[ ١٩٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(عدم النظير)
معنى عدم النظير، ومتى يحتج به؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه؛ أما بعد:
النظير في اللغة: المناظر والنِّظْر، والمثل والمثيل والمساوي، وفلان منقطع النظير أي: منفرد في بابه. والمراد به في الاصطلاح: ألا يكون للشيء نظائر في بابه، بمعنى: أنه واحد لم يرد به سماع، وقد أفرد ابن جني لعدم النظير بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في عدم النظير، ولخصه السيوطي في (الاقتراح) وبدأه بقوله: "ومنها الاستدلال بعدم النظير"، أي: ومن أدلة النحو المتفرقة التي لا تُحصر عدم النظير، ومعنى الاستدلال به النفي لعدم وجود دليل الإثبات. ولذلك قال السيوطي في ضَوْء ما نقله عن ابن جني: "وإنما يكون دليلًا على النفي لا على الإثبات"، وقال أيضًا: "وإنما يُستدل بعدم النظير على النفي حيث لم يقم الدليل على الإثبات، فإن قام لم يلتفت إليه؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأُنس به لا للحاجةِ إليه".
ومعنى هذا أن النظير يصحح الحكم النحوي وأن عدمه ينفيه، وقد أكثر النحويون من الاحتكام إلى النظائر، وتعددت أقوالهم الدالة على قبولهم ما له نظير وردهم ما ليس له نظير، ومن أقوالهم الدالة على ذلك قولهم: الحَمْل على ما له نظير أولى من الحمل على ما لا نظيرَ له، وقولهم: ما لا نظير له في العربية، ولا يشهد له شاهد من العلل النحوية يكون فاسدًا، وقولهم: الحمل على ما له نظير وإن قل وخرج عن القياس أولى من قول لا نظير له، وقولهم: إذا أدى القول إلى ما لا نظير له وجب رفضه واطراح الذهاب إليه.
ومع كثرة أقوال النحويين في هذا الشأن فإنه لا يشترط إيجاد النظير في إثبات شيء إذا قام الدليل معه، وإنما يجب إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل، وإلى هذا الأمر
[ ١٩٩ ]
أشار ابن جني بقوله في (الخصائص): "أما إذا دل الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير، وذلك مذهب صاحب (الكتاب) -يعني: سيبويه- فإنه حكى فيما جاء على فِعِل إبلًا وحدها، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به لا للحاجة إليه"، انتهى. ومعنى ما ذكره ابن جني أن سيبويه -﵀- لم يذكر مما جاء على وزن فِعل، بكسر الفاء والعين، إلا كلمة واحدة، وهي إبل وقال في (الكتاب): "ويكون -أي: ما كان على ثلاثة أحرف من غير الأفعال- فِعِلًا في الاسم، وهو قليل لا نعلم في الأسماء والصفات غيره"، انتهى. ولم يمنع سيبويه هذا الوزن مع أنه لا يعلم له نظيرًا؛ لأنه قد قام الدليل من السماع الصحيح على وجوده، وإذا قام الدليل على إثبات شيء لم تكن هناك حاجة إلى إيجاد نظيره ولا عبرة بعدمه، وإذا وجد فإنه يكون مؤنسًا ولا يتوقف ثبوت الحكم عليه. وقد قال ابن جني في (الخصائص): "إذا قام الدليل لم يلزم النظير"، انتهى.
ومما قام الدليل على صحته ولا نظير له في الكلام لفظ أندلس، بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح الدال، وضم اللام، وقد قام الدليل فيه على زيادة النون، وهو أنه لو لم يحكم بزيادتها لحكم بأصالتها فيكون الوزن فَعْلَلُلا، وليس في ذوات الخمسة الأحرف شيء على وزن فَعْلَلُل تكون فيه النون أصلًا لوقوعها موقع العين، فوجب أن تكون النون زائدة، وأن يكون على وزن أنفعُلٍِ بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وضم العين، وليس في العربية على هذا الوزن غير هذا اللفظ، وهو مقبول غير مردود، مع أنه بناء لا نظير له، وإنما قُبل هذا البناء مع عدم نظيره لقيام الدليل عليه، والدليل هو أن النون زائدة لا محالة، وإذا ثبت زيادة النون بقي في الكلمة ثلاثة أحرف أصول، وهي: الدال واللام والسين، وفي أولها همزة، ومتى وقع ذلك حكمت بزيادة الهمزة؛ لأنها واقعة
[ ٢٠٠ ]
قبل ثلاثة أصول، ولا تكون النون أصلًا والهمزة زائدة؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها، نحو: مدحرج وبابه.
فقد وجب إذن الحكم بأن الهمزة والنون زائدتان، وعليه تكون الكلمة على وزن أنْفَعُل وإن كان مثالًا لا نظير له. ومما قام الدليل على صحته ولم يثبت له في الكلام نظير أيضًا، ما ذكره سيبويه من أنهم قد ثبت في كلامهم فعُلت تفعل بضم العين في الماضي، وفتحها في المضارع، وهو كُت تكاد ولا يوجد غيره. قال سيبويه: "وقد قال بعض العرب: كت تكاد، فقال: فعلت تفعل". كما أثبت سيبويه وزنًا وهو انفعل بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وسكون العين، وقد أثبته سيبويه بكلمة انقحل: وهو الرجل الذي يبس جلده على عظمه من البؤس والكبر والهرم، وإن لم يحك غيره، فقال: "ويكون على انفعل قالوا: انقحل في الوصف لا غير".
ومن هذه الأمثلة وغيرها يتبين أنه إذا قام الدليل على صحة شيء لم تكن هناك حاجة إلى النظير، وقد أشار إلى ذلك ابن جني بقوله في (الخصائص): "ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئًا وسُمع ذلك الشيء عينه فقد ثبت قدمه، وأخذ من الصحة والقوة مأخذه، ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير؛ لأن إيجاد النظير وإن كان مأنوسًا به فليس في واجب النظير إيجاده، ألا ترى أن قولهم في شنوءة: شَنَئي لَمَّا قبله القياس لم يقدح فيه عدم نظيره، نعم، ولم يرضَ له أبو الحسن -أي: الأخفش- بهذا القدر من القوة حتى جعله أصلًا يُرد إليه"، انتهى. وقال: "وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره، ألا يحكم به حتى يوجد له نظير، وذلك أن النظير لعمري مما يؤنس به، فأما ألا تثبت الأحكام إلا به فلا"، انتهى.
[ ٢٠١ ]
ومعنى ما ذكره ابن جني: هو أن النظير يوجد للأنس به عند عدم الدليل، ولا يلتفت إليه، ولا يعول عليه إذا قام الدليل على حكم نحوي، وأنه إذا ورد الدليل فإن عدم النظير لا يضر، وأنه لا ينظر إلى عدم النظير عند قيام دليل الحكم وثبوته، وإنما تكون الحاجة إلى إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل، وقد نبه ابن جني على ذلك بقوله في (الخصائص): "فأما إن لم يقم دليل، فإنك محتاج إلى إيجاد النظير، ألا ترى إلى عِزويت، لَمَّا لَمْ يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجتَ إلى التعلل بالنظير، فمنعتَ من أن يكون فِعويلًا لما لم تجد له نظيرًا، وحملتَه على فِعليت؛ لوجود النظير، وهو عِفريت ونفريت"، انتهى.
ويفيد كلام ابن جني هنا أن النظير يحتاج إليه إذا لم يقم الدليل، فلفظ عزويت -ومعناه القصير أو اسم موضع- لا دليل فيه على أن واوه وتاءه حرفان أصليان، فربما يكونان أصليين، وربما يكونان زائدين، ويختلف وزنه باختلاف القول بأصالتهما وزيادتهما، فيحتمل أن يكون على وزن فِعويل، وأن يكون على وزن فعليت، والوزن الأول فعويل لا نظير له، والثاني فِعليت له نظير، نحو: عفريت ونفريت، فصح أن القول بأنه على وزن فعليت هو القول المرضي لوجود نظائره. كما ذكر ابن جني أنه إذا اجتمع الدليل والنظير فهو الغاية، فقال في (الخصائص): "فإن ضام الدليل النظير فلا مذهبَ بك عن ذلك، وهذا كنون عنتر، فالدليل يقضي بكونها أصلًا؛ لأنها مقابلة لعين جَعفر، والمثال أيضًا معك، وهو فعلل، وكذلك القول على بابه، فاعرف ذلك وقِسه"، انتهى. فقوله: "والمثال أيضًا معك"، يعني: والنظير أيضًا موجود معك.
[ ٢٠٢ ]
أمثلة من احتجاج النحويين بعدم النظير
إذ قد انتهينا إلى معرفة أن النظير يحتاج إليه إذا لم يكن هناك دليل، فإننا نشير إلى أن النحويين قد احتجوا كثيرًا بعدم النظير، وردوا ما لا نظيرَ له في الكلام. والأمثلة على ذلك في النحو والصرف كثيرة جدًّا، نذكر منها ما يلي:
أولًا: ما استدل به المازني ردًّا على من زعم أن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع، فقد رد المازني هذا القول: بأنه لا يوجد في العربية عامل في الفعل تدخل عليه اللام، والمراد بها لام الابتداء، وقد دخلت اللام على سوف في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: ٥)، فالقول بعمل سوف يُفضي إلى عدم النظير. قال ابن جني في (الخصائص): "قال أبو عثمان - يعني: المازني- في الرد على مَن ادعى أن السين وسوف ترفعان الأفعال المضارعة: لم نرَ عاملًا في الفعل تدخل عليه اللام، وقد قال سبحانه: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الشعراء: ٤٩) فجعل عدم النظير ردًّا على مَنْ أنكر قوله". انتهى.
ثانيًا: ما احتج به المبرد على رد قول الخليل وسيبويه: بأن اسم لا النافية للجنس إذا كان مثنى أو مجموعًا جمعًا سالمًا لمذكر نحو: لا غلامين في الدار، ونحو: لا ناصرين لعدو، يكون مبنيًّا مركبًا مع لا، وتكون لا مع اسمها في موضع رفع بالابتداء. قال سيبويه: "وترك التنوين لما تعمل فيه لازم أي: لما تعمل فيه لا النافية للجنس؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، نحو: خمسة عشر، ولا وما تعمل فيه في موضع ابتداء، وقال: واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل لك، فإنما يذهَب منه التنوين كما أُذهب من آخر خمسة عشر لا كما أذهب من المضاف، والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك، ولا غلامين
[ ٢٠٣ ]
فيها، ولا أب فيها، وأثبتوا النون؛ لأن النون لا تُحذف من الاسم الذي يُجعل وما قبله أو وما بعده بمنزلة اسم واحد، ألا تراهم قالوا: الذين في الدار، فجعلوا الذين وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلَا اسمًا واحدًا، ولم يحذفوا النون؛ لأنها لا تجيء على حد التنوين، ألا تراها تدخل في الألف واللام وما لا ينصرف"، انتهى.
فقال المبرد في (المقتضب): "وكان الخليل وسيبويه يزعمان أنك إذا قلت: لا غلامين لك، أن غلامين مع لا اسم واحد وتثبت النون كما تثبت مع الألف واللام، وفي تثنية ما لا ينصرف وجمعه، نحو قولك: هذان أحمران، وهذان المسلمان، فالتنوين لا يثبت في واحد من الموضعين، فرقوا بين النون والتنوين، واعتلوا بما ذكرت لك، وليس القول عندي كذلك؛ لأن الأسماء المثناة والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع ما قبلها اسمًا واحدًا، لم يوجد ذلك"، انتهى ما قاله المبرد. وقال ابن يعيش في (شرح المفصل) ملقيًا الضوء على هذا الخلاف: "وتقول: لا غلامين لك، ولا ناصرين لزيد، فالاسم المنفي مبني مع لا بناء خمسة عشر كما كان كذلك في قولك: لا أب لك؛ لأن الموضع موضع بناء لا مانعَ من ذلك، وتثبت النون فيه كما تثبت مع الألف واللام وتثنية ما لا ينصرف، نحو قولك: هذان أحمران، وهذان المسلمان، والتنوين لا يثبت في واحد من الموضعين؛ وذلك لقوة النون مع الحركة، هذا مذهب الخليل وسيبويه".
وذهب أبو العباس المبرد: إلى أنهما معربان وليسا مبنيين مع لا"، وذكر ابن يعيش عبارة المبرد، ثم عقَّب عليها بقوله: "وهذا -أي: كلام المبرد- إشارة إلى عدم النظير". انتهى ما قاله ابن يعيش. أي: أن المبرد رد مذهب الخليل وسيبويه بأنه يؤدي إلى عدم النظير، وهو تركيب الأسماء المثناة والمجموعة مع ما قبلها.
[ ٢٠٤ ]
ثالثًا: ما احتج به ابن السرَّاج على رد إجازة الكوفيين نصب واقفًا على الخبر في نحو قولك: مررت بزيد واقفًا، وإجازتهم إدخال الألف واللام فيه، قال: "وتقول: مررت بزيد واقفًا، فتنصب واقفًا على الحال، والكوفيون يجيزون نصبه على الخبر، يجعلونه كنصب خبر كان وخبر الظن، ويجيزون فيه إدخال الألف واللام، ويكون: مررت عندهم، على ضربين: مررت بزيد، فتكون تامة، ومررت بزيد أخاك، فتكون ناقصة إن أسقطت الأخ كنقصان كان إذا قلت: كان زيد أخاك، ثم أسقطت الأخ، كان ناقصًا حتى تجيء به. وهذا الذي أجازوه غير معروف عندي من كلام العرب، ولا موجود فيما يوجبه القياس"، انتهى. فقوله: "غير معروف " إلى آخره إشارة إلى عدم النظير.
رابعًا: ما احتج به أبو علي الفارسي على مَن قال: إن النون في شيطان زائدة، واستدل على أن لفظ شيطان على وزن فَيعال مثل لفظ بيطار، وليس على وزن فعلان؛ اعتمادًا على ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: شيطنته فتشيطن، فلو كان من شاط يشيط لكان شيطنته فتشيطن: فعلنته فتفعلن، ولا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم، مما يدلك على أنه على وزن فيعلته مثل بيطرته، ووجه الاستدلال بما ذكره أبو علي أنه استدل على أصالة النون في لفظ شيطان بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: تشيطن، وهو على وزن تفيعل لا تفعلن، إذ ليس من أبنيتهم تفعلن، فالنون هي لام الكلمة، فَحَمَلَ أبو علي لفظ تشيطن على ما له نظير نحو: تدهقن أي: صار دِهقانًا، وهو رئيس القرية أو الكثير المال، ولم يحمله على ما لا نظير له في كلامهم.
خامسًا: ما احتج به ابن جني على رد قول المازني: "إن الواو في حيوان أصلية وغير منقلبة عن ياء"، ورَد عليه: بأن ما عينه ياء ولامه واو غير موجود في
[ ٢٠٥ ]
الكلام ولا نظير له، وذكر أن ما أجازه المازني مخالف للخليل وسيبويه؛ لأنهما يريان أن أصل حيوان حَيَيَان بياءين، فقلبت الياء الواقعة لامًا واوًا؛ استكراهًا لتوالي ياءين، ولا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، فذلك لا نظير له، فلا بد أن تكون الواو بدلًا من ياء.
سادسًا: ما احتج به أبو علي الشلوبين على رد قول مَن قال: إن الواو والألف والياء في الأسماء الستة علامات إعراب؛ لأن قوله يؤدي إلى عدم النظير، وأوضح: بأنا إذا قلنا بذلك في: فوك وذو مال، كان كل واحد منهما اسمًا معربًا على حرف واحد، وهذا لا نظير له في الأسماء المبنية إلا في الضمائر المتصلة بما قبلها، فما ظنك به في الأسماء المعربة؟.
سابعًا: ما احتج به ابن مالك على رد مذهب الزجاج والسيرافي في فتحة: لا رجلَ، وشبهه، فقد ذهب الزجاج والسيرافي إلى أن هذه الفتحة فتحة إعراب، وأن التنوين حذف منها تخفيفًا، ولشبهه بالمركب، ورده ابن مالك: بأنه يستلزم مخالفة النظائر؛ لأن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء المتمكنة لا يكون إلا لمنع صرف، أو للإضافة، أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في عَلَم موصوف بابن مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، واسم لا النافية للجنس ليس واحدًا من الأنواع الستة الأولى، فتعين أن يكون من النوع السابع، وهو البناء.
ثامنًا: ما احتج به أبو حيان على رد مذهب الفراء في باب التنازع القائل: "إذا استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما"، وذلك نحو: قام وقعد زيد، ويحسن ويسيء ابناك، فهو يرى: أن العاملين في الجملتين السابقتين ونحوهما كالعامل الواحد؛ لأن مطلوبهما واحد، فرَد ذلك أبو حيان: بأنه يؤدي إلى عدم
[ ٢٠٦ ]
النظير، إذ لا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير، نحو: ليس زيد بجبان، يعني: لا يجوز أن يجتمع عاملان على معمول واحد في اللفظ وإن توجها إليه في المعنى؛ لأن العوامل كالمؤثرات، ولا يجوز اجتماع مؤثرين في محل واحد.
ونختم هذا العنصر مكتفين بما أوردناه من أمثلة تدل على مدى اهتمام العلماء بالاستدلال بعدم النظير، ومنبهين على أن السيوطي إن كان قد أوجز القول في عدم النظير في (الاقتراح) فقد أورد مبحثًا مطولًا في كتابه الموسوم بـ (الأشباه والنظائر) عنوانه: الحمل على ما له نظير أولى من الحمل على ما ليس له نظير، تضمن عددًا من الأمثلة على عدم النظير.
احتجاج أبي البركات الأنباري والسيوطي بعدم النظير
وإنما آثرنا أن نفرد احتجاج أبي البركات الأنباري والسيوطي بعدم النظير بهذا العنصر؛ لنبين أولًا: أن قول السيوطي في مبحث الاستدلال بعدم النظير عبارة، ولم يذكره ابن الأنباري وذكره ابن جني، مراده به أن أبا البركات الأنباري لم يذكر عدم النظير في أدلة الاحتجاج في كتابيه (الإغراب في جدل الإعراب) و(لمع الأدلة) لا أنه لم يحتج به البتة، إذ الواقع أنه قد احتج به كثيرًا في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف). ولنبين ثانيًا: أن السيوطي مع أنه لم يذكر مثالًا يوحي باحتجاجه بعدم النظير في كتابه (الاقتراح) قد احتج به في كتابيه (همع الهوامع) و(الأشباه والنظائر). وإليك بعض الأمثلة على احتجاج الأنباري به في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف).
أولًا: في المسألة الثانية، وعنوانها: الاختلاف في إعراب الأسماء الستة: احتج الأنباري بعدم النظير على رد مذهب الكوفيين في إعراب الأسماء الستة، وتأييد
[ ٢٠٧ ]
مذهب البصريين، إذ ذهب البصريون إلى أنها معربة من مكان واحد، والواو والألف والياء هي حروف الإعراب، وذهب الكوفيون إلى أنها معربة من مكانين، وأيد الأنباري مذهب البصريين بأن له نظيرًا؛ لأن كل معرب في كلامهم ليس له إلا إعراب واحد، كما رد مذهب الكوفيين بأنهم ذهبوا إلى ما لا نظير له في كلامهم، فإنه ليس في كلامهم معرب له إعرابان، والمصير إلى ما له نظير أولى من المصير إلى ما لا نظير له.
ثانيًا: في المسألة الثالثة، وعنوانها: القول في إعراب المثنى والجمع على حده: ذكر أن النحاة قد اختلفوا في الألف والواو والياء في التثنية والجمع، وأن الجرمي ذهب إلى أن انقلابها هو الإعراب، وأن هذا المذهب قد أفسده بعض النحويين من وجهين: أحدهما: أن هذا يؤدي إلى أن يكون الإعراب بغير حركة ولا حرف، وهذا لا نظير له في كلامهم.
ثالثًا: في المسألة الخامسة والأربعين، وعنوانها: المنادَى المفرد العلم معرب أو مبني؟: ذهب إلى أن الكوفيين قالوا: إن الاسم المنادى المعرف المفرد معرب مرفوع بغير تنوين، محتجين بأنا إنما قلنا ذلك؛ لأنا وجدناه لا معرب له يصحبه من رافع ولا ناصب ولا خافض، ووجدناه مفعول المعنى، فلم نخفضه لئلا يشبه المضاف، ولم ننصبه لئلا يشبه ما لا ينصرف، فرفعناه بغير تنوين إلى آخره. ورد عليهم: بأن قولهم: إن المنادى لا معرب له يصحبه. غير مسلَّم، وبأن قولهم: إنا رفعناه قلنا لهم: وكيف رفعتموه ولا رافعَ له؟ وهل لذلك قط نظير في العربية؟ وأين يوجد فيها مرفوع بلا رافع أو منصوب بلا ناصب أو مخفوض بلا خافض؟ وهل ذلك إلا تحكم محض لا يستند إلى دليل؟!
[ ٢٠٨ ]
احتجاج السيوطي:
المثال الأول: ذكر في (الهمع): أن في إعراب الأسماء الستة اثني عشر مذهبًا، سادسها: أنها معربة من مكانين بالحركات والحروف معًا، وعليه الكسائي والفراء، ورد بأنه لا نظير له، وسابعها: أنها معربة بالتغير والانقلاب حالة النصب والجر، وبعدم ذلك حالة الرفع، وعليه الجرمي، ورد بأنه لا نظير له. والمثال الثاني: ذكره في (الهمع) كذلك: بأن جملة ما يعرف به الزائد تسعة أشياء، تاسعها: لزوم عدم النظير بتقدير أصالته فيما هو منه، أو في نظير ما هو منه، وذكر أن مثال الأول ملوط وهو مِقرعة الحديد، فالواو زائدة والميم أصلية، ووزنه فعول؛ لأنه لو عكس لكان وزنه مفُعلًا، ومَفُعْل مفقود، وفَعُول موجود، نحو: عتود، وهو ولد المعز، وعسول، وهو الذئب.
وذكر مثال الثاني أن يكون في اللفظ حرف لا يمكن حمله إلا على أنه زائد، ثم يُسمع في ذلك اللفظ لغة أخرى يحتمل ذلك الحرف فيها أن يحمل على الأصالة، وعلى الزيادة، فيُقضى عليه بالزيادة لثبوت زيادته في اللغة الأخرى التي هي نظيرة هذه، وذلك نحو: تَتْفُل، وهو ولد الثعلب، فإن فيه لغتين: فتح التاء الأولى، وضم الفاء، وضمها مع الفاء، فمن فتح التاء فلا يمكن أن تكون عنده إلا زائدة، إذ لو كانت أصلية لكان وزن الكلمة فعلُلًا بضم اللام الأولى، ولم يرِد مثل ذلك في كلامهم، ومَن ضم التاء أمكن أن تكون عنده أصلية.
هذا والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٠٩ ]