[ ٥٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(أبرز العلماء الذين تحدثوا عن العلة النحوية في القرن الرابع الهجري)
أبرز العلماء المهتمين بالعلة النحوية في القرن الرابع الهجري حتى القرن العاشر الهجري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إن أبرز النحاة الذين تتابعوا على مر القرون بعد نحاة القرن الرابع الهجري ضاربين في العلة بسهم وافر هم: الزمخشري، وأبو البركات الأنباري، وابن الحاجب، وابن مالك، وابن هشام الأنصاري، وجلال الدين السيوطي. فأما الزمخشري: فهو أبو القاسم محمود بن عمر جار الله المولود بزمخشر بخوارزم، والمتوفى بوطنه مأسوفًا عليه سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة، وقد وصف في مقدمة كتابه (المفصل في علم العربية) وصف الذين يغضون من العربية بالجور والظلم والاعتساف، وقال: "وذلك أنهم لا يجدون علمًا من العلوم الإسلامية فقهها، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بيِّنٌ لا يُدفع، ومكشوف لا يتقنع، ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه، ومسائلها مبنيًّا على علم الإعراب، والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء، وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين، والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم، والتشبث بأهداب فسرهم، وتأويلهم" انتهى.
ومن تعليلاته النحوية في كتابه (المفصل) قوله في باب المبتدأ والخبر متحدثًا عن عامل الرفع فيهما: "هما الاسمان المجردان للإسناد نحو قولك: زيد منطلق، والمراد بالتجريد إخلاؤهما من العوامل التي هي كان، وإن، وحسبت، وأخواتها؛ لأنهما إذا لم يخلوا منها؛ تلعبت بهما وغصبتهما القرار على الرفع، وإنما اشترط في التجريد أن يكون من أجل الإسناد؛ لأنهما لو جُرِّدا لا للإسناد، لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن يُنعق بها غير معربة؛ لأن الإعراب لا
[ ٥٧ ]
يستحق إلا بعد العقد والتركيب. وكونهما مجردين للإسناد هو رافعهما؛ لأنه معنى قد تناولهما معًا تناولًا واحدًا، من حيث إن الإسناد لا يتأتى بدون طرفين مسند ومسند إليه، ونظير ذلك أن معنى التشبيه في كأن لما اقتضى مشبهًا ومشبهًا به؛ كانت عاملة في الجزأين، وشبههما بالفاعل أن المبتدأ مثله في أنه مسند إليه، والخبر في أنه جزء ثانٍ من الجملة" انتهى.
وأما الأنباري: فهو أبو البركات عبد الرحمن كمال الدين بن محمد الأنباري، العالم النحوي البغدادي صاحب النزعة البصرية، المتوفى ببغداد سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة، وهو مؤلف المصنفات النحوية التي طبَّقت شهرتها الآفاق، ووطد فيها أواصر الصلة بين النحو وعلوم الفقه والكلام، وجعل فيها الجدل النحوي صنعة لها أصول نظرية، وقوانين وضعية، منصوص عليها تهدف إلى كشف أسرار العربية، وتبين ما في قواعدها النحوية من إحكام في الوضع، وإتقان في الترتيب والتبويب، وحكم، ولطائف في القياس والتعليل. ومن مصادر السيوطي في كتابه (الاقتراح في أصول النحو): (لمع الأدلة)، و(الإغراب في جدل الإعراب)، و(الإنصاف في مسائل الخلاف)، وثلاثتها من مؤلفات أبي البركات الأنباري، أما كتابه الموسوم بـ (أسرار العربية) فلحمته وسداه، وموضوعه من أوله إلى منتهاه هو التعليل النحوي.
وأما ابن الحاجب: فهو أبو عمر عثمان جمال الدين بن عمر الكردي الأصل، المولود في أسنا بصعيد مصر، المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة، قال عنه (صاحب المدارس النحوية): "وكان ابن الحاجب دقيق النظر، فخاض في تعليلات كثيرة مستنبطًا منها ما لا يكاد يقف به عند حد" انتهى.
ويُعدُّ ابن الحاجب من النحاة الذين تأثروا كثيرًا بعلم المنطق، وممن أعطاهم المنطق وسائل جديدة للنظر والتعليل، ومن آثار ذلك استعماله المقدمات الصورية،
[ ٥٨ ]
ومن أمثلة تعليلاته أنه ذكر في كتابه الموسوم بـ (الإيضاح في شرح المفصل) أن الوجه أن المنادى منصوب بفعل مقدر دل عليه حرف نداء، فالقائل: يا زيد ونحوه قد تمَّ كلامه، والحرف وحده مع الاسم لا يشكلان كلامًا، وقال مستدلًّا على ذلك: "لأنا إذا علمنا أن الجملة هي التي تتركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، وعلمنا أن وضع الحرف لأنْ لا يُسند ولا يسند إليه؛ علم بهاتين المقدمتين أن الحرف والاسم لا ينتظم منهما كلام، وإذا ثبت هذان الأصلان باتفاق، فلا وجه لمن يقول: إن الحرف مع الاسم كلام؛ لأنه مخالف لما علم ثبوته، إذ يلزم منه أن يكون الحرف مسندًا إليه ومسندًا به، وكلاهما باطل، أو يلزم أن يكون أن يوجد كلام من غير إسناد، وهو باطل، فلما لزم منه بطلان أحد الأصلين المذكورين المتفق عليهما؛ عُلم أنه باطل، إذ ما أدَّى إلى الباطل فهو باطل" انتهى.
وهكذا يبني ابن الحاجب تعليله على مقدمتين ونتيجة، كما يفعل المناطقة، وأما ابن مالك فهو أبو عبد الله محمد جمال الدين بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة من الهجرة بدمشق، وإمام النحويين واللغويين لعصره، وصاحب المؤلفات المنظومة والمنثورة التي تناولها كثير من العلماء بالشرح، والدراسة والتعليق، ونالت أوفى عناية من العلماء المحققين، وترجمت إلى عديد من اللغات الإنسانية؛ فأقبل عليها الطلاب من كل صوب وحَدب، ينهلون من معينها العذب ويرتوون من نبعها الثر، الغزير، الفياض بالخير والعطاء.
وحديث ابن مالك في العلة النحوية يدلك على قوة حجته وسعة اطلاعه، وفائق قدرته على الإقناع بالدليل والبرهان، ونسوق هنا مثالًا واحدًا على براعته
[ ٥٩ ]
واهتمامه بالعلة النحوية، ذكر المتقدمون والمتأخرون من النحويين أن لا النافية للجنس تعمل فيما بعدها عمل إن فيما بعدها، بعد أن أطلق سيبويه -وهو إمام النحاة- مقولته المشهورة في صدارة باب النفي بلا في الكتاب، إذ قال: "ولا تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب إن لما بعدها"، فاجتهد كثير من النحويين في محاولة البحث عن العلاقة التي تربط بين الحرفين؛ لتكون علة لهذا الحمل، فمن قائل: إن إن لتحقيق الإثبات وتوكيده، ولا لتحقيق النفي وتوكيده، فهما نظيران من جهة التحقيق والتوكيد، فيكون الحمل حملًا للنظير على النظير، ومن قائل: إن إن لتوكيد النسبة ولا لنفيها، فحملت عليها حملًا للنقيض على النقيض، ومنهم من رأى بينهما هذين الحملين معًا من جهة التحقيق والتوكيد، ومن جهتي النفي والإثبات.
ورأى العلامة الرضي أن بينهما تنافيًا وتناقضًا لا مشابهة ولا مقاربة، ولما رأى ابن مالك ضعف ما ذكره العلماء من أوجه الشبه بين الحرفين مع كثرة أوجه المخالفة والمفارقة بينهما؛ توصل إلى أن لا النافية للجنس ليست عاملة بالحمل وحده، إنما تعمل بالاختصاص والحمل معًا، فقال في (شرح التسهيل): "إذا قُصد بلا نفي الجنس على سبيل الاستغراق، ورفع احتمال الخصوص؛ اختصت بالأسماء النكرات، لأن قصد ذلك يستلزم وجودَ مِن الجنسية لفظًا أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ: لا عند ذلك القصد عمل فيما يليها من نكرة، وذلك العمل إما جرٌّ، وإما نصب، وإما رفع، فلم يكن جرًّا؛ لئلا يتوهم أنه بمِن المنوية، فإنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر:
فقام يذود الناس عنها بسيفه وقال: ألا ما من سبيل إلى هند
ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعموله، ولا يستحق التصدير، ولا المذكورة بخلاف ذلك، ولم يكن عملها فيما يليها رفعًا؛ لئلا يُتوهم أن عامله
[ ٦٠ ]
الابتداء، فإن موضعها موضع المبتدأ، ولأنها لو رفعت ما يليها عند قصد التنصيص على العموم؛ لم يحصل الغرض، لأنها على ذلك التقدير بمنزلة المحمولة على ليس، وهي لا تنصيص فيها على العموم، فلما امتنع أن تعمل فيما وليها جرًّا أو رفعًا مع استحقاقها عملًا؛ تعين أن يكون نصبًا، ولما لم تستغن بما يليها عن جزء ثانٍ، عملت فيه رفعًا؛ لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل. وأيضًا فإن إعمال لا هذا العمل إلحاق لها بإن لمشابهتها لها في التصدير، والدخول على المبتدأ والخبر، وإفادة التوكيد، فإن لا لتوكيد النفي، وإن لتوكيد الإثبات، ولفظ لا مساوٍ للفظ إن إذا خُففت، وأيضًا فإن لا تقترن بهمزة الاستفهام، ويراد بها التمني، فيجب إلحاقها بليت في العمل، ثم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني"، انتهى.
وأما ابن هشام: فهو أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، المتوفى بالقاهرة سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة، قال عنه صاحب (نشأة النحو): "فاق أقرانه بل شيوخه، وتخرج على يده الكثير، صنف المؤلفات المليئة بالفوائد الغريبة، والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، مع التصرف في منهجها، والتنويع في إفادتها مما يدل على الاطلاع الغريب" انتهى. ومن مؤلفاته التي تُعد درة ثمينة في تاج العربية كتاب (مغني اللبيب) يقول ابن خلدون في مقدمته: "ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، إلى أن قال: فوقفنا منه على علم جمٍّ يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة، ووفور بضاعته منها، وكأنه ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل، الذين اقتفوا أثر ابن جني، واتبعوا تعليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب دالٍّ على قوة ملكته واطلاعه، والله يزيد في الخلق ما يشاء"، انتهى.
ومن أمثلة تعليلاته ما أورده في (مغني اللبيب) في مبحث أن المفتوحة الخفيفة، بعد ذكره أنها تُزاد في أربعة مواضع، ما أورده من زعم الأخفش أن أن هذه قد
[ ٦١ ]
تُزاد في غير هذه المواضع، وأنها تنصب المضارع وهي زائدة، كما تجر مِن والباء الزائدتان لاسم يعني: فلا منافاة بين الزيادة والعمل، وأن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ (إبراهيم: ١٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٦)، وذكر ابن هشام أن غير الأخفش قال في الآيتين الكريمتين ونحوهما: إن أن في ذلك مصدرية لا زائدة، كما ذكر أن من القائلين بالمصدرية مَن ضَمن في الآيتين ﴿مَا لَنَا﴾ معنى ما منعنا أي: أن المصدر المؤول في كلتيهما منصوب على أنه مفعول ثانٍ على تضمين الجار والمجرور معنى منع الناصب لمفعولين، كما تقول: منعت زيدًا إساءته.
ولم يرتضِ ابن هشام هذا التضمين، كما لم يرتضِ قياس الأخفش عمل أن الزائدة على عمل حرف الجر الزائد فقال: "وفيه نظر، وواصل معللًا النظر فقال رادًّا التضمين: لأنه لم يثبت إعمال الجار والمجرور في المفعول به، ولأن أصل ألا تكون لا زائدة يعني: هذا التخريج على تضمين الجار والمجرور معنى فعل ناصب لمفعولين، لا يصح لأمرين؛ أحدهما: عدم ثبوت إعمال الجار والمجرور في المفعول به، والآخر أنه يترتب عليه زيادة لا، وإذا قيل: إن ﴿مَا لَنَا﴾ ضُمن معنى ما منعنا؛ لزم زيادة لا، والمعنى: أي شيء منعنا التوكل، ومنعنا القتال، والأصل عدم زيادتها، كما علل لبطلان القياس الأخفش بأنه إنما لم يجز لأنِ الزائدة أن تعمل لعدم اختصاصها بالأفعال، بدليل دخولها على الحرف لو في قول الشاعر:
فأقسم أنْ لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر مظلم
وعلى الحرف كأنّ في قول الشاعر:
فأمهله حتى إذا أنْ كأنه معاطي يدٍ في لجة الماء غامر
ودخولها على الاسم في قول الشاعر:
ويومًا توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
[ ٦٢ ]
بخلاف حرف الجر الزائد، فإنه بقي على اختصاصه بالدخول على الأسماء كالحرف المعدي، فلذلك بقي له العمل فيها"، وذكر ابن هشام أن الصواب في هذه المسألة قول بعضهم: إن الأصل: وما لنا في ألا نفعل كذا، أي: ثم حُذف الجار، وهو في مثله حذف قياسي.
وأما السيوطي فهو أبو الفضل عبد الرحمن جلال الدين بن أبي بكر المولود سنة تسع وأربعين وثمانمائة من الهجرة، والمتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة من الهجرة، فهو يُعد من علماء القرنين التاسع والعاشر الهجريين، وهو صاحب كتاب (الاقتراح في علم أصول النحو)، والذي جعلناه العمدة في شرح هذه المادة، ونشير هنا إلى أنه في هذا الكتاب قد خصَّ العلة بحديث طويل مستفيض في فصل كامل هو أكبر فصول القياس، بل هو أكبر فصول كتاب (الاقتراح) جمع فيه الكثير مما أورده ابن جني والأنباري وغيرهما من حديث عن العلة النحوية. ومن مصنفاته في أصول النحو وقواعده الكلية كتاب (الأشباه والنظائر)، وهو يجمع القواعد المتشابهة، ويضم الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره.
رأي سيبويه في وثاقة العلة النحوية
تحدثنا في عجالة عن وثاقة العلة النحوية، وآن لنا أن نبسط القول في هذا الموضوع، حتى يطمئن دارس العربية إلى أن ما بذله علماء السلف -طيب الله ثراهم- في استنباط علل الأحكام النحوية كان جهدًا خارقًا، وعزمًا صادقًا قرب البعيد، وذلل الصعب، وأزال اللبس، وكشف النقاب عن سلاسة العربية ومرونتها، وسلامة قواعدها وصحتها، وجمال لغتها وتميزها، وروعة بلاغتها وفصاحتها.
[ ٦٣ ]
ونتحدث عن رأي إمام النحاة سيبويه في وثاقة العلة، مذكرين بأننا حين نتحدث عن العلة النحوية، فإنما نريد بها ما يشمل علل الأحكام المستنبطة من الواقع اللغوي العربي النثري، والشعري، المحتج به؛ سواء ما يتعلق بالمفردات وما يتعلق بالتراكيب، فمرادنا بالنحو في مادتنا هذه النحو بمفهومه القديم الشامل للقواعد النحوية والصرفية، وقد أبان سيبويه -﵀- رأيه في وثاقة العلة النحوية في عبارة واحدة نقلها عنه ابن جني في (الخصائص)، ونقلها السيوطي عن ابن جني في (الاقتراح)، وهذه العبارة في كتاب سيبويه في آخر باب ما يحتمله الشعر قال فيها: "وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا" انتهى.
وقد عقب عليها ابن جني بقوله: "وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استكرهوا عليه، نعم، ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك فتستضيء به، وتستمد التنبه على الأسباب المطلوبات منه" انتهى. ومعنى عبارة سيبويه: أن الضرورة الشعرية مع كونها رخصة للشاعر ينبغي أن يكون لها وجه تُخرج عليه؛ إذ ليس كونها رخصة أن يستعملها الشاعر من غير قيود ولا حدود، فإنه إن تجاوز القيود والحدود عُدَّ خارجًا عن سنن العربية، بعيدًا عن طرقها، ولذلك نرى سيبويه يذكر مثلًا في باب ما لا يجوز فيه الإضمار من حروف الجر: أن الكاف من حروف الجر المختصة بجر الظاهر، ولا يُجر بها الضمير، ثم ذكر آخر الباب أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف يعني: أدخلوا الكاف على الضمير تشبيهًا لها بلفظ مثل؛ لأنها في معناها، فيجرونها على القياس، واستشهد على هذا بقول العجاج:
وأم أوعال كها أو أقربا
[ ٦٤ ]
ثم قال: "ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف إلى نفسه قال: ما أنتَ كِي، وكَي خطأ من قِبَل أنه ليس في العربية حرف يفتح قبل ياء الإضافة" انتهى. ومعنى هذا أن الشاعر إذا اضطر، فأدخل الكاف على ياء المتكلم أجراها على ما يقتضيه القياس، فكسر الكاف لمناسبة الياء، وليس له أن يتحرر من قيود العربية فيفتح الكاف قبل ياء المتكلم مثلًا بحجة الاضطرار، إذ لو فعل ذلك ما وجد وجهًا صحيحًا يحمل عليه هذه الضرورة.
ويقول أبو سعيد السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه موضحًا أن الضرورة الشعرية ليس معناها الخروج عن قواعد اللغة ومقاييسها، يقول: "اعلم أن الشعر لما كان كلامًا موزونًا تكون الزيادة فيه، والنقص منه يُخرجه عن صحة الوزن، حتى يحيله عن طريق الشعر المقصود مع صحة معناه، استجيز فيه لتقويم وزنه من زيادة ونقصان، وغير ذلك ما لا يُستجاز في الكلام مثله، وليس في شيء من ذلك رفع منصوب، ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحنًا، ومتى وُجد هذا في شعر؛ كان ساقطًا مطرحًا، ولم يدخل في ضرورة الشعر"، انتهى.
وهكذا للضرورة الشعرية عند سيبويه وغيره من النحويين حدود تنتهي إليها، وغاية تقف عندها، ومقاييس يلتزم الشعراء بها، ولا يتجاوزونها، وذلك لأن الضرورة الشعرية مخالفة لسنن الكلام المنثور، خارجة عن قوانينه بما للشعر من سمات متميزة وطبيعة متفردة تجعله خليقًا بأن يتخفف من كثير من قيود الكلام المنثور، لكنه مع ذلك أحد نوعي التعبير اللغوي، فينبغي أن تتصل بين النوعين الأسباب، وأن تمتد بينهما الوشائج. ولذلك فالمتتبع لضرائر الكتاب يجد أن لكل ضرورة وجهًا تُحمل به على صحيح الكلام، وقد ذكر سيبويه أن وجه الضرورة عنده لا يخرج غالبًا عن أحد أمرين، أشار إلى أولهما بقوله: "اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام، من صرف ما لا ينصرف يشبهونه بما ينصرف من
[ ٦٥ ]
الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء"، يريد بهذا الوجه تشبيه ما وقع في الشعر بما وقع في الكلام. ثم أشار إلى الوجه الثاني بقوله: "وقد يبلغون بالمعتل الأصل، فيقولون: رادد في رادٍّ، وضننوا في ضنُّوا، يريد الرد إلى الأصل".
والخلاصة المستنبطة من موقف سيبويه من الضرورة الشعرية: أنه يرى أن العلل النحوية من الوثاقة والقوة بمكان عظيم، وأنها أبعد ما تكون عن الضعف والتمحل، وذلك أنه إذا كان لا مفرَّ من أن يكون لكل ضرورة شعرية يرتكبها الشاعر وجه صحيح في القياس المعتمد تُحمل عليه حتى تكون مقبولة جائزة، وإلا عُدَّت خطأ لخروجها عن قياس العربية، مع أن الشعر لغة العاطفة والوجدان، فإن الأمر بالنسبة إلى ما وراء لغة الشعر، وهو الكلام المنثور أشد وأقوى. ووجه الضرورة هو ما نسميه بالعلة النحوية، وسواء كانت هذه العلة علة تشبيه، أو علة أصل أو غيرهما، إن سيبويه قد رسخ أصلًا واجب الاتباع، ووضع قانونًا لازم العمل به، وأطلق دعوة تحث على البحث والتقصي عن علل الضرائر الشعرية؛ بل والبحث والتقصي في ضوئه وعلى هديه عن علل ما وراء ذلك من الكلام، وعدم التسمح في ذلك، فهل يقال بعد هذا: إن العلة النحوية ضعيفة واهية.
رأي ابن جني وابن الفرخان صاحب (المستوفى) في وثاقة العلة النحوية
إن الحديث عن رأي ابن جني في وثاقة العلة النحوية بعدما قدمناه عنه يُعدُّ من نوافل القول: إن هذا العالم -﵀- ينبغي أن نسميه بحق عاشق العربية، لقد انتهج منهج الفقهاء في استنباط العلل، وكانت غايته -كما ذكرنا- أن يبين حكمة العرب في لغتهم، ويفند حجة من ادَّعى ضعف عللهم، ولأجل هذا راح يبحث عن مكان العلة النحوية بالنسبة لعلل المتكلمين، وعلل الفقهاء، وانتهى إلى أنها أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل الفقهاء.
[ ٦٦ ]
إن هذه النتيجة التي انتهى إليها تدل على مدى اعتداده بالعلة النحوية، واستناده إلى وثاقتها. وقد أوضح من بداية الأمر أنه إنما يعني علل الحذاق المتقنين من النحويين، لا علل ألفافهم المستضعفين، فإن شأن هؤلاء الأخلاط الضعف وعدم استحكام القوة. وكان يرى أن العلة أصيلة في نفوس العرب، وقد أصابت من قوة النظر عندهم وسلامة الحس اللغوي فيهم حظًّا وافرًا يقول: "سألت يومًا أبا عبد الله محمد بن العساف الجوثي التميمي، تميم جوثة، فقلت له: كيف تقول: ضربت أخوك؟ فقال أقول: ضربت أخاك، فأدرته على الرفع يعني: حاولت إلزامه إياه فأبى، وقال: لا أقول: أخوك أبدًا، قلت: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ فرفع، فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدًا، فقال: أيش هذا اختلفت جهتا الكلام".
قال صاحب (إرشاد الأريب): "فهل قوله -يعني: قول الجوثي: اختلفت جهتا الكلام، إلا كقولنا: هو الآن فاعل، وكان في الأول مفعولًا، فانظر إلى قيام معاني هذا الأمر في أنفسهم، وإن لم تقطع به عبارتهم". ويقول ابن جني: "فإن قلت: فما تنكر أن يكون ذلك شيئًا طُبعوا عليه وأُجيئوا إليه من غير اعتقاد منهم لعلله، ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه، بل لأن آخرًا منهم حذا أي: تبع وسلك على ما نهج الأول يعني: على ما سار عليه الأول فقال به، وقام الأول للثاني لكونه إمامًا له فيه مقام من هدى الأول إليه، وبعثه عليه ملكًا كان أو خاطرًا، قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرًا رُوسِلُوا به، أو تيقظًا نُبهوا على وجه الحكمة فيه، فإن كان وحيًا أو ما يجري مجراه؛ فهو أنبه له، وأذهب في شرف الحال به، لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك، ووقفهم عليه؛ لأن في طباعهم قبولًا له، وانطواء على صحة الوضع فيه؛ لأنهم مع ما قدمناه عنهم من ذكر كونهم عليه من لطف الحس وصفائه، ونصاعة جوهر
[ ٦٧ ]
الفكر ونقائه، لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلا ونفوسهم قابلة لها، محسة لقوة الصنعة فيها، معترفة بقدر النعمة عليهم بما وهب لهم منها".
فإذا انتقلنا إلى محاولة التعرف على رأي عالم آخر في مدى وثاقة العلة النحوية، وهو أبو سعد علي بن مسعود كمال الدين الفرخان الذي عاش -كما قال محقق كتابه على وجه التقريب- في أواخر القرن السادس ومنتصف القرن السابع، وجدناه يحتفي بالعلة النحوية غاية الاحتفاء، ويهتم بها كمال الاهتمام، فلا تكاد صفحة من صفحات كتابه (المستوفى في النحو) تخلو من حديث عن العلة، ويقول في مقدمة كتابه: "وأنت إذا استقريت أصول هذه الصناعة؛ علمت أنها في غاية الوثاقة، وإذا تأملت عللها؛ عرفت أنها غير مدخولة ولا متسمح فيها.
فأما ما ذهب إليه غفلة العوام من أن علل النحو تكون واهية سخيفة، ومتمحلة بالوضع ضعيفة، واستدلالهم على ذلك بأنها قد تكون هي تابعة للوجود لا الوجود تابعًا لها، فبمعزل عن الحق، وذلك أن هذه الأوضاع والصيغ التي في أيدينا اليوم إن كنا نحن نستعملها، فليس ذلك على سبيل الابتداء والابتداع، بل على وجه الاقتداء والاتباع، ولا بد فيها من التوقيف إما مفردًا، وإما مع الاصطلاح على ما تحقق في غير هذا من العلوم. فنحن إذا صادفنا الصيغ المستعملة والأوضاع المحصلة بحال ما من الأحوال، وعلمنا أنها كلها أو بعضها من وضع حكيم تعالى وجل، تطلبنا بها وجه الحكمة لما خُصص لتلك الحال من بين أخواتها، فإذا حصلنا عليها فذلك غاية المطلوب، أترى أن أحدًا يُنكر الفائدة في علل التشريح المثبتة في كتب الطب التي شأنها شأن هذه، وليس إذا جهلنا علة لمسألة واحدة؛ أوجب ذلك أن نجهل ما كنا حصلناه قبل أو أحطنا به بإذن الله تعالى".
[ ٦٨ ]
ولقد حرصنا أن نذكر كثيرًا من الألفاظ التي ذكرها ابن الفرخان كما ورد في كتابه، حتى نقف على صحيح وجهة نظره. لقد وصف العلة النحوية بأنها عند التأمل غير مدخولة بالنقض والإبطال، ولا متسمَّح فيها بعدم التثبت والتحقق، ورفض ما ادَّعاه بعضهم من كونها ضعيفة أو متمحلة أي: مصنوعة بالاحتيال والتكلف، وذلك أن استدلالهم على ذلك بكونها تابعة للوجود أي: بكونها مناسبات تُذكر بعد وقوع الحكم النحوي، فتجري على حسب ما وددته إن كان قويًّا أو ضعيفًا، وليس الوجود تابعًا لها كما هو شأن العلة الحقيقية، فإن الحكم دائر معها وجودًا وعدمًا لا العكس. ومن الواضح أن رأي ابن الفرخان ليس محل الموافقة من العلماء، لما فيه من غلوٍّ غير مقبول، فأن نقول بالتوقيف في اللغة فلا مانع، أما أن نقول: إن العلل توقيفية، فذلك ضرب من ضروب الغلو والإغراء؛ إذ كيف يقال هذا في حين أن الخليل صرح باختراعه الكثير منها.
يقول الدكتور مازن المبارك: "ولا شك أن نظرتنا إلى علل النحو على أنها مزعومة مستنبطة لا تروق الذين يجلون هذه العلل، ويعتقدون أنها فوق ما ندعيه مكانة وأصالة وثباتًا، وأما الذين يبالغون في تقديس هذه العلل، فلن يكون لنا في ودهم نصيب، وسيرفضون كل ما نقول، وكيف لا، وفيهم من يغلو به الظن؛ حتى يزعم أن علل النحو توقيفية".
قال صاحب (المستوفى): "إذا استقريت أصول هذه الصناعة" إلى آخر ما قال. وذكر ملخص ما قال ابن الفرخان وقال: "أفإن كان صاحب (المستوفى) يقول بالتوقيف في اللغة، أفيقول ذلك في كل ما يتصل باللغة من أوضاعها من نحو وعلل، ثم إن كانت اللغة هي التوقيفية، وهي التي نستعملها على وجه الاقتداء والاتباع، أفلسنا نحن الذين تطلبنا وجه الحكمة المخصصة لحال من أحوال تلك
[ ٦٩ ]
اللغة كما يقولون، وما يمنع ما دمنا نحن المتلمسين للحكمة أن نضل، وما يمنع ما دمنا نحن الباحثين عن العلة، والذاكرين لها أن نأتي منها بالمدخول والمتسمَّح فيه، وما ليس في غاية الوثاقة".
ولم يكتفِ الدكتور مازن بما ساق من أدلة للرد على ما قال ابن الفرخان، بل استدل على دحض هذا القول بأدلة أخرى منها: تصريح الخليل بن أحمد باختراعه الكثير من هذه العلل، وذكر ابن جني عن شيخه الفارسي أنه أتى بثلث ما جاء به النحاة من علل النحو، وأن تلك العلل بنتُ الطبع، وليست بنت الشرع، وتبيين السيوطي أن هذه العلل مستنبطة بالفكر والروية بقوله: "النحو بعضه مسموع مأخوذ من كلام العرب، وبعضه مستنبط بالفكر والروية وهو التعليلات، وبعضه يؤخذ من صناعات أخرى".
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٧٠ ]