[ ٢١١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(الاستدلال بالاستحسان)
معنى الاستحسان، ومكانته بين أدلة النحو
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
إن الاستحسان في اللغة: عَدُّ الشيء حسنًا، وأصله مصطلح من مصطلحات الفقه وأصوله، وهو أحد الأدلة المختلف فيها عند الفقهاء، ومن تعاريفه: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر على إظهاره، وقيل: إن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه الأفهام، وهذا المعنى ينقاد مع ما أراده ابن جني الذي أفرد له بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في الاستحسان. وكما اختلف الفقهاء في الأخذ به اختلف النحويون أيضًا في الأخذ به على قولين؛ الأول: عدم الأخذ بالاستحسان؛ لأن في الأخذ به تركًا للقياس ومخالفة له. والثاني: جواز الأخذ به، وقد حكى القولين أبو البركات الأنباري، فقال في (لمع الأدلة): "اعلم أن العلماء اختلفوا في الأخذ به، فذهب بعضهم إلى أنه غير مأخوذ به؛ لِمَا فيه من التحكم وترك القياس، وذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ به، واختلفوا فيه، فمنهم من قال: هو ترك قياس الأصول لدليل، ومنهم من قال: هو تخصيص العلة"، انتهى.
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن القائلين بجواز الأخذ بالاستحسان قد اختلفوا في حقيقته، فذهب بعضهم إلى أن المراد به هو أن يُترك الأصل إلى غيره لدليل، وقد ذكر الأنباري أن من أمثلة ترك قياس الأصول مذهب مَن ذهب إلى أن رافع الفعل المضارع عند تجرده من الناصب والجازم، هو حرف المضارعة الزائد في أوله، يعني: أن القائل بذلك قد ترك قياسَ الأصول؛ لأن حرف المضارعة صار جزءًا من الفعل، والأصولُ تدل على أن يكون العامل غيرَ المعمول، وألا يكون جزءًا
[ ٢١٣ ]
منه؛ لأن جزء الشيء لا يعمل فيه، وقد نسب هذا الرأي للكسائي، وقد ترك قياس الأصول لدليل اعتمد عليه، وهو ملازمة هذه الأحرف للمضارع في الأحوال الثلاثة، ولم تعمل مع عاملي النصب والجزم؛ لقوتهما عنها.
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستحسان تخصيص العلة، ومعنى تخصيص العلة عدم اطرادها، ومثال تخصيص العلة: ما جاء في جمع أرض جمعًا سالمًا لمذكر بالواو والنون رفعًا، والياء والنون نصبًا وجرًّا، مع أنها ليست عَلَمًا لمذكر ولا صفةً له، فقد فقدت شروط جمع المذكر السالم؛ لأنها اسم جنس جامد مؤنث، وإنما جُمِعت هذا الجمع، فقيل: أرضون، عوضًا من حذف تاء التأنيث؛ لأن الأصل أن يقال في أرض: أرضة، بالهاء الدالة على التأنيث؛ لأنها علامة لفظية، فهي أصل لتقديرها، فلما حُذِفت التاء في اللفظ مع بقاء معناها جُمعت بالواو والنون عوضًا من التاء المحذوفة. ونلحظ: أن هذه العلة غير مطردة، فالعرب قد خصصوا هذه اللفظة بجمعها جمع مذكر سالمًا، ولم يُسمع ذلك في نظائرها من كل اسم مؤنث حُذفت منه تاء التأنيث، نحو: شمس وقِدر ودار، فإن الأصل في هذه الكلمات الثلاث: شمسة وقدرة ودارة، ولا يجوز أن تجمع بالواو والنون، فلا يقال: شمسون ولا قدرون ولا دارون؛ لأن هذا الباب سَماعي يُقتصر فيه على ما ورد، ولا يتعداه إلى غيره.
كما نلحظ: أن الاستحسان لا يكون إلا عن دليل؛ لأن فيه عدولًا عن القياس، ولا يعدل عن القياس إلا بدليل، ولذلك نعَى الأنباري على مَن أجاز الاستحسان بلا دليل، وذكر أن القائل بذلك لا يُلتفت إلى قوله ولا يُعول عليه، وأن ما حكي عن بعضهم من أن الاستحسان هو ما يستحسنه الإنسان من غير دليل، فليس عليه تعويل. وبعد أن عَرَضْنا مذهبي العلماء في الاستحسان نشير
[ ٢١٤ ]
إلى أن ابن جني كان ممن يأخذون به، وقد أفرد له بابًا وبين في مقدمة هذا الباب أن علة الاستسحسان ضعيفة غير مستحكِمة، يعني: أنه لما كان الاعتماد فيه على ما يقابل الجلي من القياس كان جِماع أمره أن علته ضعيفة غير محكمة، إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف.
مناقشة أمثلة الاستحسان التي وردت في (الاقتراح) في ضوء نص ابن جني
إنه مع ضعف علة الاستحسان وعدم إحكامها وجدنا ابن جني قد ساق كثيرًَا من الأمثلة مستدلًّا عليها بالاستحسان، وعليه اعتمد السيوطي، فنقل في (الاقتراح) بعض هذه الأمثلة وأعرض عن بعض، كما نقل مثالًا عن صاحب (البديع).
المثال الأول: تركك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة كقلب الياء واوًا في الأسماء، نحو قولهم: الفتوى، والبقوى -أي: الإبقاء- والتقوى، والشروى -أي: المثل- يقال: فلان لا يملك شروى نقير، أي: معدم، فإن الأصل فيها وفي نحوها أن يكون بالياء بأن يقال: فَتِي وبقي وتقي وشري؛ لأن الكلمة الأولى من فتي بالكسر: يفتَى فتًى، فهو فتي السن بَيِّنُ الفتاء، والثانية من بقي يبقَى، والثالثة من وقَى يقِي، والرابعة من شرَى الشيء يشريه. ولكن العرب قد خالفوا هذا الأصل فقلبوا الياء فيها واوًا من غير استحكام علة، أي: من غير علة قوية توجب قلب الياء واوًا؛ لأنه يمكن بقاؤها على حالها من غير مخالفة شيء من الأصول، وإنما قلبوا استحسانًا للقلب، وإيماءً للفرق بين الاسم الذي على وزن فَعلى كالأسماء المذكورة، والصفة التي على هذا الوزن، نحو: صديى مؤنث صديان، أي: عطشان، ونحو: خزيى.
[ ٢١٥ ]
وخصوا الاسم بالإعلال؛ لأنه أخف من الصفة، فكان أحمل للأثقل، وهذه علة ضعيفة وليست علة معتدة كما قال ابن جني، ووجه ضعفها وعدم اعتدادها أن الاسم شارك الصفةَ في أشياء أخرى ولم يوجب العرب على أنفسهم التفرقةَ بينهما في جميع ما اشتركَا فيه، ومما اشتركَا فيه تكسيرهما على وزن واحد، فقد قالوا في تكسير حسن وهو صفة: حِسان، كما قالوا في تكسير جبل وهو اسم لا صفة: جبال، فوزن جمع الاسم وجمع الصفة واحد، وهو فعال، وقالوا: رجل غفور، وقوم غفر، وفخور وفُخُر، كما قالوا في تكسير عمود وهو اسم عُمُد، وقالوا: جمل بازل، أي: طلع نابه، وذلك في السنة الثامنة أو التاسعة، وإبل بوازل، وشغل شاغل، وأشغال شواغل، كما قالوا في الاسم: غارب وغوارب، وكاهل وكواهل، فلم يختلف وزن الاسم عن وزن الصفة. ومعنى ذلك: أن علة الفرق بين الاسم والصفة علة ليست مطردة، فدل ذلك على أنها ضعيفة غير مستحكمة؛ لأنها لو كانت مستحكمة لاطردت في جميع المواضع، فجميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علة، وليس بجار مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول، ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجبًا لَجَاء في جميع الباب كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقاد في جميع الباب؟.
والمثال الثاني: ما يخرج عن القياس للتنبيه على أصل الباب في نحو: استحوذ، من قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) وقولهم: أَغْيَلت المرأة ولدَها، أي: أرضعته الغَيْلَ، وهو اللبن الذي ترضعه المرأة ولدها وهي حامل، وأَطْوَلتَ من قول الشاعر:
صددت فأطولتَ الصدودا وقلما وِصال على طول الصدود يدوم
وقول العرب: كثرة الشراب مبْوَلة، وقولهم: هو مطيبة للنفس، وقول الراجز:
فإنه أهل لأن يؤكرما
[ ٢١٦ ]
فقد وُجد في هذه الألفاظ ما يقضي بإعلالها، فيقال: استحاذ وأغالت وأطلت ومبالة ومطابة ويكرم، ولكن بقيت الواو والياء بحالهما مع قيام مقتضى الإعلال؛ استحسانًا، وتنبيهًا على أن الألف في نحو قولنا: استقام، أصله الواو، وأن الأصل: استقوم، وعلى أن أصل نحو مقامة هو مقومة، وأصل يحسن: يؤحسن، ولا يقاس هذا؛ لأنه لم تستحكم علته، وإنما خرج تنبيهًا وتصرفًا واتساعًا.
والمثال الثالث: بقاء الحكم مع زوال علته، وهذا المثال نقله السيوطي عن (الخصائص) من باب عنوانه: باب في بقاء الحكم مع زوال علته، ومضمون هذا الباب: أن الأصل أن الحكم مرهون بعلته، فإن زالت العلة زال الحكم إلا أن يكون في الكلام استحسان، فتزول العلة ويبقى الحكم، وقد صدره ابن جني بقوله: "هذا موضع ربما أوهم فساد العلة، وهو مع التأمل ضد ذلك نحو قولهم فيما أنشده أبو زيد:
حِمًى لا يُحل الدهر إلا بإذننا ولا نسأل الأقوام عقد المياثق
ومعنى البيت: كنا في الزمن الذي لا يطيع الناس بعضهم بعضًا، يُرَى لنا حمًى لا يحل إلا بإذننا، وحمى في البيت مرفوع؛ لأنه قام مقام الفاعل للفعل يرى في بيت قبله، والدهر منصوب على الظرفية الزمانية"، وأوضح ابن جني أن المياثق جمع مفرده ميثاق، والأصل فيه: موثاق، وقد وقعت الواو ساكنة بعد كسرة فقلبت ياءً، فقيل: ميثاق، ويجمع على: مواثق، برد الواو إلى أصلها؛ لأن العلة التي أوجبت قلبها في المفرد قد زالت في الجمع، وهي كسر ما قبلها مع سكونها، لكن استحسن هذا الشاعر ومَن تابعه إبقاء القلب مع زوال العلة، فقال في جمعه: مياثق، بإبقاء القلب، والذي حسن بقاء القلب هو أن الجمع غالبًا تابع لمفرده إعلالًا وتصحيحًا، أي: وهذه علة استحسانية خلفت العلةَ الموجبةَ للقلب، فلأجلها بقي القلب بحاله، فلما أعل المفرد بقلب الواو ياءً وقيل: ميثاق، أعل الشاعر الجمع تبعا لمفرده؛ استحسانًا، لا عن علة قوية مستحكمة. قال ابن
[ ٢١٧ ]
جني: "وقياس تحقيره -أي: تصغيره- على هذه اللغة -أي: التي أبقت القلب بحاله مع زوال علته- أن يقال: مُيَيْثِيق". انتهى. يعني: أن يصغر على مييثيق بالياء؛ إتباعًا للمكبر وإبقاءً لما كان على ما كان.
والمثال الرابع ذكره صاحب (البديع) قال: "إذا اجتمع التعريف العَلَمي والتأنيث السماعي أو العجمة في ثلاثي ساكن الوسط كهند ونوح، فالقياس منع الصرف أي: لوجود مقتضيه وهو اجتماع العلتين العلمية والتأنيث، أو العلمية والعجمة، والاستحسان الصرف لخفته"، انتهى. أي: أن صرف الممنوع من الصرف إذا كان علمًا مؤنثًا أو عجميًّا ثلاثيًّا ساكن الوسط، نحو: هند ونوح، فالقياس في هذين الاسمين ونحوهما المنع من الصرف، فيمنع الأول من الصرف للعلمية والتأنيث، ويمنع الثاني من الصرف للعلمية والعجمة، ولكن هذا القياس قد يخالَف، فيصرف هذان الاسمان ونحوهما؛ تخفيفًا، فعلة الصرف الاستحسان مع قيام علة المنع، والخفة علة للاستحسان. قيل: ظاهر كلام المصنف تساوي الوجهين في العلمين مع أن الأحسن في ذي التأنيث المنع، والوجهان متساويان أو الراجح الصرف في ذي العجمة.
مناقشة مثالين آخرين من أمثلة الاستحسان الأخرى التي وردت في (الخصائص) ولم يذكرها (الاقتراح)
ذكر ابن جني في كتابه (الخصائص) من أمثلة الاستحسان أمثلة، نذكر منها مثالين؛ المثال الأول: إلحاق نون التوكيد اسم الفاعل، فالأصل في نون التوكيد أن تلحق الفعل المضارع وقد لحقت اسم الفاعل في قول الراجز:
أَريتَ إن جئتُ به أُمْلُودا مُرَجَّلا ويلبس البُرودا
أقائلن: أحضروا الشهودا
[ ٢١٨ ]
الأملود: الأملس الناعم، والمرجل الشعر: الذي شعره بين الجعودة والسبوطة، قيل من قصة هذا الرجز: أن رجلًا من العرب أتى أَمة له فلما حملت منه جحدها، وزعم أنه لم يقربها، فقالت له هذا الرجز، تريد: أخبرني إن ولدت ولدًا مرجل الشعر، حسن الملمس كالغصن الناعم، أتقول لي: أحضري الشهود على أن هذا الولد منك؟ إنك لن تقول ذلك، وإنما ترضى بالولد، فاصبر فعسى أن أجيء بما تقر به عينك. وقد ألحق الراجز أو الراجزة نون التوكيد اسم الفاعل أقائلن؛ تشبيهًا له بالفعل المضارع، وأصله: أقائلون، فلما أُكِّد صار أقائلونن فحذفت نون الجمع لتوالي الأمثال، وحذفت الواو أيضًا؛ لاجتماعها ساكنةً مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلًا عليها.
قال ابن جني في (الخصائص): "فهذا استحسان لا عن قوة علة ولا عن استمرار عادةً، ألا تراك لا تقول: أقائمن يا زيدون ولا أمنطلقن يا رجال؟ إنما تقوله بحيث سمعته، وتعتذر له، وتنسبه إلى أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة له"، انتهى. يريد ابن جني: أن المشابهة الحاصلة بين اسم الفاعل والفعل المضارع هي التي سوغت مخالفة الأصل، وأن تلحق نون التوكيد اسم الفاعل، والمشابهة ليست علة قوية مستحِكمة، بل هي علة ضعيفة، وقال الشيخ خالد في (التصريح): "ولقائل أن يقول: لا نسلم أن في قوله: أقائلن توكيدًا بالنون؛ لاحتمال أن يكون أصله: أقائل أنا، فحذفت الهمزة اعتباطًا، ثم أدغم التنوين في نون أنا على حد قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ (الكهف: ٣٨) قاله الدماميني، وقال غيره: نُقلت حركة الهمزة إلى التنوين قبلها ثم حذفت الهمزة، ثم أدغم التنوين في نون نا والأول قصر المسافة"، وتابع الشيخ خالد حديثه. فذكر أن كلا التقديرين معترض عليه من وجهين:
[ ٢١٩ ]
أحدهما: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزن المقيس عليه، وهنا ليس كذلك؛ لأن الألف الثانية في المقيس عليه -يعني: ﴿لَكِنَّا﴾ في آية الكهف- مذكورة، وفي المقيس -يعني: أقائلن- محذوفة. والثاني: أن هذا الاحتمال إنما يتمشى حيث كان المعنى: أقائل أنا على التكلم، أما إذا كان المعنى على الخطاب كما تعطيه السوابق واللواحق فلا.
والمثال الثاني: قلبهم الواو ياء من غير استيفاء شروط هذا القلب، قال ابن جني: "ومن الاستحسان قولهم: صِبية وقِنية وعِذي وبِلْي سفر، وناقة عِليان، ودَبَّة مِهيار، فهذا كله استحسان لا عن استحكام علة". يريد ابن جني أن يقول: إن العرب قد أعلوا الواوَ بقلبها ياءً في الكلمات السابقة ونحوها من غير استيفاء شرط هذا الإعلال، فقد شرط الصرفيون لقلب الواو ياءً هنا أن تكون الواو متطرفة حقيقة أو حكمًا إثر كسرة، سواء أكانت في اسم كالداعي والغازي اسمي فاعل من الدعوة والغزوة، أم في فعل مبني للفاعل كرضي من الرضوان، وقوي من القوة، أو مبني للمفعول كدُعِي وعفي من الدعوة والعفو، وسواء أكان التطرف حقيقيًّا -كما تقدم- أم حكميًّا كما في نحو شَجْيَة، وهي صفة مشبهة لمؤنث من الشجو، وهو الحزن، وأكسية في جمع كساء من الكسوة، وغازية اسم فاعلة من الغزو، فإن التاء سواء أكانت للتأنيث أم بُنيت الكلمة عليها تعد في تقدير الانفصال. وقد شذ من ذلك نوعان:
أحدهما: نوع صحح ولم تعل فيه الواو بقلبها ياء مع استيفاء شرطي الإعلال، كقولهم في جمع كلمة سواء -بفتح السين المهملة والمد بمعنى مستو: سَواسِوَة، يقال: الناس سواسوة في هذا الأمر، أي: مستوون فيه، وقالوا أيضًا: سواسية على الأصل والقياس، وكقولهم: مَقاتِوَة -بقاف وتاء مثناة فوق- بمعنى خُدام
[ ٢٢٠ ]
في جمع مُقْتَو، اسم فاعل من القَتْو، وهو الخدمة، أصله مُقْتَوِو، قُلبت الواو الثانية ياءً؛ لتطرفها إثر كسرة، ثم أعل إعلال قاض، فقالوا في الجمع: مقاتوة. وقال عمرو بن كلثوم مخاطبًا عمروَ بنَ هند ملك الحيرة في الجاهلية:
بأي مشيئة عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
بأي مشيئة عمرو بن هند نكون لقيلكم فيها قطينا
تهددنا وأوعِدنا رويدًا متى كنا لأهلك مقتوينا؟
تزدرينا أي: تحتقرنا، والقَيْل: الحاكم الذي وليتموه علينا، وقطينا أي: رعايا وخدمًا، والفعلان اللذان في أول البيت الثالث جاءا بصيغة الأمر: تَهَدَّدْنا وأوعدنا، للتهديد والسخرية، والشاهد في قوله: "متى كنا لأهلك مقتوينا" أي: متى كنا لأهلك خدمًا.
والنوع الثاني الذي حكم عليه الصرفيون بالشذوذ نوع أُعلت فيه الواو بقلبها ياء من غير أن تستوفي الشرط الثاني من شرطي هذا الإعلال، كالأمثلة التي أوردها ابن جني فيما تقدم، فقد أعلت الواو فيها بقلبها واوًا وهي وإن كانت الواو فيها متطرفة حقيقة أو حكمًا، ليست إثر كسرة، وقد ذكر ابن جني أن هذا المسموع عن العرب إنما خُولِف فيه القياس؛ استحسانًا لا عن استحكام علة، وفَصَّل القول في بيان ذلك فقال: "وذلك أنهم لم يعتدوا الساكن حائلًا بين الكسرة والواو لضعفه، وكله من الواو". يعني ابن جني أن العرب اعتبروا لام هذه الكلمات وهي الواو -كما سيبين لاحقًا- في حكم المتطرفة؛ لأنها وإن لم تكن طرفًا حقيقةً فهي طرف حُكمًا، إذ الحاجز بين الواو والكسرة حرف ساكن، والحرف الساكن حاجز غير حصين، فعدوه في حكم غير الموجود.
ونتابع تفصيل الأمر مع ابن جني، حيث يقول: "وذلك أن قِنْيَة من قَنَوْت، ولم يثبت أصحابنا قنيت"، يعني: أن لفظ قنية -بكسر فسكون- ومعناها: ما يتخذه
[ ٢٢١ ]
الإنسان من الغنم وغيرها لنفسه لا للتجارة، واوية اللام عند أصحابه البصريين، أي: وعلى رأسهم سيبويه الذي يقول في (الكتاب): "وقالوا: قنية للكسرة، وبينهما حرف، والأصل: قنوة، فكيف إذا لم يكن بينهما شيء؟ ". انتهى. وابن جني يعني بالبغداديين هنا الكوفيين، قال ابن منظور في (لسان العرب) مادة قنا: "القِنوة والقُنوة والقِنية والقُنية: الكِسْبة، قلبوا فيه الواو ياءً للكسرة القريبة منها، وأما قُنية فأقرت الياء بحالها التي كانت عليها في لغة ما انكسر، هذا قول البصريين. وأما الكوفيون فجعلوا: قنيت وقنوت لغتين"، انتهى.
وساق ابن جني بعض الكلمات الأخرى التي من قبيل قنية، ومن ذلك قوله: "وصبية من صبوت، وعِلية من علوت، وعذي من قولهم: أرضون عَذَوات، وبلي سفر من قولهم في معناه: بِلو أيضًا، ومنه البلوى، وإن لم يكن فيها دليل، إلا أن الواو مطردة في هذا الأصل، قال:
فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
وهو راجع إلى معنى بلو سفر، وقالوا: فلان مبلو بمحنة، وغير ذلك، والأمر واضح، وناقة عليان من علوت أيضًا". انتهى. يريد ابن جني أن لفظ صبية أصله صِبوة، فهو واوي اللام، وقد حدث فيه ما حدث في نظائره من الكلمات المذكورة ونحوها، وفي (لسان العرب) مادة صبا: "الصبوة: جهلة الفتوة واللهو من الغزل، ومنه: التصابي والصبا، صبَا صَبوًا وصُبوًّا وصبًى وصباءً، والصبوة جمع صبي، والصبية لغة، والمصدر الصبا، والصبي: من لدن يولد إلى أن يفطم، والجمع: أصبية، وصبوة، وصِبية، وصَبية، وصِبوان، وصُبوان، وصبيان، قلبوا الواو فيها ياءً للكسرة التي قبلها، ولم يعتدوا بالساكن حاجزًا حصينًا؛ لضعفه بالسكون، وقد يجوز أن يكونوا آثروا الياء لخفتها، وأنهم لم يراعوا قرب الكسرة، والأول أحسن، وأما قول بعضهم: صُبيان -بضم الصاد
[ ٢٢٢ ]
مع الياء- ففيه من النظر، أنه ضم الصاد بعد أن قلبت الواو ياء في لغة ما انكسر، فقال: صُبيان، فلما قلبت الواو ياء للكسرة وضمت الصاد بعد ذلك، أُقرت الياء بحالها التي هي عليها في لغة ما انكسر". انتهى.
فابن منظور في (لسان العرب) يرى أن قلبهم الواو ياء في صبية لإحدى عِلتين؛ إما مراعاة للكسرة قبلها والحاجز غير حصين، وإما إيثارًا للياء؛ طلبًا للخفة دون مراعاة لقرب الكسرة، وأن أقوى السببين الأول، لا طلب الخفة، وابن منظور مسبوق فيما ذكره من أن القلب لإحدى السببين بما قاله ابن جني، فقد أشار ابن جني في حديث مفصل إلى أن القلب هنا قد يكون لهذه العلة أو لتلك، وذكر العلتين اللتين أوردهما ابن منظور، المتوفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة من الهجرة، أي: بعد وفاة ابن جني بأكثر من ثلاثة قرون، ولكن ابن جني ذكر أن القلب مع الكسرة لم يكن له قوة في القياس في حديث: قنية وصبيان وصبية في إقرار الياء بحالها مع زوال الكسرة في صُبيان وقُنية، وإنما كان مجنوحًا به إلى الاستخفاف، وذلك أن الكسرة لم تل الواو، ألا ترى أن بينهما حاجزًا وإن كان ساكنًا؟ فإن مثله في أكثر اللغة يحجز، وذلك نحو: جِرْو وعلو وصنو وقنو ومِجول ومِقول، وهذا كثير فاش، فلما أعلوا في صبية وبابه، عُلم أن أقوى سببي القلب إنما هو طلب الاستخفاف لا متابعة الكسر مضطرًّا إلى الإعلال.
وحديث ابن جني هنا كعادته في سائر أحاديثه، إنه حديث النقل والعقل معًا، فهو لم يكتفِ بإيراد النظائر الدالة على زوال أثر الكسرة مع الحاجز الساكن من واقع المسموع عن العرب، كجرو ونحوه، بل ذكر أن باب صبية وعِلية أقر حكمه مع زوال الكسرة عنه؛ اعتذارًا في ذلك بأن القلب فيه لم يكن عن وجوب فيزال عنه لزوال ما دعا إليه، وإنما كان استحسانًا، فليكن مع زوال الكسر أيضًا استحسانًا، أي: طلبًا للخفة.
[ ٢٢٣ ]
ومن واوي اللام أيضًا عِلية من نحو قولهم: فلان من عِلية القوم، أي: عالي القدر، رفيع المنزلة، ومن ذلك قولهم: ناقة عليان، أي: ضخمة طويلة جسيمة، وأصله: علوان؛ لأنه أيضًا من: علوت، ومنه أيضًا: عِذي، من قولهم: أرضون عَذَوات، وهي الأرض الطيبة التربة، الكريمة المنبت، وبلي من قولهم: ناقة بلي، أي: أبلاها وأتعبها وأضناها السفر، وذكر ابن جني أنه يقال في معناها كذلك: بلو، أي: من غير قلب الواو ياء مع الكسرة، ومن ذلك البلوى، إلا أن البلوى يحتمل أن تكون الواو فيها بدلًا من الياء كالفتوى والتقوى، وأن يكون أصلها البَلْي، فأبدلت الياء واوًا من باب ترك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة كما قيل في الفتوى والتقوى ونحوهما، وأن تكون واوية اللام، وهو الاحتمال الأقوى؛ لاطراد الواو في هذا الأصل، وعليه قول زُهير:
جزى الله بالإحسان ما فعلَا بكم وأبلاهما خيرَ البلاء الذي يبلو
أي: صنع الله بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده، والشاهد في قوله: "يبلو" فهو مضارع بلا، من قولهم: بلوت الرجلَ، وأبلاه الله بلاءً حسنًا، من الإبلاء، وهو الإنعام والإحسان، والبلاء الاسم، ممدود، ومن هنا فليس في لفظ البلوى دليل قاطع على أنه واوي اللام. فإذا انتقلنا من ابن جني وذهبنا إلى الزمخشري، وجدناه في كتابه (المفصل) يذكر أن إبدال الواو ياء في نحو صبية وعليان، غير مطرد.
ويقول شارحه ابن يعيش في شرحه عليه: "وقد أبدلوا الياء من الواو إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن تراخت عنها بحرف ساكن؛ لأن الساكن لضعفه ليس
[ ٢٢٤ ]
حاجزًا قويًّا، فلم يعتد حاجزًا، فصارت الكسرة كأنها باشرت الواو، ومن ذلك قولهم: صبية وصِبيان، والأصل: صبوة وصبوان؛ لأنه من: صبوتُ أصبو، فقلبت الواو ياءً لكسر الصاد قبلها، ولم تفصل الباء بينهما؛ لضعفها بالسكون، وربما قالوا: صِبوان، فأخرجوها على الأصل -أي: بالواو- وقد قال بعضهم: صُبيان، بضم الصاد مع الياء، وذلك أنه ضم الصاد بعد أن قلبت الواو ياءً في لغة ما انكسر، فأقرت الياء على حالها وقالوا: ناقة بِلو أسفار، وبلي أسفار، وهو من: بلوت، وقالوا: ناقة عليان وعليانة، أي: طويلة جسيمة، فهو من: علوت، فقلبوا الواو ياء؛ لما ذكرناه من الكسرة قبلها، ولم يعتدوا بالساكن بينهما؛ لضعفه". انتهى ما قاله ابن يعيش. ومن الواضح تأثر ابن يعيش بكلام ابن جني إلى حد بعيد.
هذا والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٢٥ ]