[ ٢٨١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة)
الاستدلال بالعكس
الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
النصف الأول من الباب الخامس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة:
نشير إلى أن السيوطي قد وضع لهذا الباب عنوانًا وهو: في أدلة شتى.
والأدلة: جمع دليل وهو ما يستدل به.
وقوله: "شتى" أي: متفرقة، ليس لها ضابط خاص؛ فهي تجمع في هذا الباب.
وقد افتتح السيوطي الباب بقول الأنباري في (لمع الأدلة): "اعلم أن أنواع الاستدلال كثيرة لا تنحصر " انتهى.
ومعنى قوله: "لا تنحصر": أنها كثيرة جدًّا، تخرج عن حد الحصر؛ لأن مدارها على حدة الفكر، وقوة الذكاء، وحسن الاستنباط.
وقد ذكر السيوطي في هذا الباب ثمانية أدلة نتناول في هذا الدرس أربعة منها، ونبدأ الحديث عن الاستدلال بالعكس:
إن الاستدلال بالعكس دليل من أدلة الأصوليين ويعبرون عنه بقياس العكس، ويعرفونه بأنه: عدم الحكم عند عدم العلة، وقد جعله السيوطي أول الأدلة غير الغالبة؛ فقال: ومنها: الاستدلال بالعكس، أي: جعل عكس الحكم دليلًا، وبهذا الدليل رُدَّ على الكوفيين زعمهم أن الخبر إذا كان ظرفًا كان منصوبًا بالخلاف.
ومعنى كلام الكوفيين: أنه إذا قيل: زيدٌ أمامَك وعمرٌو وراءَك؛ فالظرفان "أمامك" و"وراءك" منصوبان بالخلاف، وحجتهم في ذلك: أن خبر المبتدأ هو
[ ٢٨٣ ]
المبتدأ في المعنى؛ فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ وعمرٌو جالسٌ؛ فزيد مبتدأ وقائم خبره، وقائم هو زيد في المعنى؛ فالقائم هو زيد؛ وكذلك عمرو هو الجالس، والجالس هو عمرو؛ فيستحق الخبر عندئذٍ أن يكون مرفوعًا به، أي: بالمبتدأ، وإذا قيل: زيد أمامَك وعمرٌو وراءَك، لم يكن "أمامَك" في المعنى هو زيد ولا "وراءَك" في المعنى هو عمرو؛ كما كان "قائم" في المعنى هو زيد؛ فلما كان الظرف مخالفًا للمبتدأ نُصِب على الخلاف.
ومما سبق يتبين أن الكوفيين يرون أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو عامل معنوي، عبروا عنه باسم الخلاف، ومعناه: المخالفة بين الخبر والمبتدأ، وأرادوا بأن الخبر ليس هو المبتدأ في المعنى وإنما هو مخالف له.
وقد أفسد الأنباري هذا القول مستدلًّا على فساده بالعكس؛ لأنه لو كان عامل النصب في الظرف هو الخلاف لكان من الواجب أن يكون المبتدأ منصوبًا؛ لأن الخلاف مصدر الفعل "خالف"، وبنية هذا الفعل تدل على المشاركة بين اثنين يخالف كل منهما صاحبه كما هو شأن المفاعلة نحو: خاصم؛ إذ لا يتصور الخصام من واحد؛ وكذلك: جادل؛ ولا يتصور الجدال من واحد؛ فإذا كان الخبر مخالفًا للمبتدأ؛ فمعناه: أن المبتدأ أيضًا مخالف للخبر، وإذا كان الخلاف يوجب نصب الظرف -كما زعم الكوفيون- فالواجب أيضًا نصب المبتدأ، ولو وافقناهم على زعمهم فنقول: زيدًا أمامَك، بالنصب، ولا قائل بذلك؛ فبطل ما استدل به الكوفيون.
يقول الأنباري في (الإنصاف): "لو كان الموجب لنصب الظرف كونه مخالفًا للمبتدأ؛ لكان المبتدأ أيضًا يجب أن يكون منصوبًا؛ لأن المبتدأ مخالف للظرف كما أن الظرف مخالف للمبتدأ؛ لأن الخلاف لا يتصور أن يكون من واحد؛ وإنما يكون من اثنين فصاعدًا؛ فكان ينبغي أن يقال: زيدًا أمامَك وعَمْرًا وراءَك وما أشبه ذلك؛ فلما لم يجز ذلك دل على فساد ما ذهبوا إليه" انتهى.
[ ٢٨٤ ]
وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) كلام الأنباري باختصار غير مخلٍّ؛ لأن الغاية التي سعى إليها هي بيان الاستدلال بالعكس، وأنه لما لم يكن المبتدأ منصوبًا مع قيام الخلاف به أيضًا دل عدم نصبه على أن الخلاف لا يكون موجبًا للنصب في الظرف وإلا فإن كون الخلاف عاملًا في أحدهما دون الآخر تحكم وترجيح بلا مرجح؛ فكان عكس الحكم دليلًا على نفيه.
ونختم الحديث ببيان رأي البصريين في عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا في نحو ما تقدم إكمالًا للنفع وإتمامًا للفائدة؛ فنقول:
ذهب جمهور البصريين إلى أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو فعل مقدر، والتقدير عندهم: زيد استقر أمامَك، وعمرو استقر وراءَك، وذهب بعضهم إلى أن عامل النصب اسم فاعل، والتقدير: زيد مستقر أمامَك، وعمرو مستقر وراءَك، والقول بتقدير الفعل أولى من القول بتقدير اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، والفعل هو الأصل في العمل؛ فلما وجب تقدير عامل كان تقدير ما هو الأصل في العمل -وهو الفعل- أولى من تقدير ما هو الفرع فيه -وهو اسم الفاعل.
الاستدلال ببيان العلة
إن السيوطي قد اعتمد في مادة هذا الدليل على ما أورده أبو البركات الأنباري في الفصل الرابع والعشرين من كتابه (لمع الأدلة) وعنوانه: ما يلحق بالقياس من وجوه الاستدلال، وذكر في هذا الفصل: أن الاستدلال ببيان العلة هو أحد أدلة النحو غير الغالبة، وجعله مما يكثر التمسك به، وعليه عوَّل السيوطي في كتابه (الاقتراح) تعويلًا كاملًا؛ إذ نقل كلام الأنباري الذي ذكر فيه: أن بيان العلة قد يكون دليلًا يُستدَل به ويعتمد عليه عند الخلاف في إثبات حكم من الأحكام
[ ٢٨٥ ]
النحوية أو نفيه؛ فيكون وجود العلة دليلًا على وجود الحكم ويكون عدمها دليلًا على نفي الحكم وعدم وجوده، وذكر أن الاستدلال ببيان العلة يكون على وجهين:
أحد هذين الوجهين: أن يبين علة الحكم ويستدل بوجودها في موضع الخلاف؛ ليوجد بها الحكم.
والثاني: أن يبين علة الحكم ثم يستدل بعدمها في موضع الخلاف؛ ليعدم الحكم انتهى.
ومعنى ما قاله الأنباري ونقله عنه السيوطي: أن المستدل يكثر تمسكه بهذا الدليل -وهو بيان العلة- في مواضع الخلاف؛ فيثبت حكمًا وينفي آخر، يثبت بوجود علته وينفي آخر لانتفاء علته؛ إذ إن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا؛ لأنه كلما وُجدت العلة وُجد ذلك الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم.
وإذا كان الأنباري قد ذكر أن الاستدلال ببيان العلة يكون من وجهين وهما: إثبات الحكم، ونفيه؛ فإنه قد مثل لكل وجه منهما بمثال:
أما الوجه الأول -وهو الاستدلال بوجود العلة على وجود الحكم- فمثاله: أن يستدل من أعمل اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي فيقول: إنما عمل اسم الفاعل في محل الإجماع لجريانه على حركة الفعل وسكونه، وهذا جارٍ على حركة الفعل وسكونه فوجب أن يكون عاملًا انتهى.
ولتوضيح هذا المثال الذي ذكره الأنباري نقول: إنه لا خلاف بين النحاة في إعمال اسم الفاعل إذا كان للحال أو للاستقبال؛ لأنه في هذه الحالة يكون موافقًا للفعل الموافق له في اللفظ -وهو الفعل المضارع- يكون موافقًا له أيضًا في المعنى -وهو الزمن: الدلالة على الحال أو الاستقبال- فإن كان اسم الفاعل بمعنى
[ ٢٨٦ ]
الماضي فقد ذهب جمهور النحويين من البصريين والكوفيين إلى أنه لا يجوز إعماله؛ فلا يجوز: "هذا ضاربٌ زيدًا أمسِ"؛ بل يجب أن يقال: "هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ"، بالإضافة على سبيل الوجوب؛ لأنه فقد الشبه بالفعل المضارع في المعنى.
وخالف في ذلك الكسائي وحده؛ فأجاز إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، ويجوز لمن يرى إعمال اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي -كالكسائي ومن سار على دربه واتبع نهجه- أن يستدل على صحة رأيه ببيان العلة؛ فيقول: إن العلة التي من أجلها عمل اسم الفاعل عمل فعله: هي أنه يساوي فعل المضارع في حركاته وسكناته؛ فقولنا: يضرب، يساوي قولنا: ضارب، في الحركات والسكنات، وقولنا: يضرب، يساوي قولنا: ضارب، في الحركات والسكنات أيضًا وهكذا؛ فهو جارٍ على الفعل في حركاته وسكناته، وهذه العلة موجودة في اسم الفاعل، أي: أنه يجري على حركات المضارع وسكناته، يوافقه في حركاته وسكناته؛ سواء أكان بمعنى الماضي، أم كان بمعنى الحال، أم كان بمعنى الاستقبال، وإذا كان الأمر كذلك صح أن يعمل اسم الفاعل عمل فعله في الزمن الماضي لوجود العلة فيه؛ وبذلك يكون بيان العلة دليلًا يثبت به حكم من الأحكام، وهو: إعمال اسم الفاعل في الماضي.
وإذ انتهينا من معرفة أن بيان العلة يكون بيانًا يثبت به إعمال اسم الفاعل في الماضي؛ يحسن بنا أن نشير إلى أن الراجح في هذه المسألة هو مذهب الجمهور، وأن مذهب الكسائي مرغوب عنه؛ لأن اسم الفاعل قد عمل عمل فعله لمجموع أمرين؛ وهما: المعنى، والشبه له من جهة اللفظ؛ فقولنا: هذا مكرمٌ عمرًا غدًا؛ فـ"مكرمٌ" بمنزلة "يكرم" في المعنى؛ بحيث يمكن إحلال الفعل "يكرم" محله، والمعنى -أي: من ناحية الزمن- يكون واحدًا، وهو مثله في اللفظ أيضًا، لا فرق
[ ٢٨٧ ]
بينهما في الحركات والسكنات والأصول والزيادة؛ إلا أن الفعل أحد أحرف المضارعة، والأول من اسم الفاعل هو الميم المضمومة، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل؛ لأنك إذا قلت: "هذا ضاربٌ زيدًا أمس"، كان في معنى "ضرب" وليس مثله في اللفظ لا في الحركات ولا في السكنات ولا في عدد الحروف.
وأما الوجه الثاني: وهو الاستدلال بنفي العلة على نفي الحكم؛ فمثاله: أن يستدل من أبطل عمل "إنْ" المخففة من الثقيلة؛ فيقول: إنَّما عملت "إنَّ" الثقيلة لشبهها بالفعل، وقد عدم هذا الشبه بالتخفيف؛ فوجب ألا تعمل.
ولتوضيح هذا المثال الذي ذكره الأنباري نقول: إن "إنَّ" المثقلة من الأحرف الناسخة التي تنصب المبتدأ اسمًا لها وترفع الخبر خبرًا لها، ولا خلاف بين النحويين في إعمالها وهي مثقلة، وقد ذكر النحويون أن علة إعمال "إنَّ" وأخواتها: شبهها بالفعل من جهتي اللفظ والمعنى، وأن أهم أوجه الشبه: أنها موضوعة على ثلاثة أحرف كما أن أغلب الأفعال كذلك، وأنها مبنية على الفتح كما أن الفعل الماضي كذلك، وأنها تلزم الدخول على الأسماء كما أن الأفعال كذلك، وأنها تدخل عليها نون الوقاية مثل: إنني، وكأنني، ولكنني إلى آخره، والفعل كذلك، تقول: أفهمني، وعلمني إلى آخره، وأنها يتصل بها المضمر المنصوب ويتعلق بها كتعلقه بالفعل؛ تقول: إنه، وإنها، وإنك، وإنني، كما تقول: أكرمته، وأكرمتها، وأكرمتك، وأكرمتني، وأن فيها معاني الأفعال؛ فمعنى "إنَّ" و"أنَّ": حققت، ومعنى "كأنَّ": شبهت، ومعنى: "لكنَّ": استدركت، ومعنى "ليت": تمنيت، ومعنى "لعل": ترجيت؛ فإذا خففت جاز فيها وجهان:
[ ٢٨٨ ]
فالأول: إبقاؤها على ما كانت عليه من الإعمال، وهو قليل في لسان العرب.
والثاني: إهمالها، وهو الأكثر.
ولكل وجهة هو موليها؛ فوجه بقاء الإعمال هو أنها عملت لأنها أشبهت الفعل، وتخفيفها لا يزيل شبهها بالفعل؛ لأن التخفيف حذف، والحذف عارض، والأصل هو الإثبات؛ فالمحذوف كأنه لم يحذف، ووجه الإهمال هو الذي أشار إليه الأنباري إذ ذكر: أنه يجوز لمن أهملها أن يستدل على صحة رأيه ببيان العلة؛ فيقول: إن العلة التي من أجلها عملت "إنَّ" هو شبهها بالفعل في المبنى والمعنى -كما سبق- وقد عدم الشبه بالتخفيف؛ إذ لم يبقَ مبناها كمبنى الفعل؛ فوجب انتفاء إعمالها لانتفاء العلة، وبذلك يكون بيان العلة دليلًا ينتفي به حكم من الأحكام: وهو إعمال "إنْ" المخففة عمل "إنَّ" المثقلة.
الاستدلال بالاستقراء
إن الدليل الثالث من الأدلة غير الغالبة عند السيوطي هو الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفيه؛ أما الاستدلال بالاستقراء فهو الدليل السابع من الأدلة غير الغالبة عند السيوطي؛ ولكنا آثرنا تقديمه على الاستدلال بعدم الدليل لأنهما ضدان؛ فما ثبت بالاستقراء فقد ثبت بالإيجاب؛ وما ثبت بعدم الدليل فقد ثبت بالنفي؛ فأردنا أن نذكرهما متتاليين، وأن نبدأ الحديث عن الاستدلال بالاستقراء:
فنقول: إن الاستقراء في اللغة هو مصدر الفعل استقرى بمعنى: تتبع، يقال: قروت البلاد قروًا، وقريتها قريًا، واقتريتها واستقريتها، أي: تتبعتها، أخرج من أرض إلى أرض، والمراد بالاستقراء هنا: تتبع الجزئيات لإثبات أمر كلي، وهو
[ ٢٨٩ ]
من الأدلة غير الغالبة في أصول النحو، وقد اتخذه العلماء دليلًا في مواضع، ذكر منها السيوطي في (الاقتراح) موضعًا واحدًا لا غير، وهو: انحصار الكلمة في ثلاثة أنواع، وهي: الاسم، والفعل، والحرف.
وقد استدل العلماء على هذا الحصر بأدلة متعددة منها الأثر المروي عن علي بن أبي طالب -﵁- حين قال لأبي الأسود الدؤلي: "الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، جاء لمعنى"، ومنها الدليل العقلي، وبيانه: أن الكلمة إما أن تدل على معنًى في نفسها أو في غيرها؛ فإن دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بزمن فهي الاسم؛ وإن اقترنت بزمن فهي الفعل؛ وإن دلت على معنى في غيرها فهي الحرف.
ومن الدليل العقلي على انحصار الكلمة في هذه الأنواع الثلاثة: أن هذه الأنواع يعبر بها المتخاطبون عن جميع ما يخطر في أنفسهم من المعاني؛ فلو كان هناك نوع رابع لبقي في النفوس معانٍ لا يمكن التعبير عنها بإزاء هذا النوع الساقط.
ومع كثرة الأدلة التي تدل على انحصار الكلمة في هذه الأنواع الثلاثة؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى أن أحسن أدلة الحصر هو الاستقراء؛ لأن علماء العربية قد تتبعوا كلام العرب في محاوراتهم ومخاطباتهم؛ فلم يجدوا إلا هذه الأنواع الثلاثة، ولو كان هناك نوع رابع لعثروا على شيء منه؛ فلما لم يعثروا إلا على هذه الأنواع بعد تتبع كان الاستقراء هو دليل الحصر، وقد قال ابن الخباز -المتوفى سنة تسع وثلاثين وستمائة من الهجرة- وهو -أي: الاستقراء- أحسن دلائل الحصر.
ونختم الحديث بأمرين:
الأول: أن نشير إلى أن انحسار الكلمة في هذه الأنواع الثلاثة -الاسم، والفعل، والحرف- كان موضع إجماع النحاة، وخرق هذا الإجماع أبو جعفر بن صابر،
[ ٢٩٠ ]
ولا عبرة بخلافه؛ لأن إجماع النحويين معتبر -كما سبق أن ذكرنا في مبحثه- فهو كإجماع الفقهاء، وإجماع المحدثين؛ وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، كما قال العلامة الشاطبي.
والثاني: أن نشير إلى أن انحصار الكلمة في الاسم والفعل والحرف ليس الموضع الوحيد الذي استدل فيه العلماء بدليل الاستقراء؛ بل هناك مواضع متعددة استدل العلماء فيها بدليل الاستقراء، وإلى هذا أشار السيوطي بقوله: استدلوا به في مواضع انتهى.
ونكتفي بأن نشير هنا إلى موضعين من هذه المواضع وهما:
الموضع الأول: الدليل على انحصار العلم المنقول، أي: غير المرتجل:
فمن المعلوم أن العلم المنقول هو الذي نقل عن غيره مما لم يكن علمًا في الأصل، أي: أنه لم يوضع في الأصل على العلمية؛ فهو الذي كان مستعملًا قبل العلمية في أمر آخر؛ فله أصل مستعمل ثم سمي به الشخص؛ ككلمة "زيد"؛ فهي في الأصل مصدر الفعل زاد، وقد نُقل عن هذا المصدر وجُعل علمًا على الذات المشخصة المسماة به، فيقال له في هذه الحالة: إنه علم منقول.
وقد ذكر السيوطي في كتابه (الأشباه والنظائر) نقلًا عن صاحب (البسيط) أن العلم المنقول ينحصر في ثلاثة عشر نوعًا، ولا دليل على حصره -كما ذكر- سوى استقراء كلام العرب.
والموضع الثاني: وهو الدليل على معنى السين وسوف:
فمن المقرر في علم العربية أن السين وسوف حرفا تنفيس تدخلان على الفعل المضارع فتخلصانه للاستقبال، وقد كان قبل دخول أحدهما عليه صالحًا للحال وللاستقبال، وقد ذكر السيوطي في (الأشباه والنظائر) أيضًا -نقلًا عن ابن
[ ٢٩١ ]
إياس-: "أن التراخي في سوف أشد منه في السين، واستدل على ذلك بالاستقراء؛ فقال: بدليل استقراء كلامهم؛ قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤)، وطال الأمد والزمان، وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ (البقرة: ١٤٢) فتعجل القول " انتهى.
وقد أوردنا هذا المثال لنبين به أن السيوطي قد ذهب -نقلًا عن ابن إياس- إلى أن الدليل على أن سوف أوسع من السين هو الاستقراء، وليس قوله بمجمع عليه؛ وإنما ذهب إلى هذا الرأي البصريون؛ لأنهم نظروا إلى أن الأحرف التي تتألف منها سوف أكثر؛ فقالوا: إن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى، وليس ذلك بمطَّرد؛ فإن حذرًا يدل على المبالغة مع قلة حروفه عن حاذر الذي لا يدل على المبالغة، مع أن الثاني -وهو حاذر الذي لا يدل على المبالغة؛ لأنه مجرد اسم فاعل- أكثر حروفًا من الأول.
الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفيه
إن هذا الدليل هو الدليل الثالث من أدلة النحو غير الغالبة، وقد أخرناه عن الاستقراء للعلة التي أوردناها، وهي: أن الاستدلال بالاستقراء والاستدلال بعدم الدليل ضدان؛ لأن ما ثبت بالاستقراء فقد ثبت بالإيجاب؛ كأقسام الكلم، وأنواع الإعراب، فإذا أردنا استعمال دليل النفي أمكن أن نقول: إن الدليل على أقسام الكلمة ثلاثة: أنه لو لم تكن كذلك لقام الدليل على الزيادة أو النقص في هذا العدد، وذلك لما نعرفه عن جهد النحاة الذي بذلوه في البحث والتقصي؛ فلما لم يقم دليل يعارض أن أقسام الكلم ثلاثة؛ ثبت أنها ثلاثة ليس غير ذكر ذلك الأنباري في (لمع الأدلة).
ويفهم مما سبق أن الاستدلال بعدم الدليل معناه: أن ينفي المستدل حكمًا؛ لأنه لم يرد دليل على صحة ذلك الحكم، ويكتفي به وإن لم يذكر دليلًا على النفي.
[ ٢٩٢ ]
وقد عده الأنباري أحد الأدلة غير الغالبة وأفرد له الفصل الثلاثين من كتابه (لمع الأدلة)، ونقل السيوطي كلامه في (الاقتراح).
وقبل أن نذكر ما قاله الأنباري ونقله عنه السيوطي نشير إلى أنه لا خلاف بين العلماء في أن إقامة الدليل واجبة على من أراد إثبات حكم من الأحكام، والخلاف بينهم في من أراد نفي حكم من الأحكام؛ فذهب فريق من العلماء إلى أن النافي عليه إقامة الدليل، وذهب آخرون إلى أن النافي لا دليل عليه.
وقد عرض الأنباري الرأيين ومال إلى الرأي الأول، وهو: أن النافي عليه إقامة الدليل؛ فقال: اعلم أن هذا مما يكون فيما إذا ثبت لم يخفَ دليل؛ فيستدل بعدم الدليل على نفيه، وذلك مثل: أن يستدل على نفي أن أقسام الكلمة أربعة، أو نفي أن إعراب الكلمة خمسة أنواع؛ فيقال: لو كان أقسام الكلمة أربعة أو أنواع الإعراب خمسة لكان على ذلك دليل؛ ولو كان على ذلك دليل لعرف ذلك مع كثرة البحث وشدة الفحص؛ فلما لم يعرف ذلك دل على أنه لا دليل؛ فوجب ألا يكون أقسام الكلمة أربعة ولا أنواع الإعراب خمسة انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن من نفى أن تكون أقسام الكلمة ثلاثة أو أن تكون أنواع الإعراب أربعة؛ فعليه إقامة الدليل على دعواه، ولما لم يقم دليل على هاتين الدعويين وجب ردهما والتمسك بأن أقسام الكلمة ثلاثة وأن أنواع الإعراب أربعة.
وبعد أن بيَّن الأنباري أن النافي عليه إقامة الدليل عارض الرأي الآخر، وهو: وقد زعم بعضهم أن النافي لا دليل عليه؛ وإنما الدليل على المثبت وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحكم بالنفي لا يكون إلا عن دليل، وكما يجب الدليل على المثبت؛ فكذلك يجب الدليل على النافي انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن الرأي الذي يأخذ به ويطمئن إليه ويعوِّل عليه هو: التسوية بين الإثبات والنفي في إقامة الدليل؛ فمن أثبت حكمًا فعليه إقامة الدليل؛ ومن نفى حكمًا فعليه أيضًا إقامة الدليل.
[ ٢٩٣ ]
ويبدو أن الأنباري قد اقتفى أثر الأصوليين في هذه القضية؛ فإن جمهور الأصوليين من الفقهاء يذهبون إلى التسوية بين المثبت والنافي، ويرون أن النافي يجب عليه إقامة الدليل على نفيه كما يجب على المثبت، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١).
ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى قد نفوا دخول الجنة عن غيرهم، ومع ذلك طالبهم الله تعالى بالبرهان على النفي؛ فدل ذلك على أن النافي مطالب بإقامة الدليل على نفيه، وإلى هذا ذهب جمهور الأصوليين ووافقهم الأنباري.
هذا؛ ويستعان بهذا الدليل كثيرًا في الرد على من يزعم تركيب بعض الأدوات أو حروف المعاني، ونورد هنا ثلاثة نماذج من الأدوات التي زعم بعض النحويين أنها مركبة، ورُد عليهم بأنه قول يفتقر إلى دليل:
الأول: تركيب "لكنَّ":
ذهب الكوفيون ووافقهم السهيلي إلى أن "لكنَّ" مركبة، واختلفوا فيما ركبت منه؛ فرأى الفراء أنها مركبة من "لكنْ" و"أنَّ" فطرحت الهمزة للتخفيف ونون "لكنْ" للساكنيْن، ورأى باقي الكوفيين أنها مركبة من "لا" و"إنَّ" والكاف الزائدة غير التشبيهية، وحذفت الهمزة تخفيفًا، ورأى السهيلي أنها مركبة من "لا" و"إنَّ" والكاف التشبيهية، وذهب البصريون وكثير من المتأخرين إلى أنها بسيطة لا تركيب فيها، وحجتهم في ذلك أن القول بتركيبها إنما هو مجرد دعوى من غير دليل.
الثاني: تركيب "كم":
ذهب الكوفيون إلى أن "كم" مركبة من الكاف و"ما" الاستفهامية، ثم حذفت ألفها لدخول الجار، وسكنت ميم للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب، وذهب
[ ٢٩٤ ]
البصريون إلى أنها بسيطة غير مركبة، ووافقهم الأنباري، ورد قول الكوفيين بقوله: هذا مجرد دعوى من غير دليل.
الثالث: تركيب "إلَّا":
فقد زعم الفراء أن "إلَّا" مركبة من "إنَّ" و"لا" ثم خففت "إنَّ" وركبت مع "لا"، وقد رد الأنباري هذا الرأي بقوله: وأما قول الفراء فمجرد دعوى يفتقر إلى دليل، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بوحي وتنزيل، وليس إلى ذلك سبيل انتهى.
ومما سبق يتبين أن عدم الدليل يكون وسيلة من وسائل الرد على من يزعم تركيب بعض الأدوات، وكما كان من النحاة استدلال بعدم الدليل على بساطة بعض الأدوات؛ كان منهم استدلال به أيضًا على معانيها؛ ومن ذلك: ما ذهب الكوفيون إليه من أن اللام الداخلة على خبر "إنْ" المكسورة الهمزة المخففة من الثقيلة تكون بمعنى "إلَّا"؛ فقولنا: إنْ زيدٌ لقائم، وإن كان زيدٌ لقائمًا، وما أشبه ذلك، معناه: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وما كان زيد إلا قائمًا، فـ"إنْ" نافية بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلَّا" وأنكر البصريون ذلك، وقالوا: إن هذه اللام تسمى لام الإيجاب ولام الفصل؛ لأن قولنا: إنْ زيدٌ لقائمٌ، معناه: إنَّ زيدًا لقائمٌ؛ فلما خففت "إنَّ" بطل عملها ورُفع ما بعدها بالابتداء والخبر ولزمتها اللام في الخبر؛ لئلا تلتبس بـ"إنْ" النافية التي بمعنى "ما".
وخلاصة ما سبق: أن الاستدلال بعدم الدليل في الشيء على نفسه مما استعمله النحويون كثيرًا في استدلالهم وإن كثر أن يكون استعمال هذا الدليل في مواضع الجدل والرد على المخالفين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٩٥ ]