[ ٥١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(تعلق الحكم بشيئين أو أكثر، وهل بين العربي والعجمي واسطة؟ وتقسيم الألفاظ، والمراد بالسماع)
تعلق الحكم النحوي بشيئين أو أكثر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فذكر السيوطي أن الحكم النحوي يعني بمفهومه العام الشامل للمفردات والتراكيب، هذا الحكم قد يتعلَّق بشيئين أو أكثر؛ فتارة يجوز الجمع بينهما أو بينها، وتارة يمتنع، فمما يجوز الجمع فيه مسوغات الابتداء بالنكرة، وهي كثيرة جدَّا أوصلها بعضهم إلى أكثر من ثلاثين مسوغًا، وجعلوا مدار صحة الإخبار عن النكرة على حصول الفائدة، لا على ما ذكروه من هذه المسوغات.
فالمتقدمون لم يعولوا في ضابط الابتداء بالنكرة إلا على حصول الفائدة، وكل مسوّغ تتحقَّق به الفائدة؛ يجوز معه الابتداء بالنكرة على انفراده، ولا يمتنع اجتماع اثنين منها فأكثر فقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (البقرة: ٢٢١) وقعت فيه النكرة، وهو كلمة "عبد" مبتدأ، فقال الجمهور: المسوغ للابتداء بالنكرة في الآية الكريمة وصفها بقوله: ﴿مُؤْمِنٌ﴾. وقال بعضهم: المسوغ لذلك دخول لام الابتداء عليها. ورأى بعضهم أن المسوغ لها إنما هو معنى العموم؛ لأن المراد المفاضلة بين الجنسين، لا بين أفرادهما المخصوصة. ولا مانع من اجتماع هذه المسوغات المصححة للابتداء بالنكرة؛ إذ لا تعارض بينها.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: اجتماع دخول أل المعرفة والتصغير معًا على الاسم الواحد، مع أن كليهما من خواص الأسماء، فأل مما يتميز به الاسم عن قسيميه في أنواع الكلمة: الفعل، والحرف. والتصغير وصف في المعنى، فلا تُوصف إلا الأسماء، ويجوز مع ذلك اجتماعهما، فيقال مثلًا: هذا الرجل، هذا الرجيل أصغر من ذاك الرجيل، وذلك الجبيل أعلى من ذلك الجبيل. وقد والتاء من خواص الأفعال، ويجوز اجتماعهما نحو: قد قامت الصلاة، ومما لا يجوز فيهما
[ ٥٣ ]
الجمع بينهما أداة التعريف أل والإضافة، وهما من خواص الأسماء، وإنما لم يجز الجمع بينهما؛ لأن كلتيهما أداة تعريف ولا يجوز الجمع بين معرفين على معرف واحد، فإن قيل: فقد اجتمع المعرفان في نحو قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ (آل عمران: ٤٣) فقد اجتمع على الاسم التعريف بأداة النداء وبالعلمية، وقال الشاعر:
علا زيدُنا يومًا نقى رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان
فقال: زيدنا، وزيدكم. فجمع بين التعريف بالعلمية والتعريف بالإضافة، فالجواب: أن تعريف العلمية قد زال مما ذكر، وأُجري العلم مجرى النكرات، وصار معرفًا بأل في الآية الكريمة، وبالإضافة في البيت، أو أن الممتنع هو الجمع بين التعريفين إذا كان بعلامتين لفظيتين، كالجمع بين يا مع الألف واللام، والعلمية ليست بعلامة لفظية. أما قولهم: يا الله. فقد جمعوا فيه بين يا وأل؛ لأن الألف واللام عِوَض من حرف أصلي، وكأن هذا الاسم الكريم أصله إله؛ فحذفوا الهمزة من أوله، وعوَّضوا منها الألف واللام، فصارت كأنها جزء منه، كما أن هذا الاسم الكريم قد كثر استعماله فخفَّ على ألسنتهم؛ فجوزوا فيه ما لم يجوزوا في غيره.
ومما لا يجتمعان كذلك التنوين والإضافة مع أنهما من خواص الأسماء، وذلك أن كلًّا منهما علامة على نهاية الاسم وتمامه، ولا يجتمع على تمام الاسم علامتان، أو لأن التنوين يدلُّ على الانفصال، والإضافة تدلّ على الاتصال فلم يجمعوا بينهما، ألا ترى أن التنوين يُؤذِن بانقطاع الاسم وتمامه، والإضافة تدلّ على اتصال المضاف بما بعده وهو المضاف إليه، وكون الشيء متصلًا منفصلًا في حالة واحدة أمر محال، أو لأن التنوين في الأصل يدلّ على التنكير المفيد للعموم، أما الإضافة فتُخصّص أو تعرف، فلم يجتمعا.
[ ٥٤ ]
قال ابن جني في (الخصائص): "ومن غلبة حكم الطارئ حذف التنوين للإضافة نحو: غلام زيد، وصاحب عمرو؛ لأنهما ضدَّان، ألا ترى أن التنوين مُؤذن بتمام ما دخل عليه، والإضافة حاكمة بنقص المضاف، وقوة حاجته إلى ما بعده، فلما كانت هاتان الصفتان على ما ذكرنا تعادتا وتنافاتا؛ فلم يمكن اجتماع علامتيهما. وأيضًا فإن التنوين علم للتنكير والإضافة موضوعة للتعريف، وهاتان أيضا قضيتان متدافعتان إلا أن الحكم للطارئ من العلمين -أي: من العلامتين- وهو الإضافة، ألا ترى أن الإفراد أسبق رتبة من الإضافة، كما أن التنكير أسبق رتبة من التعريف؟ " انتهى.
وكذلك السين وسوف، وهما من خواص الفعل المضارع، ومن أدوات الاستقبال كلتاهما حرف مفيد للتنفيس أي: للتوسيع بمعنى: أنهما يقلبان المضارع من الزمن الضَّيّق وهو الحال، إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال، وسوف مرادفة للسين، وقيل أوسع منها؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولا يُجمع بينهما؛ كراهة الجمع بين علامتي استقبال، ولذلك ذكر ابن عصفور: "أنه لا يجوز أن يجمع بين أن المصدرية والسين وسوف؛ لكون أن إذا دخلت على المضارع خصَّصته بالزمن المستقبل، فلا يجوز أن يقال: يعجبني أن ستجتهد، أو أن سوف تجتهد؛ كراهة الجمع بين حرفين يعطيان شيئًا واحدًا، وهو التخليص للاستقبال".
قال السيوطي: "والتاء والسين خاصتان ولا يجتمعان" انتهى. وتفسير ما قال: أن التاء سواء أكانت تاء التأنيث الساكنة، أم كانت تاء الفاعل المحرّكة، هي من خواص الفعل الماضي؛ فلا تجتمع مع السين التي هي من خواص الفعل المضارع لتنافيهما.
[ ٥٥ ]
وقال السيوطي: "ومن القواعد المشتهرة قولهم: البدل والمُبدل منه، والعوض والمُعوض منه لا يجتمعان" ومن المهم الفرق بين البدل والعوض، ثم أورد نصين أحدهما من كتاب (تذكرة النحاة) لأبي حيان، والآخر لابن جني من (الخصائص)، ويدور هذان النصان حول ذكر الفرق بين البدل والعوض. وإنما ذكر السيوطي أنه من المهم معرفة الفرق بين البدل والعوض؛ لأن بعض النحاة يُطلقون لفظ البدل ويريدون به العوض، ومن هؤلاء المبرد في (المقتضب)، وابن يعيش في (شرح المفصل)، والعلامة الرضي في شرحه على (شافية ابن الحاجب)، وأبو الحسن الأشموني في شرحه على (ألفية بن مالك)، وهذا الإطلاق من باب التجوّز.
وقد أوضح أبو حيان في نصه المنقول عن (التذكرة) أن البدل لغةً العوض، ويفترقان في الاصطلاح، ثم أشار إلى بعض الفروق الاصطلاحية بينهما؛ فالبدل عند علماء النحو هو أحد التوابع الخمسة، وقد عرفه النحويون بأنه: التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، وهو يجتمع مع المبدل منه، قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: ٦، ٧) فقوله سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ بدل من الصراط، وقد اجتمعا، وقال -﷿-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧) فـ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾: بدل من ﴿النَّاسِ﴾، وقد اجتمعا، وإنما يجتمع البدل مع المبدل منه لأن المقصود بالحكم هو البدل، وأما المبدل منه فهو يُذكر توطئة وتمهيدًا، ومن هنا يقولون: المبدل منه في حكم الطرح من جهة المعنى غالبًا، ويكون الغرض من ذكر البدل أن يُذكر الاسم المقصود بالحكم بعد التوطئة؛ لإفادة توكيد الحكم وتقريره، ولذلك يرى الأكثرون أن عامل البدل مقدَّر دلَّ عليه العامل في المبدل منه، فهو مع البدل جملة أخرى في الحقيقة، وإن كانوا يسمون الكلام المشتمل على المبدل منه والبدل جملة واحدة؛ اعتبارًا بظاهر اللفظ.
[ ٥٦ ]
ويُحكى عن أبي علي الفارسي أنه قيل له: "كيف يكون البدل إيضاحًا للمبدل منه، وهو من غير جملته؟ فقال: لما لم يظهر العامل في البدل، وإنما دلَّ عليه العامل في المبدل منه، واتصل البدل بالمبدل منه في اللفظ؛ جاز أن يوضحه"، والذي يدل على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ (الزخرف: ٣٣) فظهور اللام في "بيوتهم" وهي بدل من "مَن" دليل على أن عامل البدل غير عامل المبدل منه، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (الأعراف: ٧٥) فظهور اللام مع "من" وهو بدل من "الذين استضعفوا" دليل على ما تقدم أيضًا، هذا هو البدل النحوي.
أما في اصطلاح علماء الصرف فمن مباحثهم: البدل والعوض، والبدل عندهم، هو: جعل حرف مكان حرف آخر مطلقًا كجعلهم الطاء في موضع التاء في "اصطبر"، والألف موضع الواو في "قال"، والهمزة موضع الياء في "بناء". ومرادهم بجعل حرف مكان آخر إزالة الحرف المبدل منه من الكلمة، ووضع حرف آخر موضعه، وهذا معنى قول أبي حيان في النص المنقول عنه: "وبدل الحرف من غيره لا يجتمعان أصلًا، ولا يكون إلا في موضع المبدل منه"، وأوضح أبو حيان أن البدل الصرفي في اصطلاحهم لا بد فيه من هذين الأمرين؛ لأنه بهما يُغاير العوض؛ فالعوض -كما قال أبو حيان- لا يكون في موضعه، يعني: لا يكون في موضع المعوض منه، وربما اجتمعا ضرورة، يُشير بهذه العبارة إلى مذهب بعض علماء الصرف كابن يعيش وغيره، الذين يذهبون إلى أن يكون العوض مقصورًا على كون الحرف الآتي عوضًا في غير موضع المحذوف المعوض منه؛ فهمزة الوصل في ابن واسم عوضٌ من الواو التي هي لام ابن، لأن أصله
[ ٥٧ ]
"بنوٌ" فحذفت الواو تخفيفًا، وسكنت الباء، وجيء بهمزة الوصل للتعويض، وإمكان النطق بالساكن. وعوض من الواو في "اسم"؛ لأن أصله عندهم من السمو. ومثل ذلك التاء في نحو: عدة، وزنة، عوض من الواو التي هي فاء الكلمة، وهكذا.
وربما اجتمع العوض والمعوض منه في كلمة واحدة وإن اختلف موقعهما، وذلك في الضرورة الشعرية كالجمع بين حرف النداء والميم المشددة التي تكون عوضًا منه كقول الراجز:
إني إذا ما حدث ألمَّا أقول يا اللهم يا اللهم
وبناءً على هذا المذهب تكون النسبة بين البدل والعوض التباين؛ فالبدل أن تُقيم حرفًا خلفًا لحرف في موضعه، ولا يجتمعان، والعوض: أن تقيم حرفًا خلفًا لحرف في غير موضعه، وقد يجتمعان في الشعر للضرورة الشعرية.
قال أبو حيان: "وربما استعملوا العوض مرادفًا للبدل في الاصطلاح" أي: ربما استعملوا العوض في الاصطلاح في الإتيان بالحرف في مكان الحرف المحذوف؛ فيكون أعم من البدل لا مباينًا له، وهو يشير بهذه العبارة إلى مذهب بعض الصرفيين الذين لا يشترطون أن يكون الحرف الآتي عوضًا من غيره في مكان المعوض منه أو في غير مكانه؛ فالطاء في نحو: "اصطبر" عندهم عوضٌ من تاء الافتعال، والأصل: اصتبر، وهمزة الوصل في أول نحو: "ابن" عوض من الواو في آخره، وهكذا.
وهم يرون أن النسبة بين البدل والعوض العموم، والخصوص المطلق؛ فيجتمعان في شيء وينفرد الأعم منهما -وهو العوض- في شيء، وذلك في كل كلمة حدث فيها تغيير بحذف حرف، وإحلال حرف آخر خلفًا له؛ سواء أكان في
[ ٥٨ ]
موضع الحرف المحذوف أم في غير موضعه، فإن كان في موضعه فهو بدل وعوض، وإن كان في غير موضعه فهو عوض فقط. فكل بدل على ذلك يُسمّى عوضًا، وليس كل عوض يسمى بدلًا، فيجتمعان في نحو: اصطبر، وينفرد العوض في نحو: عدة، وزنة، واسم من السمو، قال ابن مالك في التصغير:
وجائز تعويض يا قبل الطرف إن كان بعض الاسم فيهما انحذف
الضمير في قوله: "فيهما" للتكسير والتصغير، ومعنى البيت: أنه يجوز أن يعوض مما حذف منهما ياء قبل الآخر، فيجوز أن يقال: فرازيق وفريزيق في تكسير فرزدق وتصغيره بزيادة ياء فيهما قبل الطرف؛ عوضًا من حذف الدال مع أنها في موضع المحذوف.
أما نص ابن جني الذي نقله عنه السيوطي فقد أورده في (الخصائص) في باب عقده بعنوان: باب في الفرق بين البدل والعوض، بيَّن فيه أن جماع ما في هذا الباب أن البدل أشبه بالمبدل منه من العوض، وانتهى فيه إلى أن البدل أعمُّ تصرفًا من العوض؛ فكل عوض بدل، وليس كل بدل عوضًا.
هل بين العربي والعجمي واسطة؟
وتدور فكرة هذا العنصر حول ما يُسمى بمسائل التمرين في الصرف العربي بأن يقال: كيف تبني من كذا مثل كذا، أي كيف تأتي بكلمة مطابقة لما يُوازن كلمة من كلام العرب، بمعنى: أنك إذا ركَّبت منها زنتها، وعاملت ما يقتضيه القياس التصريفي في هذه الكلمة من زيادة، أو حذف، أو قلب، أو إدغام، أو غير ذلك فهل تُعَدُّ هذه الكلمة المصنوعة ونظائرها من الكلمات المصنوعة، هل تُعَدُّ واسطة بين الكلام العربي والكلام العجمي؟
[ ٥٩ ]
أجاب عن ذلك ابن عصفور في كتابه المسمى بـ (الممتع) بالإيجاب، أي: قال ما معناه: نعم. فإذا تكلمنا نحن بهذه الألفاظ المصنوعة كان تكلمنا بما لا يرجع إلى لغة من اللغات يعني: لا يكون عربيًّا ولا عجميًّا، وإنما يكون واسطة بين العربي والعجمي. وردَّه الخضراوي ذاكرًا بأن كل كلام ليس عربيًّا فهو عجمي، ولا واسطة بينهما، ونحن كغيرنا من الأمم. ووافق أبو حيان في شرحه على (التسهيل) ابن عصفور موضحًا أن الكلمات المصنوعة ليست عجمية؛ لأن العجمي عندنا هو كل ما نُقل إلى اللسان العربي من لسان غيره؛ سواء كانت من لغة الفرس، أو الروم، أو الحبش، أو الهند، أو البربر، أو الإفرنج، أو غير ذلك، انتهى.
فأبو حيان يوافق ابن عصفور في أن الكلمات المصنوعة لا تُعدُّ أعجمية كما ذهب إلى ذلك الخضراوي؛ لأنها مصنوعة، وليست منقولة عن العجم، يعني: أن اللغة الأعجمية على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها موضوعة لأهلها بالرواية عنهم، لم يصنعها، ولم يختلقها أحدٌ. أما التكلم بالألفاظ المصنوعة فتكلم بما لم يضعه واضع، فلا يتم قول الخضراوي.
ولإلقاء مزيدٍ من الضوء على ما تُعرف به عُجمة الأسماء، أورد السيوطي بعض الوجوه التي ذكر النحاة أن بها تُعرف عجمة الاسم:
أحدها: النقل: بأن ينقل ذلك أحد أئمة العربية كإيراد سيبويه في (الكتاب) في باب الأسماء الأعجمية بعض هذه الأسماء: "كاللجام، والديباج، واليرنج، والنيروز، والزنجبيل، والياسمين، وبعض الأعلام كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وهرمز، وفيروز، وقارون، وفرعون".
والثاني: خروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو: إبريسم، والإبريسم هو أحسن الحرير، فإن مثل هذا الوزن، وهو "إفعيلَلْ" مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي.
[ ٦٠ ]
والثالث: أن يكون أوله نون ثم راء نحو: نرجس، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.
والرابع: أن يكون آخره زاي بعد دال نحو: مهندز، وصيَّروا زاياه سينًا فقالوا: مهندس، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية.
والخامس: أن يجتمع فيه الصاد والجيم نحو: الصولجان، وهو المحجن أي: العصا المعوجَّة، والجص الجص بفتح الجيم وكسرها، وهو ما يُبنى، أو يُطلى به البيت.
والسادس: أن يجتمع فيه الجيم والقاف نحو: المنجنيق: وهو آلة لرمي العدو بحجارة كبيرة، وقد اختلف العلماء في ميمه بين الأصالة والزيادة، وهي عند سيبويه من نفس الكلمة.
والسابع: أن يكون خماسيًّا أو رباعيًّا خاليًا من حروف الزلاقة، وهي ستة أحرف مجموعة في قولهم: "مر بنفل"، وهي الميم، والراء، والباء، والنون، والفاء، واللام. والزلاقة لغة: الحدة، ولسان زلق أي: بليغ حديد، قال الأخفش: "سميت بذلك لأن عملهنَّ في طرف اللسان، وطرف اللسان زلق، وقيل: الزلاقة الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه الحروف أخفّ الحروف، ولا ينفكّ رباعي أو خماسي متى كان عربيًّا من حرف منها إلا شاذًّا كالعسجد، وهو الذهب، وهو أيضًا الجوهر كله كالدُّرّ والياقوت، ويقال كذلك: بعير عسجد إذا كان ضخمًا، والدهدقة، وهو تكسير اللحم وتقطيعه، والزهزقة وهو شدَّة الضحك.
وذلك لأن الرباعي والخماسي ثقيلان فلم يخليا من حرف سهل خفيف على اللسان، ومن أمثلة الأسماء المحكوم بأعجميتها لخلوّها من أحرف الزلقة: سفرجل، وهو نوع من الأشجار ثمره كثير الفوائد، وقزعمل وهو القصير الضخم من الإبل، وقرطعب وهو الشيء الحقير يقال: ما عنده قرطعبة ولا قزعملة أي: لا قليل ولا كثير، وجحمرش وهي الثقيلة السمجة من النساء.
[ ٦١ ]
تقسيم الألفاظ إلى واجب وممتنع وجائز
ذكر السيوطي أن ابن الطراوة قسَّم الألفاظ إلى ثلاثة أقسام: واجب، وممتنع، وجائز. أما الواجب من الألفاظ فرجل وقائم ونحوهما مما يجب أن يكون في الوجود ولا ينفك الوجود عنه أي: لا يصحّ عند العقل عدمه، والممتنع: لا قائم ولا رجل؛ إذ يمتنع أن يخلو الوجود من أن يكون لا رجل فيه ولا قائم، أي: يمتنع نفي وجود ما يجب أن يكون في الوجود، فنفي الواجب ممتنع، والجائز أي: الذي يقبل العقل وجوده وعدمه نحو: زيد وعمرو؛ لأنه جائز أن يكون وأن لا يكون. قال ابن الطراوة: "فكلام مركب من واجبين لا يجوز نحو: رجل قائم؛ لأنه لا فائدة فيه أي: لأن مدلوله لا يغيب عن العقل، فلم تحصل فائدة من الكلام، فكان ممتنعًا، وكلام مركب من ممتنعين أيضًا لا يجوز نحو: لا رجل لا قائم؛ لأنه كذب ولا فائدة فيه أي: لأنه مركب من جزأين كاذبين، فالعقل لا يقبله بحسب العادة، وكلام مركب من ممتنع وجائز لا يجوز، ولا من واجب وممتنع نحو: زيد لا قائم، ورجل لا قائم لأنه كذب؛ إذ معناه لا قائم في الوجود، وكلام مركب من جائزين لا يجوز نحو: زيد أخوك لأنه معلوم، لكن بتأخيره صار واجبًا؛ فصح الإخبار به، لأنه مجهول في حق المخاطب؛ فالجائز يصير واجبًا بتأخيره، ولو قلت: زيد قائم صح. لأنه مركب من جائز وواجب، فلو قدمت وقلت: قائم زيد لم يجز؛ لأن زيد صار بتأخيره واجبًا فصار كلامه مركبًا من واجبين، فصار بمنزلة قائم رجل.
قال أبو حيان: "وهذا مذهب غريب أي: خارج عن قانون العربية، وما قاله -أي: ابن الطراوة-: من أن الجائز يصير بتأخيره واجبًا. ممنوع لأن معناه مقدمًا ومؤخرًا واحد".
[ ٦٢ ]
الأصل الأول من أصول النحو الغالبة: السماع
مراد علماء أصول النحو بالسماع الذي هو الأصل الأول من أصول النحو الغالبة:
فنقول: ذكر السيوطي أنه -يعني: بالسماع- ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته، فشمل هذا كلام الله تعالى، وهو القرآن الكريم، وهو أفصح كلام وأبلغه، وكلام نبيه -ﷺ- وهو الحديث النبوي الشريف، وكلام العرب قبل بعثته وفي زمنه وبعده إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين نظمًا ونثرًا من مسلم أو كافر. فهذه ثلاثة أنواع لا بد في كل منها من الثبوت: أما القرآن الكريم فكل ما ورد أنه قُرئ به؛ جاز الاحتجاج به في العربية، سواء كان متواترًا أم آحادًا أم شاذًّا، فالقرآن الكريم -كما قيل- فوق النحو، والفقه، والمذاهب كلها، فهو الأصل الأصول، ما وافقه فهو مقبول، وما خالفه فهو مردودٌ ومرذولٌ، وذلك أن لغة القرآن الكريم هي أفصح أساليب العربية على الإطلاق، وأن الكتاب أعربُ وأقوى من الشعر، كما قال الفراء -رحمه الله تعالى.
ولقد صدق أبو عمرو الداني المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة من الهجرة حين قال: وأئمة القراءة لا تعمل من القراءات في شيء على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردَّها قياس عربية، ولا فشوّ لغة؛ لأن القراءة سُنة متبّعة فلزم قبولها والمصير إليها، انتهى.
قال السيوطي: "وقد أطبق الناس -يعني: أجمعوا- على الاحتجاج بالقراءات الشاذَّة في العربية إذا لم تُخالف قياسًا معروفًا؛ بل ولو خالفته يُحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يجز القياس عليه كما يُحتجّ بالمجمع على وروده، ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه، ولا يقاس عليه نحو: استحوذ، ويأبى".
[ ٦٣ ]
أوضح السيوطي في هذه الفقرة أن القراءات الشاذة أجمع النحويون على الاستشهاد بها في تقعيد القواعد إذا لم تُخالف قياسًا معروفًا، وإن خالفته أجمعوا على الاحتجاج بها أيضًا لكن في خصوص ما وردت فيه من غير أن يُقاس عليها، وقد أشار إلى ذلك ابن جني في غير موضع من (الخصائص).
ثم أورد السيوطي مثالين للاحتجاج بالقراءات الشّاذّة فقال: "وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءات الشاذة لا أعلم فيه خلافًا بين النحاة، وإن اختُلف في الاحتجاج بها في الفقه، ومن ثمَّ احْتُجَّ على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة: "فبذلك فلتفرحوا" (يونس: ٥٨) احتُجَّ بها على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ (العنكبوت: ١٢)، واحتج على صحة من قال: إن الله أصله: لاه، بما قرئ شاذًّا: "وهو الذي في السماء لاهٌ وفي الأرض لاهٌ" (الزخرف: ٨٤) " انتهى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٦٤ ]