[ ٣١٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(التعارض والترجيح)
المراد من التعارض والترجيح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
الجزء الأول من جزأي الباب السادس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: التعارض، والترجيح:
قبل أن نذكر المراد منهما نقول: إن التعارض والترجيح مصطلحان من مصطلحات أصول الفقه ولم يذكر السيوطي في كتابه (الاقتراح) التعريف بهما.
و"التعارض" في اللغة مصدر الفعل تعارض؛ إذ يقال: تعارض الشيئان، إذا عارض كل منهما الآخر وقابله، ويعرفه علماء أصول الفقه بأنه: تقابل الدليلين المتساويين على سبيل التمانع، بمعنى: أن يقتضي كل دليل منهما حكمًا يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر.
و"الترجيح" في اللغة وهو مصدر الفعل رجح، ويعرفه الأصوليون بأنه: إظهار زيادة أحد المتماثلين على الآخر، بمعنى: أن يكون في أحد الدليلين المتماثلين زيادة ترجح ما يقتضيه هذا الدليل على ما يقتضيه الدليل الآخر.
والمراد به عند النحاة: وقوع الرجحان بين الأدلة المتعارضة.
وحديث علماء أصول النحو عن التعارض والترجيح أثر من آثار أصول الفقه؛ لأن الأصوليين من الفقهاء قد عنوا بالترجيح بين الأدلة التي يظن بينها التعارض؛ كما عني الأصوليون من النحاة بالترجيح بين الأدلة المتعارضة في النحو؛ غير أن هناك فرقًا بين التعارض في أدلة الشرع والتعارض في أدلة النحو؛ إذ ليس هناك تعارض حقيقي بين الأدلة الشرعية؛ لأن التعارض بين الأدلة
[ ٣١٥ ]
الشرعية -كما يقول أحد المعاصرين- جمع بين متناقضيْن، وهو محال على الشارع الحكيم المحيط علمه بكل شيء؛ لأنه أمارة العجز، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وإنما المراد: التعارض الظاهري في نظر المجتهد المستنبط للأحكام من أدلتها قبل معرفة الناسخ والمنسوخ من الدليل، أو قبل أن يظهر له رجحان أحدهما على الآخر أو إمكان الجمع بينهما؛ فهو يحكم في بادئ الأمر بالتعارض قبل البحث، وبعد بحثه وتأمله يزول هذا التعارض.
أما أدلة النحو؛ فيجوز أن يوجد بينها تعارض حقيقي؛ إذ إن أحد الأدلة يثبت حكمًا وينفيه الآخر، وحينئذ يكون الترجيح بين الأدلة المتعارضة، هذا وارد في النحو.
وإذا عرفنا أن مبحث التعارض والترجيح منقول من أصول الفقه إلى أصول النحو مع الفارق الذي بيَّنَّاه؛ فإننا نشير إلى أن ابن جني قد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس؛ كما أشار إلى تحكيم القياس في الترجيح بين السماعين إذا تعارضا، وعقد الأنباري في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فصلًا عنوانه: في ترجيح الأدلة؛ كما عقد في كتابه (لمع الأدلة) ثلاثة فصول: أولها: في المعارضة، وثانيها: في معارضة النقل بالنقل، وثالثها: في معارضة القياس بالقياس.
ثم جاء السيوطي فجمع ما ذكره ابن جني وما ذكره الأنباري، وزاد عليهما فصولًا؛ فجعل التعارض والترجيح في ست عشرة مسألة.
وبتأمل هذه المسائل التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح) نلحظ أن بعض هذه المسائل يندرج تحت تعارض الأدلة النحوية، مثل: التعارض بين سماعين،
[ ٣١٦ ]
والتعارض بين قياسين، والتعارض بين السماع والقياس؛ فهذه المسائل تتناول التعارض بين أدلة النحو وأصوله؛ إذ إن السماع والقياس من أدلة النحو الغالبة؛ كما أن بعض هذه المسائل ليس من تعارض الأدلة النحوية؛ كالتعارض بين ارتكاب ضعيف وارتكاب لغة شاذة، وتعارض القولين لعالم واحد، وما رجحت به لغة قريش على غيرها من لغات العرب، والترجيح بين البصريين والكوفيين وغيرها؛ فهذه المسائل ليست من تعارض الأدلة.
تعارض نقلين
إن التعارض بين نقلين هو المسألة الأولى من مسائل التعارض والترجيح، والمراد به: أن يدل دليل من السماع على حكم ويدل دليل آخر على خلافه، وقد نقل السيوطي هذه المسألة عن الأنباري الذي قال في (لمع الأدلة): "اعلم أنه إذا تعارض نقلان أُخِذ بأرجحهما، والترجيح يكون في شيئين: أحدهما: الإسناد، والآخر: المتن؛ فأما الترجيح في الإسناد؛ فأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر، أو أعلم وأحفظ؛ وأما الترجيح في المتن؛ فأن يكون أحد النقلين على وفق القياس، والآخر على خلاف القياس" انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري ونقله السيوطي عنه: أنه قد يرد في كلام العرب دليل نقلي يدل على حكم من الأحكام النحوية ثم يرد دليل آخر يقتضي خلاف ما دل عليه الدليل الأول، وإذا وقع مثل ذلك كان هناك سبيلان للترجيح بين هذين الدليلين المتعارضين:
أحدهما: أن يكون الترجيح بالإسناد.
والآخر: أن يكون الترجيح بالمتن.
[ ٣١٧ ]
ومعنى الترجيح بالإسناد: أن يكون رواة أحد الدليلين أكثر أو أعلم أو أحفظ من رواة الدليل الآخر؛ فيكون الدليل الذي كثر رواته أو سلموا من الطعن أولى بالقبول من الدليل الذي قل رواته أو لم يسلموا من الطعن فيهم.
ومثال الدليلين المتعارضين اللذيْن رجح الإسناد أحدهما وضعف الآخر: قول الشاعر:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدِّثُه عن ظهر غيب إذا ما سائل سأل
فقد روي قوله: "تحدِّثُه" بروايتين: "تحدِّثُه" و"تحدِّثَه" -بالرفع والنصب- فاستدل الكوفيون برواية النصب على أن "كما" تأتي بمعنى: "كيما"، ويكون المضارع بعدها منصوبًا، وذهب البصريون إلى أن "كما" لا تكون بمعنى: "كيما"، ولا يجوز نصب المضارع بعدها، وحجتهم في ذلك: أن رواية النصب في "تحدِّثُه" لم يذكرها إلا المفضل الضبي وحده، وقد أجمع الرواة من البصريين والكوفيين على رواية الرفع: "تحدِّثُه"، فلما كان رواة الرفع أكثر وأعلم وأحفظ؛ كانت روايتهم راجحة على رواية من روى البيت بالنصب؛ وبذلك يكون الإسناد هو الذي رجح أحد النقلين على الآخر.
ومعنى الترجيح بالمتن: أن يكون أحد النقلين موافقًا للقياس ويكون النقل الآخر مخالفًا له؛ فيكون الدليل الذي جاء موافقًا للقياس أولى بالقبول وأحق بالترجيح.
ومثاله قول الشاعر:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلِدي
فقد روي قوله: "أحضر" بروايتين: "أحضرُ" و"أحضرَ" بالرفع والنصب، واستدل الكوفيون برواية النصب على أن الأصل: أن أحضرَ؛ فدل هذا على جواز إعمال "أنْ" محذوفة في غير مواضع حذفها المقررة في علم العربية؛ ومنع ذلك البصريون إذ إن "أنْ" لا يجوز إعمالها عندهم محذوفة في غير مواضع حذفها،
[ ٣١٨ ]
وردوا قول الكوفيين بقولهم: إن رواية الرفع جاءت موافقة للقياس، ووجه موافقتها له: أن "أنْ" من عوامل الفعل وهي ضعيفة؛ فينبغي ألا تعمل من غير عوض، ويدل على ضعفها أنَّ من العرب من يهملها مظهرة ويرفع "ما" بعدها تشبيهًا لها بـ"ما" المصدرية؛ كما جاء في قراءة ابن محيصن: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ" (البقرة: ٢٣٣) برفع "يُتِمُّ"؛ ولما كانت "أنْ" ضعيفة عن العمل كان القياس ألا تعمل وهي محذوفة، وعلى القياس جاءت رواية الرفع في قول الشاعر: "أحضر الوغى"، ولما كان القياس يقتضي ألا تعمل "أنْ" وهي محذوفة كانت رواية الرفع أولى وأرجح من رواية النصب في قول الشاعر:
ألَا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى
البيت، ونلحظ على هذا المثال أن السيوطي قد نقله من (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد سبق إلى الترجيح بالمتن ابن جني في كتابه (الخصائص)؛ إذ ذكر أن القياس يكون حكمًا بين النقلين المتعارضين، وذلك في مسألة تقديم التمييز على عامله المتصرف؛ فقد اختلف النحويون في تقدم التمييز على عامله المتصرف؛ فذهب فريق من النحويين إلى جوازه؛ فأجازوا أن يقال مثلًا: عرقًا تصببتُ؛ مستدلين في إحدى روايتي هذا البيت:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبَها وما كان نفسًا بالفراق تطيب
فقد روي البيت بنصب "نفسًا" على التمييز فتقدم التمييز "نفسًا" على عامله المتصرف "تطيب"، ومنع فريق من النحويين أن يتقدم التمييز، وذكروا أن هذه الرواية تقابلها رواية أخرى، وهي: وما كان نفسي بالفراق تطيب برفع نفسي لأنها اسم كان وتطيب خبرها، كأنه قال: وما كان نفسي طيبة؛ فتعارض نقلان، وقد منع ابن جني تقديم التمييز على عامله المتصرف، ورجح رواية الرفع على رواية النصب؛ وكان القياس هو المرجح لأن التمييز فاعل في المعنى، ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؛ فكذلك التمييز.
[ ٣١٩ ]
قال ابن جني -﵀-: ومما يقبح تقديمه الاسم المميز وإن كان الناصبه فعلًا متصرفًا؛ فلا نجيز: شحمًا تفقَّأتُ، ولا عرقًا تصببتُ، وأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه أبو العباس من قول المخبل:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبَها وما كان نفسًا بالفراق تطيب
فتقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا: وما كان نفسي بالفراق تطيب؛ فرواية برواية والقياس من بعد حاكم انتهى.
وأوضح ابن جني أن التمييز في البيت المذكور في الأصل هو الفاعل في المعنى؛ فأصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم حول الإسناد عن الفاعل الواقع مضافًا إلى ياء المتكلم إلى المضاف إليه، أي: إلى ياء المتكلم؛ فحوِّلت إلى ضمير رفع لوقوعها فاعلًا؛ فحصل في الإسناد إلى هذا الضمير إبهام؛ فجيء بالمضاف الذي كان فاعلًا وجعل تمييزًا، ويقال عنه: إنه تمييز محول عن الفاعل؛ فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل؛ فكذلك لا يجوز تقديم المميز؛ إذ كان هو الفاعل في المعنى على الفعل.
ترجيحُ لغةٍ على أُخرى
لقد أفرد ابن جني بابًا في كتابه (الخصائص) عنوانه: باب اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عوَّل السيوطي في هذه المسألة؛ فقد أجاز ابن جني فيه الاحتجاج بجميع لغات العرب، وليس المراد جميع ما نطق العرب به؛ بل المراد باللغات لغات القبائل التي يؤخذ عنها يؤخذ عنها ويعتد بفصاحتها؛ إذ إن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل؛ وإنما أخذوا عن بعضها وأعرضوا عن بعض؛ فأخذوا عن القبائل التي سلم أهلها من الاختلاط بالأعاجم وأعرضوا عن
[ ٣٢٠ ]
القبائل التي لم تسلم من مخالطة الأعاجم فتسرب إلى ألسنتهم اللحن والخطأ في البنية أو التركيب.
وقد قال ابن جني: "باب اختلاف اللغات وكلها حجة؛ اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم؛ ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال "ما" يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به ويخلد إلى مثله؟! وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها؛ لكن غاية ما لك في ذلك: أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسًا بها؛ فأما رد إحداهما بالأخرى فلا" انتهى.
ونلحظ في كلام ابن جني أن له عناية واضحة بالقياس، وقد تجلت هذه العناية في أمرين:
أحد هذين الأمرين: أنه قد جعل اللغات على اختلافها حجة إذا كانت هذه اللغات موافقة للقياس، فإن كانت إحداها مخالفة له؛ فهي لغة مردودة مرغوب عنها.
والآخر: أنه قد أوجب على المتكلم أن يختار إحدى اللغتين وهو معتقد أنه الأقوى قياسًا وأن يترك الأخذ بالأخرى وهو معتقد أنها الأضعف من جهة القياس؛ كما نلحظ أن ابن جني يرفض رد إحدى اللغتين بصاحبتها لأنهما متساويتان في قبول القياس لهما؛ ولذلك قال: فأما رد إحداهما بالأخرى فلا.
وقوله: "غاية ما لك في ذلك: أن تتخير إحداهما"، معناه: أن الواجب على المتكلم إذا وجد لغتين يقبلهما القياس: أن يتخير إحدى اللغتين لعدم إمكان الأخذ بهما معًا؛ إذ لا يمكن الجمع بين لغتين في وقت واحد، وضرب ابن جني لذلك مثلًا، وهو: إعمال "ما" وإهمالها؛ فإن للعرب لغتين في ذلك:
[ ٣٢١ ]
الأولى: إعمالها عمل "ليس"، وهي لغة الحجازيين.
والثانية: إهمالها، وهي لغة التميميين.
والقياس يقبل اللغتين ولا يرد واحدة منهما، وقد سبق أن فصلنا القول في اللغتين.
ومما تقدم نلحظ أن اللغتين يقبلهما القياس؛ فيجب قبولهما، ولا يجوز رد واحدة منهما؛ وإنما تقدم إحداهما على الأخرى مع الاعتقاد بصحة الأخرى وفصاحتها، واللغة المقدمة من هاتين اللغتين هي لغة الحجازيين في إعمال "ما" عمل "ليس"؛ لأنها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١)، وقد كثر استعمالها كثرة ظاهرة ولا يجوز رد لغة التميميين؛ لأن هاتين اللغتين لغتان متساويتان في القياس؛ فليست إحداهما أحق من الأخرى؛ أما إذا تباعدت اللغتان فكانت إحداهما كثيرة جدًّا وكانت الأخرى قليلة جدًّا؛ فلا يجوز القياس على اللغة القليلة؛ وإنما يقتصر فيها على المسموع ولا يتجاوز.
وقد ذكر ابن جني أنه: "إن قلت: إن إحدى اللغتين قلت جدًّا وكثرت الأخرى جدًّا؛ أخذتَ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: مررت بَك، ولا: المال لِك؛ قياسًا على قول قضاعة: المال لِه، و: مررت بَه؛ و: لا أكرمتُكِش؛ قياسًا على لغة من قال: مررت بكِش، وعجبت منكِس" انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن كسر كاف المخاطب لا يجوز قياسًا على كسر الهاء؛ كما لا يجوز زيادة الشين بعد كاف الخطاب المنصوبة قياسًا على من ألحقها بالمجرورة؛ فمثل هذا لا قياس عليه؛ بل يقتصر فيه على المسموع ولا يتجاوز.
[ ٣٢٢ ]
ثم ذكر ابن جني أن استعمال هذه اللغات الضعيفة لا يعد خطأ؛ وإن كان الواجب على المتكلم أن يقل استعماله لها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع؛ فإن تكلم باللغة القليلة فإنه مصيب في الجملة لعدم خروجه عن كلام العرب بالكلية؛ كما أن المتكلم إذا اضطُر إلى استعمال شيء من ذلك لإقامة وزن أو لمراعاة سجع في كلامه فإن له أن يرتكب ذلك بلا لوم ولا نسبة خطأ ولا إنكار عليه، وقد قال ابن جني في ذلك: الواجب في مثل ذلك: استعمال ما هو أقوى وأشيع؛ ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مخطئًا لكلام العرب؛ فإن الناطق على قياس لغة ما من لغات العرب مصيب غير مخطئ؛ لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين؛ فأما إن احتاج لذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه غير منعي عليه انتهى.
وقد ختم السيوطي هذه المسألة بقول أبي حيان في (شرح التسهيل): "كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه" انتهى.
وليس هذا الكلام على إطلاقه؛ لأن إبدال اللام ميمًا لا يقاس عليه لقلته؛ فوجب التفصيل بين ما كان لغة قليلة وما كان لغة كثيرة؛ أما اللغة القليلة فلا يقاس عليها -كما سبق- وأما اللغة التي تكثر في كلام العرب فإنه يجوز القياس عليها.
ترجيح لغةٍ ضعيفةٍ على الشاذّ
لقد ذكر ابن عصفور فيما نقله السيوطي عنه أنه إذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة؛ فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من ارتكاب الشاذ، ومعنى ما ذكره ابن عصفور: أنه إذا دار أمر المتكلم بين أن يتكلم بلغة ضعيفة أو بكلام شاذ؛ فإن التكلم باللغة الضعيفة أولى من ارتكابه الشاذ؛ لأن هذه اللغة -على ضعفها- مروية عن العرب أو عن بعض العرب، وكل لغة تمثل حقلًا لغويًّا لا يصح إهداره أو الحيف عليه؛ وليس كذلك الشاذ؛ فاللغة الضعيفة إنما قدمت على الشاذ لأن
[ ٣٢٣ ]
اللغة الضعيفة مجمع على أن طائفة من العرب قد نطقت بها -وإن كانت ضعيفة- ولأن الأصل في الشاذ أن يُحفظ ولا يقاس عليه؛ فلا يجوز أن تبنى عليه القواعد، والمراد بالشاذ هنا: المردود -كما سبق أن أوضحنا ذلك غير مرة.
الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما
إن التعارض بين قياسين صورة من صور التعارض بين الأدلة، وقد أفرد الأنباري في كتابه (لمع الأدلة) فصلًا عنوانه: في معارضة القياس بالقياس، وعليه عوَّل السيوطي في هذه المسألة، وقد ذكر الأنباري في مقدمة هذا الفصل أنه قد يقع التعارض بين قياسين؛ فأحدهما يثبت حكمًا والآخر يثبت حكمًا آخر، وإذا وقع التعارض بين القياسين؛ رجح أحدهما على الآخر، وقد ذكر الأنباري أن هناك طريقين يرجح بهما بين القياسين المتعارضين؛ فقال: "اعلم أن القياسين إذا تعارضا أخذ بأرجحهما، وهو أن يكون أحدهما موافقًا لدليل آخر من طريق النقل أو طريق القياس" انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن السماع -وهو الذي يعبر عنه الأنباري باسم النقل- قد يرجح قياسًا على قياس كما أن موافقة القياس قد ترجح أحدهما على الآخر، ولم يذكر الأنباري مثالًا رجح فيه السماع أحد القياسين؛ وإنما اكتفى بقوله: "فأما الموافقة من طريق النقل فنحو ما قدمناه في الفصل الذي قبله" انتهى.
والمراد بالفصل الذي قبله: فصل معارضة النقل بالنقل.
ومما سبق نقول: إن الأنباري لم يذكر في (لمع الأدلة) كما لم يذكر السيوطي في (الاقتراح) مثالًا تعارض فيه قياسان وكان السماع مرجحًا أحد القياسين على الآخر، وقد ذكر الأنباري مثالًا لترجيح السماع بين القياسين المتعارضين، وذلك
[ ٣٢٤ ]
في كتابه (الإنصاف)؛ إذ أفرد في هذه المسألة عامل النصب في خبر "ما" النافية، أفرد كلامًا كثيرًا تحدث فيه عن قوله: ذهب الكوفيون إلى أن "ما" الحجازية لا تعمل النصب في الخبر، وإلى أن الخبر منصوب بنزع الخافض، واحتجوا لمذهبهم بالقياس فقالوا: إن القياس في "ما": ألا تعمل؛ لأن الحرف إنما يكون عاملًا إذا كان مختصًّا و"ما" غير مختص؛ فالأصل فيه ألا يعمل؛ ولذلك أهملها بنو تميم وأعملها الحجازيون؛ لأنهم شبهوها بـ"ليس" من جهة المعنى وهو شبه ضعيف؛ فلم يقوَ على العمل في الخبر كما عملت "ليس".
وذهب البصريون إلى أن "ما" هي التي تنصب الخبر، واحتجوا بالقياس؛ فذكروا أن الدليل على صحة مذهبهم، هو أنَّ "ما" أشبهت "ليس"؛ فوجب أن تعمل عملها، وعمل "ليس": الرفع والنصب، أي: رفع الاسم ونصب الخبر، ويقوي الشبه بين "ما" و"ليس": دخول الباء في خبر "ما" كما تدخل في خبر "ليس"؛ فمن دخول الباء في خبر "ليس": قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: ٣٦)، ومن دخول الباء في خبر "ما": قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦)، فإذا ثبت أن "ما" قد أشبهت "ليس"؛ وجب أن تعمل عملها.
ومما سبق يتبين أن هناك قياسين متعارضين، وقد رجح الأنباري قياس البصريين؛ فذكر أن النقل -أي: السماع- هو الذي يرجح ما ذهب إليه البصريون؛ فقال: وأما قولهم -أي: قول الكوفيين-: إن القياس يقتضي ألا تعمل؛ قلنا: كان هذا هو القياس إلا أنه وجد بينها وبين "ليس" مشابهة اقتضت أن تعمل عملها، وهي لغة القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١)، وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢).
ومما سبق يتبين أن السماع هو أحد الطريقين الذين يرجح بهما بين القياسين المتعارضين، والطريق الآخر هو القياس، ومثاله: أن يقول الكوفي: إنَّ "إنَّ"
[ ٣٢٥ ]
وأخواتها تعمل في الاسم النصب لشبه الفعل ولا تعمل في الخبر الرفع؛ بل الرفع فيه بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ فيقول البصري: هذا فاسد؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا وهو يعمل الرفع أيضًا؛ فما ذهبت إليه -يا كوفي- يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز.
وقد ذكر السيوطي هذا الذي قاله وفيه إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه، وبيانه أن نقول: لم يختلف النحويون في أنَّ "إنَّ" أو إحدى أخواتها هي التي تعمل النصب في الاسم؛ ولكن اختلفوا في عامل الرفع في الخبر على مذهبين:
أحد هذين المذهبين: أن عامل الرفع في الخبر بعد دخول "إنَّ" هو عامل الرفع في الخبر قبل دخولها، وهو مذهب الكوفيين، وحجة الكوفيين فيما ذهبوا إليه أنَّ "إنَّ" إنما عملت بالحمل على الفعل؛ فهي ضعيفة، ويجب أن تكون منحطة عن رتبة الفعل الذي عملت بالحمل عليه؛ كما هو شأن الفرع أبدًا؛ فوجب نزوله عن الفعل؛ ولو عملت في الخبر لأدى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز؛ فوجب بقاء الخبر على رفعه الذي كان عليه قبل؛ إبقاء لما كان على ما كان، ومعنى ذلك: أن الكوفيين قد قاسوا حال الخبر بعد دخول "إنَّ" عليه بحاله قبل دخولها.
والآخر: أن "إنَّ" وأخواتها هي التي ترفع الخبر أيضًا، وهذا مذهب البصريين؛ يقول سيبويه في (الكتاب): "وزعم الخليل أنها -أي: "إنَّ" وأخواتها- عملت عملين الرفع والنصب كما عملت "كان" الرفع والنصب" انتهى.
وحجة البصريين فيما ذهبوا إليه: أن "إنَّ" قد نصبت المبتدأ وجعلته اسمًا لها، ولو جاز أن يكون الخبر مرفوعًا على ما كان مرفوعًا به قبل دخول "إنَّ"؛ لكان المبتدأ
[ ٣٢٦ ]
أحق بذلك؛ فلما نصب المبتدأ بـ"إنَّ" وجب أن يكون رفع الخبر أيضًا بها؛ إذ ليس في كلام العرب شيء يعمل النصب في الأسماء ولا يعمل الرفع، ومن المحال ترك القياس ومخالفة الأصول بغير فائدة.
ومعنى ما سبق: أن الكوفيين قد استدلوا على صحة مذهبهم بالقياس، وهو أن "إنَّ" فرع عن الفعل في العمل، والفروع أبدًا تنحط عن درجات الأصول؛ كما استدل البصريون على صحة مذهبهم بالقياس أيضًا: وهو أنَّ "إنَّ" وأخواتها قد أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى؛ كما أوضحنا من قبل؛ فلما قوي شبهها بالفعل والفعل يرفع وينصب وجب أن تكون مثله، وقد تعارض القياسان، ورجح الأنباري مذهب البصريين بالقياس؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب إلا وهو يعمل الرفع أيضًا.
تعارض القياس والسماع
وقد أفرد له ابن جني في (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس، ويعد التعارض بين السماع والقياس صورة من صور التعارض بين الأدلة النحوية، ومعناه: أن يؤدي قياس النحويين إلى حكم من الأحكام، وأن يؤدي السماع عن العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم إلى حكم آخر يخالف الحكم الذي أدى إليه القياس، وقد عوَّل السيوطي في هذا الباب على ما ذكره ابن جني الذي يقول: إذا تعارضا -أي: السماع والقياس- نطقتَ بالمسموع على ما جاء عليه ولم تقسه في غيره، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الحشر: ١٩)؛ فهذا ليس بقياس لكنه لا بد من قبوله؛ لأنك تنطق بلغتهم وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم، ثم إنك من بعد لا تقي عليه غيره فلا تقول في استقام: استقوم، ولا في استباع: استبيع، انتهى.
[ ٣٢٧ ]
وقد نقله السيوطي بتصرف يسير جدًّا، ومعنى قول ابن جني: "إذا تعارضا" يعني: إذا اقتضى كل منهما خلاف الحكم الذي يقتضيه الآخر؛ فلا بد في هذه الحالة من قبول المسموع عن العرب والإقرار بفصاحته والاقتصار عليه؛ لكن دون قياس غيره عليه؛ لأنه مخالف للقياس.
ومما سمع من ذلك وهو مخالف للقياس مثل: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ من قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ فإن القياس يقتضي نقل حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها -وهو الحاء- لأنه حينما تكون الحاء -وهي حرف صحيح- تكون ساكنة في الوقت الذي فيه الواو حرف علة يكون متحركًا فتلك إذا قسمة ضيزى! فيجب -في هذه الحالة- نقل حرف العلة إلى الحرف الساكن الصحيح قبل هذا الحرف -وهو الحاء.
ثم يقال: تحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها الآن؛ فتقلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فكان القياس أن يقال: استحاذ؛ هذا ما كان يقتضيه القياس؛ لكن جاء السماع بخلافه؛ فتعارض السماع والقياس، والحكم حينئذ هو قبول اللفظ المسموع لورود النص به مع عدم القياس عليه؛ فلا يجوز أن نقيس عليه غيره، يعني: أن نقول مثلًا في استقام: استقوَم؛ لا يجوز أن نقول ذلك مع أنه هو الأصل؛ كما أن الأصل في استباع: استبيَع؛ فهما مثل ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ إلا أنه قد سمع ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ ولم يسمع استقوَم ولا استبيَع؛ فوجب الاقتصار على ما سمع ولم يجز قياس غيره عليه.
- فإن قيل: فقد جاء عن العرب قولهم: استنوَق الجمل واستتيَستْ الشاة؛ فلم تقلب الواو أو الياء فيهما ألفًا مع وجود شرط القلب، وهو: وقوع كل منهما عينًا متحركة مفتوحًا ما قبلها؛ فكان القياس أن يقال فيهما: استناق واستتاس.
أجيب بأن قولهم: استنوق، واستتيست، من الشاذ، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٢٨ ]