[ ٢٤٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(القياس (٥»
جوازُ التعليل بعلتين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فاعتمد السيوطي في مسألة جواز تعليل الحكم بعلتين على النقل من كتابي (الخصائص) و(لُمع الأدلة) فذكر نقلًا عما أورده ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في حكم المعلول بعلتين، ذكر من أمثلة هذا الباب: قولهم: "هؤلاء مسلميَّ"؛ فإن الأصل: "مسلموي"؛ فقلبت الواو ياءً لأمرين، كل واحد منهما على حدته موجب للقلب من غير احتياج إلى الآخر:
أحدهما: اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بسكون.
والآخر: أن ياء المتكلم أبدًا تكسر الحرف الذي قبلها لمناسبتها؛ فوجب قلب الواو ياءً وإدغامها في الياء ليمكن كسر ما قبل ياء المتكلم؛ فهذه علة غير العلة الأولى في وجوب قلب الواو ياء.
ومن المعلول بعلتين أيضًا قولهم: "سِيٌّ" في "لا سيما"، والسيُّ: هو المثل والنظير، تقول: أتقن علوم العربية؛ ولا سيما النحوِ، أو ولا سيما النحوُ، والمعنى: ولا مثل النحو، أو وبخاصة النحو، وسِيٌّ أصله: سِوْيٌ؛ قلبت الواو ياء إن شئت؛ لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة، وإن شئت لأنها ساكنة قبل الياء؛ فهاتان علتان اثنتان:
إحداهما: كعلة قلب ميزان، وأصله: مِوْزان، والأخرى كعلة: طَيّ ولَيّ، مصدري: طوَيْتُ ولوَيْتُ، وأصل المصدرين: طوْيٌ ولوْيٌ، وكل من هاتين العلتين مؤثرة على حدة في القلب.
كما ذكر السيوطي نقلًا عن (الخصائص): في باب عنوانه: باب في تقاوض السماع وتقارع الانتزاع: أنه قد يكثر الشيء؛ فيسأل عن علته كرفع الفاعل
[ ٢٤٧ ]
ونصب المفعول، فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره؛ فيجب إذًا تأمل القولين واعتماد أقواهما ورفض الآخر؛ فإن تساويا في القوة لم ينكر اعتقادهما جميعًا؛ فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين.
ونقل السيوطي عن أبي البركات الأنباري أنه ذكر في (لمع الأدلة): أن العلماء اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين فصاعدًا؛ فذهب قوم إلى أنه لا يجوز؛ لأن هذه العلة -أي: النحوية- مشبهة بالعلة العقلية، والعلة العقلية لا يثبت الحكم معها إلا بعلة واحدة، أي: لأنها مؤثرة، ولا يوجد أثر واحد لمؤثرين؛ فذلك ما كان مشبهًا بها.
وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يعلل بعلتين فصاعدًا، وذلك مثل أن يدل على كون الفاعل ينزل منزلة الجزء من الفعل بعلل متعددة:
الأولى: أنه تسكن له لام الفعل إذا اتصل به ضمير رفع متحرك، نحو: ضربت وضربنا وضربن.
والثانية: أنه يمتنع العطف عليه إذا كان ضميرًا متصلًا بينه وبين ما عطف عليه بشيء؛ كالفصل بالضمير المنفصل مثل: لقد اجتهدتَ أنتَ وإخوانُك؛ فما بعد الواو معطوف على الضمير المرفوع المتصل الواقع فاعلًا في محل رفع، وصح ذلك للفصل بالضمير المنفصل -وهو: أنت- والضمير المرفوع المستتر في ذلك كالضمير المتصل، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥) فـ"زوجك" معطوف على الضمير المستتر في ﴿اسْكُنْ﴾، وصح ذلك للفصل بالضمير المنفصل أنت أيضًا؛ وإنما اشترط الفصل لأن الضمير المرفوع المتصل أو المستتر كالجزء من عامله لفظًا ومعنًى ولا يعطف على جزء الكلمة؛ فإذا فصل بينه وبين ما عطف عليه بفاصلٍ ما حصل له نوع من الاستقلال.
[ ٢٤٨ ]
والثالثة: وقوع الإعراب بعده في الأمثلة الخمسة؛ فنقول: الطلاب يجتهدون، ولم يقصروا ولن يقصروا؛ فواو الجماعة في الأفعال الثلاثة المذكورة ضمير رفع؛ لأنها فاعل، والفعل الأول مرفوع بثبوت النون، والثاني مجزوم بحذفها، والثالث منصوب بحذفها كذلك؛ فإعراب الثلاثة وقع بعد الضمير، ومن المعلوم أن الإعراب إنما يكون في أواخر الكلم؛ مما يدل على أن الضمير المرفوع عد كالجزء من الفعل وكأن آخر الفعل ما بعده.
والرابعة: اتصال تاء التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل أو نائبه مؤنثًا.
والخامسة: قول العرب في النسب إلى كنت: كُنتيٌّ؛ فاعتبروا كان واسمها وهو ضمير مرفوع متصل كلمة واحدة؛ فألحقوا بآخرها علامة النسب، وهي: الياء المشددة؛ كقول الشاعر:
فأصبحت كنتيًّا وأصبحت عاجنا وشر خصال المرء كنت وعاجن
فقوله: "كنتيٌّ" معناه: أن يقول: كنت أفعل في شبابي كذا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، والعاجن: هو الذي أسن فلا يستطيع القيام إلا إذا اعتمد على يديه من شدة ضعفه؛ فأجروا ضمير الرفع مجرى الدال من "زيد"، وكأنهم نبهوا بهذا على قوة اتصال الفعل بهذا الضمير المتصل به؛ وأنهما قد حلَّا جميعًا محل الجزء الواحد.
والسادسة: قولهم "حبذا" من نحو: حبذا زيدٌ، يعني أنهم ركبوا "حب" وهو فعل، مع اسم الإشارة "ذا"؛ فصار بمنزلة اسم واحد حكم على موضعه بالرفع على الابتداء، وهو ظاهر مذهب الخليل وسيبويه -كما في (الكتاب)، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الاسمية.
والسابعة: قولهم: لا أحبذه، أي: لا أقول له مادحًا إياه: حبذا؛ فلا نافية، وأحبذ فعل مضارع فاعله ضمير مستتر تقديره أنا، والهاء مفعوله، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الفعلية.
[ ٢٤٩ ]
والثامنة: إبدالهم تاء الضمير طاء في قولهم: فحصْطُ برجلي، وأصله: فحصت؛ فشبهوا تاء الفاعل بتاء افتعل؛ كاصطبر، وأصله: اصتبر؛ فأبدلت التاء طاء لتجانس الصاد في الإطباق، والإطباق: هو أن ترفع في النطق أطراف لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له؛ فيفخم نطق الحرف، وحروف الإطباق هي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء.
قال ابن جني في (سر صناعة الإعراب): "ووجه شبه تاء فعلتُ بتاء افتعَلَ: أنها ضمير الفاعل وضمير الفاعل قد أجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل". انتهى.
فهذه ثماني عِلَل عُلِّلَ بها حكم واحد مما يدل على جواز تعدد العلل لحكم واحد في العربية؛ قال الأنباري في (لمع الأدلة) بعد إيراده هذه العلل وغيرها: وتمسكوا -أي: مجيزو التعدد- في الدلالة على جواز ذلك بأن هذه العلة ليست موجبة؛ وإنما هي أمارة ودلالة على الحكم، وكما يجوز أن يستدل على الحكم بأنواع من الأمارات والدلالات؛ فكذلك يجوز أن يستدل عليه بأنواع من العلل.
وعقب الأنباري بقوله: وهذا ليس بصحيح، وقولهم: إن هذه العلة ليست موجبة وإنما هي أمارة ودلالة.
قلنا: ما المعني بقولكم إنها ليست موجبة؟!
- إن عنيتم أنها ليست موجبة كالعلل العقلية كالتحرك لا يعلل إلا بالحركة أو العالمية لا تعلل إلا بالعلم فمسلم؛ وإن عنيتم أنها غير مؤثرة بعد الوضع على الإطلاق فلا نسلم؛ فإنها بعد الوضع أصبحت بمنزلة العلل العقلية؛ فينبغي أن تجري مجراها. انتهى.
[ ٢٥٠ ]
جوازُ تعليل حكمين بعلة واحدة
افتتح السيوطي هذه المسألة بعد العنوان بقوله: قال في (الخصائص): سواء لم يتضادا أم تضادا كقولهم: مررت بزيد إلخ.
وكعادة السيوطي نراه يتصرف في النقل؛ فيورد النص بالمعنى ويتجه غالبًا إلى الإيجاز والاختصار، وعبارة ابن جني منقولة بمعناها من باب عنوانه: باب في تقاوض السماع وتقارع الانتزاع، أي: في اطِّراد السماع في شيء وتخالف الاستنباط فيه؛ قال ابن جني في هذا الباب: واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه فيجوز جوازًا صحيحًا أن يستدل به على أمر ما، وأن يستدل به على ضده ألبتة، وذلك نحو: مررت بزيد، ورغبت في عمرو، وعجبت من محمد، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر؛ فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتد من جملة الفعل الواصل به؛ ألا ترى أن الباء في "مررت بزيد" معاقبة لهمزة النقل في نحو: "أمررت زيدًا" وكذلك: أخرجته وخرجت به، وأنزلته ونزلت به؛ فكما أن همزة "أفعل" مصوغة فيه كائنة من جملته؛ فكذلك ما عاقبها من حروف الجر، يعني: ينبغي أن يعتد أيضًا من جملة الفعل لمعاقبته ما هو من جملته فهذا وجه.
والآخر: أن يدل ذلك على أن حرف الجر جارٍ مجرى بعض ما جره؛ ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب؛ فيعطف عيه فينصب لذلك؟ فتقول: مررت بزيد وعمرًا، وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد؛ أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقًّى بالبشر والإيناس؟!. انتهى.
[ ٢٥١ ]
ومجمل ما ذكره ابن جني في هذا النص: أن نحو: مررت بزيد، ونظائره مما يتعدى فيه الفعل بحرف من حروف الجر يستدل به على أن الجار والمجرور معدود من جملة الفعل؛ كما يستدل به على ضد ذلك -أي: على أنه معدود من جملة الاسم المجرور به، ووجه كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معدٍّ للفعل؛ فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولة حرفًا من بنية الفعل: وهي همزة أفعل؛ فكذلك ما عاقبها -يعني: ما ناب عنها وخلفها.
ووجه كونه جاريًا مجرى بعض مجروره أمران:
أحدهما: أنه يحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب؛ فيعطف عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو: مررت بزيد وعمرًا؛ فعمرًا منصوب عطفًا على موضع بزيد عند ابن جني.
والآخر: أنه لا يفصل بينهما بفاصل؛ لأنهما بمنزلة الجزء الواحد.
ونحن نلاحظ أن السيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررت بزيدٍ وعمرًا؛ لأنه لا يجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب؛ وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إمكان ظهور هذا الموضع في فصيح الكلام، ولا يجوز في فصيح الكلام أن يقال: مررت زيدًا، ومن هنا؛ لا يجوز العطف بالنصب عندهم ما دام المعطوف عليه لا يجوز نصبه وإسقاط الجار منه في الكلام الفصيح؛ لما فيه من تعدية القاصر بنفسه.
أما قول جرير:
تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكمو عليَّ إذًا حرامُ
فمقصور على السماع، أو ضرورة.
[ ٢٥٢ ]
وابن جني لم يشترط ما اشترطه المحققون الذين يجيزون نحو: مررت بزيد وعمرًا؛ لكنهم يعربون ما بعد الواو مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: وجزت عمرًا، مثلًا، وقد أعاد ابن جني حديث: مررت بزيد، ونحوه، في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين في (الخصائص) وعقب عليه بقوله: فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه. انتهى.
وأورد السيوطي مثالًا آخر نقلًا عن (الخصائص) أيضًا فقال: وقال -أي: ابن جني- في موضع آخر: باب في أن سبب الحكم قد يكون سببًا لضده على وجه، هذا باب ظاهره التدافع -أي: التعارض- وهو -مع استغرابه- صحيح واقع؛ وذلك نحو قولهم: القود -أي: القصاص- والحوكة -والحوكة جمع حائك، من حاك الثوب يحوكه حوكًا وحياكًا وحياكة: أي نسجه.
قال السيوطي ملخِّصًا ما قال ابن جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمة القود والحوكة ونظائرهما: فإن القاعدة في مثله الإعلال بقلب الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لكنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحرف اللين -أي: بحرف الألف- التابع لها؛ فكأن فَعلًَا فَعالٌ؛ فكما صح نحو: جواب وهيام؛ صح باب القود والغيب ونحوه. انتهى.
يعني السيوطي: أن القاعدة الصرفية تقضي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما؛ ولكن الكلمات التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يخالف بظاهره هذه القاعدة؛ كالقود، والحوكة، والغيب، وهو جمع غائب، وكلها على وزن فعَل؛ فقد شبهوا الفتحة التي هي حركة العين في هذه الكلمات بحرف الألف؛ فعوملت معاملة ما كان وزنه فعالًا؛ كجواب، وهيام.
ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما: أن يتحرك ما بعدهما إن كانتا عينين؛ ولذلك صحت العين في نحو: بيان، وطويل، وغيور؛
[ ٢٥٣ ]
لسكون ما بعدهما؛ قال ابن جني معلقًا على ذلك: "ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف صارت على وجه آخر سببًا للتصحيح؟! وهذا هو وجه غريب المأخذ". انتهى.
دَوْرُ العلة
وقد استقى السيوطي مادة هذه المسألة من (الخصائص) كذلك، من باب عنوانه: باب في دور الاعتلال، ويريد ابن جني بدور الاعتلال: أن يعلل الشيء بعلة معللة بذلك الشيء، والدور بين شيئين توقف كل منهما على الآخر، وهذا من مصطلحات المتكلمين ولهم فيه تقاسيم وبحوث.
ذكر السيوطي أن ابن جني قال في (الخصائص): هذا نوع طريف، ذهب محمد بن يزيد -أي: المبرد- في وجوب إسكان اللام في نحو: ضربن وضربت، إلى أنه لحركة ما بعده من الضمير، يعني مع الحركتين قبل، أي: لئلا يتوالى أربع حركات -كما جاء في (الاقتراح) - وذهب أيضًا في حركة الضمير من نحو هذا؛ لأنها إنما وجبت لسكون ما قبله؛ فتارة اعتل بهذا لهذا، ثم دار تارة أخرى فاعتل لهذا بهذا.
واستطرد السيوطي ناقلًا عن ابن جني بالمعنى فقال: "قال -أي: ابن جني-: وهو نظير ما أجازه سيبويه في جر الوجه من قولك: الحسن الوجه وأنه جعله تشبيهًا بالضارب الرجل مع أن جر الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه، قال -أي: ابن جني-: إلا أن مسألة سيبويه أقوى من مسألة المبرد؛ لأن الشيء لا يكون علة نفسه، وإذا لم يكن كذلك كان من أن يكون علة علته أبعد". انتهى.
[ ٢٥٤ ]
وإنما رجح ابن جني تعليل سيبويه في المسألة المذكورة جر الوجه تشبيهًا بجر الرجل في المثالين المذكورين ونحوهما؛ لأن لهذا الحمل مسوغًا قويًّا أشار إليه ابن جني بقوله: "وذلك أن الفروع إذا تمكنت قويت قوة تسوغ حمل الأصول عليها؛ وذلك لإرادتهم تثبيت الفرع والشهادة له بقوة الحكم". انتهى.
أما تعليل المبرد؛ فليس له هذه القوة؛ إذ جعل الشيء علة نفسه؛ فتسكين اللام في باب ضربتُ؛ لحركة الضمير، وحركة الضمير لسكون اللام؛ فقال عنه ابن جني: شنيع الظاهر والعذر فيه أضعف منه في مسألة (الكتاب).
تعارُضُ العلل
مادة هذه المسألة ملخصة عن باب أورده ابن جني في (الخصائص): بالعنوان نفسه، وقد ذكر فيه ابن جني أن الكلام في معنى تعارض العلل ضربان:
أحدهما: حكم يتجاذب وجوده وحصوله علتان فأكثر منهما.
والآخر: حكمان في شيء واحد مختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان.
فالأول سبق ذكره عن ابن جني وهو: جواز التعليل بعلتين، ومثل له فيما مثل بقلب الواو ياء في نحو "مسلمِيَّ"؛ لأمرين ذكرناهما هناك.
ومن الأمثلة التي ذكرها في باب تعارض العلل لهذا النوع أيضًا: رفع المبتدأ؛ فالبصريون يعتلون لرفعه بالابتداء، والكوفيون إما يرفعونه بالخبر الذي هو مرافعه؛ فالمبتدأ والخبر عندهم يترافعان؛ وإما بما يعود عليه من ذكره من الخبر على حسب مواقعه؛ وكذلك رفع الخبر، ورفع الفاعل ورفع ما أقيم مقامه، ورفع خبر "إنَّ" وأخواتها، وكذلك نصب ما انتصب، وجر ما انجر، وجزم ما
[ ٢٥٥ ]
انجزم، مما يتجاذبه الخلاف في علله؛ فكل واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل. انتهى.
والثاني من ضربي تعارض العلل: كإعمال أهل الحجاز "ما" النافية تشبيهًا لها بـ"ليس"، أي لكونها مثلها لنفي الحال عند الإطلاق، وترك بني تميم إعمالها وإجرائهم إياها مجرى "هل" ونحوها مما لا يعمل؛ فكأن أهل الحجاز لما رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول "ليس" عليهما ونافية للحال نفيها إياها؛ أجروها في الرفع والنصب مجراها، وكأن بني تميم لما رأوها حرفًا داخلًا بمعناه -يعني: لمجرد إفادة معنى النفي- على الجملة المستقلة بنفسها، ومباشرة لكل واحد من جزئيها؛ كقولك: ما زيد أخوك، وما قام زيد، أجروها مجرى "هل"؛ ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفي دخول "هل عليها" للاستفهام؟! ولذلك كانت عند سيبويه لغة التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين. انتهى.
وابن جني يشير بذلك إلى قول سيبويه في (الكتاب): "هذا باب ما أجري مجرى ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز، ثم يصير إلى أصله: وذلك الحرف: "ما": تقول: ما عبدُ الله أخاك وما زيدٌ منطلقًا؛ وأما بنو تميم فيجرونها مجرى "أما" و"هل"، أي: لا يعملونها في شيء؛ وهو القياس لأنه ليس بفعل وليس "ما" كـ"ليس" ولا يكون فيها إضمار". انتهى.
يعني سيبويه: أن القياس في "ما" ألا تعمل؛ لعدم اختصاصها لأنها تدخل على الأسماء والأفعال؛ فشأنها شأن سائر الحروف غير المختصة؛ كـ"هل" و"إنما" وهمزة الاستفهام، وهي حرف؛ أما "ليس"؛ ففعل على الصحيح؛ فلا يكون فيها إضمار كـ"ليس"؛ أما "ليس"؛ فيضمر فيها، تقول: لست ولسنا وليسوا إلخ؛ فمذهب التميميين فيها أقوى من مذهب أهل الحجاز الذين أعملوها حملًا
[ ٢٥٦ ]
لها على "ليس" في المعنى؛ فإنها مثلها لنفي الحال عند الإطلاق، أي: عند عدم التقيد بزمن آخر غير الحال؛ ومع ذلك فهي عندهم أضعف من "ليس"؛ ولذلك لا يعملونها إلا بشروط، كما عرفت في دراستك إياها في علم النحو.
وكذلك "ليتما" وأصلها: "ليت"، وقد اتصلت بها "ما" الزائدة؛ فمن العرب من يلغيها عن العمل؛ إلحاقًا لها بأخواتها: "إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولعلَّ، ولكنَّ" إذا اتصلت بهن "ما" الزائدة؛ فإنها تكفهن عن العمل وتجعلهن حروف ابتداء وتهيئهن للدخول على الجمل الفعلية أيضًا بعد أن كن مختصات بالدخول على الجمل الاسمية، ومن كف "ليت" عن العمل بـ"ما" قال: لا تكون ليت في وجوب العمل بها أقوى من الفعل، وقد نرى الفعل إذا كف بـ"ما" زال عن عمله؛ وذلك كقولهم: قلما يقوم زيد؛ فـ"ما" دخلت على الفعل "قل" كافة له عن عمله.
ومثله "كثُرما" و"طالما"؛ فكما دخلت "ما" على الفعل نفسه فكفته عن العمل وهيأته لغير ما كان قبلها متقاضيًا له؛ كذلك تكون "ما" كافة لـ"ليت" عن عملها ومصيِّرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعًا بعدها.
وبعض العرب يجعل "ليتما" ناصبة للاسم رافعة للخبر من غير أن تكفها "ما" الزائدة عن العمل؛ إلحاقًا لها بحروف الجر التي تدخل عليها "ما" الزائدة فلا تكفها عن العمل، مثل: الباء؛ كقوله -﷿-: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٥)، و"عن"؛ كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (المؤمنون: ٤٠)، و"من" كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (نوح: ٢٥) في قراءة غير أبي عمرو من السبعة، واللام؛ كقول الأعشى:
إلى ملكٍ خيرِ أربابه فإنَّ لِما كلِّ شيءٍ قرارا
أي: فإن لكل شيء قرارًا.
[ ٢٥٧ ]
وذكر ابن جني أن الفرق بين "ليت" وبين "كأنَّ ولعلَّ": أنها أشبه بالفعل منهما، وقال: ألا تراها مفردة وهما مركبتان؟! لأن الكاف زائدة واللام زائدة. انتهى.
وقال السيوطي: وفُرِّق بينها -أي: بين "ليت"- وبين أخواتها بأنها أشبه بالفعل في الإفراد وعدد الحروف. انتهى.
قال الإصباح: فإن "ليت" بوزن "ليس" بخلاف أخواتها. انتهى.
وابن جني إنما ذكر في (الخصائص) الفرق بينها وبين "كأنَّ ولعلَّ" كما أوضحنا قريبًا، والذي يطمئن إليه الضمير العلمي في هذه المسألة في ضوء ما ورد في (الكتاب) لشيخ النحاة سيبويه وغيره ممن تناولها بالبحث والدراسة أن "ليتما" يجوز كفها عن العمل بـ"ما" المتصلة بها وهذا الإلغاء حسن، ويجوز إعمالها واعتبار "ما" زائدة غير كافة، يعني: وهذا الإعمال أحسن.
وقد قال ابن يعيش في (شرح المفصل): "ومن ذلك: "ليتما" الإلغاء فيها حسن، والإعمال أحسن؛ لقوة شبهها بالفعل وعدم تغير معناها". انتهى.
وعكس ذلك الحكم ابن الحاجب في "كافيته" وسار شارحه الرضي على مذهبه؛ فقال ابن الحاجب فيها: "وتلحقها "ما" فتلغى على الأفصح"، وقال الرضي في (الشرح) شارحًا ذلك: "إذا دخلت "ما" على "ليت"؛ جاز أن تعمل وأن تلغى، وروي قوله -أي: قول النابغة-:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتِنا ونصفه فقَدِ
رفعًا ونصبًا، يعني: برفع الحمام على إهمال "ليتما" ونصبه على إعمالها، ولم يسمع الإلغاء والإعمال عن العرب إلا مع "ليتما".
ونتابع مع الرضي شرحه؛ فنجده يقول: والإلغاء أكثر؛ لأنها تخرج بما عن الاختصاص بالجملة الاسمية؛ فالأولى ألا تعمل". انتهى.
[ ٢٥٨ ]
ولم يذكر الرضي شاهدًا واحدًا على دخول "ليتما" على الجملة الفعلية؛ بل قال أبو حيان في (ارتشاف الضرب): "وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز كف "ما" لـ"ليت" ولا لـ"لعل"؛ بل يجب إعمالهما؛ فتقول: ليتما زيدًا قائم، ولعلما بكرًا قادم". انتهى.
قال ابن عصفور في (شرح الجمل): "وأما الفراء؛ فزعم أن "ليت" قوي شبهها بالفعل؛ لكونها على مثال من أمثلة الفعل؛ ألا ترى أنها على وزن علْم المخفف من علِم". انتهى.
وإنما كان لـ"ليتما" هذه المكانة مع ما ذكره ابن جني أنَّ أخواتها ورد في فصيح الكلام: وهو القرآن الكريم وبعده كلام العرب، ورد زوال اختصاصها بالدخول على الجمل الاسمية، ودخلت في هذا الكلام الفصيح على الجمل الفعلية؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٣٨) وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (المؤمنون: ١١٥) وقال عز من قائل: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (الأنفال: ٦) وقال امرؤ القيس:
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثَّل وقد يدرك المجدَ المؤثَّلَ أمثالي
فأولى "لكنما" الفعل، والمجد المؤثل: هو المجد الثابت الموطد، وقال الفرزدق:
أعد نظرًا يا عبد قيس لعلما أضاءت لك النارُ الحمارَ المقيَّدا
فأولى "لعلما" الفعل.
قال ابن عصفور في المصدر السابق بعد إيراده الشواهد القرآنية والشعرية السابقة التي زال فيها من الأحرف الخمسة المذكورة اختصاصها: "وأما "ليتما"؛ فلم تولها العرب الفعل قط؛ لا يحفظ من كلامهم: ليتما يقوم زيد". انتهى.
[ ٢٥٩ ]
ومن الضرب الثاني لتعارض العلل أيضًا: "هلم": فقد ألحقها الحجازيون باسم الفعل الأمر لدلالتها على الأمر من غير أن تقبل علامة فعل الأمر؛ فلا تتصل بها نون التوكيد، وتكون بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وبلغتهم جاء التنزيل، وقد وردت متعدية بمعنى: أحضر وهات، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (الأنعام: ١٥٠)، ولازمة بمعنى: ايتِ وأقبل، وتتعدى بإلى كقوله -﷿-: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الأحزاب: ١٨).
والتميميون يلحقونها العلامات؛ فهي عندهم فعل أمر؛ فتتصل بها الضمائر على حد اتصالها بالأفعال؛ فيقولون: هلم، وهلمي، وهلما، وهلموا، وهلممن، على حسب نوع المخاطب وعدده استصحابًا ومراعاة لأصلها؛ فهي في الأصل مركبة من "ها" التي للتنبيه و"لم" التي هي فعل أمر من قولهم: لم الله شعثه، أي: جمعه؛ كأنه قيل: اجمع نفسك إلينا، وحذفت ألف "ها" لكثرة الاستعمال.
جوازُ التعليل بالأمور العدَمية
قال السيوطي: "يجوز التعليل بالأمور العدمية؛ كتعليل بعضهم بناء الضمير باستغنائه عن الإعراب باختلاف صيغه لحصول الامتياز بذلك". انتهى.
ومن النحاة الذين أشار إليهم السيوطي: ابن مالك الذي قال في (التسهيل): "ويبنى المضمر لشبهه بالحرف وضعًا وافتقارًا وجمودًا أو للاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني".
[ ٢٦٠ ]
وقال في (شرح التسهيل): بعد أن شرح المراد بشبه الحرف وضعًا وافتقارًا وجمودًا: "والمراد باختلاف صيغه لاختلاف المعاني: أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة؛ فله تاء مضمومة في الرفع وفي غيره ياء، يعني: وللمتكلم في غير الرفع ياء، وهي التي تسمى ياء المتكلم، وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث؛ فأغنى ذلك عن إعرابه؛ لأن الامتياز حاصل بدونه". انتهى.
والخلاصة: أن بيان الوظائف المختلفة التي يؤديها الضمير في الجملة العربية حاصلة من غير حاجته إلى الإعراب للتمييز بينها؛ وذلك بسبب اختلاف صيغه الدالة على هذه الوظائف، والتعليل باختلاف الصيغ لبناء الضمير لحصول الامتياز بها مع عدم الحاجة إلى الإعراب لذلك هو ما عبر عنه السيوطي بـ"الأمور العدمية".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٦١ ]