[ ١٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(طرح الشاذ، متى يكون التأويل سائغًا؟ والاحتمال يسقط الاستدلال، ورواية الأبيات بأوجه مختلفة)
طرح الشاذ، وعدم الاهتمام به
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالشَّاذ في اللغة: مأخوذ من شَذَذَ، وأصل هذه المادة هو الانفراد والتفرق يقال: شذَّ الرجل إذا انفرد عن أصحابه، ويقال: شُذَّاذ الناس أي: متفرقوهم، ويُطلق الشاذ في اصطلاح العلماء على ما فارق ما عليه بابه، وانفرد عن ذلك إلى غيره كما يطلق على ما خالف القياس، أو خرج عن القواعد النحوية أو الصرفية. وقد بين السيوطي حكم الشاذ فقال: "يُطرح طرحًا ولا يُهتم بتأويله" انتهى.
فقوله: "يطرح طرحًا" معناه: يلغى ويرمى ولا يلتفت إليه؛ لأنه من سخط المتاع. وقوله: "ولا يهتم بتأويله" معناه: لا يعتنى بشأنه، ولا ينظر إليه؛ لأنه خرج عن الأصول المجمع عليها، ومعنى كلام السيوطي: أن الشاذ لا يجوز القياس عليه وما ذكره السيوطي هو مذهب جمهور البصريين؛ إذ ذهبوا إلى أن الشّاذ يُطرح ولا يُقاس عليه، ولا تنقض به القواعد المطردة، يقول سيبويه في (الكتاب): "لا ينبغي لك أن تقيس على الشاذ المنكر". ويقول ابن السراج في (الأصول): "ينبغي أن تعلم أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يُعنَى بالحرف الذي يشذّ منه". ويقول الزجاجي في (الإيضاح في علل النحو): "إن الشيء إذا اطرد عليه باب فصح في القياس، وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذّ نذر قليل لعلَّة تلحقه، لم يكن ذلك مبطلًا للأصل والمتفق عليه في القياس المطرد".
ويقول أبو البركات الأنباري في (لمع الأدلة): "الشواذ لا تُورد نقدًا على القواعد المطردة، ألا ترى أن الأصل في كل واو تحركت وانفتح ما قبلها أن تُقلب ألفًا نحو: باب، ودار، وعصًا، وقفًا. والأصل فيه: بوب ودور وعصو وقفو، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها؛ قُلبت ألفًا، ولا يجوز أن يُورد القَوَد والحَوَكة نقدًا لشذوذه في بابه". انتهى.
[ ١٣٣ ]
والمراد بالقود القصاص، والمراد بالحوكة جمع حائك، وهو الذي ينسج الثياب، وقد ذكر السيوطي في موضع آخر من (الاقتراح) من شروط المقيس عليه: ألا يكون شاذًّا خارجًا عن سنن القياس، فإن كان كذلك لم يجز القياس عليه.
وإنما لم يجز القياس على الشَّاذ؛ لأنه لو قيس عليه لكثر الشذوذ، واضطربت القواعد. ومن الشاذ الذي يجب طرحه، ولا يُجوز أن يقاس عليه نُدبة الأسماء الموصولة، فقد استدل الكوفيون على جواز ندبة الأسماء الموصولة بما حَكَوه من قولهم: "وامَن حفر بئر زمزماه" وردَّه الأنباري في (الإنصاف): "لأنه من الشاذ الذي لا يُقاس عليه".
ومن الشاذ الذي يجب طرحه إضافة لبي إلى الاسم الظاهر في قول الراجز:
دعوت لما نابني مسورًا فلبَّى فلَبَّي يدي مسور
أو إضافته إلى ضمير الغائب في قول الآخر: "لقلت لبيه لمن يدعوني"؛ إذ الأصل في لبَّي أن يلزم الأضافة إلى ضمير المخاطب بأن يقال: لبيك.
ومما يجب طرحه أيضًا لشذوذه بناء أفعل التفضيل من الألوان كما في قول الراجز:
يا ليتني مثلك في البياض أبيض من أخت بني أباض
فقد استدلَّ به الكوفيون على جواز التفضيل من لفظ البياض، وردَّه ابن السراج بقوله: "هذا معمول على فساد، وليس البيت الشاذ، والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجة على الأصل المجتمع عليه في كلام، ولا نحو، ولا فقه، وإنما يركن إلى هذا ضَعَفَة أهل النحو، ومن لا حجة معه، وتأويل هذا وما أشبهه في الإعراب كتأويل ضَعَفة أهل الحديث، وأتباع القصاص في الفقه". انتهى.
ونلحظ في كلام ابن السراج -الذي نقله السيوطي-: أنه يصف مَن يقيس على الشاذ بالضعف في العربية، وقوله: "وتأويل هذا" الإشارة فيه لمن ذكر من ضَعَفة
[ ١٣٤ ]
أهل النحو، والمعنى: تأويل الضعيف في العربية السالك هذه المسالك الخارجة عن الأصول كتأويل ضَعَفة أهل الحديث، وأتباع القُصَّاص الذين يذكرون الأخبار الماضية، ويحكون عن القرون السابقة والأمم الهالكة، دون الاعتماد على السند الصحيح، فكما تُطرح الأحاديثُ التي لا تعتمد على سند قوي يُطرح ما انفرد عن بابه من الكلام.
متى يكون التأويل مستساغًا، ومتى لا يكون؟
لقد وصلت إلينا نصوص عربية فصيحة مخالفة للأقيسة والقواعد التي وضعها النحويون، وقد نظر النحويون في هذه النصوص المخالفة للأقيسة، وحرصوا على توجيهها توجيهًا يتفق مع القواعد، وقد عُرف هذا باسم التأويل. فالتأويل كما عرَّفه أحد الباحثين المعاصرين: هو النظر فيما نُقل من فصيح الكلام مخالفًا للأقيسة والقواعد المستنبطة من النصوص الصحيحة، والعمل على تخريجها وتوجيهها لتوافق هذه الأقيسة والقواعد، على ألا يؤدِّي هذا التوجيه إلى تغير القواعد، أو زحزحة صحتها واطرادها.
وإذا كان النحاة قد اتخذوا التأويل منهجًا في تعاملهم مع النصوص التي وصلت إلينا مخالفة لأقيستهم؛ فليس كل ما خالف الأقيسة يجوز تأويلُه، وإنما وضع العلماء ضابطًا لِمَا يجوز تأويله ولما لا يجوز، فقال أبو حيان: "التأويل إنما يسوغ إذا كانت الجادَّة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادة، فيُتؤل". والمراد بالجادة: معظم الطريق، أو الطريقة المسلوكة الواضحة، ومعنى ما قاله أبو حيان ونقله السيوطي: أنه إذا كانت الطريقة التي يسلكها المتكلمون الفصحاء قد جاءت على شيء ثم جاء ما يُخالفها؛ ساغ تأويل هذا المخالف؛ لأنه لا يمكن ردُّه.
[ ١٣٥ ]
ولم يذكر السيوطي مثالًا لما جاءت به الطريقة المسلوكة ثم جاء ما يخالفها، ومثال ذلك: تنكير الحال، فالجادة أن يكون الحال نكرة؛ لأنه خبر من الأخبار، فألزموه التنكير؛ لئلا يُتوهَّم كونه نعتًا لا حالًا؛ ولأن الحال فضلة فلم يستحق أن يُعرف؛ إذ لا فائدة لتعريفه، وقد جاء ما يخالف هذه الجادة، فورد الحال معرفةً في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ (الزمر: ٤٥) ونحو قولهم: ادخلوا الأول فالأول، ونحو: أرسلها العراك. فلما كانت الحال معرفة فيما سبق وهو مخالف لأقيسة النحويين؛ وجب تأويلها بالنكرة، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ (الزمر: ٤٥) يكون التأويل: وإذا ذُكر الله منفردًا، وقولهم: ادخلوا الأول فالأول، على تأويل: ادخلوا مرتبين، وقولهم: أرسلها العراك على تأويل: أرسلها معتركة أي: أرسل الإبل، أو الخيل، أو الأُتُن للشرب مزدحمة على الماء.
وإنما ساغ تأويل في هذه الأمثلة ونحوها؛ لأنه لا يمكن ردُّها لورودها عن الفصيح المحتج بكلامه، ولا يجوز نقدُ القواعد بها؛ لأن القواعد لا تُنقد بمجرَّد ما يُسمع، وقد يكون الشيء المخالف للجادة لغة لقوم من العرب، وله حينئذٍ حكم آخر بيَّنه أبو حيان بقوله: "أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها، فلا تأويلَ" انتهى.
فقوله: "إذا كان" يريد به إذا كان ما ثبت عن العرب، وكان مخالفًا للقواعد؛ فلا يجوز تأويله. هذا هو الحكم الذي ذكره أبو حيان، ونقله عنه السيوطي، وهو حكم عام في جميع ما خالف الجادة، وكان لغة لطائفة من العرب. والتحقيق: أنه إذا كان الكلام المخالف للجادة لغةً لطائفة من العرب؛ فله حكمان بالنظر إلى مَن سُمع منه، فإن سُمع مِن أصحاب هذه اللغة لم يجز تأويله، وإن سمع من غيرهم جاز تأويله.
[ ١٣٦ ]
ومن الأمثلة الدالة على هذا الأمر:
ما جاء في لغة المطابقة بين الفعل والفاعل إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، فمن المعروف أن اللغة الشائعة عند العرب هي إفراد الفعل دائمًا حتى ولو كان الفاعل مثنًى أو مجموعًا، وهي اللغة العالية التي نزل بها القرآن قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ (المائدة: ٢٣)، وقال سبحانه: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: ٩٩)، ونقل العلماء عن طائفة من العرب أنهم يطابقون بين الفعل وفاعله في العدد، فيثنُّون الفعل إذا كان الفاعل مثنًى، ويجمعون الفعل إذا كان الفاعل جمعًا، ونُسبت هذه اللغة إلى طيئ وأزدشنوءة وغيرهما، فيقولون: ضرباني أخواك، وضربوني قومك.
وقد ذكر العلماء في تخريج ما جاء على هذه اللغة ثلاثة أقول؛ وهي:
أن تكون الألف علامة للتثنية والواو علامة للجمع، فهما حرفان، ويكون الاسم الظاهر بعدهما هو الفاعل.
والقول الثاني: أن تكون الألف فاعلًا وكذلك الواو، والاسم الظاهر بعدهما يُعرب بدلًا منهما.
والثالث: أن تكون الألف فاعلًا وكذلك الواو، والجملة خبرًا مقدمًا، والاسم الظاهر بعدهما يكون مبتدأً مؤخرًا.
فالتخريج الأول لا تأويل فيه، والتخريجان الأخيران فيهما تأويل.
وقد وصف ابن مالك في (شرح التسهيل) تأويل ما جاء على هذه اللغة بأنه غير ممتنع إن كان من سُمع ذلك منه من أهل غير اللغة المذكورة، فإن ورد شيء من هذه اللغة على ألسنة الناطقين بها؛ لم يجز تأويله، بل تكون الألف علامةَ تثنية
[ ١٣٧ ]
في نحو: ضربان أخواك، وتكون الواو علامة جمع في نحو: ضربوني قومك، وإلى هذا أشار سيبويه بقوله في (الكتاب): "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك؛ فشبهوا هذا بالتاء التي يُظهرونها في: قالت فلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامةً كما جعلوا للمؤنث". انتهى.
وواضح مما ذكره سيبويه أنه لم يؤوّل ما جاء على هذه اللغة؛ لأنها لغة لقوم مخصوصين من العرب، وقد بين ذلك الدسوقي في (حاشيته على المغني) فقال: "إن تواطؤ أهل هذه اللغة على الإتيان بالواو والألف يُبعد جعلهم لها فاعلات، بل الغرض إنما أرادوا العلامات". انتهى.
ونخلص مما سبق إلى أن ما كان لغة لقوم من العرب لا يجوز تأويله، ومما لا يجوز تأويله فيه؛ لأنه لغة لبعض العرب قولهم: ليس الطيب إلا المسك، بالرفع، فإن لغة الحجازيين نصب الخبر ولغة بني تميم رفعه؛ لأنهم يجرون "ليس" مجرى "ما"، فيهملونها إذا انتقد النفي بـ"إلا"، كما تُهمل ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (آل عمران: ١٤٤)، ولما كان رفع لغة لبعض العرب قال جمهور النحويين: الطيب مبتدأ والمسك خبره، بلا تأويل، وخالف في ذلك بعض النحاة، منهم أبو عليٍّ الفارسي وابنُ مالك، فذهبوا إلى التأويل.
وحاصل ما ذكروه من أوجه في تأويل هذا القول أربعة أوجه:
أولها: أن يكون في ليس ضمير الشأن، و"الطيب" مبتدأ، و"المسك" الخبر، وتقدر "إلا" حينئذٍ داخلة على الجملة، فيكون التقدير: ليس إلا الطيب المسك.
وثانيها: أن يكون "الطيبُ" اسمَ ليس، والخبرُ محذوفًا، و"إلا المسك" بدل منه، والتقدير: ليس الطيب في الوجود إلا المسك.
والثالث: أن يكون "الطيب" اسم ليس، و"إلا المسك" نعت له، والخبر محذوفًا. والتقدير: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيبًا في الوجود.
[ ١٣٨ ]
والرابع: أن يكون "الطيب" اسم ليس، و"المسك" مبتدأً، وخبره محذوف، والتقدير: ليس الطيب إلا المسك أفخره، والجملة في موضع خبر ليس.
وهذه التأويلات كلها مردودة والذي يردُّها ويبطلها ما نقله أبو عمرو بن العلاء، من أن الرفع لغة لقوم من العرب، إذ قال: "ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا تميمي إلا وهو يرفع، فما جاء لغةً لبعض العرب كان التأويل فيه غير مستساغ".
الاحتمالُ يسقط الاستدلال
إن الدليل هو ما يُستدلُّ به على إثبات قاعدة ما، والمراد به هنا الشواهد السماعية التي يذكرها النحاة دليلًا على صحة القواعد التي يقعدونها، والمذاهب التي ينتمون إليها.
وقد حرص النحاة على أن يذكروا لكل قاعدة دليلًا من الكلام الفصيح؛ تأييدًا لها، ويُشترط في الشاهد شروط متعددة؛ منها:
أن يكون البيت معلومَ القائل أو مرويًّا عن ثقة كسيبويه، وأن يكون قائله من الذين يُحتج بكلامهم، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
ومنها: أن يكون البيت نصًّا في القاعدة لا يحتمل وجهًا آخرَ، فإن احتمل البيت وجهًا آخر كان الاستدلال به ساقطًا. وقد نقل السيوطي عن أبي حيان قوله: "إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال". والمعنى: أن النحوي إذا استدلَّ بشاهد ما على قاعدة ما نُظر في هذا الشاهد، فإن كان لا يحتمل إلا الوجهَ الذي من أجله ساقه هذا النحوي؛ كان دليلًا مقبولًا يصح الاستشهاد به، وإن كان يحتمل الوجه الذي من أجله ساقه النحوي ويحتمل غيره؛ كان الاستدلال به
[ ١٣٩ ]
ساقطًا غيرَ مقبول؛ لأن الاحتمال إذا دخل دليلًا من الأدلة أكسبه ثوب الإجمال، فأضعفه عن مقام الاستدلال، كما ذكر شُرَّاح (الاقتراح).
وتُعَدّ هذه القاعدة من أكثر القواعد التي يستخدمها النحاة في الرَّدِّ على ما لا يرتضونه من الآراء والأقوال.
والأمثلة على استخدام هذه القاعدة كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في كتب العربية، ونكتفي هنا بذكر أربعة أمثلة ذكر السيوطي أحدها في (الاقتراح):
المثال الأول: ذكر العلماء من اللغات في الأخ لغة القصر، والمراد بها إلزامه الألف دائمًا في حالات الرفع والنصب والجر، فيقال: هذا أخاك، ورأيت أخاك، ومررت بأخاك، ومنه قولهم: مُكره أخاك لا بطل. والقياس أن يكون بالواو، وما قاله العلماء في هذا الشأن مسلَّم؛ فالقصر إحدى اللغات الثلاث الواردة في الأخ من الأسماء الستة، وقد أراد ابن مالك الاستدلال على هذه اللغة، فاستدل بقول الشاعر:
أخاك الذي إن تَدْعُهُ لِمُلِمَّة يجبك بما تبغي ويكفيك من يبغي
والظاهر وجه استدلال ابن مالك بالبيت وقوع أخاك فيه مبتدأ، ومجيؤه على لغة القصر بالألف، وما ذكره ابن مالك من كونه في البيت المذكور مبتدأً على لغة القصر لا يتعيَّن؛ لأنه يمكن أن يكون جاريًا على اللغة الفاشية، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، والتقدير: الزم أخاك يعني: أنه أسلوب إغراء، ولذلك أسقط أبو حيان هذا الدليل فقال: "ولا دليل فيه؛ لأنه يحتمل أن يجوز أن يكون منصوبًا بإضمار فعل والتقدير: الزم أخاك، وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال". انتهى.
والمثال الثاني ذهب جمهور النحويين إلى أن اسم الفعل لا يجوز أن يتقدَّم معموله عليه، فلا يقال: زيدًا عليك، وإن جاز أن يتقدَّم معمول الفعل عليه فيقال: زيدًا
[ ١٤٠ ]
الزم؛ لأن اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، والفروع أبدًا تنحطُّ عن درجات الأصول، وزعم بعضهم جواز ذلك مستدلِّين بقول الشاعر:
يا أيها المائح دلوي دونك إني رأيت الناس يحمدونك
المائح: هو الذي ينزل البئر عند قلَّة مائها؛ ليملأ منها الإناء، ووجه الاستدلال بالبيت إعراب دلوي معمولًا لاسم الفعل دونك، وقد تقدَّم المعمول عليه مما يدلّ على جواز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه، لكن الجمهور أبطلوا الاستدلال بهذا البيت على ذلك لماذا؟ لأنه ليس نصًّا في جواز إعمال اسم الفاعل متأخرًا؛ إذ إنه يحتمل أوجهًا أخرى غير الوجه الذي ذكره المستدلّ به، فيحتمل أن يجوز أن يكون دلوي: مبتدأ، ودونك: يكون اسم فعل فاعله مستتر فيه وجوبًا، والجملة في محل رفع خبر، ووقوع الخبر جملة طلبية سائغ، ويحتمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذه دلوي، ويحتمل أن يكون معمولًا لفعل محذوف، والتقدير: خذ دلوي. فلما كان البيت محتملًا هذه الأوجه الظاهرة؛ لم يكن فيه دليل على أن معمول اسم الفعل يتقدم عليه.
والمثال الثالث: ذهب جمهور النحويين إلى أنه لا يجوز إبدال الظاهر من ضمير الحاضر، وخالف الأخفش في ذلك، فأجاز أن يُبدَل الظاهر من ضمير الحاضر مستدلًّا بقول الشاعر:
أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدًا قد تدرجت السنام
فأعرب حُميدًا بدلًا من الياء في: فاعرفوني، ولا حجة في البيت؛ لاحتمال أن يكون "حُميدًا" منصوبًا بإضمار فعل على المدح، كأنه قال: أعني حميدًا، أو أمدحُ حميدًا. وتدرجت السنام: بمعنى: علوت السنام، وهو من الذروة -أو الذروة بالكسر والضم-.
[ ١٤١ ]
والمثال الرابع: ذهب جمهور النحويين إلى أنه لا يجوز استعمال أسماء الإشارة موصولات، وخالف في ذلك الفرَّاء وبعض البصريين، فأجازوا استعمالها موصولات مستدلِّين بقول القائل:
عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليقُ
فزعموا أن هذا اسم موصول، وأن التقدير: والذي تحملينه طليق. ولا دليل في هذا البيت على جواز استعمال أسماء الإشارة موصولات؛ لأن البيت يحتمل أوجهًا أخرى من التخريج، وهي:
أن يكون اسم الإشارة على أصله، وأن يكون قوله: "تحملين" جملة في موضع الحال، والتقدير: وهذا محمولًا -أي: حالة كونه محمولًا- طليق.
وأن يكون الاسم الموصول محذوفًا للضرورة والتقدير: وهذا الذي تحملين طليق.
وأن يكون قوله تحملين صفة لموصوف محذوف تقديره: وهذا رجل تحملين طليق. وقوله: عدس: اسم لزجر البغل ليسرع.
ومما سبق يتبيَّن أنه لا يجوز الاستدلال بدليل من الأدلة إلا إذا كان نصًّا على القاعدة لا يحتمل توجيهًا آخر.
رواية الأبيات بأوجه مختلفة
إن تعدُّد الروايات في البيت الواحد من الظواهر الشائعة في كتب النحو، وهو أثر من آثار الرواية الشفهية، فقد يكون للبيت الواحد روايتان فأكثر، وربما لا يكون لهذا الاختلاف أثرٌ في إثبات القاعدة النحوية أو نفيها، كما في قول الشاعر:
ألا عِمْ صَبَاحًا أيها الطلل البالي وهل يعي من كان في العصر الخالي
[ ١٤٢ ]
فقد استشهد النحاة بهذا البيت على أن "مَنْ" اسم موصول استُعمل لغير العاقل، وهو الطلل، وفي البيت رواية أخرى وهي: "وهل ينعمن"، ولا أثر لهذا الاختلاف على الشاهد، فالشاهد ما زال كما هو. ونظير ذلك قول الشاعر:
عدس ما لي عباد عليك إمارة نجوتُ وهذا تحملين طليق
فقد استشهد بعض النحاة بهذا البيت على أن اسم الإشارة هذا يُستعمل اسمًا موصولًا -كما سبق- ورُوي أول عجز هذا البيت بلفظه: نجوت، كما روي بلفظ: أمنت، ولا أثرَ لهذا الاختلاف بين الروايتين في موضع الشاهد الذي من أجله سِيقَ هذا البيت في كُتب النحاة.
وقد يكون الاختلاف بين روايتي البيت مؤثرًا في إثبات القاعدة، أو في تأييد مذهب نحوي وردِّ مذهب آخر -كما سيجيء بيانه-.
ويعنينا الآن أن نقف على أسباب التعدد في رواية الأبيات؛ إذ ذكر السيوطي أن لهذا التغيير سببين -عندما سُئل عن ذلك قديمًا- فأجاب: "باحتمال أن يكون الشاعر أنشد مرة هكذا، ومرة هكذا"، ثم رأى السيوطي ابن هشام ذكر في كتابه المسمى (تخليص الشواهد)، الذي شرح فيه شواهد شرح (الألفية) أن عَجُزَ قوله:
فلا مزنة وَدَقَتْ ودقها ولا أرض أَبْقَلَ إبقالها
روي بالتذكير يعني: بتذكير الفعل أبقل، ورُوي أيضًا بالتأنيث مع نقل حركة همزة إبقالها إلى تاء التأنيث وإسقاط الهمزة أي: برواية: ولا أرض أبقلت إبقالها. وذكر ابن هشام أنه إن صح أن القائل بالتأنيث هو القائل بالتذكير؛ صح الاستشهاد به على الجواز من غير الضرورة، وإلا فقد كانت العرب يُنشد بعضُهم شعرَ بعضٍ، وكلٌّ يتكلم على مقتضى سجيته التي فُطر عليها، ومن هنا تكثَّرت الرواية في بعض الأبيات. انتهى.
[ ١٤٣ ]
وخلاصة كلام السيوطي:
أن هناك سببين لتعدُّد الروايات:
أحدهما: أن يكون الشاعر المنسوب إليه هذا البيت أو ذاك، هو الذي غيَّر في شعره وبدَّل بأن ذكر البيت أولًا برواية، وذكره مرةً أخرى برواية ثانية، ولا يضيره ذلك؛ لأن الشاعر بفصاحته يتلاعب بمقولاته، فينشدها كيف أراد، وهذا هو السبب الذي تَبادر إلى ذهن السيوطي حين سُئل عن ذلك، وهو أيضًا السبب الذي ذكره ابن هشام احتمالًا.
والآخر: أن يكون التغيير من صنع الرواة لا من صنع الشعراء؛ لأن العرب كان يُنشد بعضُهم بعضًا، فتعدَّدت الروايات بتعدُّد الرواة؛ لأن كل الرواة كانوا من الفصحاء، ولا تقدح رواية في رواية، أي: لا ترد الرواية الرواية الأخرى.
ونلحظ في كلام السيوطي:
أنه يميل إلى ما ذكره ابن هشام، وهو أن التغيير من صنع الرواة لا من صنع الشعراء، وهذا هو السبب الأقرب إلى القَبول لقول ابن ولَّاد في ردِّه على المبرد: "الرواة قد تغير البيتَ على لغتها، وترويه على مذاهبها مما يوافق لغة الشاعر ويخالفها، ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد". فحصل ابن ولَّاد السبب في أمر واحد، وهو تصرف الرواة.
وهناك سبب ثالث لم يذكره السيوطي أدَّى إلى تعدُّد الروايات في البيت الواحد، وهو أن يكون هذا التعدد لا من صنع الشعراء ولا من صنع الرواة، وإنما من صنع المشتغلين بدراسة البيت من النحويين وغيرهم، وقد عُرف المبرد بتغيير الروايات حتى قال عنه علي بن حمزة البصري: "واستشهاره بتغيير الروايات يغنينا عن التماس الحجج عليه". انتهى.
[ ١٤٤ ]
وقد أشار السيوطي إلى أن البيت إذا رُوي بروايات مختلفة فربما يكون الشاهد في بعض هذه الروايات دون بعضها، ولم يذكر السيوطي مثالًا لذلك، ونذكر هنا ثلاثة أمثلة تدلُّ على أن الشاهد قد يكون في بعض الروايات دون بعضها الآخر:
المثال الأول: ذكر النحويين أن الأصل في "كان" إذا كان معمولاها معرفة ونكرة؛ فالمعرفة هو الاسم، والنكرة هو الخبر، ولا يجوز العكس أي: لا يجوز أن يكون الاسم هو النكرة والخبر هو المعرفة، إلا في ضرورة الشعر، ومنه قول الشاعر:
قفي قبل التفرق يا ضباع ولا يك موقف منك الوداع
فاسم يك نكرة وهو موقف، والخبر معرفة وهو الوداع؛ لضرورة الشعر. وفي البيت رواية أخرى وهي:
ولا يك موقفي منك الوداع
ولا شاهدَ في البيت على هذه الرواية؛ لأن موقفي معرفة بإضافته إلى الضمير، كما أن الخبر معرفة أيضًا.
والمثال الثاني: اختلف النحويون في تقديم التمييز على عامله المتصرف، فمذهب الكوفيين -واختاره المازني والمبرد- أنه يجوز أن يتقدم التمييز على عامله المتصرف فيقال: نفسًا طابَ زيد، ويستدلون على ذلك بقول الشاعر:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها وما كان نفسًا بالفراق تطيب
فنفسًا تمييز، وقد تقدم على عامله المتصرف تطيب، على هذه الرواية، ومذهب البصريين -عدا المبرد-: أنه لا يجوز أن يتقدم التمييز على عامله المتصرف، ويرْوُون هذا البيت برواية أخرى، إذ يقول الزجاج الرواية:
وما كان نفسي بالفراق تطيب
[ ١٤٥ ]
ولا شاهدَ في البيت على هذه الرواية.
والمثال الثالث: يذكر بعض النحاة أن لعل يكون حرف جر في لغة عقيل، ويستشهدون بقول الشاعر:
فقلت ادعو أخرى وارفع الصوت جهرة لعل أبي المِغوار منك قريب
بجر أبي المغوار، وفي البيت رواية أخرى وهي:
لعل أبا المغوار منك قريب
أبا: اسم من الأسماء الستة منصوب بالألف على الرواية الأخيرة، فكأن لعل على بابها، فهي أخت من أخوات إن تنصب المبتدأ وترفع الخبرَ.
وقد وصف أبو زيد الأنصاري هذه الروايةَ بأنها الرواية المشهورة التي لا خلافَ فيها، ولا شاهد في البيت على هذه الرواية -أي: الأخيرة-.
ونختم بأن نُشير إلى أنه إذا تعارضت روايتان لبيت واحد بأن كانت إحداهما تثبت حُكمًا نحويًّا، والأخرى تنفي هذا الحكمَ؛ فإن ابن جني -﵀- قد دعا إلى تحكيم القياس بين هاتين الروايتين، فقال: "فرواية برواية، والقياس بعدُ حاكم".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٤٦ ]