[ ١٨١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(تابع الاستصحاب)
الاستصحاب من الأدلة المعتبرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه أما بعد:
عرفنا مما سبق أن هناك علاقةً عضوية تربط بين أصول الفقه وأصول النحو، وقد أكّد أبو البركات الأنباريُّ هذه العَلاقةَ في مؤلفاته التي سار بها على نهج الفقهاء ومصطلحاتهم؛ ومن هنا كانت أول إشارة وردت بلفظ استصحاب الحال صادرةً عنه، ثم تناقلها النحويون مِن بعدِهِ، وقد وقفنا على قوله في (لمع الأدلة): "وهو -أي: الاستصحاب- من الأدلة المعتبرة، والمراد به استصحابُ حال الأصل في الأسماء، وهو الإعراب، واستصحاب حال الأصل في الأفعال، وهو البناء، حتى يوجد في الأسماءِ ما يُوجب البناءَ، ويوجدَ في الأفعالِ ما يُوجب الإعرابَ". انتهى.
وقد تكرّر حديثُه عن الاستصحاب في كتابه (الإنصاف) ووصفُه إياه بأنه من الأدلة المعتبرة، كقوله في المسألة السابعة والخمسين على لسان البصريين؛ في معرض إبداء حجتهم في أنه لا يجوز الخفض في القسم بإضمار حرف الخفض من غير عوض -قال على لسانهم: "أجمعْنا على أنّ الأصل في حروف الجرّ ألا تعملَ مع الحذفِ، وإنما تعملُ مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوضٌ، ولم يوجد ها هنا، فبقِينا فيما عداه على الأصل، والتمسكُ بالأصل تمسُّكٌ باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة". انتهى.
كما ذكر أنّ التمسكَ باستصحاب الحال خروجٌ مِن عهدةِ المطالبةِ بالدليل، ومَن عدَلَ عن الأصل فقد بقيَ مرتهَنًا بإقامة الدليل؛ ففي المسألة الأربعين -التي عرضنا طَرَفًا منها- قال على لسان البصريين في استدلالهم على أنّ كمْ مفردةٌ وليست مركبةً كما ذهب إلى ذلك الكوفيون: "إنما قلنا: إنها مفردةٌ؛ لأنّ الأصلَ
[ ١٨٣ ]
هو الإفرادُ، وإنما التركيبُ فرعٌ، ومَن تمسك بالأصل خرَجَ عن عهدة المطالبة بالدليل، ومَن عدَل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحدُ الأدلة المعتبرة". انتهى.
وفي المسألة السابعة والستين ذهب الكوفيون إلى أنّ أوْ تأتي بمعنى الواو، وبمعنى بلْ، وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى أيٍّ منهما، وقال على لسان البصريين في استدلالهم على ما ذهبوا إليه: "الأصل في أوْ أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام، بخلاف الواو وبلْ؛ لأنّ الواو معناها الجمعُ بين الشيئين، وبل معناها الإضرابُ، وكلاهما مخالفٌ لمعنى أوْ، والأصلُ في كل حرفٍ ألا يدلَّ إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدلّ على معنى حرفٍ آخَرَ؛ فنحن تمسّكْنا بالأصل، ومَن تمسّكَ بالأصًل استغنَى عن إقامة الدليلِ، ومَنْ عدَلَ عن الأصل بقيَ مرتهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليلَ لهم يدلّ على صحة ما ادَّعَوْه".
وفي المسألة الثامنة والثمانين ذهب الكوفيون إلى أنّ إنِ الشرطيةَ تقع بمعنى إذ، وذهب البصريون إلى أنها لا تقع بمعنى إذ، وقال الأنباريُّ على لسان البصريين في استدلالهم على ما ذهبوا إليه: "أجمعْنا على أنّ الأصل في إنْ أنْ تكون شرطًا، والأصل في إذ أنْ تكون ظرفًا، والأصل في كل حرف أن يكون دالًّا على ما وُضع له في الأصل، فمن تمسّك بالأصل فقد تمسّك باستصحاب الحال، ومَن عدَل عن الأصل بقيَ مرتهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليلَ لهم يدلّ على ما ذهبوا إليه".
وفي المسألة الحادية والتسعين ذهب الكوفيون إلى أنّ كيف يُجازَى بها كما يُجازَى بمتَى ما، وأينما وما أشبهَهُما من كلمات الجزاء. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يُجازَى بها. وقال الأنباريُ فيما قاله على لسان البصريين في استدلالهم على صحة ما ذهبوا إليه: "إنّ الأصل في الجزاء أن يكون بالحرفِ، إلا أنْ يُضطرَّ إلى
[ ١٨٤ ]
استعمال الأسماء، ولا ضرورةَ ها هنا تُلجِئُ إلى المجازاة بها؛ فينبغي ألا يُجازَى بها؛ لأنَّا وجدنا أيًّا تُغنِي عنها". وفي المسألة الثالثة بعد المائة ذهب الكوفيون إلى أنّ هذا وما أشبهَهُ من أسماء الإشارة يكون بمعنى الذي والأسماءِ الموصولةِ، نحو: هذا قال ذاك زيدٌ، أي: الذي قال ذاك زيدٌ. وذهب البصريون إلى أنه لا يكون بمعنى الذي، وكذلك سائرُ أسماء الإشارة لا تكون بمعنى الأسماء الموصولة.
وقال الأنباريّ على لسان البصريين في معرض الاستدلال على صحة ما ذهبوا إليه: "إنما قلنا ذلك؛ لأنّ الأصل في هذا وما أشبههُ من أسماء الإشارة أن يكون دالًّا على الإشارة، والذي وسائرُ الأسماء الموصولةِ ليستْ في معناها؛ فينبغي ألا يُحملَ عليها، وهذا تمسكٌ بالأصل واستصحابِ الحال، وهو من جملة الأدلة المذكورة، فمَن ادَّعَى أمرًا وراءَ ذلك بقيَ مرتهنًا بإقامة الدليل، ولا دليلَ لهم يدلّ على ما ادَّعَوْه". انتهى.
وقد سار على درب الأنباريُّ في عدِّ استصحاب الحال من الأدلةِ المعتبرةِ في أصول النحو بعضُ المتأخرين من النحاة، ومنهم عبدُ اللطيف بنُ أبي بكرٍ الشَّرْجِيُّ الزَّبِيدِيُّ، المتوفى سنة اثنتين وثمانمائة من الهجرة، وهو صاحب كتاب (ائتلاف النُّصْرة في اختلاف نُحاة الكوفة والبصرة). قال هذا العالم اليمني على لسان البصريين في المسألة السابعة من مسائل الفصل الثالث: "أجمعْنا على أنّ الخفض في الأصل إنما يكون بالحرف، فالتمسُّكُ بالأصل تمسكٌ باستصحاب الحال، وهو دلالةٌ معتبرة". وفي المسألة العاشرة قال: "والأصل في كل حرف ألا يدلَّ إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدلّ على معنى حرف آخرَ؛ تمسكًا بالأصل، ومَن تمسك بالأصل استغنى عن الدليل". وذكر مثل ذلك في المسألة التاسعةَ عشرةَ، وأضاف: "واستصحاب الحال حجةٌ. ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنًا بإقامة الدليل".
[ ١٨٥ ]
أمّا السيوطيُّ فقد رأيناه يُعوِّل على كلام الأنباريِّ، ويرى رأيه في أنّ الاستصحاب من أصول النحو الغالبة، وكان يقول: "والمسائل التي استدلّ فيها النحاةُ بالأصل كثيرةٌ جدًّا لا تحصَى"، وقد كثرت المسائل التي استدلّ فيها السيوطيُّ باستصحاب حال الأصل في مواضع متفرقةٍ من مؤلفاته. ونذكر هنا مسألتين أوردهما السيوطي في كتابه (هَمع الهوامع)؛ المسألة الأولى: الأصل في البناء أن يكون على السكون، ذكر السيوطي أنّ الأصل في البناء السكون، وقال: "لأنّ السكون أخفُّ، فلا يُعدَل عنه إلا لسبب؛ ولأنّ الأصل عدمُ الحركة، فوجب استصحابُه -أي: استصحابُ الأصل، وهو السكون- ما لم يمنع منه مانع".
والمسألة الثانية: تسكين فعل الأمر؛ استصحابًا للأصل، قال في مبحث المضمَر: "إذا أُسنَدَ الفعلُ إلى التاء والنون ونا سكَنَ آخرهُ، كضربْتُ، وضربْنَ، ويضربْنَ، واضربْنَ، وضربْنا، وعلة الإسكان عند الأكثر كراهةُ توالي أربعِ حركات فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأنّ الفاعلَ كجزءٍ من فعله، ثم حُمِلَ المضارعُ على المعنى، وأمّا الأمرُ فيسكُن استصحابًا". انتهى. ومعنى ما ذكره السيوطي أنّ فعل الأمر يبنى على السكون استصحابًا للأصل؛ لأنّ الأصل في البناء أن يكون على السكون.
ومع عناية السيوطي بهذا الأصل وعدِّه إياه واحدًا من الأصول الغالبة، وجدناه لم يرتضِ اتخاذَه دليلًا لعلة بناء الآنَ، وردَّ قولَ مَن استدلَّ به وهو الفرّاءُ؛ إذ ذهب الفرّاءُ في أحد قوليه إلى أنّ الآنَ إنما بُنيَ؛ لأنه نُقِلَ من فعلٍ ماضٍ وهو آنَ فبقيَ على بنائه؛ استصحابًا للأصل. قال الفرّاءُ في (معاني القرآن): "وإن شئتَ جعلتَ الآن أصلها من قولك: آنَ لكَ أنْ تفعلَ، أَدْخَلْتَ عليها الألفَ واللامَ،
[ ١٨٦ ]
ثم تركتَها على مذهب فَعَلَ، فأتاها النصبُ من نصْبِ فَعَلَ. وهو وجهٌ جيدٌ؛ كما قالوا: «نهَى رسول الله -ﷺ- عن قِيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال»، فكانتا كالاسمين فهما منصوبتان. ولو خُفِضَتا على أنهما أُخرِجَتا من نية الفعل كان صوابًا؛ سمعتُ العربَ تقول: مِن شُبَّ إلى دُبَّ بالفتح، ومِن شُبٍّ إلى دُبٍّ؛ يقول: مذ كان صغيرًا إلى أنْ دَبَّ، وهو فَعَلَ". انتهى.
وكلام الفرّاء يشير إلى أنّ علة البناء في هذا الظرف هي استصحاب الأصل، وأصله الفعلُ الماضي آنَ، ولم يرتضِ السيوطيّ استصحابَ الأصل دليلًا في هذه المسألة، فذكر في (الهمع) أن كلام الفرّاءِ قد رُدَّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل، كما لا تدخل على قِيلَ وقالَ، ولجاز فيه الإعرابُ كما جاز في قِيلَ وقالَ. انتهى. وقول السيوطيُّ: "ولجاز فيه الإعراب " إلخ. معناه: أنّ قِيلَ وقالَ يجوز فيهما الإعرابُ على أنهما أخرجتَا من نيةِ الفعلِ كما قال الفرّاءُ؛ فيجوز: نهَى رسول الله -ﷺ- عن قِيلٍ وقالٍ بالجرّ، ولا يجوز ذلك في الآنَ، فدلّ ذلك على بطلان هذه العلة.
استصحاب الحال من أضعف الأدلة
في ضوء ما تقدّم ترى أنّ التمسك بالأصل تمسُّكٌ باستصحاب الأصل، فمن تمسك بالأصل من النحويين في إثبات دعواه فقد تمسك بالاستصحاب، وهذا يدلُّكَ على أنّ هذا الدليل شائع في سائر المؤلفات النحوية، وليس مقصورًا على ما ورد في مؤلفات الأنباريّ، كل ما هنالك أنّ المصطلح -كما قلنا من قبل- هو الذي ظهر في كتب الأنباري متأثرًا بثقافته الفقهية. وإذا كان الأنباريُّ يرى أن الاستصحاب من أصول النحو الغالبة، ومن الأدلة المعتبرة، فهذا يدعونا إلى أن نطرح السؤال الآتي، وهو: ما مكانةُ هذا الدليل بين الأدلة الأخرى عند الأنباري؟
[ ١٨٧ ]
لقد أجاب الأنباريّ عن هذا السؤال مرةً في (الإغراب في جدل الإعراب) فقال: "وأمّا استصحابُ الحال فلا يجوز الاستدلالُ به ما وُجد هناك دليلٌ بحال"، ومرتين في كتابه (لُمع الأدلة)؛ المرةَ الأولى عندما ذكَرَ أصول النحو، فقال: "أقسامُ أدلته ثلاثة: نقلٌ، وقياسٌ، واستصحابُ حالٍ، ومراتبُها كذلك، وكذلك استدلالاتُها". فدلّ كلامُه على أنّ الاستصحاب يقع في المرتبة المتأخرة عن مرتبتي السماع والقياس. والمرة الثانية حين قال عن استصحاب الحال: "استصحابُ الحال من أضعف الأدلة؛ لهذا لا يجوز التمسكُ به ما وُجد هناك دليلٌ". وقد قيل: يظهر كذلك عدم اهتمام الأنباريّ بالاستصحاب كغيره من الأدلة في أنه ألّفَ كتابه (لمع الأدلة) وجعله في ثلاثين فصلًا تحدّث فيها عن أقسام أدلة النحو: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وخصّص لدليل النقل ستةَ فصولٍ من الثالث إلى التاسع، وللقياس أربعة عشرَ فصلًا من العاشر إلى الرابع والعشرين، أمّا استصحابُ الحال فقد عقَدَ له فصلًا واحدًا هو الفصل التاسع والعشرون.
ونظرة الأنباري إلى الاستصحاب على أنه أضعف الأدلة مظهر آخر من مظاهر تأثره بالفقهاء، فجمهورهم يصف الاستصحاب بأنه أضعف الأدلة، وبأنه آخرُ متمسَّكٍ للناظر، وبأنه آخر مدارِ الفتوى؛ فإنّ المفتي إذا سئل عن حادثة يَطلب حكمَها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجد يأخذ حكمَها من استصحاب الحال في النفي والإثبات.
ومعنى ما ذكره الأنباريّ هنا أنه يُشترط لصحةِ الاحتجاجِ بالاستصحابِ عدم وجود دليل آخر يعارضه، وضرب الأنباري لنا مثلًا على ذلك، فأوضح: أنه لا يجوز التمسكُ بالاستصحاب في إعراب الاسم مع وجود البناء، وهو مشابهة الاسم للحرف، وكذلك لا يجوزُ التمسك به في بناء الفعل مع وجود دليل الإعراب، وهو مشابهة الفعل للاسم؛ لأنّ التمسك بالاستصحاب تمسكٌ بعدم
[ ١٨٨ ]
الدليل، فإذا قام الدليلُ بطل التمسكُ بالأصل، ويستوي أن يكون هذا الدليلُ سماعيًّا أو قياسيًّا؛ لأنه إذا تعارض استصحابُ الحال مع دليل آخرَ من سماع أو قياس فلا عبرةَ بالاستصحاب، ولا اعتداد به، ولا التفات إليه؛ لقوة الدليل الآخر الذي يقابله ويعارضه، فيُقَدَّمُ السماعُ أو القياسُ عليه.
وقد بيَّن الأنباريّ ضَعفَ الاستدلال بالاستصحاب في المسألة الرابعة عشرة من مسائل (الإنصاف)، وهي مسألة نعم وبئس؛ إذ ذهب البصريون إلى أنهما فعلان، واستدل بعضهم على فعليتهما باتصال الضمير بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرف، فإنه قد جاء عن العرب قولُهم: نعما رجلين، ونعموا رجالًا، كما استدل بعضهم على فعليتهما باتصال تاء التأنيث الساكنة بهما، كقولهم: نعمت المرأة هند، وبئست الجارية دعد، فهذه التاء يَختصّ بها الفعل الماضي لا تتعدّاه. ومن البصريين من استدل على فعليتهما فقال: الدليل على أنهما فعلان ماضيان أنهما مبنيان على الفتح، ولو كانا اسمين لمَا كان لبنائهما وجهٌ؛ إذ لا علةَ ها هنا توجب بناءَهما غير الأصل، أو غير استصحاب الأصل.
ولم يرتضِ الأنباريُّ الاستدلالَ بهذا الدليل الأخير؛ لأنه استدلالٌ بالاستصحاب، فقال: "وهذا تمسكٌ باستصحاب الحال، وهو من أضعف الأدلة، والمعتمَدُ عليه ما قدَّمْناه". انتهى. أي: أنّ المعتمد عليه في إثبات فعليتهما هو اتصال الضمير المرفوع بهما كما يتصل بكل فعل متصرف، واتصالهما بتاء التأنيث الساكنة. وخلاصة القول: أنّ استصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة، وهو في الوقت نفسه من أضعف الأدلة، فلا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليلٌ.
[ ١٨٩ ]
الاعتراض على الاستدلال بالاستصحاب
لقد ذكر الأنباريُّ أن أدلة النحو الغالبة ثلاثة أدلة، وهي: النقل، والقياس، واستصحاب الحال، وأن كل دليلٍ من هذه الأدلة الثلاثة يمكن الاعتراض عليه؛ ولذلك عقد الأنباري في كتابه (الإغراب) ثلاثة فصول تناول فيها الاعتراض على أدلة النحو الغالبة، مبيّنًا كيفيةَ الجواب عما يُمكن أن يَرِدَ على هذه الأدلة من اعتراضات، فأول الفصول الثلاثة: الاعتراض على الاستدلال بالنقل، وثانيها: الاعتراض على الاستدلال بالقياس، وثالثها: الاعتراض على
[ ١٩٠ ]
الاستدلال باستصحاب الحال، وهو الذي يعنينا في هذا الدرس.
والمراد بالاعتراض في اللغة: هو المنع والحيلولة؛ إذ يقال: عرَض الشيءُ يعرِض واعترض: انتصب ومنع وصار عارضًا كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق تمنع السالكين سلوكَها، ولا ينفك المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالمراد بالاعتراض هنا الحيلولةُ بين المستدِلّ وما يَستدل به على حكم من أحكام النحو، وقد عرّف أحدُ الباحثين الاعتراضَ على الدليل بأنه: ما يمنع به المعترضُ استدلالَ المستدلّ بدليله. فإذا كان المستدلّ يستدلّ على مسألة ما بدليل من السماع -مثلًا- فإن هناك أمورًا يَمنع بها المعترضُ هذا الاستدلالَ، كأن يطعن في السند، أو يعترضَ على المتن باختلاف الرواية أو نحو ذلك.
وإن كان المستدل يستدل باستصحاب الحال فقد ذكر الأنباريُّ أن للمعترض أن يَعترض عليه بأن يذكر دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، أي: زوال ذلك الأصلِ المستصحَبِ وسقوطِه، ولم يكتف الأنباريُّ بذِكْر الاعتراض وحده، وإنما ذكر كيفية الجواب عنه، فقال في (الإغراب في جدل الإعراب): "الاعتراض على الاستدلال باستصحاب الحال وهو أن يَذكر -يعني المستدل- دليلًا يدل على زوال استصحاب الحال، مثل: أن يَدل الكوفي على زواله إذا تمسك البصري به في بناء فعل الأمر، فيُبيِّنَ أن فعل الأمر مقتطعٌ من الفعل المضارع ومأخوذ منه، والفعل المضارع قد أشبه الاسم، وزال عنه استصحابُ حال البناء، وصار معربًا بالشبَه، فكذلك فعل الأمر. والجواب أن يُبَيِّنَ البصريُّ أن ما توهمه دليلًا لم يوجد، فيبقي التمسك باستصحاب الحال صحيحًا". انتهى.
وقد نقل السيوطي هذا الكلام، ولم يعلق عليه بشيء، وفيه إجمالٌ يَحتاج إلى تفصيلٍ يكشفه، وتفصيل القول في هذا الكلام أن نقول: إن البصريين يذهبون إلى أن فعلَ الأمر مبنيٌّ، ولهم أن يستدلوا على صحة مذهبهم باستصحاب الأصل؛ لأن الأصلَ في الأفعال البناءُ، وقد يَعترض الكوفيون على مذهب البصريين بأن يقولوا: إن استصحاب الحال -وهو البناء- قد زال عن فعل الأمر، والدليل على زواله أن فعل الأمر ليس قسمًا برأسه، وإنما هو مأخوذ من المضارع ومُقْتَطَعٌ منه، ولما كان فعل الأمر مأخوذًا من المضارع، والمضارع معرَبٌ؛ لأنه أشبه الاسم، كان فعل الأمر كذلك معربًا بالشبه، فيقال: إن اضْرِبْ فعلٌ معربٌ؛ لأن أصله: لِتضْرِبْ، ثم حُذِفت اللام، ثم حُذِف حرف المضارعة، ثم جيء بهمزة الوصل؛ توصلًا إلى النطق بالساكن. هذا ما يمكن أن يورده الكوفي اعتراضًا على دليل البصري، فيجيب عنه البصري: بأن ما توهمه الكوفي دليلًا على إعراب فعل الأمر، وهو أنه مأخوذ من المضارع ومقتطعٌ منه، لم يوجد، بل هو نوع مستقلٌّ على حِدَةٍ، وحينئذٍ يبقى التمسك بالاستصحاب، واستصحاب الحال فيه هو أصل البناء في الفعل.
[ ١٩١ ]
الاستدلال بالعكس
إن الاستدلالَ بالعكس دليلٌ من أدلة الأصوليين، ويعبرون عنه بقياس العكس، ويعرِّفونه بأنه: عدم الحكم عند عدم العلة، وقد جعله السيوطي أولَ الأدلة غير الغالبة، فقال: "ومنها الاستدلال بالعكس، أي: جعْلُ عكس الحكم دليلًا"، وبهذا الدليل رُدّ على الكوفيين زعمُهم أن الخبر إذا كان ظرفا كان منصوبًا بالخلاف؛ ومعنى كلام الكوفيين أنه إذا قيل: زيدٌ أمامَك، وعمرو وراءَك، فالظرفان أمامَك ووراءَك منصوبان بالخلاف، وحجتهم في ذلك أن خبر المبتدأ هو المبتدأ في المعنى، فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ، وعمرو جالسٌ، فزيدٌ مبتدأ، وقائمٌ خبره، فقائم هو زيد في المعنى، والقائم هو زيدٌ. وكذلك عمرو هو الجالس، والجالس هو عمرو. فيستحقّ الخبر أن يكون مرفوعًا. وإذا قيل: زيدٌ أمامَك، وعمرو وراءَك، لم يكن أمامك في المعنى هو زيد، ولا وراءك في المعنى هو عمرو، كما كان قائمٌ في المعنى هو زيد، فلما كان مخالفًا نُصب على الخلاف.
ومما سبق يتبين أن الكوفيين يرون أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو عاملٌ معنوي عبروا عنه باسم الخلاف، ومعناه هنا: المخالفة بين الخبر والمبتدأ، وأرادوا به أن الخبر ليس هو المبتدأ في المعنى، وإنما هو مخالفٌ له. وقد أفسدَ الأنباريُّ هذا القولَ مستدلًّا على فساده بالعكس؛ لأنه لو كان عامل النصب في الظرف هو الخلاف لكان من الواجب أن يكون المبتدأ أيضًا منصوبًا؛ لأن الخلاف مصدر الفعل خالف، وبِنْيَةُ هذا الفعل تدل على المشاركة بين اثنين يخالف كلٌّ منهما صاحبَه، كما هو شأن المفاعلة، نحو: خاصمَ، ولا يُتصور الخصامُ من واحد، وكذلك جادل، ولا يُتصور الجدال من واحد، فإذا كان الخبر مخالفًا
[ ١٩٢ ]
للمبتدأ، فمعناه أن المبتدأ أيضًا مخالفٌ للخبر، وإذا كان الخلاف يوجب نصب الظرف كما زعم الكوفيون، فالواجب أيضًا نصبُ المبتدأ، ولو وافقناهم على زعمهم، فنقول: زيدًا أمامَك، بالنصب، ولا قائلَ به، فبطل ما استدلّ به الكوفيون.
يقول الأنباري في (الإنصاف): "لو كان الموجبُ لنصب الظرف كونَه مخالفًا للمبتدأ لكان المبتدأ أيضًا يجب أن يكون منصوبًا؛ لأن المبتدأ مخالف للظرف كما أن الظرفَ مخالفٌ للمبتدأ؛ لأن الخلاف لا يُتصوّرُ أن يكون من واحدٍ، وإنما يكون من اثنين فصاعدًا، فينبغي أن يُقال: زيدًا أمامَك، وعمرًا وراءك، وما أشبه ذلك، فلما لم يجز ذلك دلّ على فساد ما ذهبوا إليه". انتهى. وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) كلام الأنباري باختصارٍ غير مخلٍّ؛ لأن الغاية التي سعى إليها هي بيان الاستدلال بالعكس، وأنه لَمَّا لَمْ يكن المبتدأ منصوبًا مع قيام الخلاف به أيضًا دلّ عدمُ نصبه على أن الخلاف لا يكون موجِبًا للنصب في الظرف، وإلا فإن كونَ الخلاف عاملًا في أحدهما دون الآخر تَحكُّمٌ، وترجيحٌ بلا مرجح، فكان عكسُ الحكم دليلًا على نفيه.
رأي البصريين في عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا: ذهب جمهور البصريين إلى أن عامل النصب في الظرف الواقع خبرًا هو فعلٌ مقدر، والتقدير: زيدٌ استقرَّ أمامَك، وعمرو استقرّ وراءَك، وذهب بعضهم إلى أنّ عامل النصب اسمُ فاعلٍ، والتقدير: زيدٌ مستقرٌّ أمامك، وعمرو مستقرٌّ وراءك، والقول بتقدير الفعل أولى من تقدير اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل فرعٌ عن الفعل في العمل، والفعل أصلٌ في العمل، فلما وجب تقدير عاملٍ كان تقدير ما هو الأصل في العمل، وهو الفعل، أولى من تقدير ما هو الفرع فيه، وهو اسمُ الفاعل.
[ ١٩٣ ]
الاستدلال بالأصول
إن السيوطي قد عوّل في هذا العنصر على كلام أبي البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، وقد ذهب الأنباريُّ إلى أن الاستدلالَ بالأصول هو أحدُ أوجهِ الاستدلال التي تُلحَق بالقياس، ويُعَدُّ الاستدلال بالأصول من جملة الأدلة التي يلجأ إليها النحويُّ عند المحاجَّاة والجدل؛ إذ إن المراد به إبطالُ مذهبٍ أو رأي بالرجوع إلى الأصل الذي أصّله النحويون. ومن الأصول التي أصلها النحويون أن يكون الرفع مقَدّمًا على غيره من أنواعِ الإعرابِ، وبهذا الأصل رَدَّ الأنباريُّ مذهبَ القائلين بأن عامل الرفع في الفعل المضارع المرفوع هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن القول بالتجرد معناه أن الفعل كان متلبسًا بهما قبل تجرده منهما، وفي القول بذلك مخالفة للأصول؛ إذ إن الأصل تقدُّمُ الرفع على غيره.
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وأما الاستدلال بالأصول فمِثل أن يُسْتَدَلَّ على إبطال مذهبِ مَن ذهب إلى أن رفعَ المضارع إنما كان لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة، بأن ما ذهبَ إليه يُؤدي إلى خلاف الأصول؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم، وهذا خلاف الأصول؛ لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب؛ لأن الرفع صفة الفاعل، والنصب صفة المفعول، كما أن الفاعل قبل المفعول، فكذلك الرفع قبل النصب، وكذلك تدل الأصول على أن الرفع قبل الجزم؛ لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، وكما أن رتبة الأسماء قبل رتبة الأفعال، فكذلك الرفع قبل الجزم". انتهى.
وفي كلام أبي البركات الأنباري إجمالٌ يَحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه، وهو أن نقول: إن الأنباريَّ قد رد مذهبًا من المذاهب وأبطل قولًا من الأقوال بالرجوع إلى الأصول التي استقرت عند النحويين، فقد استقر عند النحويين أن الرفع مُقَدَّمٌ على غيره من أنواع الإعراب، فهو مقدَّم على النصب والجزم، فإذا كان الفعل
[ ١٩٤ ]
المضارعُ مرفوعًا فإنه لا يجوز عند الأنباري أن يُقال: إن رافعه هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن التعبير بالتجرد منهما يؤدِّي إلى سبقهما للرفع، ويؤدي إلى أن المضارع تجرد منهما بعد أن كان متلبسًا بهما، وهو خلاف الأصول؛ إذ إن الأصول شاهدةٌ بتقدم الرفع عليهما.
ويدل على تقدم الرفع على النصب أن الرفع حكمٌ ثابتٌ للفاعل، وهو عمدةٌ، كما أن النصبَ حكمٌ ثابتٌ للمفعول به، وهو فَضلةٌ، فكما أن الفاعلَ قبل المفعول مَنْزِلَة واعتبارا، فكذلك الرفع يكون قبل النصب مَنْزِلَةً واعتبارًا. ويدل على تقدم الرفع على الجزم أن الرفع في الأصل صفة من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، والأسماء متقدمة في الرتبة على الأفعال، فكذلك الرفع متقدمٌ في الرتبة على الجزم.
وخلاصة ما سبق أن الأصلَ هو تقدم الرفع على النصب والجزم، فمن قال: إن المضارع مرفوعٌ بتجرده من الناصب والجازم فقد قدم النصبَ والجزمَ على الرفع، وبذلك يكون قد خالف أصلًا من أصول النحاة، فلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ولا يُرتضَى مذهبه عند الأنباري. وهذا القولُ الذي رده الأنباريُّ واستدل على إبطاله بالأصول هو رأي حُذّاق الكوفيين، يقول الفَرّاءُ في (معاني القرآن) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (البقرة: ٨٣): "رُفعت: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن دخول أنْ يصلح فيها، فلما حُذف الناصب رُفعت، وهو القول الذي يجري على ألسنة المعربين".
ونختم بقول أحد الباحثين المعاصرين: " والحق أن استدلال الأنباري يبدو عليه التكلف؛ إذ يُمكن الاعتراضُ عليه من عدة أوجه؛ فمن الممكن أن نقول: إن التعريَ أسبقُ من التقييد، فالتعري أولًا، ولما كان الرفع هو الأول كان ملازمًا للتعري، كما يمكن أن يُقال: إن الفعلَ المضارعَ رُفِعَ؛ لأنه لم يدخل عليه ناصبٌ فينصبَه، ولا جازمٌ فيجزمَه، دون أن نمَس أسبقية الرفع للنصب والجزم ".
هذا والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٩٥ ]