[ ١١٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن
(الاحتجاج بكلام المولدين، وأول الشعراء المحدثين، والاحتجاج بكلام مجهول قائله، وقولهم: "حدثني الثقة")
حكم الاحتجاج بكلام المولدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالمولد هو: المحدث من كل شيء ومنه المولدون من الشعراء، سمُّوا بذلك لحدوثهم، وقد ذكر السيوطي في بداية هذا الفرع الإجماع على أن كلام المولدين لا يكون حجة؛ فقال: "أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربية" انتهى.
ولنا مع كلام السيوطي ثلاث وقفات:
الأولى: لبيان المراد بمن أجمعوا على عدم الاحتجاج بكلام المولدين والمحدثين.
والثانية: لبيان معنى عطف المحدثين على المولدين، وهل هما بمعنى واحد أم بمعنيين مختلفين؟.
والثالثة: لبيان معنى عطف العربية على اللغة، وهل هما بمعنًى واحد أم بمعنيين مختلفين؟.
أما قوله: "أجمعوا" فإن الذين أجمعوا على ذلك هم أئمة النحو والصرف واللغة، أما علماء المعاني والبيان والبديع فإنهم يستدلون بأشعار جميع أنواع الشعراء على اختلاف طبقاتهم؛ سواء أكانوا من القدماء أم من المحدثين.
وأما قوله: "لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين" ففيه عطف المحدثين على المولدين، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وبناء على ذلك يكون المولدون غير المحدثين عند السيوطي. وقد ذكر العلامة عبد القادر البغدادي المتوفى سنة ألف وثلاث وتسعين من الهجرة أنهما بمعنًى واحد، فذكر أن شعراء الطبقة الرابعة هم المولدون وقال: "ويقال: لهم المحدثون" فطبقات الشعراء عنده أربعة طبقات.
[ ١١٧ ]
الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم الذين كانوا قبل الإسلام كعنترة وامرئ القيس والأعشى وغيرهم.
والثانية: الشعراء المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد بن ربيعة العامري وحسان بن ثابت.
والثالثة: الشعراء الإسلاميون، ويقال لهم: المتقدمون، وهم الذين نشئوا في الإسلام كجرير والفرزدق.
والرابعة: المولدون، ويقال لهم: المحدثون، وهم من بعدهم إلى زمننا هذا كبشار بن برد وأبي نواس.
وذهب ابن الطيب الفاسي المتوفى سنة ألف ومائة وسبعين من الهجرة إلى أن المولدين هم الذين هم الذي جاءوا بعد الإسلاميين، وأما المحدثين هم الذين جاءوا بعدهم، وأما المتأخرين هم الذين جاءوا بعدهم من شعراء الحجاز والعراق. وهذا الذي ذكره ابن الطيب الفاسي لا فائدة فيه ولا ثمرة منه.
وقد اتفق العلماء على صحة الاحتجاج بشعر الطبقتين الأولى والثانية من الطبقات الأربع، واختلفوا في الاحتجاج بشعر الطبقة الثالثة وهي طبقة الإسلاميين؛ فمنع أبو عمرو بن العلاء الاحتجاج بما جاء في أشعارهم، وقال عن جرير: "لقد أحسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره"، فوصف جريرًا بأنه مولد؛ لأن أبا عمرو لم يكن يحتجّ إلا بأشعار المتقدمين، يقول الأصمعي: "جلست إليه عشر حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي"، وذهب غير أبي عمرو إلى جواز الاحتجاج بشعر هذه الطبقة الثالثة، وهو صحيح.
أما الطبقة الرابعة -وهي طبقة المولدين أو المحدثين- فالصحيح أنه لا يجوز الاحتجاج بكلامها على اللغة والنحو والتصريف، وإلى هذا ذهب جمهور
[ ١١٨ ]
العلماء، وخالف الزمخشري ومن تبعه فاحتجوا بأشعار المحدثين، وقد استشهد الزمخشري ببيت لأبي تمام عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (البقرة: ٢٠) فذكر أن الظاهر في الفعل أظلم أن يكون متعديًا، واستدل على تعديته بقراءة "أُظلم" على ما لم يُسمَّ فاعله، وبقول أبي تمام:
هما أظلما حاليّ ثمّ تأجْليَا ظلاميهما عن وجهِ أمردَ أشيبا
وحجته -أي: الزمخشري- في ذلك أن أبا تمام ليس كغيره من الشعراء المولدين، بل هو إمام في هذا الفن، عارف بمقاصده الغامضة، فكما أن العلماء كانوا يستشهدون بأبيات الحماسة التي رواها أبو تمام ثقة بروايته؛ فكذلك يجوز عند الزمخشري الاستشهاد بما يقول أبو تمام، وفي ذلك يقول الزمخشري في (الكشاف): "وهو -أي: أبو تمام- وإن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه" انتهى.
ولم يرتضِ جمهور العلماء ما ذهب إليه الزمخشري من التسوية بين ما يقوله أبو تمام وما يرويه، بل ذهبوا إلى التفرقة بينهم وهو الصحيح؛ لأن الرواية مبنية على الضبط والوثوق، والقول مبنيّ على الدراية والإحاطة بأوضاع اللغة وقوانينها، وإتقان الرواية لا يلزم منه إتقان القول؛ لأنه جمع في الحماسة أشعار من يجوز الاستشهاد بأشعارهم، فمن أين يجب أن يكون ما استعمله في شعره مسموعًا ممن يُوثق به، أو مأخوذًا من استعمالهم.
وقد خطأ النحاة واللغويون أبا تمام والمتنبي والبحتري وأضرابهم من الشعراء في أشياء كثيرة، ومما يُضعف ما ذهب إليه الزمخشري أن الإنسان قد يتساهل فيما ينطق به دون ما ينقله إذا كان عدلًا، وأنه لو فُتح هذا الباب؛ لجاز الاحتجاج
[ ١١٩ ]
بكل ما وقع بشعر المحدثين، ومع ضعف ما ذهب إليه الزمخشري وجدنا من علماء العربية من يوافقه ويأخذ به، وهو العلامة الرضي الذي استشهد بشعر أبي تمام في عدَّة مواضع من (شرح كافية ابن الحاجب)، وبذلك يكون الزمخشري أوَّل من جوز الاحتجاج بشعر أبي تمام، فإن قيل: إن أبا علي الفارسي قد ذكر بيتًا لأبي تمام في كتابه (الإيضاح) وهو قوله:
من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهمومًا
وفيه دليل على أن الفارسي هو أول من استشهد بشعر أبي تمام؛ لأنه يسبق الزمخشري. أجيب بأن الفارسي لم يذكر هذا البيت على سبيل الاستشهاد به، وإنما ذكره على سبيل التمثيل، وقد أحسن ابن أبي الربيع إذ ذكر في شرحه على (الإيضاح) أن النحويين لهم أن يضعوا أمثلة من عندهم؛ لبيان ما تقرر عندهم من قوانين العربية، وقد رأى الفارسي أن يأتي بهذا البيت عوضًا من مثال من عنده؛ استحسانًا للفظه ومعناه، وكأنه قال: لو قلت: من كان همه بطنه لم يزل ممقوتًا؛ لجاز في بطنه الرفع والنصب.
ونعود إلى تحليل كلام السيوطي، وإلى قوله: "في اللغة والعربية"، وفيه عطف العربية على اللغة، فهل هما متغايران، أم أن هذا العطف من قبيل عطف العام على الخاص؟ الظاهر أنهما متغايران، وأن المراد باللغة متنها، أي: متن اللغة، وهو معرفة الألفاظ المفردة، وأن المراد بالعربية التراكيب النحوية والتغايير الصرفية؛ فلا يُحتج فيها بكلام المولدين، وقد نبَّه بعض شراح (الاقتراح) على أن العروض والقوافي من العلوم العربية التي لا يُقبل فيها إلا كلام العرب بطبقاتهم، دون كلام المولدين. وفي كلام السيوطي احتراز عن علوم المعاني والبيان والبديع، فلم ير علماء هذه العلوم بأسًا في الاحتجاج بكلام المولدين على المعاني.
[ ١٢٠ ]
أول الشعراء الُمْحَدثين
إن العلماء قد أجمعوا على جواز الاحتجاج بقول من يُوثق بفصاحته وسلامة عربيته، وقد قصروا الاحتجاج من حيث الزمان على أقوال عرب الجاهلية، وفصحاء الإسلام حتى منتصف القرن الثاني الهجري، ولم يقبلوا الاحتجاج بشعر من جاء بعد هذا التاريخ، ويجدر بنا أن ننقل كلام السيوطي كاملًا إذ قال -﵀-: "أول الشعراء المحدثين بشار بن برد، وقد احتج سيبويه في كتابه ببعض شعره تقربًا إليه؛ لأنه كان هجاه لترك الاحتجاج بشعره" ذكره المرزباني وغيره، ونقل ثعلب عن الأصمعي قال: "خُتم الشعر بإبراهيم بن هرمة، وهو آخر الحجج" انتهى كلام السيوطي.
وقد اشتمل هذا الكلام على ثلاثة أمور، وهي: أن أول الشعراء المحدثين هو بشار بن برد، وأن سيبويه قد احتج بشعره تقربًا إليه، وأن آخر الحجج هو إبراهيم بن هرمة، أي: آخر من يحتج بشعره، وبشار بن برد أصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي سفرة، وكنيته أبو معاذ، وهو عقيلي بالولاء نسبة إلى قبيلة عقيل بن كعب، وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين، وأحد مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وقد تُوفي سنة سبع وستين ومائة من الهجرة، ولا يجوز الاحتجاج بشعر بشار بن برد؛ لأنه من الشعراء المحدثين.
وقد ذكر السيوطي أن سيبويه احتج في كتابه بشعر بشار تقربًا إليه وخوفًا من لسانه، وزعم أن هذا قول المرزباني، والحق أن المرزباني في كتابه (الموشح) قد ذكر قصة هجاء بشار لسيبويه، ولم يُشر إلى أن سيبويه احتج بشيء من شعر بشار. أما الذي كان يحتج بشعر بشار في كتبه فهو أبو الحسن الأخفش، ذكر أبو
[ ١٢١ ]
الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) أن الأخفش بعد أن هجاه بشار كان يحتجُّ بشعره في كتبه ليبلغه ذلك فيكُفَّ عن ذكره بعد هذا بشر، فكَفَّ عن ذكره بعد هذا. وليس في كتاب سيبوبه ما يدل على استشهاد سيبويه بشعر لبشار، وإنما يمكن أن يكون سيبويه قد ذكر شعر بشار في بعض مجالسه من غير أن يقصد إلى الاحتجاج به، ولم يذكر شيئًا منه في كتابه يدل على ذلك قول أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني) عن سيبويه: "وكان إذا سُئل عن شيء فأجاب عنه، ووجد له شاهدًا من شعر بشار؛ احتج به استكفافًا لشره"، انتهى. استكفافًا: أي: طلبًا للكفّ.
ولعل سيبويه لم يكن يقصد الاحتجاج، وإنما أراد التمثيل فقط، وإلى هذا أشار أبو العلاء المعري في (رسالة الغفران) فقال: "وذكر من نقل أخبار بشار أنه توعَّد سيبويه بالهجاء، وأنه تلافاه واستشهد بشعره، ويجوز أن يكون استشهاده به على نحو ما يذكره المتذاكرون في المجالس ومجامع القوم" انتهى.
وتبقى الإشارة إلى أن كتاب سيبويه قد خلا من اسم بشار، كما خلا من شعره، ولا يوجد في كتاب سيبويه إلا بيت واحد زعم أصحاب بشار أنه من شعره، وهو قوله:
فما كل ذي لُبّ بمؤتيك نصحه وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
وقد ذكر سيبويه عجز هذا البيت في باب الإدغام في (الكتاب) ولم ينسبه إلى قائل، وأصحاب بشار يَرْوُون له هذا البيت. والصحيح أنه لأبي الأسود الدؤلي وهو مذكور في ديوانه، كما جاء في كثير من المصادر.
وقد ختم السيوطي كلامه بقوله: "ونقل ثعلب عن الأصمعي قال: خُتم الشعر بإبراهيم بن هرمة" وهذا الرأي هو أحد آراء ثلاثة ذكرها الأصمعي فيمن يعد
[ ١٢٢ ]
خاتمة الحجج، فتارة يذكر أنه الطرماح، وتارة يذكر أنه ابن هرمة، وتارة يذكر أنه بشار بن برد، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين وتشديد الميم وآخره حاء مهملة، ووزنه فعمّال، أو فعلَّان من قولهم: طرمح البناء وغيره أي: علاه ورفعه، وهو طرماح بن حكيم الطائي شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ومولده ومنشأه في الشام، ثم انتقل إلى الكوفة مع من وردها من جيوش الشام.
أما إبراهيم بن هرمة: فهو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة، وهو من مخضرمي الدولتين، مدح الوليد بن يزيد، ثم أبا جعفر المنصور، وكان مولده سنة سبعين، ووفاته في خلافة الرشيد بعد الخمسين ومائة تقريبًا.
حكم الاحتجاج بكلامٍ مجهولٍ قائلُه
لقد استقرَّ عند النحاة أنه لا يجوز الاحتجاج بكلام المولدين ومن لا يُوثق بفصاحتهم، وقد ترتَّب على هذا الأصل عندهم عدم الاحتجاج بكلام لا يُعلم قائله؛ خوف أن يكون من كلام من لا يحتج بكلامه، وقد صدر السيوطي هذا الفرع بقوله: "لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يُعرف قائله" صرَّح بذلك ابن الأنباري في (الإنصاف)، فنسب السيوطي هذه القاعدة إلى أبي البركات الأنباري، ولم يكن الأنباري المتوفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة هو أول من صرَّح بعدم الاحتجاج بكلام مجهول قائله، وإنما سبقه إلى ذلك أبو عثمان المازني المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين من الهجرة، الذي سُئل عن لفظ "السكين" أمذكر أم مؤنث؟ فقال: إنه مذكر فأنشده السائل قول الشاعر:
بسكين موثقة النصاب
[ ١٢٣ ]
فوصف لفظ "السكين" بالمؤنث فدلَّ على تأنيثه؛ فقال أبو عثمان: "من هذا؟ وما صاحبه؟ وأين صاحبه من أبي ذؤيب حين قال:
فذلك سكين على الحلق حاذق
فقد ردَّ المازني القول بأن السكين مؤنث؛ لأنه قول لا يُعلم قائله، وصار على دربه تلميذه المبرد المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين من الهجرة في كتابه (المقتضب)؛ إذ منع إضمار اللام الجازمة للمضارع في شعر أو نثر، وأما قول الشاعر:
محمد تفدي نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر تبالى
أي: هلاكًا، فلم يرتضِ المبرد تخريجه على إضمار اللام، أي: على أن يكون التقدير: لتفدي نفسك كل نفس، وحجته في ذلك عدم العلم بقائله، فقال معلقًا على هذا البيت في (المقتضب): "وأما هذا البيت الأخير فغير معروف" انتهى.
ولم يذكر السيوطي شيئًا من كلام المازني ولا من كلام المبرد، وإنما اعتمد على ما ذكره أبو البركات لأمرين:
الأول: أنه ذكر في مقدمة (الاقتراح) أنه أخذ من (الإنصاف) حين قال: "وضممت إليه من كتابه (الإنصاف) في مباحث الخلاف جملة".
والآخر: أن أبا البركات الأنباري قد ذكر هذه القاعدة في عديد من المواضع من كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وهو يرد على الكوفيين احتجاجهم بما لا يُعرف قائله.
ومن هذه المواضع ما جاء في مسألة إضافة النيف إلى العشرة، فقد أجازها الكوفيون، والنيف كل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني كما في (الصحاح) و(القاموس)، واحتج الكوفيون بقول الشاعر:
[ ١٢٤ ]
كُلف من عنائه وشقوته بنت ثماني عشرة من حجته
وموضع الشاهد قوله: "بنت ثماني عشرة"؛ حيث أضاف الشاعر لفظ النيف وهو "ثماني" إلى العشرة، فلم يجد الأنباري في هذا البيت حجة للكوفيين؛ فقال في (الإنصاف): "أما ما أنشدوه -أي: الكوفيون- فلا يُعرف قائله، ولا يُؤخذ به"، ومما ردَّه لعدم العلم بقائله أيضًا ما جاء في مسألة توكيد النكرة توكيدًا معنويًّا؛ إذ ذهب الكوفيون إلى جوازه مستدلين بعدة أبيات من الشعر، منها قول الراجز:
قد صرتِ البكرةُ يوما أجمعا
فأكد يومًا بأجمع، فاستدلَّ الكوفيون به على جوازه، وردَّه الأنباري بقوله في (الإنصاف): "هذا البيت مجهول لا يعرف قائله فلا يجوز الاحتجاج به".
ومن ذلك أيضًا: ما جاء في مسألة إظهار أن المصدرية بعد كي، فقد ذهب الكوفيون إلى جوازه محتجين بقول الشاعر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنًّا ببيداء بلقع
فقد ظهرت أن المصدرية بعد كي، وردَّه الأنباري بقوله في (الإنصاف): "هذا البيت غير معروف، ولا يُعرف قائله؛ فلا يكون فيه حجة". ومما ردَّه لعدم العلم بقائله كذلك ما جاء في مسألة مد المقصور في الشعر، فلقد ذهب الكوفيون إلى جوازه مستدلين بقول الراجز:
قد علمت أم أبي السعلاء وعلمت ذاك مع الجراء
أن نعم مأكولًا على الخواء يا لك من تمر ومن شيشاء
ينشب في المسعل واللهاء
والسعلاء -بكسر السين وسكون العين- أصله: السعلاة، والخواء واللهاء كلها مقصورة في الأصل؛ إنما مُدَّت لضرورة الشعر؛ فجاز عند الكوفيين لذلك مد
[ ١٢٥ ]
المقصور للضرورة مستشهدين بهذا الرجز، ولم يرتض ذلك أبو البركات الأبناري؛ فقال في كتابه (الإنصاف): "أما قول الشاعر:
قد علمت أم أبي السعلاء
الأبيات إلى آخرها، فلا حجة فيها؛ لأنها لا تُعرف ولا يُعرف قائلها، ولا يجوز الاحتجاج بها، ولو كانت صحيحة لتأوَّلناها على غير الوجه الذي صاروا إليه" انتهى.
وهكذا تعدَّدت الأبيات التي يردُّ أبو البركات الأنباري الاحتجاج بها، لماذا؟ لأنها مجهولة القائل، وقد ذكر السيوطي أن أبا البركات الأنباري قد ردَّ على الكوفيون استشهادهم بقول القائل:
ولكنني من حبها لعميد
على جواز دخول اللام في خبر لكن لعدم العلم به، ونقل عنه أنه قال عن هذا البيت: "هذا البيت لا يُعرف قائله، ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم يُنشده أحد ممن وثق في اللغة، ولا عزي إلى مشهور بالضبط والإتقان" انتهى.
والحق أن أبا البركات قد علَّق على هذا البيت، أو على هذا الجزء من البيت بقوله في (الإنصاف): "هو شاذّ لا يُؤخذ به لقلته، وشذوذه، ولهذا لا يكاد يُعرف له نظير في كلام العرب وأشعارهم" انتهى.
ومن كلام الأنباري يُفهم أنه ردَّ الاستشهاد بهذا البيت لا لعدم العلم به فحسب، كما ذكر السيوطي، وإنما ردَّ الاستشهاد به؛ لأنه أيضًا شاذّ لا يُقاس عليه. وقد ذهب بعض الدارسين المحدثين إلى أن هذا الأصل كان مضطربًا في ذهن أبي البركات الأنباري؛ لأنه وضع في أصول النحو كتابين وهما: (لمع الأدلة)، و(الإغراب في جدل الإعراب)، ولم يشر إلى هذا الأصل فيما ضمنه الكتابين من أصول.
[ ١٢٦ ]
وهذا يدل على أن ما فعله في كتاب (الإنصاف) لم يكن غير استجابة لطبيعة الجدل والمناظرة، واضطرب المتأخرون في فهم هذا الأصل واعتمده، فابن هشام الأنصاري المتوفى سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة يذكر في تعاليقه على الألفية، كما ذكر السيوطي أنه لا يجوز الاحتجاج بكلام مجهول قائله، ويردُّ على الكوفيين استدلالهم بالأبيات الخمسة المجهولة القائل السابقة على جواز مد المقصور في الشعر، ويقول: "الجواب عندنا أنه لا يُعلم قائله فلا حجة فيه"، ثم يستنكر رفض الاحتجاج بالبيت المجهول قائله فيقول -يعني في شرحه المختصر لشواهد الألفية الشعرية المسمى (تخليص الشواهد وتلخيص والفوائد) -: طعن عبد الواحد الطواح في كتابه (بغية الآمل ومنية السائل) في الاستشهاد بقوله:
لا تكثرن إني عسيت صائمًا
وقال: "هو بيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت قد عُرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين" انتهى كلام ابن هشام.
وهذا الاضطراب الذي وقع فيه ابن هشام يدل على ضعف هذا الأصل عنده، كما يدل على ضعفه أيضًا أن النحاة القدامى كانوا يستدلون بأقوال أعراب مجهولين لا يسمونهم، وينقلون عنهم أقوالًا نثرية، ولم يعترض ذلك معترض من النحاة.
ولا بد من الإشارة إلى أن العلماء كانوا يقبلون ما يذكره الثقة من النحاة كسيبويه، فإنهم قبلوا ما جاء في كتابه وإن لم يعلموا قائله؛ اعتمادًا على أنه ثقة، وفي ذلك يقول البغدادي في (خزانة الأدب الجزء): "الشاهد المجهول قائله وتتمته إن صدر عن ثقة يعتمد عليه؛ قبل، وإلا فلا، ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أن فيها أبيات عديدة جهل قائلوها وما عيب بها ناقلوها" انتهى.
[ ١٢٧ ]
ونعود إلى كلام ابن هشام حول قضية الأبيات الخمسين في كتاب سيبويه، فنذكر أن أول من أشار إليها هو أبو عمر الجرمي المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين من الهجرة في قوله: "نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا، فأما الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها" انتهى.
وقال أبو جعفر النحاس في (مقدمة شرح أبيات سيبويه): "جملة أبيات كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتًا منها خمسون غير معروفة" انتهى.
وينبغي أن نفرق بين أمرين: الجهل بالقائل، وعدم نسبة البيت إلى قائل معين، فإن سيبويه لم يكن يحرص على نسبة لجميع الأبيات إلى قائليها؛ لأنه كان واثقًا من صدق الذين أخذها عنهم، وكان واثقًا أيضًا من دقتهم وتثبتهم، فذكر كثيرًا من الشواهد دون اعتداد بذكر قائليها، وقد بلغ عدد الشواهد المنسوبة في (الكتاب) إلى قائليها سبعمائة وتسعة وثلاثين شاهدًا نصَّ فيها سيبويه على اسم الشاعر، كما أن سيبويه استشهد بأبيات أخرى لم يذكر أسماء الشعراء فيها، وإنما ذكر أسماء القبائل التي يُنسب إليها هؤلاء الشعراء، وعدد هذا القسم من الشواهد يبلغ سبعة وأربعين شاهدًا.
وإذا صح ما روي عن أبي عمر الجرمي كان المراد منه أن في الكتاب خمسين بيتًا قد جهل الجرمي نسبتها إلى قائليها، ولا يلزم منه أن يكون في الكتاب خمسون بيتًا يسقط الاحتجاج بها؛ لأن الواجب كون الشاهد معروف القائل حال الاستشهاد به، وطروُّ الجهالة بقائله بعد ذلك لا يضر في ثبوت ما ثبت به حال معرفته، فسيبويه ما استدلَّ إلا بما كان معروفًا مشهور القائل في ذلك الوقت، وما قامت حجته على مخالفيه بتلك الشواهد إلا وهي معروفة القائلين لديهم، مشهورة فيما بينهم.
[ ١٢٨ ]
وقد قال أحد الباحثين المعاصرين: "المتصفح لكتاب سيبويه يلاحظ أن معظم شواهد الشعر فيه كانت معروفة لدى شيوخ سيبويه، وبخاصة الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب، ويبدو أن تلك الشواهد كانت متداولة في مجالس العلم حيث ذاك، والظاهر أن سيبويه كان لا يترك شاهدًا سمعه من شاعر، أو من راوٍ، أو من عالم، أو من طالب علم دون أن يعرض ذلك الشاهد على من يثق به من العلماء، وبخاصة شيخاه الخليل ويونس، فعدد كبير من الشواهد التي لا ينصّ سيبويه صراحة على سماعه لها من العرب، أو من أحد العلماء نجده يعرضها من خلال رأي لأحد العلماء بصورة تدل دلالة قاطعة على أن هذا العالم، أو ذاك كان على معرفة بتلك الشواهد ورواياتها، وما يدور حولها من مشكلات لغوية".
هل يُقبل قولُ القائل: "حدثني الثقة"؟
إن اللغة تؤخذ سماعًا من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة، والأصل في الكلام أن يكون معزوًّا إلى قائله منسوبًا إليه باسمه، وقد يُعدل عن هذا الأصل فيقول النحوي أو اللغوي: حدثني ثقة. ولا يذكر اسمه.
وقد اختلف في حكمه؛ فقيل: يقبل قوله، وقيل: لا يقبل، وقد وقع هذا القول كثيرًا من سيبويه في كتابه، فكان يقول: حدثني ثقة. يريد به شيخه الخليل وغيره.
وقد ذكر السيوطي في كتابه (المزهر) نماذج مما قال فيه النحوي: حدثني ثقة؛ منها قول أبي زيد: "كل ما قال سيبويه في كتابه حدثني ثقة فأنا أخبرته"، ومنها قول أبي زيد أيضًا: "كان سيبويه يأتي مجلسي فإذا سمعته يقول: وحدثني من أثق بعربيته، فإنما يريدني"، ومنها أيضًا ما رواه ثعلب في أماليه قال: "كان يونس يقول: حدثني الثقة عن العرب، فقيل له: من الثقة؟ قال: أبو زيد، قيل: فلم لا تسميه؟ قال: هو حي بعدُ فأنا لا أسميه" انتهى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٢٩ ]