[ ٩٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(الاحتجاج باللغات، وامتناع الأخذ عن أهل المدر، وكلام العربي المتنقل، وتداخل اللغات)
اللغات والاحتجاج بها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل العربية، وإنما أخذوا عن القبائل التي سَلِمَ أهلها من الاختلاط بالأعاجم، وانحصرت هذه القبائل في ستّ وهي: قيس، وتميم، وأسد، وهذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين.
وقد اختلفت لغات هذه القبائل وتعدَّدت أوجه الاختلاف بينها:
فمنها: أن يكون الاختلاف في الحذف والإثبات، وذلك نحو: استحيت واستتحييت.
ومنها: أن يكون الاختلاف في الإمالة والتفخيم في مثل: قضى ورمى فبعضهم يفخم وبعضهم يُميل.
ومنها: أن يكون الاختلاف في صورة الجمع، فبعضهم يجمع لفظ أسير على أسرى، وبعضهم يجمعه على أُسارى.
ومنها: أن يكون الاختلاف في الإعراب وذلك نحو: ما زيد قائمًا، وبعضهم يقول: ما زيد قائم، برفع الجزأين.
وقد أفرد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عوَّل السيوطي في موضعين من كتابه (الاقتراح) أولهما هنا، والآخر في الكتاب السادس من (الاقتراح) المسألة الثانية، والمراد باللغات لغات القبائل المأخوذ عنها والمعتدّ بفصاحتها.
وبتأمّل ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي يمكن تقسيم الاختلاف بين لغات العرب قسمين:
[ ٩٩ ]
أحدهما: أن يكون الاختلاف بين لغتين متقاربتين يقبلهما القياس.
والآخر: أن يكون الاختلاف بين لغتين متباعدتين بأن تكون إحداهما قليلة جدًّا، والأخرى تكون كثيرة جدًّا، ولكلٍّ حكم.
أولًا: الاختلاف بين لغتين متقاربتين:
إن كان الاختلاف بين لغتين متقاربتين، وكان القياس يقبلهما، فقد بيَّن ابن جني الحكم في هذه الحالة فقال: "ليس لك أن تردَّ إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخيَّر إحداهما فتقويِّها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشدّ أُنسًا بها. فأما ردُّ إحداهما بالأخرى فلا". ومعنى ما قاله ابن جني: أن اللغتين المتقاربتين اللتين يقبلهما القياس يجب قبولهما، ولا يجوز ردُّ إحداهما بالأخرى مع اختيار واحدة منهما؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما في وقت واحد.
ونسوق هنا مثالين يدلَّان على هذه القاعدة:
المثال الأول: إعمال "ما" وإهمالُها، فللعرب في ذلك مذهبان:
أحدهما: إعمال ما عمل ليس فترفع المبتدأ اسمًا لها، وتنصب الخبر خبرًا لها بشروط، وهي لغة الحجازيين؛ إذ يقولون: ما زيد قائمًا بنصب الخبر، والآخر إهمالها فتدخل على المبتدأ والخبر، فتفيد معنى النفي ولا تعمل شيئًا في المبتدأ والخبر وهي لغة بني تميم؛ إذ يقولون: ما زيد قائم بالرفع، واللغتان يقبلهما القياس؛ فقد عملها الحجازيون حملًا لها على ليس؛ لأن "ما" تشبه ليس في الجمود ونفي الحال، فلما أشبهت "ما" "ليس" عملت عملها فرفعت الاسم ونصبت الخبر. وأهملها بنو تميم فلم تعمل عندهم شيئًا؛ لأنه قد فُقد منها شرط
[ ١٠٠ ]
العمل وهو الاختصاص، إذ تقرر أن غير المختص لا يعمل كحروف الاستفهام، فإنه يقع بعدها الاسم والفعل؛ فلا تختص بأحدهما دون الآخر.
وكذلك "ما" فإنها تدخل على الأسماء والأفعال، فالأصل ألا تعمل، ولذلك وصف سيبويه في (الكتاب) وصف إهمالها بأنه هو القياس فلما كانت اللغتان -لغة الإعمال ولغة الإهمال- متقاربتين؛ لم يجز ردُّ إحداهما بالأخرى، وإنما نقدم إحدى اللغتين على الأخرى، مع اعتقادنا أن اللغة الأخرى صحيحة فصيحة فنقول: إن لغة الحجازيين في إعمال "ما" هي المقدمة وهي العليا التي نزل بها القرآن الكريم قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) فـ"ما" في الآية الكريمة يقال: إنها نافية، وإنها بمعنى ليس، وتعمل عمل ليس، واسم الإشارة اسمها في محل رفع، و﴿بَشَرًا﴾ خبرها منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وقال -﷿-: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢) فـ"ما" هي ما النافية الحجازية التي تعمل عمل ليس، والضمير: ﴿هُنَّ﴾ في محل رفع؛ لأنه اسمها، وأمهاتي من: ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾؛ لأنه جمع مؤنث سالم منصوب؛ لأنه خبرها، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأن هذه العلامة هي العلامة التي تكون علامة لنصب جمع المذكر السالم. وأمهات مضاف وهم مضاف إليه.
وإنما قُدمت لغة الحجازيين؛ لكثرة استعمالها وشيوع المسموع بها؛ لأنه إذا تعارض قوَّة القياس وكثرة الاستعمال قُدِّم ما كَثُر استعماله، كما جاء في (الخصائص).
والمثال الثاني: حكم الاستثناء المنقطع، والمراد بالاستثناء المنقطع: هو ما كان المستثنى فيه من غير جنس المتستثنى منه، وذلك نحو: ما في الدار أحد إلا حمارًا، فحمارًا هو المستثنى وليس من جنس المستثنى منه، وللعرب في هذا النوع من الاستثناء مذهبان:
[ ١٠١ ]
أحدهما: وجوب النصب وهي لغة الحجازيين، والإعراب على لغتهم ما: نافية. وفي الدار: جار ومجرور متعلق بمحذوف لأنه خبر مقدم للمبتدأ وهو "أحد" المرفوع. وإلا: أداة استثناء. وحمارًا: مستثنى مع أنه مستثنى منقطع إلا أنه عندهم منصوب على الاستثناء.
والآخر: جواز الإتباع بأن يكون المستثنى تابعًا للمستثنى منه؛ رفعًا أو نصبًا أو جرًّا، وهي لغة تميم، والإعراب عندهم. ما: نافية. وفي الدار: جار ومجرور خبر مقدم. وأحد: مبتدأ مؤخر. وإلا: أداة استثناء. وحمار: بالرفع بدل من أحد المستثنى منه المرفوع.
فالمستثنى هو تابع للمستثنى منه على البدلية ولكلٍّ وجهٌ، فقد أوجب الحجازيون النصب؛ لأنه لا يصح الإبدال فيه حقيقةً من جهة أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، وقد قال سيبويه في (الكتاب): "وكرهوا أن يُبدلوا الآخر من الأول، فيصير كأنه من نوعه؛ فحُمِلَ على معنى: ولكنَّ، وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم". انتهى.
وأجاز بنو تميم الإتباعَ، والباعثُ عليه واحد من ثلاثة: إما الحمل على المعنى؛ لأن المقصود هو المستثنى فالقائل: ما في الدار أحد إلا حمار، بالرفع على لغة بني تميم، كأنه أراد: ما في الدار إلا حمار، وأُدخلت أحد توكيدًا، وإما أنهم جعلوا الحمار من جنس أحد على سبيل المجاز، وإما أنهم خلطوا من بعض ما يعقل بما لا يعقل فغلَّبوا مَن يعقل، فقالوا: ما فيها أحد. وهم يريدون من يعقل ومن لا يعقل ثم أبدلوا من أحد على هذا التأويل، واللغتان متقاربتان فلا يجوز ردُّ إحداهما بالأخرى؛ لأن سعة القياس تُبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم.
[ ١٠٢ ]
ثانيا: الاختلاف بين لغتين متباعدتين:
إن كان الاختلاف بين لغتين متباعدتين بأن كانت إحداهما كثيرة جدًّا، وكانت الأخرى قليلة جدًّا؛ فقد بين ابن جني حكم هذه الحالة بقوله: "تأخذ بأوسعهما روايةً، وأقواهما قياسًا" ومعنى ما قاله ابن جني أن اللغات القليلة لا يُقاس عليها، وإنما يقتصر فيها على المسموع، ولا يتجاوز. وقد أفرد ابن فارس في كتابه (الصاحبي) بابًا لهذه اللغات القليلة عنوانه: باب اللغات المذمومة، كما أفرد لها السيوطي النوع الحادي عشر في كتابه (المزهر)، عنوانه: معرفة الرديء المذموم من اللغات، وفي وصف هذه اللغات بأنها رديئة ومذمومة ما يدلُّ على أنها لا يُقاس عليها، وإنما يُكتفى فيها بما سمع عن العرب، فلا يجوز أن يقول قائل: أكرمتكش. بزيادة الشين بعد كاف الخطاب المنصوبة؛ قياسًا على مَن ألحقها بالمجرورة، فقال: مررت بكش؛ لأن هذه اللغة قليلة وتُسمى الكشكشة ولا يقاس عليها.
ونختم ببيان أمرين:
الأول: أن هذه اللغات القليلة يجب أن يقلَّ استعمالها، وأن يكثر استعمال ما هو شائع من اللغات إلا أن استعمال شيء من اللغات القليلة لا يُعَدُّ خطأً يُلام صاحبه عليه، ولا يقال: إن من استعملها قد أخطأ، وإنما يقال: إن مَن يستعمل هذه اللغات يكون مخطئًا لأجود اللغتين حين ترك القوي من اللغات واستعمل الضعيفَ، أو ترك الكثير واستعمل القليلَ.
والثاني: أنه لو اضطر شاعر فاستعمل شيئًا من هذه اللغات القليلة فإنه لا يكون ملومًا على استعماله، وكذلك لو ألجأ السجع أحد المتكلمين به إلى استعمال شيء من هذه اللغات فله ارتكاب ذلك بلا لَوْم ولا نسبة لخطأ ولا إنكار عليه في ذلك؛ لِمَا تقرر أن الضرورات تُبيح المحذورات.
[ ١٠٣ ]
علة امتناع الأخذ عن أهل المدر
إن المراد بالمدر: المدن والحضر، وأصل المدر في اللغة قطع الطين، وسميت الحاضرة بذلك؛ لأن بيوتها ومبانيها تكون من المدر، وقد عرفنا أنه لم يؤخذ عن حضري قط؛ لأن الحاضرة محل اجتماع الناس من كل جانب واختلاط اللغات واختلال الألسنة، وأن ابن جني قد أفرد في (الخصائص) بابًا لعلة امتناع الأخذ عن أهل المدر، قال فيه: "علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل".
وفي ضوء ما ذكره ابن جني ونقله السيوطي، نعلم أن الحاضرة بذاتها ليست مانعة من الاحتجاج، وإنما امتنع الاحتجاج بكلام أهلها؛ لأنه يغلب عليهم الاحتكاك بغير العرب من الأمم، والاختلاط بالأعاجم، وفساد الألسنة، ومع أن العلماء قد نصُّوا على عدم الاحتجاج بكلام أهل المدر، نجد ابن جني قد بيَّن أن المعيار في الاحتجاج وعدمه ينحصر في أمر واحد، وهو الفصاحة بقاؤها أو عدمها، فمن بقيت فصاحته قُبلت لغته وإن كان من أهل المدر، ومن زالت عنه الفصاحة لم يُؤخذ بكلامه وإن كان من أهل الوبر. يقول ابن جني: "ولو عُلم أن أهل المدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم؛ لوجب الأخذ عنهم كما يُؤخذ عن أهل الوبر، وكذلك أيضًا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاد عادة الفصاحة وانتشارها؛ لوجب رفض لغتها وترك تلقّي ما يَرِد عنها".
ومعنى ما ذكره ابن جني ونقله عنه السيوطي: أن الفصاحة الكاملة هي المعيار في قبول الكلام أو ردّه، والمقياس الذي يُعتمد عليه في الاحتجاج وتركه، فلو بقي
[ ١٠٤ ]
أهل مدينة على فصاحتهم وجب الأخذ عنهم والاحتجاج بكلامهم، ولو عرض لأهل البادية ما يقدح في فصاحتهم تعين ترك لغتهم وبطل الأخذ عنهم؛ لأن الحكم دائر مع علته وجودًا وعدمًا، فمتى وجدت الفصاحة الكاملة والوثوق؛ صح الاحتجاج من كِلا الفريقين، ومتى انتفى ذلك انتفى الاحتجاج.
ومن هذا يتبين أن علماء العربية قد دقَّقوا النظر فيما يأخذون عنهم، فلم يأخذوا إلا عن قوم اطمأنوا إلى فصاحتهم، ووثقوا بصفاء لغتهم، وخلوص عربيتهم، ويدل على ذلك قول سيبويه في (الكتاب): "وسمعنا الثقة من العرب يقول: يا حرمل. يريد يا حرملة"، وقوله: "وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهم مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، وإنما يريد ما منهم واحد مات". انتهى.
ونلحظ في كلام سيبويه أنه ينقل عن الثقات من العرب، والثقات هم الذين لم يعرض لكلامهم ما يمنع من أخذه والاحتجاج به، ومن أجل ذلك وجدنا ابن جني لا يثق بكل أعرابي، وإن كان أكثر كلامه مقبولًا، لا سبيل إلى الطعن في فصاحته، بل يدعو إلى الاطمئنان إلى أن لغته ليس فيها ما يقدح في فصاحتها، أو ينال منها، أو يغضُّ من شأنها فيقول -رحمه الله تعالى-: لا نكاد نرى بدويًّا فصيحًا وإن نحن آنسنَا منه فصاحة في كلامه، لم نكد نعدم ما يفسد ذلك، ويقدح فيه، وينال ويغض منه". انتهى.
وقد استدلَّ ابن جني على فساد سليقة الأعراب في زمنه وقبل زمنه بأمور:
منها: أنه قد طرأ عليه أحد من يدَّعي الفصاحة البدوية فتلقى ابن جني أكثر كلامه بالقبول له، وميزه تمييزًا حَسُنَ في النفوس موقعه إلى أن وقع في كلامه ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه، ولا ورد بمثله سماع.
[ ١٠٥ ]
ومنها: ما روي في لحن في الصدر الأول؛ إذ وقع اللحن أمام رسول الله -ﷺ- فقال: «أرشدوا أخاكم، فقد ضل»، كما وقع اللحن في عهد عمر -﵁- فقد رَوَوا أن أحد ولاته كتب إليه كتابًا لَحَنَ فيه، فكتب إليه عمر: "أن قنّع كاتبك صوتًا". وروي أن مقرئًا أقرأ أعرابيًّا قوله تعالى: "أن الله بريء من المشركين الله ورسولِه" (التوبة: ٣) بكسر اللام فقال الأعرابي: برئت من رسول الله، فأنكر ذلك علي بن أبي طالب -﵁- ورسم لأبي الأسود من عمل النحو ما رسمه، وصحة قراءة الآية: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: ٣) برفع لفظ "رسوله" وإعرابها في المشهور أن رسوله بالرفع مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: ورسوله بريء كذلك، أو أنه معطوف على الضمير المرفوع في الصفة المشبهة الواقعة خبرًا لـ"أن"، وهو لفظ: ﴿بَرِيءٌ﴾.
وإذا كان اللحن قد عُرف من قديم فإنه ينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد، إلا أن تقوى لغته، وتشيع فصاحته، ويُعرف بجودة لسانه وسلامة سليقته، وقد قال الفراء في بعض كلامه: "إلا أن تسمع شيئًا من بدوي فصيح فتقوله".
العربي الفصيح ينتقل لسانه
استمدَّ السيوطي هذا الفرع من كتاب (الخصائص) لابن جني إلا أنه قد ترك من كلام ابن جني أمورًا لا بد من ذكرها لإكمال النفع، وإتمام الفائدة، وقد أفرد ابن جني بابًا عنوانه: "في العربي الفصيح ينتقل اللسان"، والمراد بالعربي هنا: مَن تؤخذ عنه اللغة، ويُحتجّ بكلامه في العربية، ولذلك قيَّده ابن جني بقوله: "في العربي الفصيح"، والمراد بانتقال لسانه: أن يفارق لغته المعروفة له التي نشأ عليها؛ ليتكلم بغيرها، ولا تخلو اللغة التي انتقل إليها لسانه من إحدى حالتين:
[ ١٠٦ ]
الحالة الأولى: أن تكون اللغة التي انتقل إليها لسانه قد سلمت من اللحن، وبرئت من الاختلال والفساد، فكأنه انتقل من لغة فصيحة إلى لغة أخرى فصيحة، وقد بيَّن ابن جني حكم هذه الحالة بقوله "فإن كان إنما انتقل من لغته إلى لغة أخرى مثلها فصيحة؛ وجب أن يُؤخذ بلغته التي انتقل إليها، كما يُؤخذ بها قبل انتقاله إليها، حتى كأنه إنما حضر غائب من أهل اللغة التي صار إليها، أو نطق ساكت من أهلها". انتهى.
ومعنى ما قاله ابن جني: أنه إذا كانت اللغة التي انتقل إليها لسان العربي الفصيح لغة فصيحة يُؤخذ بها، ويحتجُّ بها، بأن كانت منقولة عن إحدى القبائل التي يحتجُّ بكلامها في العربية، إذَا كان الأمر كذلك؛ فإنه لا يضيرها أن يكون المتكلم بها من أهلها، أو لا. ونلحظ في كلام ابن جني قوله: "وجب أن يؤخذ بلغته التي انتقل إليها" فوصف اللغة التي انتقل إليها لسان العربي الفصيح بأنها لغته، فكأنه أحد أبنائها وقد كان غائبًا فحضر، أو كان ساكتًا فنطق بها، ومن تكلم لغة قوم فهو منهم.
والحالة الثانية: أن تكون اللغة التي انتقل إليها لسان العربي الفصيح غير فصيحة، والحكم حينئذٍ ألَّا يؤخذ بكلامه وألا يُعتبر به وألا يلتفت إليه، وإنما يُؤخذ بلغته الأولى التي انتقل عنها واشتهر بالفصاحة فيها. يقول ابن جني -رحمه الله تعالى-: "فإن كانت اللغة التي انتقل لسانه إليها فاسدة لم يُؤخذ بها، ويؤخذ بالأولى حتى كأنه لم يزل من أهلها". انتهى.
وفي كلام ابن جني ما يدلّ على أن لغة العربي الفصيح قد يدخلها شيء من الفساد، أو يتسرَّب إليها لحن أو خطأ، ولكن هذا الاحتمال لا يجوز أن يكون حائلًا يحول دون الأخذ عن الفصحاء، أو سببًا يؤدِّي إلى التشكيك فيما يقولونه؛
[ ١٠٧ ]
لأنه لو أُخذ بهذا الاحتمال لأدَّى ذلك إلى ألا تطيب نفس بلغة من اللغات، وإلى الإعراض عن كل واحد من العرب الفصحاء، ولا يخفى ما في ذلك من الخطأ وفساد الرأي.
تداخل اللغات
نشير إلى أن جُلَّ العنوانات في كتاب (الاقتراح) إنما هي من صنع محققه الدكتور أحمد محمد قاسم -طيب الله ثراه- يشهد بذلك خلوُّ شروح (الكتاب) من العنوانات، وخلو الطبعات الأخرى منها، ولكن عنوان: تداخل اللغات، لم يكن من صنع المحقق، وإنما كان من صنع المؤلف -﵀ رحمة واسعة- وقد وضع العنوان نفسه في كتابه (المزهر) النوع السابع عشر، وهو معرفة تداخل اللغات، ونقل في الكتابين عن كتاب (الخصائص) لابن جني، ولكنه غير العنوان؛ لأن ابن جني قد عبَّر عن هذا الفرع بقوله في (الخصائص): "باب في الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا".
وقد ذكر الشراح (الاقتراح) أن العنوان الذي اختاره ابن جني أولى من العنوان الذي ذكره السيوطي؛ لأن تداخل اللغات يعني: دخول بعضها في بعض، والمقصود به عند أهل العربية أن تتكلَّم بلغة مركبة من لغتين، كأن يقال: رَكن يركن بالفتح في الماضي والمضارع، وهذا شيء لا يُعرف؛ إذ إن فتح العين في الماضي والمضارع لا يكون إلا إذا كانت العين أو اللام من أحرف الحلق، وهي الهمز والهاء والعين والحاء والغين والخاء، نحو: فتح يفتح، وبدأ يبدأ، ونهى ينهى، ونأى ينأى إلى آخره، فإن لم تكن العين أو اللام من أحرف الحلق؛ لم يُعرف في كلام العرب فتح العين في الماضي والمضارع إلا في لفظة واحدة، وهي:
[ ١٠٨ ]
أبى يأبى، وليس لها ثانٍ، فإن قيل: ركن يركن بفتح العين فيهما كان فيه تداخل لغتين؛ لأن ركن بفتح العين في الماضي لغة فصيحة، ومضارعه يركن بضم العين في المضارع، وأما يركن بفتح العين في المضارع، فهو مضارع لركن المكسور، فإن قيل: ركن يركن بالفتح فيهما، كان فيه تداخل لغتين وتركيبهما، حتى صارتَا لغة واحدة، وهو غير المراد من هذا الباب.
وقد أفرد ابن جني لتداخل اللغات بابًا آخر عنوانه: باب في تركب اللغات، وجاء فيه بأنواع من التداخل التي أورد السيوطي بعضها، وأشار شراح كتاب (الاقتراح) إلى أن السيوطي قد خلط بين بابين؛ هما: باب الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا، وباب: تركب اللغات، حتى ذكر أحد شراح (الاقتراح) أن السيوطي قد أجحف بكلام ابن جني غاية الإجحاف، وجعل بابين مستقلّين في فرع واحد، وأدخل بعضهما في بعض، ولا بد من مراجعة كلام ابن جني، ووضع هذا العنصر في أمرين يتناول أحدهما اجتماعَ لغتين، ويتناول الآخر تداخلَ اللغات.
وبِناءً على ما سبق يندرج تحت هذا العنصر أمران:
الأول: اجتماع لغتين فصاعدًا في كلام فصيح.
والثاني تداخل لغتين.
الأمر الأول: وهو اجتماع لغتين فصاعدًا في كلامٍ فصيحٍ، فنقول:
إن اجتماع لغتين فصاعدًا في كلام فصيح ليس نذرًا قليلًا، وإنما هو كثير في كلام الفصحاء كثرة ظاهرة حتى وصفه ابن جني بقوله "وما اجتمعت في لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به". انتهى.
ومما اجتمعت في لغتان قول لبيد بن أبي ربيعة العامري:
[ ١٠٩ ]
سقى قومي بني مجد وأسقى نميرًا والقبائل من هلال
فجمع بين الفعلين سقى المجرد، وأسقى المزيد بحرف، وهما بمعنًى واحد، يقال: سقيت الرجل، وأسقيته، كما يقال: سقاه الله الغيث وأسقاه.
ومنه أيضًا قول الشاعر:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمَّته كما وفى بخلاص النجم حاديها
فجمع بين الفعلين "وفى" المجرد و"أوفى" المزيد، وهما بمعنًى واحد، يقال: وفى بعهده وأوفى بمعنًى.
ومنه قول الشاعر:
وأشرب الماء ما بي نحوه عطش إلا لأن عيونه سيل واديها
فأشبع الهاء من قوله نحوه لأنها تتولَّد عن الضمة فيُنطق بها لفظًا ولا ترسم في الخط، وأسكن الهاء من قوله: عيونه، والإشباع والإسكان لغتان اجتمعتَا في كلام فصيح، والإشباع أفصح اللغتين.
وزعم الزجاج أن هناك لغة ثالثة وهي ضم الهاء من غير إشباع، وزعم أن من هذه اللغة قول الشاعر:
له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوثيقة أو زمير
فالهاء من قوله: "له" مشبعة على اللغة الفصحى، والهاء من قوله: "كأنه" مضمومة من غير إشباع، وليس ضمها من غير إشباع لغة ثالثة، كما زعم الزجاج، بل هو ضرورة من الضرائر التي تسوغ للشاعر دون الناثر، وقد ذكر سيبويه هذا البيت في (الكتاب) في باب: ما يحتمل الشعر، واقتفى أثره ابن جني فذكر أنه ينبغي أن يكون ذلك ضرورة وصنعة لا مذهب ولغة؛ لضعفه في القياس، ووجه ضعفه أنه ليس على مذهب الوصل، ولا على مذهب الوقف.
[ ١١٠ ]
أما الوصل فيُوجب إثبات واوه في اللفظ لا في الكتابة: كلقيته أمس، وأما الوقف فيوجب الإسكان: كلقيته وكلمته، ولما كان قول الشاعر: "كأنه" في البيت السابق على غير مذهب الوصل هو مذهب الوقف؛ تعيَّن أن يكون ذلك ضرورة لا لغة.
وإذ انتهينا إلى أن اجتماع لغتين فصاعدًا كثير في كلام الفصحاء يجدر بنا أن نتساءل: كيف اجتمعت اللغتان في كلام الفصيح؟
وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد من النظر في حال المتكلم الفصيح الذي اجتمعت لغتان في كلامه. فإما أن تكون اللغتان اللتان اشتملا عليهما كلامه متساويتين في كثرة استعمالهما، أو لا، فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال ففي اجتماع الكلمتين احتمالان:
الأول: أن تكون القبيلة التي ينتمي إليها هذا المتكلم قد اصطلحت على وضع اللفظتين لمعنًى واحد.
والثاني: أن تكون إحدى اللفظتين من لغة القبيلة التي ينتمي إليها هذا المتكلم، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال بها عهده وكثر استعماله لها؛ فلحقت لطول المدة واتصال الاستعمال بلغته الأولى، وأقرب هذين الاحتمالين إلى الصحة، وأحقهما بالقبول هو الأول؛ لأن العرب قد تضع الألفاظ الكثيرة للمعنى الواحد وهو الترادف؛ فرارًا من التكرار وإعادة اللفظ بعينه، والداعي إلى ذلك أمران:
أحدهما: الحاجة إليه في أوزان أشعارها.
والآخر: لأن العرب تفرُّ من التكرار وإعادة اللفظ بعينه لما فيه من استكراه السامع، والثقالة على المستمع. أما إيراد المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ فقد نبَّه أئمة الأدب على عدِّه من التفنن العجيب والتصرف الغريب.
[ ١١١ ]
وإذا كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من الأخرى ففي اجتماعهما احتمالان:
الأول: أن تكون اللفظة التي كثر استعمالها في كلامه هي لغته الأصلية، وتكون اللفظة الأخرى التي قل استعماله إيَّاها هي الجديدة المستحدثة.
والثاني: أن تكون اللفظتان معنى اللغتين له ولقبيلته، وإنما قلت إحداهما لضعفها أو شذوذها، ومذهب العربي الاستخفاف بالأضعف واستعمال الأقوى؛ لأن الأقوى أحق وأحرى، كما أنهم لا يستعملون المجاز إلا لضرب من المبالغة.
الأمر الثاني: وهو تداخل لغتين وهو الذي عنوانه في (الخصائص) باب في تركب اللغات، ومعناه:
أن يؤخذ الماضي من لغة والمضارع أو الوصف من لغة أخرى لا تنطق بالماضي كذلك، فمثال ما أُخذ المضارع من لغة أخرى قول بعضهم: قنط يقنط بفتح العين في الماضي والمضارع، وهما لغتان تداخلتا؛ لأن الفعل الماضي قنط بفتح العين يكون مضارعه يقنط بكسر العين في المضارع. أما الفعل قنط بكسر العين في الماضي فمضارعه يقنط بفتح العين في المضارع، ثم تداخلت اللغتان فتركبت لغة ثالثة بفتح العين في الماضي والمضارع.
ومثاله أيضًا قول بعضهم: قلى يقلى بفتح العين في الماضي والمضارع على غير قياس؛ لأن مضارع قلى المفتوح العين هو يقلي بكسر العين نحو: رمى يرمي، ومضارع قلي المكسور العين هو يقلَى بفتح العين، فتركبت من اللغتين لغة ثالثة. ومثاله أيضًا قول بعضهم: فضل يفضل بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع، وهما لغتان تداخلتا؛ لأن من العرب من يقول: فضل يفضل بفتح
[ ١١٢ ]
العين في الماضي وضمها في المضارع، ومنهم مَن يقول: فضل يفضل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، فمن قال: فضل يفضل بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع؛ فقد أخذ الماضي من لغة والمضارع من لغة أخرى.
ومثال ما أخذ الوصف من لغة أخرى قول بعضهم: طهر فهو طاهر، وشعر فهو شاعر بضم العين في الفعلين: طهر وشعر، وجاء اسم الفاعل منهما على وزن فاعل، والأصل أن اسم الفاعل يكون على وزن فاعل من الثلاثي مفتوح العين أو مكسورها نحو: ضرب فهو ضارب، ولعب فهو لاعب. أما الثلاثي المضموم العين فاسم الفاعل منه على وزن فعيل نحو: كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف. وقد بيَّن ابن جني أن سبب تداخل اللغتين هو أن أصحاب اللغتين قد تلاقيَا فسمع هذا لغةَ هذا، وسمع هذا لغة هذا؛ فأخذ كل واحد من صاحبه ما ضمَّه إلى لغته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١١٣ ]