[ ٢٢٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(بعض مباحث التعارض والترجيح)
المراد بالتعارض والترجيح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
إن التعارض والترجيح مصطلحان من مصطلحات أصول الفقه، ولم يذكر السيوطي في كتابه (الاقتراح) التعريف بهما. والتعارض في اللغة: مصدر الفعل تعارض، إذ يقال: تعارض الشيئان: إذا عارض كل منهما الآخرَ وقابله، وفي نسخة أخرى: التعادل، بدل التعارض، أي: التوازن في الأدلة. ويعرفه علماء أصول الفقه: بأنه تقابل الدليلين المتساويين على سبيل التمانع، بمعنى: أن يقتضي كل دليل منهما حكمًا يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر، والترجيح في اللغة: هو مصدر الفعل رجَّحَ، ويعرفه الأصوليون: بأنه إظهار زيادة أحد المتماثلين على الآخر، بمعنى: أن يكون في أحد الدليلين المتماثلين زيادة ترجح ما يقتضيه هذا الدليل على ما يقتضيه الدليل الآخر. والمراد به عند النحاة: وقوع الرجحان بين الأدلة المتعارضة، وحديث علماء أصول النحو عن التعارض والترجيح أثرٌ من آثار أصول الفقه؛ لأن الأصوليين من الفقهاء قد عُنوا بالترجيح بين الأدلة التي يظن بينها التعارض، كما عني الأصوليون من النحاة بالترجيح بين الأدلة المتعارضة في النحو.
غير أن هناك فرقًا بين التعارض في أدلة الشرع والتعارض في أدلة النحو، إذ ليس هناك تعارض حقيقي بين الأدلة الشرعية؛ لأن التعارض بين الأدلة الشرعية -كما يقول أحد المعاصرين- جمع بين متناقضين، وهو محال على الشارع الحكيم المحيط علمه بكل شيء؛ لأنه أَمارة العجز -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وإنما المراد التعارض الظاهري في نظر المجتهد المستنبط للأحكام من أدلتها قبل معرفة
[ ٢٢٩ ]
الناسخ والمنسوخ من الدليل، أو قبل أن يظهر له رجحان أحدهما على الآخر، أو إمكان الجمع بينهما، فهو يحكم في بادئ الأمر بالتعارض قبل البحث، وبعد بحثه وتأمله يزول هذا التعارض.
أما أدلة النحو فيجوز أن يوجد بينها تعارض حقيقي، فنجد أن أحد الأدلة يثبت حكمًا وينفيه الآخر، وحينئذٍ يكون الترجيح بين الأدلة المتعارضة، وإذا عرفنا أن مبحث التعارض والترجيح منقول من أصول الفقه إلى أصول النحو مع الفارق الذي بيناه؛ فإننا نشير إلى أن ابن جني قد أفرد في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس، كما أشار في الجزء الثاني إلى تحكيم القياس في الترجيح بين السماعين إذا تعارضَا.
وعقَدَ الأنباري في كتابه (الإغراب في جدل الإعراب) فصلًا عنوانه: في ترجيح الأدلة، كما عقد في كتابه (لمع الأدلة) ثلاثة فصول أولها في المعارضة، وثانيها في معارضة النقل بالنقل، وثالثها في معارضة القياس بالقياس. ثم جاء السيوطي فجمع ما ذكره ابن جني وما ذكره الأنباري، وزاد عليهما فصولًا، فجعل التعارض والترجيح في ست عشرة مسألةً.
وبتأمل هذه المسائل التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح) نلحظ أن بعض هذه المسائل يندرج تحت تعارض الأدلة النحوية، وذلك مثل التعارض بين سماعين، وأيضًا مثل التعارض بين قياسين، والتعارض بين السماع والقياس، فهذه المسائل تتناول التعارضَ بين أدلة النحو وأصوله، إذ إن السماع والقياس من أدلة النحو الغالبة، كما أن بعض هذه المسائل ليس من تعارض الأدلة النحوية كالتعارض بين ارتكاب ضعيف وارتكاب لغة شاذة، وتعارض القولين لعالم واحد، وما رجحت به لغة قريش على غيرها من لغات العرب، والترجيح بين البصريين والكوفيين وغيرها. فهذه المسائل ليست من تعارض الأدلة.
[ ٢٣٠ ]
حكم تعارض نقلين
إن التعارض بين نقلين هو المسألة الأولى من مسائل التعارض والترجيح في (الاقتراح) وقد استقى السيوطي مادة هذه المسألة من (لمع الأدلة) الفصل السابع والعشرين، والمراد به أن يدل دليل من السماع على حكم ويدل دليل آخر على خلافه. قال الأنباري: "اعلم، أنه إذا تعارض نقلان أُخِذَ بأرجحهما، والترجيح يكون في شيئين؛ أحدهما: الإسناد، والآخر: المتن. فأما الترجيح في الإسناد: فأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر، أو أعلم، أو أحفظ"، وذكر مثالًا لذلك. ثم قال: "وأما الترجيح في المتن فأن يكون أحد النقلين على وفق القياس، والآخر على خلاف القياس"، وذكر مثالًا لذلك أيضًا.
ومعنى ما ذكره الأنباري ونقله السيوطي عنه: أنه قد يرد في كلام العرب دليل نقلي يدل على حكم من الأحكام النحوية، ثم يرد دليل آخر يقتضي خلافَ ما دل عليه الدليل الأول، وإذا وقع مثل ذلك أُخِذَ بأرجحهما؛ لأن الأرجحية من مرجحات الأدلة ومقوية لبعض النقول على بعض. وهناك سبيلان للترجيح بين هذين الدليلين المتعارضين؛ أحدهما: أن يكون الترجيح بالإسناد، والآخر: أن يكون الترجيح بالمتن، ومعنى الترجيح بالإسناد: أن يكون رواة أحد الدليلين أكثرَ أو أعلمَ أو أحفظَ من رواة الدليل الآخر، فيكون الدليل الذي كثر رواتُه أو سَلِموا من الطعن أولى بالقبول من الدليل الذي قَلَّ رواتُه أو لم يسلموا من الطعن فيهم. ومثال الدليلين المتعارضين اللذين رجَّحَ الإسناد أحدهما وضعف الآخر، قول الشاعر عَدي بن زيد العِبادي:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه عن ظهر غيب إذا ما سائل سأل
[ ٢٣١ ]
فقد روي قوله: "تحدثه" بروايتين: الرفع تحدثُه، والنصب: تحدثَه، فاستدل الكوفيون برواية النصب على أن كما تأتي بمعنى كيما ويكون المضارع بعدها منصوبًا، وذهب البصريون إلى أن كما لا تكون بمعنى كيما ولا يجوز نصب المضارع بعدها، وحجتهم في ذلك: أن رواية النصب في "تحدثه" لم يذكرها إلا المفضل بن سلمة بن عاصم أبو طالب الضبي النحوي اللغوي الكوفي، المتوفى نحو سنة تسعين بعد المائتين من الهجرة، فقد ذكر رواية النصب وحده، أي: هو الذي ذكر البيت برواية "تحدثَه" وله -أي: للمفضل هذا- اختيارات اختار المحققون خلافها، وقد أجمع الرواة من البصريين والكوفيين على رواية الرفع، فلما كان رواة الرفع أكثر وأعلم وأحفظَ كانت روايتهم راجحةً على رواية النصب، وبذلك يكون الإسناد هو الذي رجَّح أحدَ النقلين على الآخر. ومعنى الترجيح بالمتن: أن يكون أحد النقلين موافقًا للقياس ويكون النقل الآخر مخالفًا له، فيكون الدليل الذي جاء موافقًا للقياس أولى بالقبول وأحق، كما يكون أولى بالترجيح، ومثاله قول الشاعر طرفة بن العبد:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
قوله: "أيهذا الزاجري"، أي منادى بإسقاط حرف النداء، والتقدير: يا أيها، وها: للتنبيه، وقد ذكرت وصلة كما هو معروف، والإشارة نعت لأي، والزاجري: أي: الذي يزجرني ويمنعني ويكفني، وهو نعت لاسم الإشارة، والوغى: الحرب، وقوله: "هل أنت مخلد" معناه: هل تضمن لي البقاء والخلود إذا أحجمتُ عن القتال ومنازلة الأقران؟.
وقد روي قوله: "أحضر" بروايتين: الرفع "ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى"، وبالنصب: "ألا أيهذا الزاجري أحضرَ الوغى". واستدل الكوفيون برواية النصب
[ ٢٣٢ ]
على أن الأصل أن أحضرَ فدل على جواز إعمال أنْ محذوفةً في غير مواضع حذفها المقررة في علم العربية، ومنع ذلك البصريون، إذ إِنَّ أَنْ لا يجوز إعمالها عندهم محذوفةً في غير مواضع حذفها، وردوا قول الكوفيين بقولهم: إن رواية الرفع جاءت موافقةً للقياس، ووجه موافقتها له -أي: للقياس- أن أنْ من عوامل الفعل المضارع وهي ضعيفة، فينبغي ألا تعمل من غير عوض، ويدل على ضعفها أن من العرب من يهملها مظهرةً، ويرفع ما بعدها؛ تشبيهًا لها بما المصدرية كما جاء في قراءة ابن محيصن -وهو أحد القراء الأربعة فوق العشرة- كما جاء قوله تعالى: "لِمَنْ أرادَ أنْ يُتمُّ الرضاعةَ" (البقرة: ٢٣٣) برفع الفعل المضارع "يتم". ولما كانت أنْ ضعيفة عن العمل كان القياس ألا تعمل وهي محذوفة، وعلى القياس جاءت رواية الرفع في قول طرفة: "أحضرُ الوغى" ولذلك كانت رواية الرفع أولى وأرجح من رواية النصب في البيت المذكور.
ونلحظ على مثال الترجيح في المتن: أن السيوطي قد نقله من (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد سبق إلى الترجيح بالمتن ابن جني في كتابه (الخصائص) إذ ذكر أن القياس يكون حَكَمًا بين النقلين المتعارضين، وذلك في مسألة تقديم التمييز على عامله المتصرف، فقد اختلف النحويون في حكم تقديم التمييز على عامله المتصرف، فذهب فريق من النحويين إلى جوازه وعلى رأس هذا الفريق الكسائي والمازني والمبرد وابن مالك؛ قياسًا على سائر الفضلات المنصوبة بفعل متصرف، ولصحة وروده في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كما قال ابن مالك في شرح (التسهيل) وغيره. وجعله في نظم (الألفية) قليلًا، فقال:
وعامل التمييز قدِم مطلقًا والفعل ذو التصريف نزرًا سُبِقَا
فأجاز هذا الفريق -أعني: الكسائي ومن معه- أن يقال -مثلًا: عَرَقًا تصببتُ، مستدلين بقول الشاعر:
[ ٢٣٣ ]
أتهجر ليلَى بالفراق حبيبها وما كان نفسًا بالفراق تطيبُ
فقد روي البيت بنصب "نفسًا" على التمييز، فتقدم التمييز "نفسًا" على عامله المتصرف "تطيب". ومنع فريق من النحويين أن يتقدم التمييز، وذكروا أن هذه الرواية تقابلها رواية أخرى وهي "وما كان نفسي بالفراق تطيب"، برفع "نفسي"؛ لأنها اسم كان، و"تطيب" خبرها، كأنه قال: وما كان نفسي طيبةً، فتَعَارَض نقلان، وقد منع سيبويه والجمهور تقديم التمييز على عامله المتصرف، وتبع ابن جني مذهب سيبويه والجمهور، ورجح روايةَ الرفع على رواية النصب، وكان القياس هو المرجح؛ لأن التمييز فاعل في المعنى، ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، فكذلك التمييز. قال ابن جني -﵀: "ومما يَقْبُحُ تقديمه الاسم المميِز وإن كان ناصبه فعلًا متصرفًا، فلا نجيز: شحمًا تفقأتُ، ولا عَرَقًا تصببتُ، فأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه أبو العباس من قول المخبل:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها وما كان نفسًا بالفراق تطيبُ
فتقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا: وما كان نفسي بالفراق تطيب، فرواية برواية، والقياس من بعد حاكِم". وأوضح ابن جني أن التمييز في البيت المذكور في الأصل هو الفاعل في المعنى، فأصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم حُوِّل الإسناد عن الفاعل الواقع مضافًا إلى ياء المتكلم إلى المضاف إليه، أي: إلى ياء المتكلم، فحولت إلى ضمير رفع؛ لوقوعها فاعلًا، فحصل في الإسناد إلى هذا الضمير إبهام، فجِيء بالمضاف الذي كان فاعلًا وجعل تمييزًا، ويقال عنه: إنه تمييز محول عن الفاعل، فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، فكذلك لا يجوز تقديم المميِز، إذ كان هو الفاعل في المعنى على الفعل.
[ ٢٣٤ ]
حكم ترجيح لغة على أخرى
لقد أفرد ابن جني بابًا في كتابه (الخصائص) عنوانه: باب اختلاف اللغات وكلها حجة، وعليه عول السيوطي في هذه المسألة، فقد أجاز ابن جني فيه الاحتجاج بجميع لغات العرب، وليس المراد جميع ما نطقت العرب به، بل المراد باللغات لغات القبائل التي يؤخذ عنها ويعتد بفصاحتها، إذ إن علماء العربية لم يأخذوا عن جميع القبائل وإنما أخذوا عن بعضها وأعرضوا عن بعض، فأخذوا عن القبائل التي سلم أهلها من الاختلاط بالأعاجم، وأعرضوا عن القبائل التي لم تسلم من ذلك، فتسرب إلى ألسنتهم اللحن والخطأ في البنية أو التركيب.
وقد قال ابن جني: "باب اختلاف اللغات وكلها حجة، اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال "ما" يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسًا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا، أَوَ لا ترى إلى قول النبي -ﷺ: «نزَلَ القرآن بسبع لغات كلها كافٍ شافٍ» ". انتهى. ونلحظ في كلام ابن جني: أن له عناية واضحة بالقياس، وقد تجلت هذه العناية في أمرين:
أحدهما: أنه قد جعل اللغات على اختلافها حجة إذا كانت هذه اللغات موافقة للقياس، فإن كانت إحداها مخالفة له فهي لغة مردودة مرغوب عنها. والآخر: أنه قد أوجب على المتكلم أن يختار إحدى اللغتين، وهو معتقد أنه الأقوى قياسًا وأن
[ ٢٣٥ ]
يترك الأخذ بالأخرى وهو معتقد أنها الأضعف من جهة القياس. كما نلحظ أن ابن جني يرفض رد إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنهما متساويتان في قبول القياس لهما، ولذلك قال: "فأما رد إحداهما بالأخرى فلا".
وقوله: "غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما" معناه: أن الواجب على المتكلم إذا وجد لغتين يقبلهما القياسُ أن يتخير إحدى اللغتين؛ لعدم إمكان الأخذ بهما معًا، إذ لا يمكن الجمع بين لغتين في وقت واحد، وضرب ابن جني لذلك مثلًا وهو إعمال ما وإهمالها، فإن للعرب لغتين في ذلك؛ الأولى: إعمالها عمل ليس وهي لغة الحجازيين، والثانية: إهمالها وهي لغة التميميين، والقياس يقبل اللغتين ولا يرد واحدة منهما.
ومما تقدم نلحظ: أن اللغتين يقبلهما القياس فيجب قبولهما ولا يجوز رد واحدة منهما، وإنما نقدم إحداهما على الأخرى مع الاعتقاد بصحة الأخرى، وفصاحتها، واللغة المقدمة من هاتين اللغتين هي لغة الحجازيين في إعمال ما عمل ليس؛ لأنها اللغة التي بها نزل القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١) وقد كثر استعمالها كثرة ظاهرة، ولا يجوز رد لغة التميميين؛ لأن هاتين اللغتين لغتان متساويتان في القياس، فليست إحداهما أحق من الأخرى. أما إذا تباعدت اللغتان فكانت إحداهما كثيرة جدًّا وكانت الأخرى قليلة جدًّا، فلا يجوز القياس على اللغة القليلة، وإنما يقتصر فيها على المسموع ولا يتجاوز، وقد ذكر ابن جني أنه إن قَلت إحدى اللغتين جدًّا وكثرت الأخرى جدًّا، أخذتَ بأوسعهما روايةً وأقواهما قياسًا، ألا ترى أنك لا تقول: مررت بَك، ولا المال لِكَ؛ قياسًا على قول قُضاعة: المال لِه ومررت بَه، ولا تقول: أكرمتكش ولا أكرمتكس؛ قياسًا على لغة من قال: مررت بكش، وعجبت منكس، انتهى.
[ ٢٣٦ ]
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن كسر كاف المخاطب لا يجوز؛ قياسًا على كسر الهاء، كما لا يجوز زيادة الشين أو السين بعد كاف الخطاب المنصوبة؛ قياسًا على مَن ألحقها بالمجرورة. فمثل هذا لا قياس عليه، بل يقتصر فيه على المسموع ولا يتجاوَز. ثم ذكر ابن جني أن استعمال هذه اللغات الضعيفة لا يعد خطأ، وإن كان الواجب على المتكلم أن يقل استعماله لها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع، أي: ما هو أقوى في القياس، وأشيع في الاستعمال، فإن تكلم باللغة القليلة فإنه مصيب في الجملة؛ لعدم خروجه عن كلام العرب بالكلية، كما أن المتكلم إذا اضطر إلى استعمال شيء من ذلك لإقامة وزن أو لمراعاة سجع في كلامه، فإن له أن يرتكب ذلك بلا لوم ولا نسبة خطأ ولا إنكار عليه.
وقد ذكر ابن جني في ذلك: أنه إذا كان الأمر في اللغة المعول عليها هكذا وعلى هذا، فيجب أن يقل استعمالها، وأن يتخير ما هو أقوى وأشيع منها، إلا أن إنسانًا لو استعملها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين، فأما إن احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه غير منعي عليه، وكذلك إن قال يقول على قياس من لغته كذا وكذا، ويقول على مذهب من قال كذا وكذا، وكيف تصرفت الحال، فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه. انتهى. وقد ختم السيوطي هذه المسألة بقول أبي حيان في شرح (التسهيل): "كل ما كان لغةً لقبيلة قِيس عليه"، انتهى. وليس هذا الكلام على إطلاقه؛ لأن إبدال اللام ميمًا لا يقاس عليه لقلته، فوجب التفصيل بين ما كان لغة قليلة وما كان لغة كثيرة، أما اللغة القليلة فلا يقاس عليها، وأما اللغة التي تكثر في كلام العرب فإنه يجوز القياس عليها.
[ ٢٣٧ ]
اللغة الضعيفة أولى من الشاذ
لقد ذكر ابن عصفور فيما نقله السيوطي عنه أنه إذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة، فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من ارتكاب الشاذ، ومعنى ما ذكره ابن عصفور: أنه إذا دار أمر المتكلم بين أن يتكلم بلغة ضعيفة أو بكلام شاذ، فإن التكلم باللغة الضعيفة أولى من ارتكابه الشاذ؛ لأن هذه اللغة على ضعفها مروية عن بعض العرب، وكل لغة تمثل حقلًا لغويًّا لا يصح إهداره أو الحيف عليه، وليس كذلك الشاذ، فاللغة الضعيفة إنما قُدِّمت على الشاذ؛ لأن اللغة الضعيفة مجمع على أن طائفة من العرب قد نطقت بها وإن كانت ضعيفة؛ ولأن الأصل في الشاذ أن يحفظ ولا يقاس عليه، فلا يجوز أن تبنى عليه القواعد، والمراد بالشاذ هنا المردود كتتميم مفعول فيما عينه واو نحو قول بعضهم: ثوب مصوون، ومِسك مَدْوُوف، أي: مخلوط أو مبلول، وفرس مقوود، ورجل مَعْوود من مرضه.
الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما
إن التعارض بين قياسين صورة من صور التعارض بين الأدلة، وقد أفرد الأنباري في كتابه (لمع الأدلة) فصلًا عنوانه: في معارضة القياس بالقياس، وعنه نقل السيوطي هذه المسألة، وقد ذكر الأنباري في مقدمة هذا الفصل: أنه قد يقع التعارض بين قياسين؛ فأحدهما يثبت حكمًا، والآخر يثبت حكمًا آخرَ، وإذا وقع التعارض بين القياسين رُجِّح أحدهما على الآخر. وقد ذكر الأنباري أن هناك طريقين يرجح بهما بين القياسين المتعارضين، فقال: "اعلم أن القياسين إذا
[ ٢٣٨ ]
تعارضا أخذ بأرجحهما، وهو أن يكون أحدهما موافقًا لدليل آخر من طريق النقل أو طريق القياس".
ومعنى ما ذكره الأنباري: أن السماع -وهو الذي يعبر عنه الأنباري باسم النقل- قد يُرجح قياسًا على قياس، كما أن موافقة القياس قد ترجح أحدهما على الآخر، ولم يذكر الأنباري مثالًا رجح فيه السماع أحد القياسين، وإنما اكتفى بقوله: "فأما الموافقة من طريق النقل، فنحو ما قدمناه في الفصل الذي قبله". انتهى. والمراد بالفصل الذي قبله: فصل معارضة النقل بالنقل.
ومما سبق نقول: إن الأنباري لم يذكر في (لمع الأدلة) كما لم يذكر السيوطي في (الاقتراح) مثالًا تعارض فيه قياسان، وكان السماع مرجحًا أحدهما على الآخر، وقد ذكر الأنباري مثالًا لترجيح السماع بين القياسين المتعارضين، وذلك في كتابه (الإنصاف) إذ أفرد في هذا الكتاب مسألةً لعامل النصب في خبر ما النافية. فقد ذهب الكوفيون إلى أن ما الحجازية لا تعمل النصب في الخبر، وإلى أن الخبر منصوب بنزع الخافض، واحتجوا لمذهبهم بالقياس فقالوا: إن القياس في ما ألا تعمل؛ لأن الحرف إنما يكون عاملًا إذا كان مختصًّا و"ما" غير مختص، فالأصل فيه ألا يعمل، ولذلك أهملها بنو تميم، وأعملها الحجازيون؛ لأنهم شبهوها بـ: ليس من جهة المعنى، وهو شبه ضعيف، فلم يقوَ على العمل في الخبر كما عملت ليس.
وذهب البصريون إلى أن "ما" هي التي تنصب الخبر واحتجوا بالقياس، فذكروا أن الدليل على صحة مذهبهم، هو أن ما أشبهت ليس فوجب أن تعمل عملها، وعمل ليس الرفع والنصب، أي: رفع الاسم ونصب الخبر، ويقوي الشبهَ بين ما وليس دخول الباء في خبر ما كما تدخل في خبر ليس فَمِن دخول الباء في خبر
[ ٢٣٩ ]
ليس قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: ٣٦) ومن دخول الباء في خبر ما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦). فإذا ثبت أن ما قد أَشبهت ليس وجب أن تعمل عملها.
ومما سبق: يتبين أن هناك قياسين متعارضين، وقد رجح الأنباري قياس البصريين، فذكر أن النقل -أي: السماع- هو الذي يرجح ما ذهب إليه البصريون، فقال: "وأما قولهم -أي: قول الكوفيين: إن القياس يقتضي ألا تعمل، قلنا: كان هذا هو القياس، إلا أنه وُجِدَ بينها وبين ليس مشابهة اقتضت أن تعمل عملها، وهي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ وقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢) ". ومما سبق: يتبين أن السماع هو أحدُ الطريقين اللذين يُرجح بهما بين القياسين المتعارضين.
والطريق الآخر هو القياس، ومثاله: أن يقول الكوفي: إنَّ إِنَّ وأخواتِها تعمل في الاسم النصب لشبه الفعل، ولا تعمل في الخبر الرفع، بل الرفع فيه بما كان يرتفع به قبل دخولها، فيقول البصري: هذا فاسد؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا وهو يعمل الرفع، فما ذهبتَ إليه يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز. وبيان ذلك: أن النحويين لم يختلفوا في أن إنَّ أو إحدى أخواتها هي التي تعمل النصب في الاسم، ولكن اختلفوا في عامل الرفع في الخبر على مذهبين، وحجة الكوفيين فيما ذهبوا إليه أن إنَّ إنما عملت بالحمل على الفعل فهي ضعيفة، ويجب أن تكون منحطةً عن رتبة الفعل الذي عملت بالحمل عليه كما هو شأن الفرع أبدًا، فوجب نزولها عن الفعل، ولو عملت في الخبر لأدى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع.
[ ٢٤٠ ]
وحجة البصريين أن إنَّ قد نصبت المبتدأ وجعلته اسمًا لها، ولو جاز أن يكون الخبر مرفوعًا على ما كان مرفوعًا به قبل دخول إنَّ لكان المبتدأ أحق بذلك، فلما نُصِبَ المبتدأ بـ: إن وجب أن يكون رفع الخبر أيضًا بها إذ ليس في كلام العرب شيء يعمل النصب في الأسماء، ولا يعمل الرفع، ومن المحال ترك القياس ومخالفة الأصول بغير فائدة. ومعنى ما سبق: أن الكوفيين قد استدلوا على صحة مذهبهم بالقياس، وهو أن إنَّ فرع عن الفعل في العمل، والفروع تنحط أبدًا عن درجات الأصول، كما استدل البصريون على صحة مذهبهم بالقياس أيضًا، وهو أن إنَّ وأخواتها قد أشبهت الفعل لفظًا ومعنًى، فلما قوي شبهها بالفعل -والفعل يرفع وينصب- وجب أن تكون مثله وقد تعارض القياسان، ورجح الأنباري مذهب البصريين بالقياس؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب إلا وهو يعمل الرفع.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام هذا الدرس فإلى لقاء يتجدد إن شاء الله تعالى مع الدرس السادس عشر هذا وبالله التوفيق.
[ ٢٤١ ]