إذ إن الأولى تفيد نفي الماضي وتفيد الثانية نفي المستقبل، و"لم" من أدوات جزم الفعل المضارع، وقد جاء النصب بها شاذًّا في قراءة من قرأ: "أَلَمْ نِشْرَحَ لَكَ صَدْرَك" (الشرح: ١) ومنه قول القائل:
من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أو يوم قدر؟
فقد ورد المضارع "يقدر" منصوبًا بعد "لم" كما جاء الجزم بـ"لن" في قول الشاعر:
لن يخِب الآن من رجائك من حرك من دون بابك الحلقه
فجزم بـ"لن"، وتعرف هذه الظاهرة باسم التقارب في اللغة، ومعنى التقارب: أن يستعير كل واحد من اللفظين من الآخر حكمًا هو أخص به، ونقل السيوطي عن الجزولية: أنه قد يحمل الشيء على مقابله، وعلى مقابل مقابله، وعلى مقابل مقابل مقابله.
[ ٢١١ ]
مثال الأول: لم يضرب الرجل، حمل الجزم على الجر، يعني: لما احتيج إلى التخلص من التقاء الساكنين حرك الساكن الأول وهو الباء بالكسر التي هي العلامة الأصلية للجر؛ لأنهما متقابلان؛ فالجزم من خصائص الأفعال ويقابله الجر من خصائص الأسماء.
ومثال الثاني: اضرب الرجل، حمل الجزم فيه -أي: في اضرب- على الكسر -أي: في الفعل لم يضرب الرجل- الذي هو -أي: الكسر- مقابل الجر من جهة أن الكسر في البناء مقابل الجر في الإعراب.
ومثال الثالث: اضرب الرجل، حُمل السكون فيه على الكسر الذي هو -أي: الكسر- مقابل للجر الذي هو -أي: الجر- مقابل للجزم، والجزم الذي هو علامة إعراب مقابل للسكون الذي هو علامة بناء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢١٢ ]