[ ٢٦٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(الدليل الرابع من أدلة الاحتجاج الغالبة عند النحاة: الاستصحاب)
حجية الاستصحاب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالاستصحاب في اللغة: مصدر الفعل استصحب، أي: طلب الصحبة ودعا إليها؛ فالاستصحاب استفعال من الصحبة، يقال: استصحبت الكتاب، أي: حملته بصحبتي.
وقبل تعريف الاستصحاب في اصطلاح النحويين لا بد من الإشارة إلى أن هذا المصطلح مصطلح فقهي في الأصل، وله عند الأصوليين تعريفات مختلفة:
منها: بقاء الأمر ما لم يوجد ما يغيره.
ومنها: استدامة ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًّا.
ومنها: الحكم على الشيء بما كان ثابتًا له أو منفيًّا عنه لعدم قيام الدليل على تغييره.
وهذه التعريفات مختلفة في ألفاظها لكن معانيها متقاربة؛ إذ ترجع إلى معنى واحد وهو: إبقاء ما كان على ما كان.
وقد انتقل هذا المصطلح من أصول الفقه إلى أصول النحو على يد أبي البركات الأنباري الذي جعل الاستصحاب أحد أصول النحو الغالبة؛ فقال في (لمع الأدلة): أقسام أدلته -يعني: النحو-: ثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، وعرف الاستصحاب في (الإغراب في جدل الإعراب): بأنه إبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل. انتهى.
ولا يختلف تعريف الاستصحاب عند الأصوليين عن تعريفه عند النحويين؛ فالمعنى واحد، وهو: إبقاء الحكم على ما كان عليه؛ فلا يلحقه تغيير إلا إذا قام الدليل على تغيير الحكم.
[ ٢٦٥ ]
ولم يستعمل أحد من النحاة قبل الأنباري هذا المصطلح، ولا يعني هذا عدم استدلالهم به؛ فقد قيل: إن سيبويه قد استدل بهذا الدليل في مواضع كثيرة من كتابه، وإن لم يصرح به ولم يسمه استصحاب الحال أو استصحاب الأصل، ومن هذه المواضع: ما جاء في قوله تعالى ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤) فقد ذهب سيبويه في (الكتاب) إلى أن "لعل" على بابها من الترجي، وأن الترجي في حق موسى وهارون -﵉- وأن المعنى: اذهبا أنتما في رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم؛ ففي كلام سيبويه إبقاء ما كان على ما كان، أي: إبقاء "لعل" على معناها الأصلي، وهو: الترجي؛ فبقي حال اللفظ على ما يستحقه ولم ينتقل عن أصله لعدم الدليل. وهذا هو الاستصحاب وإن لم يسمه سيبويه باسمه.
وإذا كان سيبويه قد استدل باستصحاب الحال في كتابه؛ فقد اقتفى أثره الزجاجي في كتابه (الإيضاح في علل النحو) وابن جني في كتابه (الخصائص)؛ أما الزجاجي؛ فقد ذكر أن الحروف كلها مبنية ولا يعرب شيء منها، وعلل ذلك بأن أصلها البناء ولم يوجد دليل يخرجها عن أصلها؛ فوجب إبقاؤها على ما كانت عليه، وقال: بقيت الحروف كلها على أصولها مبنية؛ لأنها لم يعرض لها ما يخرجها عن أصولها. انتهى.
فقد استدل الزجاجي باستصحاب الأصل دون أن يسميه.
وأما ابن جني فقد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول ما لم يدع داعٍ إلى الترك والتحول، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا الباب: أن اللفظ يبقى على ما يستحقه ولا ينتقل عنه إلا بدليل، وضرب ابن جني مثلًا بحرف العطف "أو"؛ فإنه في الأصل موضوع للدلالة على
[ ٢٦٦ ]
أحد الشيئين شكًّا أو إبهامًا أو تخييرًا أو إباحةً، ولا يجوز أن تدل "أو" على معنى آخر إلا بدليل؛ فلا يجوز أن تكون بمعنى "بل" -كما زعم الفراء- ولا أن تكون بمعنى الواو -كما زعم قطرب.
وقد رد ابن جني زعمهما وبين أن "أو" على بابها في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (الصافات: ١٤٧) فقال: فأما قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فلا يكون في "أو" على مذهب الفراء بمعنى "بل" ولا على مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو؛ لكنها عندنا على بابها في كونها شكًّا، وذلك أن هذا كلام خرج عن حكاية من الله -﷿- لقول المخلوقين، وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. انتهى.
ومع استدلال بعض السابقين من النحويين بهذا الأصل لم نجد أحدًا قبل الأنباري عرَّفه أو سمَّاه، وأول من فعل ذلك من النحويين هو أبو البركات في كتابيه: (الإغراب في جدل الإعراب)، و(لمع الأدلة) وعنهما نقل السيوطي في كتابه (الاقتراح).
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة، والمراد به: استصحاب حال الأصل في الأسماء -وهو الإعراب- واستصحاب حال الأصل في الأفعال -وهو البناء- حتى يوجد في الأسماء ما يوجب البناء ويوجد في الأفعال ما يوجب الإعراب". انتهى.
وقوله: "من الأدلة المعتبرة" معناه: أنه دليل من أدلة النحو التي يعتد بها ويعول عليها، والمثال الذي ذكره الأنباري ونقله عنه السيوطي هو: حكم الاسم والفعل من حيث الإعراب والبناء؛ فإن الأصل في الاسم أن يكون معربًا؛ لأن
[ ٢٦٧ ]
الأسماء تعتورها المعاني؛ فتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافًا إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني؛ فجُعل الإعراب دليلًا على هذه المعاني؛ فتبين من ذلك أن العرب يفرقون بالإعراب بين المعاني المختلفة؛ كما تبين أن الإعراب أصل في الأسماء؛ ولما كان الإعراب أصلًا في الأسماء؛ لم يجُز أن يبنى شيء من الأسماء حتى يوجد ما يوجب البناء.
وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يوجب البناء في بعض الأسماء فقال: "وما يوجب البناء في الأسماء هو شبه الحرف أو تضمن معنى الحرف؛ فشبه الحرف في نحو: الذي، وتضمن معنى الحرف في نحو: كيف". انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن هناك أمرين يوجبان بناء بعض الأسماء:
أحدهما: أن يشبه الاسم الحرف.
والآخر: أن يتضمن الاسم معنى الحرف.
فمثال الأول: "الذي"؛ فإنه مبني لأنه أشبه الحرف في الافتقار اللازم، أي: في كونه مفتقرًا إلى ما يفسر معناه ويبينه؛ فكما أن الحرف يفتقر إلى ما بعده؛ فكذلك الأسماء الموصولة وضعت على الافتقار في فهم معانيها إلى صِلتها؛ فلا يؤتى بها دون أن يؤتى بما يبينها؛ كما أن الحروف كذلك.
ومثال الثاني: "كيف"، فقد ذكر الأنباري أن علة بنائه هي أنه تضمن معنى الحرف، ويطلق المتأخرون من النحاة على هذا التضمن اسم "الشبه المعنوي"، ومعناه: أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف؛ فقد يشبه الاسم حرفًا موجودًا، وقد يشبه حرفًا غير موجود؛ فمثال ما أشبه حرفًا موجودًا: "كيف"؛ فإنها تستعمل للاستفهام، وهي تشبه حرفًا موجودًا -وهو الهمزة- ومثال ما أشبه حرفًا غير موجود: "هنا"؛ فإنها مبنية لأنها تدل على الإشارة، والإشارة
[ ٢٦٨ ]
معنًى من المعاني، وحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها؛ فلم يوضع؛ فبنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفًا مقدرًا.
ومما سبق يمكن القول بأن: سبب بناء بعض الأسماء ينحصر في أمر واحد، وهو: شبه الاسم بالحرف، وأن ما ذكره الأنباري من تضمن الاسم معنى حرف هو نوع من أنواع هذا الشبه.
وبعد أن انتهينا من بيان استصحاب الأصل في إعراب الأسماء نعود إلى كلام الأنباري في استصحاب الأصل في الأفعال وهو البناء؛ فنقول: إن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا؛ لعدم اختلاف المعاني الدالة عليها، وما أعرب من الأفعال فإنما أعرب لعلة توجب إعرابه، وقد ذكر أبو البركات الأنباري ما يوجب الإعراب في بعض الأفعال فقال: "وما يوجب الإعراب من الأفعال؛ فهو مضارعة الاسم في نحو: يذهب، ويكتب، ويركب، وما أشبه ذلك". انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن الفعل المضارع وحده هو الذي يعرَب، وأن غيره من الأفعال يظل على أصله من البناء؛ وإنما أعرب المضارع لأنه أشبه الاسم، ويحسن بنا أن نذكر هنا الأوجه التي أشبه فيها الفعل المضارع الاسم فاستحق الإعراب لذلك:
إن الفعل المضارع قد أشبه الاسم في عدة أوجه:
الوجه الأول: الإبهام والشيوع ثم التخصيص بالقرينة: فالفعل المضارع فيه شيوع، ثم يدخل عليه حرف يزيل شيوعه ويخلصه لشيء واحد؛ تقول: زيد يفعل؛ فيصلح أن يكون للحال أو للاستقبال؛ فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل؛ فقد أدخلت عليه ما يزيل إبهامه ويخلصه لأحد الوجهين: وهو الاستقبال؛ فلا يصلح للحال؛ وهو بذلك بمنزلة الأسماء الشائعة؛ كرجل،
[ ٢٦٩ ]
وفرس؛ لأنك تقول: جاءني رجل؛ فلا يختص بواحد من النوع، ثم تدخل عليه حرفًا يخصه بواحد معين، تقول: جاءني الرجل الذي تعلم؛ فيصير بحيث تضع اليد عليها؛ فقد تقرر المشابهة بين الاسم وهذا النوع من الفعل، من حيث: إنك أزلت الشياع في كل واحد منها بحرف أدخلته على أوله.
والوجه الثاني: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع كما تدخل على اسم الفاعل: تقول: إن زيدًا ليقاتل؛ كما تقول: إن زيدًا لمقاتل؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (النحل: ١٢٤).
والوجه الثالث: أن الفعل المضارع توصف به النكرات؛ كقولك: مررت برجل يقوم، كما يكون اسم الفاعل صفة للنكرات تقول: مررت برجل قائم.
والوجه الرابع: أن الفعل المضارع يشبه اسم الفاعل ويساويه في حركاته وسكناته، مثل: ضارب ويضرب، ومكبر ويكبر ونحو ذلك.
إن الاسم يستصحب حاله وهو الإعراب؛ فلا يقال ببنائه حتى يوجد الدليل على البناء وهو مشابهة الحرف، وإن الفعل يستصحب حاله وهو البناء؛ فلا يقال بإعرابه حتى يوجد الدليل على الإعراب: وهو مشابهة الاسم.
مكانة الاستصحاب بين أدلة النحو
لقد بينا أن النحاة السابقين قد احتجوا بدليل الاستصحاب دون أن ينصُّوا على اسمه أو يعرفوه، وأن أول من فعل ذلك من النحويين: هو أبو البركات الأنباري؛ إذ عد الاستصحاب من أصول النحو المعتبرة ووافقه السيوطي فذكر أن أصول النحو الغالبة أربعة، وهي: السماع، والقياس، والإجماع، والاستصحاب، وعقد لكل أصل منها كتابًا في كتابه (الاقتراح) -أي: بابًا في
[ ٢٧٠ ]
(الاقتراح) - وقد نقل السيوطي مسألتين عن كتاب (الإنصاف) لأبي البركات الأنباري، ودعاه إلى ذلك أمران:
أحدهما: الرغبة في الوفاء بما ذكره في مقدمة (الاقتراح)؛ إذ قال: وضممت إليه من كتابه (الإنصاف) في مباحث الخلاف جملة.
والآخر: كثرة مسائل الخلاف التي استدل فيها الأنباري بالاستصحاب في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف).
كما نقل السيوطي مسألة عن ابن مالك في (التسهيل) ومسألة عن الأندلسي في (شرح المفصل)؛ فهذه أربع مسائل نشير إليها مبينين الاستدلال فيها باستصحاب الحال، وهي:
المسألة الأولى: القول بأن "كم" مفردة لا مركبة:
وهو رأي البصريين، وحجتهم في ذلك -كما يقول الأنباري في (الإنصاف في مسائل الخلاف) -: "إن الأصل هو الإفراد؛ وإنما التركيب فرع؛ ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بدليل؛ ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل لعدوله عن الأصل، واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة". انتهى.
فقد استدل البصريون على إفراد "كم" باستصحاب الحال؛ لأنه دليل يعول عليه.
والمسألة الثانية: إعمال حرف القسم محذوفًا بعوض:
فقد ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إعمال حرف الجر محذوفًا إلا بعوض؛ كألف الاستفهام في نحو: آللهِ ما فعلت كذا؟! أو هاء التنبيه نحو: "هالله" وحجتهم في ذلك -كما قال الأنباري في (الإنصاف) -: إن الأصل في حروف الجر ألا تعمل مع الحذف؛ وإنما تعمل معه في بعض المواضع إذا كان لها عوض؛ فإذا لم يوجد
[ ٢٧١ ]
بقيت على أصلها والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة.
والمسألة الثالثة: دلالة كان على الحدث والزمان:
وهذه المسألة منقولة عن ابن مالك في كتابه (تسهيل الفوائد)؛ إذ كان ابن مالك من الذين يستدلون باستصحاب الحال، وقد استدل بهذا الدليل في هذه المسألة في أثناء رده على من زعم أن "كان" تدل على الزمن ولا تدل على الحدث، وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من العلماء، منهم ابن جني، المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة من الهجرة، وابن برهان، المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة، وعبد القاهر الجرجاني، المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فقد ذهبوا إلى أن "كان" وأخواتها تدل على زمن وقوع الحدث ولا تدل على الحدث.
ورد ابن مالك -﵀- دعواهم من عشرة أوجه، كان أولها وثانيها: أن بين أن هؤلاء النحاة جميعًا يذهبون إلى أن "كان" وأخواتها أفعال، ومن المعلوم أن الفعل يدل على الحدث والزمن؛ فإذا كانت كان وأخواتها أفعالًا؛ فإنها تدل لا محالة على الحدث والزمن؛ إبقاء للأصل: وهو دلالة الفعل عليهما.
وقال -﵀- في (شرح التسهيل): "ودعواهم باطلة من عشرة أوجه:
أحدها: أن مدعي ذلك -أي: من يدعي عدم دلالة "كان" على الحدث- معترف بفعلية هذه العوامل، والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدال على الحدث وحده مصدر، والدال على الزمان وحده اسم زمان، والعوامل المذكورة ليست بمصادر ولا أسماء زمان؛ فبطل كونها دالة على أحد المعنيين دون الآخر.
[ ٢٧٢ ]
الثاني: أن مدعيَ ذلك معترف بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين؛ فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل؛ فلا يقبل إلا بدليل " إلى آخر ما قال ابن مالك في (شرح التسهيل).
ولو أننا تأملنا ما نقله السيوطي في (الاقتراح) عن ابن مالك؛ لوجدنا السيوطي قد أوجز القول إيجازًا ليستدل على أن استصحاب الأصل يرد القول بأن "كان" وأخواتها تدل على الزمن دون الحدث، وقد ذكرنا من كلام ابن مالك ما تتم به الفائدة ويكمل به النفع.
والمسألة الرابعة: موضع الضمير من "لولاك" ونحوه:
ذهب الكوفيون إلى أن الضمير المتصل بـ"لولاك" ونحوه مرفوع، وحجتهم في ذلك: أنه لو وضع في موضع هذا الضمير اسم ظاهر لكان مرفوعًا، نحو: "والله لولا الله ما اهتدينا" ونحو ذلك، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون الضمير في موضع رفع؛ لاستصحاب الأصل، يقول الأندلسي في (شرح المفصل): "استدل الكوفيون على أن الضمير في "لولاك" ونحوه مرفوع، بأن قالوا: أجمعنا على أن الظاهر الذي قام هذا الضمير مقامه مرفوع؛ فوجب أن يكون كذلك في هذا الضمير بالقياس عليه والاستصحاب". انتهى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنباري لفرط عنايته بدليل الاستصحاب قد وافق الكوفيين في هذه المسألة، وذهب مذهبهم فيها مع بصريته الظاهرة وموافقته البصريين في جل المسائل التي ذكرها في كتابه (الإنصاف)؛ فقد وافق الكوفيين في هذه المسألة؛ فقال في (الإنصاف): "والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون". انتهى.
وبعد أن انتهينا من المسائل الأربع التي نقلها السيوطي عن الأنباري في (الإنصاف) وابن مالك في (شرح التسهيل) والأندلسي في (شرح المفصل) نشير
[ ٢٧٣ ]
إلى أن السيوطي كان يعول على كلام الأنباري ويرى رأيه في أن الاستصحاب أصل من أصول النحو الغالبة؛ ويدل على أن هذا الرأي هو رأي السيوطي قوله: والمسائل التي استدل فيها النحاة بالأصل كثيرة جدًّا لا تحصى وقد كثرت المسائل التي استدل فيها السيوطي بالاستصحاب في مواضع متفرقة من مؤلفاته ونذكر هنا مسألتين:
المسألة الأولى: الأصل في البناء أن يكون على السكون:
ذكر السيوطي أن الأصل في البناء السكون؛ لأن السكون أخف؛ فلا يعدل عنه إلا لسبب، ولأن أصل عدم الحركة؛ فوجب استصحابه ما لم يمنع منه مانع.
ووجه الاستشهاد بهذه المسألة: أن السيوطي استصحب أصل البناء: وهو السكون.
والمسألة الثانية: تسكين فعل الأمر استصحابًا:
يقول السيوطي في باب المضمر من كتابه (همع الهوامع): "إذا أسند الفعل إلى التاء والنون و"نا"؛ سكن آخره؛ كضربت، وضربن، ويضربن، واضربن، وضربنا، وعلة الإسكان عند الأكثر: كراهة توالي أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن الفاعل كجزء من فعله وحمل المضارع على الماضي؛ وأما الأمر فيسكن استصحابًا". انتهى.
ومعنى ما ذكره السيوطي: أن فعل الأمر يسكن استصحابًا للأصل؛ لأن الأصل في البناء أن يكون على السكون، ومن عناية السيوطي بهذا الأصل وعدِّه واحدًا من أصول النحو الغالبة؛ وجدناه لم يرتضِ اتخاذه دليلًا لعلة بناء "الآن"، ورد قول من استدل به وهو الفراء؛ إذ ذهب الفراء في أحد قوليه إلى أن علة البناء في
[ ٢٧٤ ]
كلمة "الآن" هي أن هذه الكلمة منقولة عن الفعل الماضي "آنَ"؛ فبقيت على بنائه استصحابًا للأصل.
قال الفراء: إن شئت جعلت الآن أصلها من قولك: آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب فعَل؛ فأتاها النصب من نصب "فعَل" وهو وجه جيد؛ كما قالوا: «نهى رسول الله -ﷺ- عن قيل وقال، وكثرة السؤال».
وكلام الفراء يشير إلى أن علة البناء في كلمة "الآن" هي استصحاب أصلها، وأصلها هو الفعل الماضي "آنَ"؛ ولم يرتضِ السيوطي استصحاب الأصل دليلًا في هذه المسألة؛ فرد كلام الفراء بقوله: ورد بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه "أل"؛ كما لا تدخل على «قيل وقال» ولجاز فيه الإعراب كما جاز في «قيل وقال» انتهى.
وقوله: لجاز فيه الإعراب كما جاز في «قيل وقال»، معناه: أن «قيل وقال» يجوز فيهما أن يقال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن قيلٍ وقالٍ» بالجر، ولا يجوز الإعراب في "الآن"؛ فدل ذلك على أنه ليس مبنيًّا لاستصحاب حال البناء.
وإذا كان الأنباري يرى أن الاستصحاب من أصول النحو الغالبة ومن الأدلة المعتبرة؛ فما مكانة هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟
لقد أجاب الأنباري عن هذا السؤال مرتين في كتابه (لمع الأدلة):
المرة الأولى: عندما ذكر أصول النحو؛ فقال: أقسام أدلته الثلاثة: نقل، وقياس، واستصحاب حال، ومراتبها كذلك؛ فدل كلامه على أن الاستصحاب يقع في مرتبة متأخرة عن مرتبتي: السماع، والقياس.
[ ٢٧٥ ]
والمرة الثانية: حين قال عن الاستصحاب: استصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ وعلة ضعفه تقدم السماع، والقياس، والإجماع عليه.
ونلحظ في كلام الأنباري تأثره بالفقهاء؛ فقد نقل هذا المصطلح من علم أصول الفقه إلى علم أصول النحو، ولم يذكره أحد قبله، ووصفه بأنه أضعف الأدلة؛ كما وصفه الفقهاء بأنه آخر متمسك للناظر، وبأنه: آخر مدار الفتوى؛ فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس؛ فإن لم يجده يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات.
ويدل على ضعف هذا الدليل: أنه لا يجوز الاستدلال به إلا إذا لم يوجد دليل آخر؛ فإن وجد دليل آخر؛ لم يجز الاستدلال بالاستصحاب.
يقول الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب): "وأما استصحاب الحال فلا يجوز الاستدلال به ما وجد هناك دليل بحال". انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أنه يشترط لصحة الاحتجاج بالاستصحاب ألا يجد المستدل دليلًا غيره، وضرب الأنباري لنا مثلًا وهو: أنه لا يجوز التمسك بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود دليل البناء وهو مشابهة الاسم للحرف؛ وكذلك لا يجوز التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأن الاستصحاب تمسك بعدم الدليل؛ فإذا قام الدليل بطل التمسك بالأصل، ويستوي أن يكون هذا الدليل الذي عارض الاستصحاب سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس؛ فلا عبرة بالاستصحاب، أي: لا اعتداد به ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه؛ فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب.
[ ٢٧٦ ]
وقد بين الأنباري ضعف الاستدلال بالاستصحاب في مسألة "نِعم" و"بئس"؛ إذ ذهب البصريون إلى أنهما فعلان واستدل بعضهما على فعليتهما باتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف؛ فإنه جاء عن العرب قولهم: نعما رجلين ونعموا رجالًا؛ كما استدل بعضهم على فعليتهما باتصالهما بتاء التأنيث الساكنة كقولهم: نعمت المرأة هند، وبئست الجارية دعد؛ فهذه التاء يختص بها الفعل الماضي لا تتعداه.
ومن البصريين من ذهب إلى أن "نِعم" و"بئس" فعلان مستدلًّا على فعليتهما بأن قال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان: أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه؛ إذ لا علة ها هنا توجب بناءهما انتهى.
ولم يرتضِ الأنباري الاستدلال بهذا الدليل الأخير؛ لأنه استدلال بالاستصحاب؛ فقال: وهذا تمسك باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمد عليه ما قدمناه، أي: أن المعتمد عليه في إثبات فعلية "نعم" و"بئس": هو اتصال الضمير المرفوع بهما كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة.
وخلاصة القول: أن الاستصحاب من أدلة النحو عند الأنباري ما لم يوجد دليل غيره؛ فإن وجد دليل غيره كان الاستدلال به ضعيفًا.
الاعتراض على الاستدلال بالاستصحاب
لقد ذكر الأنباري أن أدلة النحو الغالبة ثلاثة أدلة، وهي: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وكل دليل من هذه الأدلة الثلاثة يمكن الاعتراض عليه؛ ولذلك عقد في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) ثلاثة فصول، تناول فيها الاعتراض على أدلة النحو الغالبة مبينًا كيفية الجواب عما يمكن أن يرد على هذه الأدلة من اعتراضات:
[ ٢٧٧ ]
فأول الفصول الثلاثة: الاعتراض على الاستدلال بالنقل.
وثانيها: الاعتراض على الاستدلال بالقياس.
وثالثها: الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال، وهو الذي يعنينا في هذا الدرس.
وقبل أن نذكر ما قاله الأنباري في هذا الفصل ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح) نشير إلى أن المراد بالاعتراض في اللغة هو المنع والحيلولة؛ إذ يقال: عرض الشيء يعرض واعترض: انتصب ومنع، وصار عارضًا كالخشبة المنتصبة في النحو والطريق تمنع السالكين سلوكها، ولا ينفك المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي؛ فالمراد بالاعتراض هنا: الحيلولة بين المستدل وما يستدل به على حكم من أحكام النحو.
وقد عرف أحد الباحثين الاعتراض على الدليل بأنه: ما يمنع به المعترض استدلال المستدل بدليله؛ فإذا كان المستدل يستدل على مسألة ما بدليل من السماع مثلًا؛ فإن هناك أمورًا يمنع بها المعترض هذا الاستدلال؛ كأن يطعن في السند أو يعترض على المتن باختلاف الرواية أو نحو ذلك؛ وإذا كان المستدل يستدل باستصحاب الحال؛ فقد ذكر الأنباري أن للمعترض أن يعترض عليه بأن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، ولم يكتفِ الأنباري بذكر الاعتراض وحده وإنما ذكر كيفية الجواب عنه.
فقال في (الإغراب في جدل الإعراب): "الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال: وهو أن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، مثل: أن يدل الكوفي على زواله إذا تمسك البصري به في بناء فعل الأمر؛ فيبين أن فعل الأمر مقتطع من الفعل المضارع ومأخوذ منه، وأن الفعل المضارع قد أشبه الاسم وزال عنه استصحاب حال البناء وصار معربًا بالشبه؛ فكذلك فعل الأمر.
[ ٢٧٨ ]
والجواب: أن يبين -أي: البصري- أن ما توهمه -أي: الكوفي- دليلًا لم يوجد؛ فيبقى التمسك باستصحاب الحال صحيحًا". انتهى.
وقد نقل السيوطي هذا الكلام ولم يعلق عليه بشيء، وفيه إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشف، وتفصيل القول في هذا الكلام: أن نقول: إن البصريين يذهبون إلى أن فعل الأمر مبني، ولهم أن يستدلوا على صحة مذهبهم باستصحاب الأصل؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، وقد يعترض الكوفيون على مذهب البصريين بأن يقولوا: إن استصحاب الحال -وهو البناء- قد زال عن فعل الأمر الذي استدل به البصري، والدليل على زوال استصحاب الحال من فعل الأمر: أن فعل الأمر ليس قسمًا برأسه؛ وإنما هو مأخوذ من الفعل المضارع ومقتطع منه، ولما كان فعل الأمر مأخوذًا من المضارع، والمضارع معرب لأنه أشبه الاسم؛ كان فعل الأمر كذلك معربًا بالشبه؛ فيقال: إن "اضرب" فعل معرب؛ لأن أصله "لِتضربْ"، ثم حذفت اللام -أي: لام الأمر- ثم حذف حرف المضارعة، ثم جيء بهمزة الوصل توصلًا إلى النطق بالساكن. هذا ما يمكن أن يورده الكوفي اعتراضًا على دليل البصري.
فيجيب عنه البصري بأن: ما توهمه الكوفي دليلًا على إعراب فعل الأمر، وهو أنه مأخوذ من الفعل المضارع ومقتطع منه؛ لم يوجد؛ بل هو نوع مستقل على حدة، وحينئذ يبقى التمسك بالاستصحاب، واستصحاب الحال فيه: هو أصل البناء في الفعل.
والخلاصة: أن استصحاب الحال، مع أنه قد جعل أحد الأدلة الأربعة الغالبة من الأدلة التي تعد أصولًا للنحو العربي؛ فإنه يعد أضعف هذه الأدلة؛ لأنه إنما يعتمد عليه في حالة عدم وجود دليل يعارضه؛ أما إذا وجد دليل يعارضه؛ فإن
[ ٢٧٩ ]
هذا الدليل المعارض يسقط استصحاب الأصل، يقال: استصحاب الأصل، ويقال: استصحاب الحال، وهما بمعنى واحد؛ لأن المراد استصحاب حال الأصل كما عرفنا بالنسبة للإعراب في الأسماء وبالنسبة للبناء في الأفعال.
لما كان الإعراب هو الأصل في الأسماء باعتبار أن الأسماء تتعاورها -أي: تتقلب عليها- المعاني المختلفة التي تفتقر معها إلى الإعراب للتمييز بين هذه المعاني؛ بحيث إذا لم يوجد الإعراب؛ اختلطت هذه المعاني بعضها ببعض، والتبس بعضها ببعض؛ فلم يتبين المستمع أو المخاطب لا يعرف مثلًا الفاعل من المفعول، أو المبتدأ من الخبر، أو أسلوب التعجب من أسلوب النفي إلى آخر ما قلناه؛ فإنها في هذه الحالة تحتاج احتياجًا متأصلًا إلى الإعراب، ومن ثم؛ فإذا أردنا أن نستدل على الإعراب في الأسماء؛ فإننا يمكن أن نستدل عليها باستصحاب الحال، لأن الإعراب هو الأصل في الأسماء؛ اللهم إلا إذا وجد دليل يعارض هذا الأصل، وهو: وجود شبه من أنواع الشبه بالحرف كما ذكرنا.
وعلى العكس الفعل؛ فإن الأصل فيه البناء؛ لأنه لا تتعاوره المعاني المختلفة؛ إذ لا يدل على معنى الحدث والزمان، ومن ثم فهو لا يحتاج إلى الإعراب؛ فالأصل فيه البناء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٨٠ ]