[ ٣٢٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(تابع: التعارض والترجيح)
تقديم كثرة الاستعمال على قوة القياس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإليك بقية الباب السادس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن التعارض والترجيح:
قد يكون الشيء كثيرًا في استعمال العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وهو مع كثرته في الاستعمال أضعف في القياس من غيره؛ وإذا تعارضت كثرة الاستعمال مع قوة القياس كان استعمال ما كثر استعماله أولى مما قوي قياسه.
وقد ساق السيوطي في هذا الأمر مثالًا نقله عن ابن جني: وهو تقديم "ما" النافية الحجازية على "ما" التميمية، ولغة بني تميم أقوى قياسًا؛ لأن "ما" فقدت شرط العمل، وهو: الاختصاص؛ ولذلك قال سيبويه عن إهمال ما في لغة بني تميم؛ قال: وهو القياس؛ فهي حرف غير مختص؛ فكان القياس ألا تعمل؛ إلا أن قوة القياس هنا معارضة لكثرة المسموع؛ إذ كثر في الكلام الفصيح إعمال "ما" عمل "ليس"؛ وعدت هذه اللغة هي اللغة العليا؛ لأن القرآن نزل بها، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) وقوله -﷿-: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢).
ولما تعارضت قوة القياس مع كثرة الاستعمال كانت كثرة الاستعمال هي المقدمة، وكان على المتكلم أن يستعمل في كلامه ما كثر استعماله في كلام الفصحاء؛ ولذلك قال ابن جني في المصدر السابق نفسه: إذا استعملت أنت شيئًا من ذلك؛ فالوجه: أن تحمله على ما كثر استعماله، وهو اللغة الحجازية؛ ألا ترى أن القرآن بها نزل؟! انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن على المتكلم أن يتكلم بلغة الحجاز لأنها اللغة التي كثر استعمالها؛ إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه؛ وإنما هو حكم مقيد بقيد، وهو: أن تستوفي "ما" شروط إعمالها عند الحجازيين، وهي: مراعاة الترتيب بين اسمها وخبرها، بأن يكون اسمها متقدمًا وخبرها متأخرًا، وألا يتقدم معمول
[ ٣٣١ ]
الخبر وهو غير ظرف ولا مجرور، وألا ينتقض النفي بـ"إلا"؛ فإن فقد شرط من هذه الشروط أهملت "ما" وهو القياس.
وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) عن ابن جني قوله: "فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر أو نقض النفي؛ فزعت إذ ذاك إلى التميمية" انتهى.
وإنما وجب الرجوع حينئذ إلى التميمية؛ لأنها القياس؛ ولأنه لا معارض للقياس لفقد شرط المعارضة.
ونلحظ أن ابن جني قد عبر بالفعل "فزع"؛ ليدل به على وجوب الإسراع والمبادرة؛ فليس للمتكلم حينئذ أن يختار؛ وإنما يجب أن يفزع وأن يسرع ويبادر إلى لغة بني تميم؛ لأنها هي القياس.
معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر، وتعارض الأصل والغالب
معارضة مجرد الاحتمال بالأصل والظاهر:
لقد تناول ابن جني هذه القضية في موضعين من (الخصائص) وعليهما عوَّل السيوطي في (الاقتراح) وأوردهما بعكس ترتيب ورودهما في (الخصائص)؛ فبدأ بالموضع الثاني في (الخصائص) وافتتح المسألة بقوله: "قال في (الخصائص): باب في الشيء يرد؛ فيوجب له القياس حكمًا ويجوز أن يأتي السماع بضده؛ أنقطع بظاهره أم نتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله؟ " انتهى.
ومعنى قول ابن جني: "نقطع بظاهره"، أي: لا ننظر إلى ما يحتمله اللفظ؛ وإنما ننظر إلى ظاهر حاله، ومعنى قوله: "بجلية حاله"، أي: بحاله الجلية الظاهرة، ومن الواضح أن ابن جني لم يذكر فيه رأيه ومذهبه صراحة وإن كان تقديمه للقطع في اللفظ يدل على تقديمه إياه في العمل.
[ ٣٣٢ ]
وقد كثرت الأمثلة التي تدل على أنه إذا تعارض الظاهر مع الاحتمال كان القول بالظاهر أولى، ومنها: القول في نون: عنبر، وعنتر، ونحوهما؛ فإن الظاهر هو القول بأن النون فيهما أصلية؛ لأنها وقعت في موضع الأصل، وهو العين في "فعلَلٍ" نحو: جعفرٍ؛ فلما وقعت النون في الموضع الأصل كان الظاهر أنها أصلية، ويجوز أن يحكم على النون بأنها زائدة؛ كما قيل بزيادتها في: "عنْسَلٍ"، وهي الناقة السريعة؛ فإن النون فيها زائدة قطعًا ويدل على زيادتها الاشتقاق من العسلان: وهو إسراع الذئب في مشيته؛ فحكموا بأن وزنه: "فنْعل"، مع عدم هذا الوزن في أبنيته؛ وإنما أوجبوا أن يكون "عنْسل" على وزن "فنعل"؛ لأن الاشتقاق دال عليه، وهذا هو الأصح وبه جزم سيبويه في كتابه: فقال: "ومما جعلته زائدًا بثبت العنسل لأنهم يريدون العسول" انتهى.
وقوله: "يريدون العسول" معناه: زيادة النون.
أما الموضع الثاني؛ فهو باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا العنوان: أن الشيء يجب حمله على ظاهره وإن كان ممكنًا من جهة العقل أن يكون باطنه بخلاف هذا الظاهر.
وقد وصف ابن جني القول بذلك بأنه المذهب، وبأن العمل عليه، وبأن الوصية به، ثم ذكر مثالًا يدل على عناية علماء العربية بالظاهر، وهو: حمل سيبويه كلمة سِيد -وهو الذئب أو الأسد- على أن عينه ياء؛ فوضعه في (الكتاب) في باب: تحقير كل اسم كان ثانيه ياء تثبت في التحقير؛ فالظاهر من حاله أن تكون عينه ياء؛ ولذلك قال سيبويه في تصغيره: سُيَيْد -بضم أوله؛ لأن التصغير يضم أوائل الأسماء- وهو لازم له كما أن الياء لازمة له. ثم ذكر سيبويه أن من العرب من يكسر أوله فيقول: سِيَيْد؛ كراهية الياء بعد الضمة.
[ ٣٣٣ ]
ومن هذا المثال يتبين أن سيبويه قد حمل لفظ "سِيد" على أن عينه ياء؛ لأنه هو الظاهر من حاله مع إمكان أن يكون عينه واوًا؛ ولذلك قال السيوطي: "حمل سيبويه سيدًا على أنه مما عينه ياء؛ فقال في تحقيره: سُيَيْد عملًا بظاهره، مع توجه كونه فِعلًا مما عينه واو كريح وعيد" انتهى.
وقول السيوطي: "مع توجه كونه فعلًا"، معناه: أن كلمة سِيد على وزن فِعل لا أنها فعل من الأفعال، وهذا القول من السيوطي يصحح سهوًا وقع فيه محقق كتاب (الاقتراح) -رحمه الله تعالى- تبعًا لمحقق كتاب سيبويه -رحم الله الجميع- إذ أثبتاه بلفظ "سَيِّد"، والصحيح أنه "سِيد" -بكسر السين- فقد حمله سيبويه على ظاهره، وهو أنه يائي العين مع جواز أن يكون واوي العين؛ فقلبت ياء لسكونها بعد كسرة كما قلبت فريح؛ فإن الأصل رِوْح؛ بدليل الجمع على أرواح، وقد وقعت الواو ساكنة بعد كسر؛ فقلبت ياء.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: تعارض الأصل والغالب:
إذا تعارض الأصل والغالب؛ فقد ذكر السيوطي أن علماء النحو قد حذَوْ حَذْوَ الفقهاء في اختلافهم؛ فقد اختلف الفقهاء على قولين، وهما: العمل بالأصل، والعمل بالغالب، والأصح العمل بالغالب، وعلى ضربهم سار النحويون؛ فمنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالأصل، ومنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالغالب.
ومثال ذلك: أن الأصل في الاسم أن يكون مصروفًا؛ فإن جاء في كلامهم اسم علم أو صفة على وزن "فُعْل" -بضم الفاء وفتح العين- ولم يعلم؛ أصرفوه -كما هو الأصل- أم منعوه من الصرف؛ كما هو الغالب في ما كان على وزن
[ ٣٣٤ ]
"فُعَل"، نحو: عمَر، وزُفَر؛ فإنهما ممنوعان من الصرف للعلمية والعدل؛ فإذا جاء اسم علم أو صفة ولم يثبت عدله عن غيره ولم يعلم اشتقاقه؛ فهل يكون مصروفًا لأن الأصل في الاسم الصرف أم يكون ممنوعًا من الصرف؛ لأن نظيره من الأسماء ممنوع من الصرف؟.
لقد ذكر السيوطي أن في ذلك ونحوه مذهبين للنحاة:
الأول: مذهب سيبويه: وهو الصرف حتى يثبت أنه معدول؛ لأن الأصل في الأسماء عدم العدل عن غيرها؛ يقول سيبويه في (الكتاب): "اعلم أن كل فُعَل كان اسمًا معروفًا في الكلام أو صفة فهو غير مصروف؛ فالأسماء نحو: صُرَد وجُعَل، وأما الصفات فنحو: هذا رجل حُطَم" انتهى.
والمذهب الثاني: مذهب غير سيبويه، وهو: المنع من الصرف؛ لأنه الأكثر والغالب في كلامهم، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه؛ لأن الأصل في الأسماء أن تكون مصروفة لا ممنوعة من الصرف؛ فلما لم يقم دليل على منع بعضها كان الرجوع إلى الأصل أولى.
ومما تعارض فيه الأصل والغالب أيضًا: ما ذكره أبو حيان في (شرح التسهيل): من اختلافهم في رحمن، ولَحيان، على قولين:
أحدهما: الصرف؛ لأنه الأصل، أي: ولأنه لا يمنع من الصرف إلا بشرط ألا يكون مؤنثه بالتاء بأن يكون مؤنثه على وزن "فَعلى"، ورحمان ولحيان لا مؤنث لهما.
والآخر: المنع؛ لأن الغالب هو أن يكون على وزن "فعْلان" أن يكون ممنوعًا من الصرف؛ فتعارض الأصل والغالب.
[ ٣٣٥ ]
وقال السيوطي -﵀- نقلًا عن أبي حيان، والصحيح صرفه -أي: صرف رحمان ولحيان- لأنا قد جهلنا النقل فيه عن العرب، والأصل في الأسماء الصرف؛ فوجب العمل به، ووجه مقابله: أن ما يوجد من "فعْلان" الصفة غير مصروف في الغالب، والمصروف منه قليل؛ فكان الحمل على الغالب أولى انتهى ما قال أبو حيان.
وعقب السيوطي على عبارة أبي حيان بقوله: هذه عبارته، أي: هذه عبارة أبي حيان في (شرح التسهيل)؛ وكأن السيوطي قال ذلك للتبرؤ؛ لأنه أورد ذلك للتمثيل لا لكونه يرى رأي أبي حيان؛ لأن غيره صحح الأصل.
تعارض أصلين، وتفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال
تعارض أصلين:
لقد عقد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، وقد وصف هذا الموضع بأنه موضع يجب أن ينبه عليه ويحرر القول فيه، والمراد بمراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد: هو أنه إذا تعارض في الكلام أصلان أحدهما قريب والآخر بعيد وجب الرجوع إلى الأصل القريب دون البعيد.
ومما تعارض فيه أصلان: ضم الذال من كلمة "مُذْ" في نحو: "ما رأيته مُذُ اليوم"؛ فإن الأصل في الكلمة أن تكون ساكنة ويليها ساكن؛ فكان القياس أن يتخلص من التقاء الساكنين بالكسر كما هو الشأن دائمًا في كل ساكنين التقيا؛ فالتخلص منهما يكون بكسر أولهما؛ فيقال: ما رأيته مُذُ اليوم؛ ولكن هذا الأصل قد
[ ٣٣٦ ]
عارضه أصل آخر؛ لأن أصلها الضم في "منذ"، وضمت فيه لالتقاء الساكنين إتباعًا لضمة الميم؛ فهنا إذًا أصلان تعارضا:
الأول: الأصل الأبعد، وهو السكون.
والثاني: الأصل الأقرب، وهو الضم.
فكان الرجوع إلى الأصل الأقرب أولى؛ فضمت الذال من "مُذ" عند التقاء الساكنين ردًّا إلى الأصل الأقرب، وهو "منذ"، ولم ترد إلى الأبعد الذي هو سكونها؛ لأن مراجعة الأصل الأقرب أولى من مراجعة الأبعد.
ومما تعارض فيه أصلان: أحدهما قريب والآخر بعيد: قولهم: بعت -بكسر الباء- وقلت -بضم القاف- فأصل الفعلين -باع وقال-: أن يكونا على وزن فعَل؛ فلما أسندا إلى تاء الفاعل نقل "باع" -وهو الأجوف اليائي- إلى وزن فعِل بكسر العين، ونقل الفعل قال -وهو الأجوف الواوي- إلى وزن فعُل بضم العين، ثم قلبت كل من الواو والياء ألفًا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما؛ فالتقى ساكنان، وهما: العين المقلوبة ألفًا، ولام الفعل التي سكنت لاتصال الفعل بتاء الفاعل، ثم نقلت الكسرة التي في عين الفعل الأول، وهو بِعْت، إلى فاء الكلمة، ونقلت الضمة التي في عين الفعل الثاني، وهو قلت، إلى الفاء أيضًا؛ فقيل: بعت، وقلت، وفي هذا النقل مراجعة للأصل الأقرب، وهو اعتبار الفعلين بعد نقلهما من فعَل المفتوح العين إلى فعِل وفعُل المكسور العين والمضمومها.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: تفضيل السماع والقياس على استصحاب الحال:
إن استصحاب الحال من أصول النحو الغالبة عند الأنباري؛ فقد قال في (لمع الأدلة): "وهو -أي الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة" انتهى.
[ ٣٣٧ ]
ومع عده إياه من أصول النحو الغالبة ذكر أنه أضعف الأدلة؛ فقال: "واستصحاب الحال من أضعف الأدلة؛ ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل" انتهى.
ويدل على ضعفه ما نقله السيوطي من أنه: إذا تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس؛ فلا عبرة به -أي: لا اعتداد بالاستصحاب- ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه؛ فيقدم السماع أو القياس على الاستصحاب، وعلة ذلك: هي أن الأصل المستصحب إنما جرده النحاة فأصبح من عملهم ولم يكن من عمل العربي صاحب السليقة؛ فإذا عارضه السماع؛ فالسماع أرجح؛ لأن ما يقوله العربي أولى مما يجرده النحوي؛ وإذا عارضه القياس فالقياس أرجح؛ لأن القياس إن كان تجريدًا فهو حمل على ما قاله العربي.
تعارض قبيحين، وتعارض الْمُجْمَعِ عليه والْمُختلَف فيه
تعارض قبيحين:
لقد عوَّل السيوطي في هذه المسألة على ما ذكره ابن جني في (الخصائص)؛ إذ إنه قد أفرد بابًا عنوانه: باب في الحمل على أحسن القبيحين، ومراده بذلك: أنه إذا حضرت عندك ضرورتان -أي: أمران قبيحان- وكان أحدهما أشد قبحًا من الآخر ولا بد للمتكلم من ارتكاب أحد القبيحين؛ فينبغي حينئذ ارتكاب أقربهما وأقلهما فحشًا.
وقد ذكر السيوطي نقلًا عن ابن جني مثالين فيهما ارتكاب أقل القبيحين فحشًا، وهما:
[ ٣٣٨ ]
المثال الأول: حكم الواو في "ورَنْتَل"، والورنتل: هو الشر والأمر العظيم؛ فإن الأمر في هذه الواو بين ضرورتين أن يدعي أنها أصلية وأن يدعي أنها زائدة، وهما أمران قبيحان؛ لأن الواو لا تكون أصلية في ذوات الأربعة إلا مكررة، نحو قولهم: الوصوصة والوحوحة؛ كما أنها لا تكون زائدة في أول الكلام، ولا بد من ارتكاب أحد القبيحين؛ فلما كان الأمر كذلك كان القول بجعلها أصلًا أولى من القول بجعلها زائدة؛ لأن الواو قد تكون أصلًا في ذوات الأربعة على وجه من الوجوه، أي: في حال التضعيف؛ أما أن تزاد أولًا فإن هذا أمر لم يوجد -على أي حال- فكان ارتكاب ما هو موجود خيرًا من ارتكاب ما ليس بموجود.
والمثال الثاني نحو: فيها قائمًا رجلٌ، وفيها قائم رجل؛ فللمتكلم أن يرتكب أحد القبيحين؛ وهما: أن ينصب الوصف المشتق؛ فيجعل "قائمًا" حالًا من النكرة، وأن يرفعه؛ فيجعل اسم الفاعل نعتًا متقدمًا على منعوته؛ فلما كان مخيرًا بين هذين الأمرين كان القول بجعله حالًا من النكرة أولى؛ لأنه وارد على ضعف وأكثره في الشعر؛ كقول كثير:
لمية موحشة طلل يلوح كأنه خلل
وأما تقديم النعت على المنعوت فلم يرد.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: تعارض المجمع عليه والمختلف فيه:
إذا تعارض أمر أجمع عليه النحويون من البصريين والكوفيين وأمر آخر اختلفوا فيه؛ فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ لأن للإجماع مكانته عند علماء العربية، وقد عده ابن جني من أصول النحو الغالبة؛ كما ذكر الشاطبي -﵀- أن إجماع النحويين كإجماع الفقهاء وإجماع المحدثين، وكل علم اجتمع أربابه على مسألة منه؛ فإجماعهم حجة ومخالفهم مخطئ، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الرأي المجمع عليه أولى من الرأي المختلف فيه؛ ولذلك
[ ٣٣٩ ]
قال السيوطي: إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه؛ فالأول أولى، وذكر مثالًا لذلك: وهو أنه إذا كان الشاعر مضطرًّا إلى قصر الممدود أو مد المقصور؛ فارتكاب الأول أولى؛ لأن البصريين والكوفيين جميعًا قد أجمعوا على جواز قصر الممدود في الشعر، ومنه قول الشاعر:
لا بد من صنعا وإن طال السفر
والأصل: صنعاء.
أما مد المقصور للضرورة؛ فموضع خلاف بين النحويين؛ إذ أجازه الكوفيين متمسكين بقول الشاعر:
سيغنيني الذي أغناك عني فلا فقر يدوم ولا غناء
بمد غناء، والأصل عند الكوفيين: غنًى، بالقصر؛ فلما اضطر الشاعر مد، وذهب البصريون إلى أن "غناء" في البيت مصدر لغانيت؛ لأنهم يمنعون مد المقصور ولو في ضرورة الشعر؛ فتعارض قولان: أحدهما مجمع عليه، والآخر مختلف فيه؛ فكان المجمع عليه أولى من المختلف فيه.
تعارض المانع والمقتضِي، وتعارض القولين لعالمٍ واحدٍ
تعارض المانع والمقتضي:
إن المراد بالمقتضي: ما يقتضي الحكم، أي: سبب الحكم، والمراد بالمانع: ما يمنع الحكم؛ فهما نقيضان؛ فإذا تعارض المانع والمقتضي كان المانع مقدمًا على المقتضي.
والأمثلة التي يقدم فيها المانع على المقتضي كثيرة منها:
المثال الأول: "هذا راشد وذاك غادر"؛ فـ"راشد" اتصلت بألفه راء مفتوحة، و"غادر" اتصلت بألفه راء مضمومة؛ فوجد فيهما سبب إمالة الألف: وهو وقوع
[ ٣٤٠ ]
كسرة بعدها؛ كما وجد فيهما ما يمنع الإمالة: وهو الراء المفتوحة أو المضمومة؛ فيقدم المانع على المقتضي، وبعض العرب يُميل ولا يلتفت إلى الراء غير المكسورة.
والمثال الثاني: "أي" وجد فيها سبب البناء، وهو أن "أيًّا" هذه أشبهت الحرف ووجد فيها أيضًا ما يمنع البناء وهو لزومها الإضافة، والإضافة من خصائص الأسماء؛ فقدم المانع وامتنع البناء.
والمثال الثالث: الفعل المضارع المؤكد بالنون، وجد فيه سبب الإعراب وهو مضارعته للاسم ومشابهته إياه، ووجد فيه ما يمنعه من الإعراب وهو اتصال النون به، وقد باعد اتصال النون به بينه وبين الاسم؛ فقدم المانع، وأصبح المضارع الذي اتصلت به النون، أي نون التوكيد، مبنيًّا غير معرب، ومثل ذلك نون النسوة أيضًا.
والمثال الرابع: اسم الفاعل إذا وجد شرط إعماله -وهو الاعتماد على نفي أو استفهام أو نحوهما- فإن وجد فيه ما يمنع العمل من تصغير أو وصف قبل العمل؛ فقد تعارض المانع والمقتضي؛ فيقدم المانع ويمنع اسم الفاعل من العمل.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: في القولين لعالم واحد:
إن العالم الواحد قد يكون له في المسألة الواحدة غير قول في غير كتاب من كتبه أو في كتاب واحد من كتبه، وقد يقف المرء حائرًا بأي القولين أو الأقوال يأخذ وأي القولين أو الأقوال يدع، وقد وضع ابن جني -﵀- في (الخصائص) قواعد بها نتعرف على القول الذي نأخذ به والقول الذي ندعه، وهذه القواعد هي:
[ ٣٤١ ]
أولًا: إذا كان أحد القولين مرسلًا والآخر معللًا؛ كان الأخذ بالقول المعلل أولى لقيام حجته؛ وكان ترك القول المرسل واجبًا لضعفه وعدم قيام حجته.
ومثال ذلك: ما جاء عن سيبويه -﵀- فقد ذكر في غير موضع من كتابه: أن التاء في بنت وأخت للتأنيث؛ فقال في باب النسب في (الكتاب): "وأما بنت؛ فإنك تقول: بنويٌّ -يعني: في النسب- من قبل أن هذه التاء التي هي للتأنيث لا تثبت عند الإضافة كما لا تثبت في الجمع" انتهى.
وقال في باب ما لا ينصرف: إنها ليست للتأنيث، وعلل ذلك بأن ما قبلها ساكن وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنًا إلا أن يكون ألفًا؛ كفتاة ونحوها؛ فالقول بأنها ليست للتأنيث قول معلل، والقول بأنها للتأنيث قول مرسل؛ فكان المصير إلى القول المعلل أولى؛ لقيام حجته وظهور دليله.
وقوله: "إنها للتأنيث" يكون مؤولًا بأن يقال: إنه محمول على التجوز؛ لأن التاء لا توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث وتذهب بذهابه.
ثانيًا: إذا كان القولان مرسلين بلا تعليل في أحدهما؛ كان القول المعتمد هو القول الأليق بمذهب صاحب القولين والأجرى على قوانينه.
ومثال ذلك: قول سيبويه: إن "حتى" ناصبة للفعل المضارع، وقوله الآخر: إنها حرف جر؛ فهذان القولان متنافيان؛ لأن أحدهما يجعل "حتى" ناصبة، والآخر يجعلها جارة، والذي يليق بسيبويه ومذهبه النحوي البصري ويجري على القوانين المعتمدة عند البصريين: هو أن تكون "حتى" جارة، ويدل على ذلك أنه عد الحروف الناصبة للفعل المضارع ولم يذكر منها "حتى"؛ فعلم بذلك أن الفعل المضارع بعد "حتى" ليس منصوبًا بها؛ وإنما هو منصوب بأن المضمرة وجوبًا بعدها، وقول سيبويه: "إن "حتى" هي الناصبة للمضارع" فيه تجوز؛ فينبغي الرجوع إلى قوله الذي نص فيه على أنها جارة.
[ ٣٤٢ ]
ثالثًا: إن لم يمكن التأويل؛ فإنْ نصَّ العالم في أحد الرأيين على الرجوع عن الرأي الآخر؛ علم أن الرأي الثاني هو رأيه؛ وإن لم ينص العالم على ذلك بحث عن تاريخهما وعمل بالمتأخر، وعلم أن الأول مرجوع عنه؛ فإن لم يعلم التاريخ وجب سبر المذهبين -أي: النظر في دليلهما قوة ودقة- كما وجب البحث عن حال القولين قوة وضعفًا؛ فإن كان أحدهما أقوى نسب إليه أنه قوله إحسانًا للظن به وأن الآخر مرجوع عنه؛ فإن تساويا في القوة وجب أن يعتقد أنهما رأيان له.
فيما رجحت به لغة قريش على غيرها، والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين
فيما رجحت به لغة قريش على غيرها:
إن العرب كانت تحضر مواسم الحج كل عام، وكانت قريش قائمة على أمر البيت الحرام؛ فكانوا يسمعون لغات جميع العرب؛ فيستحسنون ويستقبحون؛ فما استحسنوه من كلام العرب تكلموا به وما استقبحوه تركوه؛ فصاروا أفصح العرب لسانًا؛ لأن لغتهم قد خلت من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ، وقد ذكر علماء العربية كثيرًا من اللغات العربية ووصفوها بالرديء والمذموم ونحوهما من الألقاب التي تدل على استبشاعهم إياها وذكروا أن لغة قريش قد خلت من ذلك كله.
ومما خلت منه لغة قريش:
- الكشكشة: وهي إلحاق كاف المخاطبة المؤنثة شينًا؛ فيقولون: رأيتكِش، والمراد: رأيتكِ، وقد كانت هذه اللغة في ربيعة ومضر.
- والكسكسة: وهي إلحاق كاف الخطاب للمؤنث سينًا عند الوقف؛ فيقولون: أعطيتكِس، وهي لغة هوازن.
[ ٣٤٣ ]
- والعنعنة: وهي جعل الهمزة المبدوء بها عينًا؛ فيقال في أنك: عَنَّك، وقد كانت هذه اللغة في قيس وتميم.
- والعجعجة: وهي جعل الياء المشددة جيمًا؛ فيقولون في النسب إلى تميم: تميمجّ، وهي لغة قضاعة، وقد خلت قريش من ذلك كله وغيره مما عيبت به اللغات الأخرى؛ فرجحت على باقي لغات العرب.
وننتقل الآن إلى الحديث عن: الترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين:
إن البصريين هم أئمة النحو، وقد شغلوا به نحو قرن من الزمن، والكوفة مشغولة عنه برواية الأشعار والأخبار، وقد وصف البصريون بأنهم أصح قياسًا؛ لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ، كما وصف الكوفيون بأنهم أوسع رواية لأنهم أكثر اطلاعًا على أشعار العرب.
وقد ذكر السيوطي أن أبا حيان قد رجح مذهب الكوفيين على البصريين في مسألة العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار؛ إذ منعه البصريون وأجازه الكوفيون؛ لأنه قد ورد في كثير من الكلام العربي الفصيح، ومنه قول الشاعر:
فاليوم قرَّبت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيامِ من عجب
وقد ذكر أبو حيان علة جواز ذلك بقوله: الذي يختار جوازه لوقوعه في كلام العرب كثيرًا نظمًا ونثرًا، ومعنى ما ذكره: أن الدليل هو الذي يرجح مذهبًا من المذاهب على آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٤٤ ]