[ ٦٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس
(ما عيب من القراءات، وحكم الاحتجاج بالحديث الشريف)
بيان ما عيب من القراءات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فيكشف لنا السيوطي النقاب عن حَمْلة آثمة لتلحين القراء، استفتح بابها وحمل لواءها نُحاة البصرة المتقدمون، ثم تابعهم غيرهم من اللغويين والمفسرين، ومصنّفي القراءات، كما قال شيخنا العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة صاحب (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- وقد افتتح السيوطي هذا المبحث في (الاقتراح) بقوله: "تنبيه: كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون في ذلك؛ فإن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية، وقد ردَّ المتأخرون -منهم ابن مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ ردّ، واختار جواز ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون؛ مستدلًّا به".
إن تصدير السيوطي هذه المقدمة بكلمة تنبيه يُوحي بخطورة ما سيلفت الأنظار إليه، ويوجه العقول إلى أهمية ما سينبّه عليه، وأيُّ خطورة أشدّ، وأيّ تنبيه أعظم من تلحين قُرَّاء القراءات المتواترة، ونسبة بعضهم إلى الخطأ في القراءة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (الكهف: ٥)، فعاصم ابن بهدلة أبي النجود -بفتح النون وضم الجيم- هو شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القُرَّاء السبعة، وأبو النَّجود هو اسم أبيه، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي عن عاصم بن بهدلة. فقال: رجل صالح خير ثقة، فسألته: أيُّ القراءة أحبّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم". وقد توفي -﵀- سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة، وحمزة هو ابن حبيب الزيات أحد القُرَّاء السبعة،
[ ٦٧ ]
وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم. قال عنه ابن الجزري: "كان إمامًا، حجةً، ثقةً، ثبتًا، رضًا، قيمًا بكتاب الله، بصيرًا بالفرائض، عارفًا بالعربية، حافظًا للحديث، عابدًا، خاشعًا، زاهدًا، ورعًا، قانتًا لله عديم النظير". وقال أبو حنيفة لحمزة: "شيئان غلبتنا عليهما لسنا ننازعك فيهما القرآن والفرائض". توفي -﵀- سنة ست وخمسين ومائة من الهجرة.
وابن عامر هو عبد الله بن عامر اليحصبي أو اليحصبي -بضم الصاد وكسرها- أحد القُرَّاء السبعة، وإمام أهل الشام في القراءة قيل عنه: كان إمامًا عالمًا ثقة فيما آتاه، حافظًا لما رواه، متقنًا لما وعاه، عارفًا فَهِمًا قيمًا فيما جاء به، صادقًا فيما نقله من أفاضل المسلمين وخيار التابعين وأجلة الراوين، لا يُتهم في دينه، ولا يُشك في يقينه، ولا يُطعن عليه في روايته، صحيح نقله، فصيح قوله، عاليًا في قدره، مصيبًا في أمره، مشهورًا في علمه، مرجوعًا إلى فهمه لم يتعدَّ فيما ذهب إليه الأثر، ولم يقل قولًا يُخالف فيه الخبر، توفي -﵀- سنة ثماني عشرة ومائة من الهجرة.
والذين ذكرهم السيوطي ممن حكم بعض النحاة المتقدمين على قراءتهم باللحن هم قليل من كثير، فقد لحَّنوا نافع بن أبي نعيم قارئ مدينة رسول الله -ﷺ، وأحد القُرَّاء السبعة، وابن كثير وهو إمام أهل مكة، وأحد القُرَّاء السبعة وغيرهم وغيرهم. وقد أشار السيوطي إلى أن تلحين هؤلاء القُرَّاء كان بسبب قراءات لهم بعيدة في العربية، أي: بسبب قراءات قد خفي توجيهها على هؤلاء النحاة الذين حكموا عليها باللحن ونسبوها إلى الخطأ. إما لأنها كانت صادرة عن لهجات عربية لم تبلغهم، أو لكونها تُخالف ما كانوا يحتكمون إليه من قواعد، وما يتعارفون عليه من قوانين، وما يتوصلون إليه من أقيسة.
[ ٦٨ ]
أما المنصفون فهم الذين يرون أن القراءة لا تتبع العربية، بل إن العربية هي التي تتبع القراءة؛ لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع، وهو نبينا محمد -ﷺ- ومن أصحابه ومن بعدهم، ولقد صدق ابن الحاجب إذ قال: "والأولى الرَّدّ على النحويين، فليس قولهم بحجة عند الإجماع، ومن القُرَّاء جماعة من النحويين، فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القُرَّاء لهم، ولو قُدِّر أن القُرَّاء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون النحويين في نقل اللغة، فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القُرَّاء أولى؛ لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله. ولأن القراءة ثبتت متواترة، وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سُلِّم أنه ليس بمتواتر فالقراء أعدل وأثبت؛ فكان الرجوع إليهم أولى"، وقد ذكر السيوطي ثلاثة أمثلة توضح بعض القراءة التي دافع عن صحّتها ابن مالك، واحتجَّ بها في إثبات القواعد المستنبطة منها وهي:
المثال الأول: احتجاجه على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة حمزة: "تساءلون به والأرحامِ" (النساء: ١) وبيان ذلك أن سيبويه قال في (الكتاب): "ومما يقبح أن يشركه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو؛ كرهوا أن يشرك المظهر مضمرًا داخلًا فيما قبله" انتهى.
أي: أن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور بالحرف نحو: مررت بك وزيد، أو بالاسم نحو: هذا أبوك وعمرو، من غير إعادة الجار قبيح، وقد علَّل لذلك بأن الضمير المجرور قد جمع بين أمرين:
أحدهما: أنه لا يتكلم به إلا متصلًا بما قبله من حرف، أو اسم؛ فلا يجوز فصله عما قبله؛ لأنه كالجزء منه.
[ ٦٩ ]
والآخر: أنه بدل من اللفظ بالتنوين أي: أنه قام مقامه، تقول: غلام. فتجد فيه التنوين، فإذا أضفته قلت: غلامك. قام الضمير الواقع مضافًا إليه مقام التنوين؛ فلم يجز العطف عليه. كما لا يُعطف على التنوين.
وأجاز سيبويه هذا العطف في الشعر؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية كقول الشاعر:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
حيث عطف الشاعر لفظ "الأيام" على ضمير المخاطب المجرور بالباء، ومن ثَمَّ عاب كثير من النحويين هذه القراءة -أي: قراءة حمزة- وخطأها المبرد، ووصفها الفراء بالقبح، وذهب جمهور الكوفيين وبعض البصريين وابن مالك إلى جواز هذا العطف في الاختيار، دون إعادة الجار محتجِّين بهذه القراءة، وببعض الشواهد الأخرى كقول الرسول -ﷺ-: «إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا » إلى آخر الحديث الشريف، وهو في (صحيح البخاري)،وقال ابن مالك في الألفية مشيرًا إلى هذا الخلاف ومبينًا رأيه فيه:
وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازمًا قد جعلا
وليس عندي لازمًا إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا
والمثال الثاني: احتجاج ابن مالك على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعوله بقراءة ابن عامر: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم" (الأنعام: ١٣٧)، والقراءة برفع "قتل" على النيابة عن الفاعل بـ"زُيّن" المبني للمفعول، ونصب "أولادهم" على المفعولية للمصدر "قتل"، وجر "شركائهم" الذي أضيف إليه المصدر، فـ"قتل" مصدر مضاف، و"شركائهم" مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، و"أولادهم" مفعوله وهو الفاصل بين
[ ٧٠ ]
المتضايفين. وقد ردَّها الفراء في (معاني القرآن)، وقال أبو علي الفارسي: "ولو عدل عنها إلى غيرها كان أولى"، وأنكرها الطبري في تفسيره، والزمخشري في (الكشاف)، أما ابن مالك فقد رآها من أقوى الأدلة على جواز هذا الفصل معللًا لذلك بأن قراءة ابن عامر -﵁- ثابتة بالتواتر، ومعزوَّة إلى موثوق بعربيته، قبل العلم بأنه من كبار التابعين، ومن الذين يُقتدى بهم في الفصاحة، كما يقتدى بمن في عصره من أمثاله الذين لم يُعلم عنهم مجاورة للعجم يحدث بها اللحن، وقال: "ويكفيه شاهدًا على ما وصفته به أن أحد شيوخه الذين عوَّل عليهم في قراءة القرآن عثمان بن عفان -﵁- وتجويز ما قرأ به في قياس النحو قويّ، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عامرها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسَّن ذلك ثلاثة أمور:
أحدها: كون الفاصل فضلة، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.
الثالث: كونه مقدَّر التأخير من أجل المضاف إليه، مقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه؛ لاقتضى القياس استعماله، لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا، فاستحقّ الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزيَّة، فحكم بجوازه". انتهى ما قاله ابن مالك.
والمثال الثالث: احتجاج ابن مالك على جواز سكون لام الأمر بعد "ثم" بقراءة "ثُمَّ ليقطع" من قوله -﷿-: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: ١٥)، والقراءة المذكورة هي قراءة عاصم مع حمزة، وقد نصَّ النحاة على أن حركة لام الأمر الكسر حملًا على لام الجر؛ لأنها أختها في الاختصاص بنوع من أنواع الكلمة
[ ٧١ ]
وعملها فيه، وسُليم تفتحها، ويجوز تسكينها بعد الواو والفاء وثم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها؛ لشدة اتصالهما بما بعدهما، لكونهما على حرف واحد، فصارا معه ككلمة واحدة، فخفف بحذف الكسر كما خفّف نحو كَتِف وفَخِذ بتسكين الوسط المحرك بالكسر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) قالوا: وكسر لام الأمر بعد ثم أكثر من تسكينها؛ لكون ثم على ثلاثة أحرف، وإنما جاز تسكينها بعدها؛ حملًا لها على الواو والفاء، فلا تبلغ مبلغهما، وخالف في ذلك المبرد؛ فمنع تسكينها بعد "ثم"، وذكر أن قراءة "ثم ليقطع" بتسكين اللام لحن، وممن أجاز التسكين ابن مالك محتجًا بالقراءة المذكورة، وقال في نظم (الكافية):
واللام قد تسكن بعد الفا وثم والواو نحو من يكارم فليدم
قال السيوطي: "فإن قلت: فقد روي عن عثمان أنه قال لما عرضت عليه المصاحف: إن فيه لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها، وعن عروة قال: "سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه: ٦٣) وعن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (النساء: ١٦٢) وعن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (المائدة: ٦٩) فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكُتاب أخطئوا في الكتاب"، أخرجه أبو عبيد في فضائله، فكيف يستقيم الاستدلال بكل ما فيه بعد هذا، قلت: معاذ الله كيف يظن أولًا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام؛ فضلًا عن القرآن وهم الفصحاء اللُّدّ -أي: الذين رسخت أقدامهم في الفصاحة، وثبت لهم الوصف الكامل فيها- ثم كيف يظن بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقوه من النبي -ﷺ- كما أنزل، وضبطوه، وحفظوه، وأتقنوه، ثم كيف يُظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ، وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبُّهِهِم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره، ثم
[ ٧٢ ]
كيف يظن أن القراءات استمرَّت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف، هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة".
وقد ذكر السيوطي أن العلماء قد أجابوا عن ذلك بأجوبة عديدة بسطها في كتابه الموسوم بـ (الإتقان في علوم القرآن)، وهي توضح وجوه هذه المستحيلات، وخلاصة الأجوبة عن الأثر المروي عن عثمان -﵁- وأحسنها أن ذلك لا يصحّ عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جُعل إمامًا للناس يقتدون به، فكيف يرى في القرآن الكريم لحنًا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، فإذا كان الذين تولَّوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك، وهم الخيار فكيف يُقيمه غيرهم، وأيضًا فإنه لم يكتب مصحفا واحدًا، بل كتب عدَّة مصاحف. فإن قيل: إن اللحن وقع في جميعها فبعيد اتفاقهم على ذلك، أو في بعضها فهو اعتراف بصحة بعضها، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف، ولم تأتِ المصاحف قط مختلفة إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن، أو أن هذا الأثر قد وقع فيه تحريف؛ فإن ابن أشتة المتوفى سنة ستين وثلاثمائة من الهجرة، أخرجه في كتاب (المصاحف) من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال: "لما فُرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا" انتهى.
فكأنه لما عرض عليه بعد الفراغ من كتابته رأى فيه شيئًا على غير لسان قريش، كما وقع لهم في التابوت والتابوه من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة-: ٢٤٨) فقال القرشيون: التابوت. وقال زيد: التابوه. فقال -﵁: اكتبوه "التابوت" فإنه نزل بلسان قريش، فوعد بأنه سُيقيمه على لسان قريش، ثم وفَّى بذلك. وأما الأثر
[ ٧٣ ]
المروي عن عائشة -﵂- فيمكن أن يجاب عن إنكارها بأنه قد حصل قبل أن يبلغها التواتر، وليس كل صاحبيٍّ كان حافظًا لروايات القرآن الكريم.
وأما خلاصة التوجيهات النحوية للآيات القرآنية الثلاث التي سُئلت عنها عائشة -﵂- فنوجزها فيما يلي: أما قراءة قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (طه: ٦٣) فأقوى توجيهاتها أنها جاءت على لغة بلحرث بن كعب، وقبائل أُخر، وهم الذين يُلزمون المثنى الألف كالمقصور في أحواله الثلاث، ويقدرون إعرابه بالحركات وهي لغة مشهورة، أو أن يقال: اسم إن ضمير الشأن محذوفًا، والجملة من المبتدأ والخبر بعده في محل رفع خبرًا لإن، والتقدير: إن الأمر والشأن هذان لهما ساحران.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ من قوله -﷿-: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٦٢) وهي قراءة الجمهور، فأحسن ما قيل في توجيهها: أن ﴿الْمُقِيمِ ينَ﴾ منصوب على القطع المفيد للمدح؛ لبيان فضل الصلاة، فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أمدح المقيمين الصلاة. وعليه يكون قوله: ﴿الرَّاس ِخُونَ﴾ مبتدأ خبره جملة: ﴿يُؤْمِنُون﴾ ومتعلقاتها حتى يكون القطع بعد تمام الجملة الأولى. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٩) فقوله ﴿وَال صَّابِئُونَ﴾ بالرفع هي قراءة الجمهور أيضًا، وأظهر ما قيل في توجيهها: أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر إن عليه، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، والتقدير: إن الذين
[ ٧٤ ]
أمنوا والذين هادوا من آمن منهم إلى آخره والصابئون كذلك، أو أنه مرفوع عطفًا على محل اسم إن؛ لأنه قبل دخولها كان مرفوعًا بالابتداء، فلما دخلت عليه لم تغيّر معناه، بل أكدته.
الاحتجاج بكلام الرسول -ﷺ-
إذا أطلق لفظ الحديث الشريف في اصطلاح المحدثين أُريد به ما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول، أو فعل، أو تقرير، وقد يُراد به ما أضيف إلى صحابي أو تابعي. ولكن الغالب أن يقيد إذا ما أريد به غير النبي -ﷺ.
أما الحديث الشريف عند النحاة: فهو قول الرسول الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- وإنما يهتمّ النحويون بالقول؛ لأنه موضوع النحو، ومنبع استدلالهم، ومرجع أحكامهم، وكذلك الأقوال المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين متى جاءت من طريق المحدثين تأخذ حكم الأقوال المرفوعة إلى رسول الله -ﷺ- من جهة الاحتجاج بها في إثبات لفظ لغوي، أو قاعدة نحوية.
وقضية الاحتجاج بالحديث الشريف من القضايا المهمّة في النحو العربي، وقد انقسم النحاة فيها إلى مانعين ومُجيزين، ومتوسطين. ومن اللافت للنظر أن أكثر النحاة اهتمامًا بهذه القضية من الأقسام الثلاثة هم ممَّن ينتمون إلى المدرسة الأندلسية، فأوَّل من رفع لواء منع الاستشهاد بالحديث في مجال الدراسات النحوية -فيما نعلم- هو ابن الضائع، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الإشبيلي الكتامي المتوفى سنة ثمانين وستمائة من الهجرة، ثم تلميذه من بعده أبو حيان محمد أثير الدين بن يوسف الغرناطي المتوفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة، الذي كان على مذهب أستاذه ابن الضائع في منع الاستشهاد بالحديث.
[ ٧٥ ]
ثم جاء من بعدهما جلال الدين السيوطي المصري المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة من الهجرة، وهو صاحب كتاب (الاقتراح) فوجدناه أقرب إلى المنع منه إلى الإجازة، ولعله في هذا كان متأثرًا بأستاذه أبي حيان الذي يُعدُّ كتابه (ارتشاف الضرب من لسان العرب) من أهم المصادر العلمية التي استقى منها السيوطي كمادة كتابه (همع الهوامع).
أما المجيزون للاستشهاد بالحديث الشريف فهم -بحمد الله- أكثر من المانعين، وعلى رأسهم ابن مالك المتوفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة من الهجرة -رحمه الله تعالى- وهو إمام النحاة واللغويين لعصره، وأكبر عالم نحويّ اهتمَّ بالحديث الشريف، وجعله المصدر الثاني للتقعيد بعد القرآن الكريم، كما أنه المصدر الثاني للتشريع. ومن ثَمَّ وجه إليه المانعون نقدهم وإنكارهم، وكان قد سبقه إلى الاحتجاج بالحديث علماء أجلاء من علماء الأندلس، منهم: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة من الهجرة، وابن خروف وهو علي بن محمد بن علي الأندلسي المتوفى سنة تسع وستمائة من الهجرة، ثم قيَّد الله للحديث الشريف بعد ابن مالك من يسير على دَرْبه، ويُعيد رفع لواء الاحتجاج به، ومن هؤلاء جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن هشام الأنصاري المصري المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة.
أما المتوسطون المعتدلون ففي مقدماتهم أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المعروف بالشاطبي، المتوفى بالأندلس سنة تسعين وسبعمائة من الهجرة. ونبدأ مع السيوطي مناقشة قضية الاستشهاد بالحديث عند النحاة في ضوء ما أورده في (الاقتراح) يقول: "وأما كلامه -ﷺ- فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدًّا؛ إنما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضًا،
[ ٧٦ ]
فإن غالب الأحاديث مرويٌّ بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها، فرووها بما أدَّت إليه عباراتهم فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وأبدلوا ألفاظًا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويًّا على أوجه شتَّى بعبارات مختلفة، ومن ثم أُنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث" وما ذكره السيوطي في هذه العبارة ترديد أمين لكلام شيخه الذي تلمذ لمؤلفاته، واستقى أكثر مادته منها، وتأثر بمنهجه واتجاهه النحوي، وهو أبو حيان. ولذلك نجده قد أردف كلامه بكلام الشيخ أبي حيان في شرحه على (التسهيل) المسمى (التذييل والتكميل في شرح التسهيل)، ونوجز هنا منا أورده السيوطي من كلام شيخه أبي حيان في النقطتين الآتيتين:
"الأولى: أن المصنف -يعني: ابن مالك- قد أكثر بالاحتجاج بالحديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، في حين أننا لم نَرَ أحدًا من النحاة القدامى، أو المتأخرين قد سلك هذه الطريقة؛ بل إن الواضعين الأولين لعلم النحو من أئمة البصريين أو الكوفيين الذين شافهوا العرب الخلص، واستقرءوا الأحكام من لسانهم لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من سائر المدارس النحوية.
الثانية: أن إحجام المتقدمين من واضعي هذا العلم عن الاحتجاج بالحديث الشريف في مؤلفاتهم؛ إنما يرجع إلى أمرين:
أحدهما: تجويز الرواة النقل بالمعنى، ومن ثَمَّ تجد قصة واحدة جرت في زمانه -ﷺ- يُوردها الرواة بألفاظ مختلفة كحديث النكاح المروي بألفاظ متعدِّدة: «زوجتكها بما معك من القرآن» «ملكتكها بما معك» «خذها بما معك» مما يدل على أن الرواة إنما يرْوُون بالمعنى.
[ ٧٧ ]
والأمر الأخر: وقوع كثير من اللحن فيما روي من الحديث؛ لأن أكثر الرواة كانوا غير عرب" انتهى.
ملخص كلام أبي حيان، وما قاله هو كما يقول المثل العربي: شنشنة أعرفها من أخزمي. فما قاله إنما هو ترديد أمين أيضًا لما قاله من قبله شيخه ابن الضائع، الذي استشهد على منعه الاحتجاج بالحديث بترك الأئمة هذا الاحتجاج وإجازة الرواية للحديث بالمعنى.
وختم السيوطي هذا المبحث بالاستدلال على صحة ما ذهب إليه ابن الضائع وأبو حيان بأن ابن مالك قد استشهد على لغة "أكلوني البراغيث" بحديث (الصحيحين): «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» يعني: مع أن هذا الحديث لم يأتِ على هذه اللغة؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار، كما ذكر السيوطي نقلًا عن السهيلي مطولًا مجودًا فقال فيه: «إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» فالواو في "يتعاقبون" هي واو الجماعة، وقعت فاعلًا، و"ملائكة" خبر مبتدأ محذوف أي: هم ملائكة، كما استشهد ابن مالك أيضًا يعني: على جواز وقوع خبر كاد مقرونًا بأن بحديث: «كاد الفقر أن يكون كفرًا» أي: مع أن سيبويه رأى أن ذلك لا يجوز إلا في شعر؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية، ووافقه المبرد والجمهور على منع ذلك الاختيار.
ولذلك قال أبو البركات الأنباري في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) فإن صحَّ أي: الحديث المذكور، فزيادة "أن" من كلام الراوي لا من كلامه -﵇؛ لأنه -صلوات الله عليه- أفصح من نطق بالضاد.
ونختم برأي الشاطبي الذي توسَّط في الاحتجاج بالحديث ونحن معه، فلم يردّ الاحتجاج به، ولم يفتح الباب على مصراعيه لهذا الاحتجاج؛ فجوز في مبحث
[ ٧٨ ]
الاحتجاج في شرحه على الألفية الاحتجاج بالأحاديث التي اعْتُني بنقل ألفاظها قائلًا: "لم نجد أحدًا من النحويين استشهد بحديث رسول الله -ﷺ، وهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب وسفهائهم الذين يبولون على أعقابهم، وأشعارهم فيها الفحش والخنى، ويتركون الأحاديث الصحيحة؛ لأنها تُنقل بالمعنى، وتختلف رواياتها وألفاظها بخلاف كلام العرب وشعرهم فإن، رواته اعتنوا بألفاظها لما يَنْبَني عليه من النحو، ولو وقفت على اجتهادهم قضيت منه العجب، وكذا القرآن ووجوه القراءات، وأما الأحاديث فعلى قسمين: قسم يَعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان. وقسم عُرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص كالأحاديث التي قُصد بها بيان فصاحته -ﷺ، ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل بن حُجر، والأمثال النبوية. فهذا يصح الاستشهاد به في العربية" انتهى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٧٩ ]