[ ١٠١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(مسالك العلة)
الإجماع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إن الإجماع مسلك من مسالك العلة عند علماء أصول الفقه، وعنهم أخذه النحاة. وقد ذكر السيوطي أنه إذا أجمع أهل العلم بالعربية على علة لحكم من الأحكام، كان هذا الإجماع معتبرًا واجبًا قبوله، ومثاله: إجماعهم على أن علة تقدير جميع الحركات في آخر الاسم المقصور التعذُّر، أي: لأن الألف التي في آخر المقصور مع بقائها على لينها لا تقبل الحركات أصلًا، وإجماعهم على أن علة تقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص الاستثقال. فمن المعلوم أن الاسم المقصور وهو الذي ينتهي بألف لازمة قبلها فتحة لا تظهر عليه أيُّ حركة من حركات الإعراب الثلاثة، بل تُقدر جميعها على الألف، وأن الاسم المنقوص وهو الذي ينتهي بياء قبلها كسرة تظهر عليه الفتحة وحدها في حالة النصب؛ لخفتها، وتُقدَّر على آخره الضمة والكسرة؛ إذ إن الفتحة والكسرة فيهما ثقل، وهما في حرف اللين أثقل فلما أجمع العلماء على أن تقدير الحركات في المقصور والمنقوص لعلتي التعذر والثقل؛ كان إجماعهم مسلكًا من مسالك العلة يجب قبوله، ويلزم المصير إليه.
النص
إن المراد به هنا أن ينصَّ العربي الفصيح على علة حكم من الأحكام، بحيث يكون كلامه صريحًا لا إشارة فيه، ولا تلميح، وهو مأخوذ من قولك: نصصت الشيء إذا رفعته وأظهرته. يقول السيوطي: "الثاني -من مسالك العلة: النص بأن ينص العربي على العلة"، ومعنى ما ذكره السيوطي أن العلة التي يصرح بها العربي فيما نطق به يجب قبولها، ولا يجوز ردُّها؛ لأنه أعلم بمراده من كلامه، وهذه ثلاثة أمثلة في كل مثال منها علة نص عليها عربي فصيح.
[ ١٠٣ ]
المثال الأول: قال أبو عمرو بن العلاء: "سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لغوب أي: أحمق جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة"، فقد نطق العربي بعبارة يوهم ظاهرها مخالفة الصواب، والوقوع في الخطأ؛ إذ إنه عامل الكتاب -وهو لفظ مذكر- معاملة المؤنث، فأنث له الفعل جاءته، وأعاد الضمير إليه مؤنثًا احتقرها. وقد أنكر أبو عمرو بن العلاء صنيع الأعرابي، وسأله: "أتقول: جاءته كتابي؟ " وهو سؤال يُفهم منه الإنكار على الأعرابي تأنيث المذكر، فقال الأعرابي مجيبًا عما ارتكبه من التأنيث بأنه يطلق على الكتاب صحيفة فيؤنث باعتبارها؛ لأنهما بمعنًى واحد. وقد علق ابن جني على هذه القصة بقوله: "أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته، وقد نظروا، وتدربوا وقاسوا، وتشرفوا أن يسمعوا أعرابيًّا جافيًا غفلًا يُعلِّل هذا الموضع بهذه العلة، ويحتجُّ لتأنيث المذكر بما ذكره، فلا يهتاجوا هم لمثله، ولا يسلكوا فيه طريقته فيقول: فعلوا كذا لكذا، وصنعوا كذا لكذا، وقد شرع لهم العربي ذلك، ووقفهم على سمته وأمِّه" انتهى. والذي يرمي إليه ابن جني من تعليقه السابق هو أن العلة التي نص عليها ذلك الأعرابي تُعدُّ مسلكًا ثابتًا يجب الاعتماد عليه.
والمثال الثاني عن المبرد أنه قال: "سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ "ولا الليل سابق النهارَ" (يس: ٤٠) فقلت له: ما تريد؟ أي: ما تريد بحذف التنوين ونصب المضاف إليه، فإنه غير معروف في مشهور الكلام، قال: سابقٌ النهار يعني: بالتنوين الموجب للنصب، فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن"، فقد قرأ القارئ بما يخالف المعهود في لسان العرب؛ لأن المعهود في هذه الآية ونحوها أمران:
[ ١٠٤ ]
الأول: أن ينوَّن اسم الفاعل وينصب معموله، كما يقال مثلًا: هذا ضاربٌ زيدًا، والثاني: أن يُحذف التنوين من اسم الفاعل ويجر معموله بالإضافة، فيقال مثلًا: هذا ضارب زيد، ولم يقرأ القارئ بأحد هذين الأمرين، بل حذف التنوين من سابق، ونصب النهار، فقال: "ولا الليل سابق النهار". ولما كان ما صنعه القارئ مخالفًا لمعهود الكلام العربي الفصيح أنكره عليه المبرد، فسأله مستنكرًا: "ما تريد بحذف التنوين والنصب؟ فقال: أردت سابقٌ النهار"، أي: بتنوين اسم الفاعل الموجب نصب معموله، وقد عدل القارئ عن ذلك؛ فرارًا من الثقل إلى الخفة، لأنه رأى أن التنوين أثقل على اللسان، وأشق على النفس، فعدل عنه مع نيته وتقديره، ولذلك أبقى النهار منصوبًا. ومثله قول أبي الأسود الدؤلي:
فألفيته غير مستعتب ولا ذاكرِ الله إلا قليلًا
بنصب لفظ الجلالة مع إسقاط التنوين من اسم الفاعل ذاكر تخفيفًا، وإن كان سيبويه قد جعل حذف التنوين في البيت المذكور للضرورة، وقيل: إن حذف التنوين في قراءة عمارة وفي البيت لغة قليلة لقوم من العرب، وعليها جاءت قراءة "قل هو الله أحدُ * الله الصمد" دون تنوين أحد. وقد علَّق ابن جني على قصة قراءة عمارة بقوله: "ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض؛ أحدها: تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا، والثاني: قولنا: إنها -أي: العرب- فعلت كذا لكذا، ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله: لكان أوزن أي: أثقل في النفس وأقوى، من قولهم: هذا درهم وازن أي: ثقيل، ذو وزن. والثالث: أنها قد تنطق بالشيء غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف" انتهى.
فقوله: "تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا" مأخوذ من قول القارئ: "سابق النهار" بإسقاط التنوين أصله سابقٌ النهار بإثباته، وقوله: "إنها قد تنطق بالشيء
[ ١٠٥ ]
غيره في أنفسها أقوى منه لإيثارها التخفيف" معناه: أن الأصل قد يُخالف في لسان العرب اختيارًا للتخفيف، واختصاصًا به، وإيثارًا له. والمثال الثالث: قال سيبويه: "سمعنا بعضهم يدعو: اللهم ضبعًا وذئبًا، فقلنا له: ما أردت؟ قال: أردت اللهم اجمع فيها ضبعًا وذئبًا، كلهم يفسر ما نوى". قال ابن جني: "فهذا تصريح منهم بما ندعيه عليهم، وننسبه لهم" انتهى.
أي: تصريح منهم بالعلة التي ذكرناها منسوبة إليهم، فضبعًا منصوب بفعل مضمر تقديره: اجمع أو اجعل، وقد ذكر سيبويه هذا المثال في باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره. ومن تمام الفائدة أن نذكر هنا عبارة سيبويه، فقد قال -﵀: "وهذه حجج سُمعت من العرب، وممن يُوثق به، يزعم أنه سمعها من العرب، من ذلك قول العربي في مثل من أمثالهم: اللهم ضبعًا وذئبًا، إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل، وإذا سألتهم ما يعنون، قالوا: اللهم اجمع أو اجعل فيها ضبعًا وذئبًا، وكلهم يفسر ما ينوي" انتهى. فقوله: "يفسر ما ينوي"، أي: يعلل النصب في قوله: "ضبعًا"؛ إذ ذهب إلى أنه على إضمار فعل، ففسر ما قصد من العامل المحذوف، مع أنه لا دليل عليه في الكلام.
الإيماء
الإيماء في اللغة مصدر الفعل الرباعي أومأ بمعنى: أشار إشارة خفية، وقيل: إن أصله الإشارة بالشفة والحاجب، وأما عند الأصوليين فهو اقتران وصف ملفوظ بحكم، ولو مستنبطًا إلى آخر ما بسطوه. ومن سنن العرب أن تُشير إلى المعنى إشارة، وتومئ إيماء دون التصريح، والمراد به هنا: الدلالة على العلة من طريق الإشارة إليها، دون أن يكون في الكلام دلالة على المراد لا بالمنطوق، ولا بالمفهوم، ولا بالتعريض، ولا بالكناية. ويُعدُّ هذا المسلك مقابلًا لمسلك النص؛
[ ١٠٦ ]
إذ يكون في النص تصريح بالعلة؛ بحيث يعرفها من يسمع نص الأعرابي، وليس كذلك في الإيماء؛ إذ لا يفطن إليه إلا لبيب.
وقد ذكر السيوطي -﵀- في كتاب (الاقتراح) مثالين فيهما إيماء إلى العلة وهما؛ المثال الأول: رُوي أن قومًا من العرب أتوا النبي -ﷺ- فقال: «من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو غيان. فقال: بل أنتم بنو رشدان» فكان الاسم مشتقًّا من الغي والغواية بفتح الغين فيهما، وهو الانهماك في الجهل، والإمعان في الضلال، ولم ينطق رسول الله -ﷺ- بهذا الاشتقاق، بل غير الاسم إلى رشدان من الرشد، وهو ضد الغي؛ فكان تغييره دليلًا على أن الألف والنون في غيان زائدتان، وليس في اللفظ تصريح، ولا كناية، ولا تعريض يدل على زيادتهما، بل إيماء وإشارة إلى زيادتهما. وتُفهم هذه الإشارة من اشتقاقه إيَّاه من الغي. وقد علق ابن جني على هذا المثال بقوله: "أشار إلى أن الألف والنون زائدتان، وإن كان لم يتفوَّه بذلك غير أن اشتقاقه إيَّاه من الغي بمنزلة قولنا نحن: إن الألف والنون فيه زائدتان". ومعنى ما ذكره ابن جني: أن الاشتقاق من الغي دلَّ بطريق الإيماء على زيادة الألف والنون.
والمثال الثاني: ما حكاه غير واحد أن الفرزدق حضر مجلس عبد الله بن أبي إسحاق، وكان عبد الله أعلم أهل البصرة وأعقلهم، وفرَّع النحو وقاسه، سُئل عنه يونس فقال: "هو والنحو سواء" فقال ابن أبي إسحاق للفرزدق: "كيف تنشد هذا البيت:
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقال الفرزدق: كذا أُنشد أي: كما أنشدته أنت كذلك أنشده أنا، أي: برفع فعولان، فقال ابن أبي إسحاق: ما كان عليك لو قلت: فعولين يعني: بالنصب
[ ١٠٧ ]
على أن الكلمة خبر كانتا؛ لأنها مثنى فعول كصبور، والمثنى يُنصب بالياء، فقال الفرزدق: لو شئت أن أسبح لسبحت، أو قال: لو شئت أن أسبِّح لسبَّحت أي: يجوز أن أسبح وهو مضارع سبح، كمنع، والمعنى عليه. لو أردت أن أخوض فيما لا يعني، وأسبح في لجة الحدس والتخمين والجهل بلا معرفة؛ لفعلت. ويجوز ضم الهمزة وشد الموحدة من التسبيح، والمعنى عليه أي: لسبحت الله تعجبًا من جهلك، فإن التسبيح يُذكر في مقامات التعجب كثيرًا. قال الفرزدق ذلك ونهض، فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد"، أي: ما قصده من التخطئة، والتعجب من الجهل.
قال ابن جني: "أي: لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك، وإنما أراد أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر، وقال: كان هنا تامَّة غير محتاجة إلى الخبر، فكأنه قال: وعينان قال الله: احدثا فحدثتا، أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا" انتهى. فقد أنشد الفرزدق البيت برفع فعولان على الاستئناف وإضمار المبتدأ، والتقدير: هما فعولان بالألباب ما تفعل الخمر، والمعنى على هذا الإنشاد: أن كان في البيت تامة لا تحتاج إلى الخبر، فكأنه قال: احدثا فحدثتا، ثم استأنف قائلًا: هما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر، فدل الفرزدق بالإيماء على أن كان تامة، وليس في لفظه ما يدل على تمامها، لا بالمنطوق، ولا بالمفهوم، ولا بالتعريض، ولا بالكناية، ولو أنه أنشد البيت بالنصب لقال:
وعينان قال الله كونا فكانتا فعولين بالألباب ما تفعل الخمر
وكان المراد أنه يُخبر بأن الله خلقهما، وأمرهما أن تفعلا ذلك، وقد تعجَّب الفرزدق من قول ابن أبي إسحاق: "ما كان عليك لو قلت: فعولين"، وقام منصرفًا؛ إظهارًا للإعراض عنه، لأنه لم يرد بإنشاد البيت أن تكون كان ناقصة،
[ ١٠٨ ]
بل أراد تمامها، فأومأ إلى ذلك برفع فعولان، وقيل: على رواية فعولان بالرفع يجوز إعرابان؛ أحدهما: ما تقدم من جعل فعولان خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هما فعولان، والآخر: إعراب فعولان نعتًا لعينان، والمعنى: وعينان فعولان بالألباب ما تفعل الخمر، قال الله: كونا فكانتا. وكان في كلا الوجهين تامة غير محتاجة إلى الخبر. وعلى رواية فعولين بالنصب يجوز إعرابان أيضًا، وهما: أن يكون النصب على الخبرية لكان الناقصة، أو أن يكون على القطع أي: على المفعولية لفعل محذوف تقديره: أعني، أو أمدح، أو نحو ذلك، وتكون كان تامة.
السبر والتقسيم وبعض من أمثلته عند ابن جني
السبر في اللغة الاختبار يقال: سبر الشيء أي: خبره، وفي حديث الغار قال أبو بكر لرسول الله -ﷺ: «لا تدخله حتى أسبره قبلك» أي: أختبره، وأعتبره، وأنظر هل فيه أحد أو شيء يؤذي، والتقسيم: هو ذكر الأقسام المحتملة، والسبر والتقسيم مسلك من مسالك العلة عند الأصوليين، وعنهم أخذه النحاة. وقد عرفه السيوطي بقوله: "أن يذكر -أي: النحوي- جميع الوجوه المحتملة، ثم يسبرها -أي: يختبرها- فيبقي ما يصلح، وينفي ما عداه بطريقه".
ويدل هذا التعريف على أن النحوي ينظر في جميع الوجوه التي يحتملها الحكم النحوي، ويختبرها جميعًا، فمنها ما يصلح ومنها ما لا يصلح، فما كان صالحًا منها أبقاه، وما كان غير صالح نفاه، وقوله: "وينفي ما عداه بطريقه": اختُلف علام يعود الضمير في قوله: "بطريقه"؟ فذهب أحد شراح (الاقتراح) إلى أن الضمير عائد على مصدر مفهوم من ينفي أي: بطريق النفي، وذهب آخر إلى أن الضمير عائد على السبر، وهو الصحيح؛ لأن المعنى يكون حينئذ: وينفي غير
[ ١٠٩ ]
الصالح بطريق النظر والاختبار. وتجدر الإشارة هنا إلى أمر مهم، وهو أنه إذا كان التقسيم هو ذكر الأقسام المحتملة، فليست جميع الأقسام المحتملة تصلح لأن تذكر في السبر والتقسيم، بل يجوز ذكر بعضها، ويمتنع ذكر بعضها الآخر. فالذي يُذكر هو ما كان قريبًا وحسنًا، والذي يمتنع ذكره هو ما كان بعيدًا وقبيحًا، وقد عقد ابن جني في (الخصائص) بابا عنوانه: باب في الاقتصار في التقسيم على ما يقرب ويحسن، لا على ما يبعد ويقبح.
وقد بين في هذا الباب أن هناك وجوهًا لا يجوز ذكرها في التقسيم لبعدها، ومثَّل لذلك بأمثلة عدة منها: وزن عصي، فذكر أنه يُحتمل أن يكون على وزن فُعُول، أو فعِيل، أو فلِيع، أو فعلٍّ، ومنع أن يكون في التقسيم فعليٌ أي: بكسر الفاء والعين وسكون اللام، وإنما أجاز الأوزان السابقة؛ لأن لها وجودًا في لسان العرب، ففعول كدلي، وفعيل كشعير وبعير، وفليع كقسي، وأصلها فعول قووس، فغُيرت إلى قسو، فلوع، ثم إلى قسي فلي، وفِعِل كطِمِر، وهو وصف الفرس الجواد، ومنع وزن فعلي؛ لأنه ليس في لسان العرب هذا الوزن، ولا ما هو قريب منه إلا أن تقول: إنها مقاربة لطمر. ونذكر الأمثلة التي ذكرها السيوطي في كتاب (الاقتراح):
المثال الأول: قال ابن جني: "وذلك كأن تقسم نحو: مروان إلى ما يحتمل حاله من التمثيل له فتقول: لا يخلو من أن يكون فعلان، أو مفعالًا أو فعوالًا، فهذا ما يبيحك التمثيل في بابه أي: ما يحتمله فيفسد كونه مفعالًا أي: بزيادة الميم في أوله والألف قبل آخره، أو فعوالًا أي: بزيادة الواو والألف أنهما مثالان لم يجيئا، فلم يبقَ إلا فعلان" انتهى. ومعنى ما نقله السيوطي عن ابن جني: أن مروان يحتمل في وزنه أن يكون فعلان بزيادة الألف والنون، فأصله مرو فالميم والراء
[ ١١٠ ]
والواو أصول، ويُحتمل أن يكون وزنه مفعالًا فأصله رون، والميم زائدة في أوله، والألف زائدة قبل اللام، والراء والواو والنون أصول، ويُحتمل أن يكون وزنه فعوالًا بزيادة الواو والألف، فأصله مرن فالميم والراء والنون أصول".
وبعد أن ذكر ابن جني ما يحتمله اللفظ من أوزان بين أن بعض هذه الأوزان لا يصلح، فيجب نفيه، وأن أحدها يصلح فيبقى، فلا يصلح أن يكون وزنه مفعالًا ولا فعوالًا؛ لأنهما بناءان والصيغتان لم يجيئا، ولم يثبتا عن العرب، فلم يبقَ إلا أن يكون مروان على وزن فعلان، ويدل على أن هذا الوزن هو الصحيح اطراد هذا الوزن في بعض الأوصاف، كما في سكران، وشبعان، وجوعان، وعطشان، ونحوها. ثم بين ابن جني -﵀- أن هناك أربعة أوزان أخرى لا يجوز ذكرها في التقسيم، وهي مفلان، ومفوال، وفعوان، ومفوان، فلا يجوز أن نقول: إن مروان يُحتمل أن يكون وزنه أحد هذه الأوزان، وعلة امتناع ذكرها في التقسيم أنها غير موجودة في لسان العرب، فإن قيل: إن فعوالًا ومفعالًا غير موجودين أيضًا، وقد ذُكرا في التقسيم فما الفرق؟
أجيب: بأن فعوالًا ومفعالًا وإن كانا غير موجودين في لسان العرب، فإن في لسان العرب ما هو قريب منهما، فمفعال بفتح الميم قريب من مفعال بكسرها، وفعوال بفتح الفاء قريب من كسرها قيل: وإنما كان الكسر قريبا من الفتح لتوسطه بينه وبين الضم، ولأنهم حملوا الجر على النصب، وبالعكس؛ لأن كلًّا منهما من إعراب الفضلات، ولم يحملوا على الرفع، لأنه إعراب العمد، بخلاف الأوزان الأخرى، فليس لها نظير، ولا قريب مما له نظير. وذكر ابن جني أنه ليس لك أن تقول في تمثيله: لا يخلو أن يكون مفلان، أو مفوالًا، أو فعوان، أو مفوان، أو نحو ذلك؛ لأن هذه ونحوها إنما هي أمثلة ليست موجودة أصلًا، ولا قريبة من
[ ١١١ ]
الموجودة كقرب فعوال ومفعال من الأمثلة الموجودة، ألا ترى أن فعوالًا أخت فعوال، كقرواش، وهو طفيلي والعظيم الرأس، واسم ناس من العرب، وأخت فعوال كعصواد، ومن معانيه الجلبة والاختلاط. وأن مفعالًا أخت مفعال كمحراب، وأن كل واحد من مفلان ومفوان وفعوان لا يقرب منه شيء من أمثلة كلامهم.
والمثال الثاني: ذكر ابن جني أنك تقول في تمثيل أيمن من قوله: "يبري لها من أيمن وأشمل"، لا يخلو أن يكون أفعلًا أو فعلنًا أو أيفلًا أو فيعلًا، فيجوز هذا كله؛ لأن بعضه له نظير، وبعضه قريب مما له نظير، ألا ترى أن أفعلًا كثير النظير كأكلب وأفرخ، ونحو ذلك، وأن أيفلًا له نظير، وهو أينق في أحد قولي سيبويه، وهو أن الأصل أنوق في جمع ناقة، ثم حُذفت العين التي هي الواو، وعُوِّض منها الياء قبل الفعل، فالوزن أيفل. والقول الآخر لسيبويه أن العين قُلبت إلى ما قبل الفاء فصارت في التقدير: أونقًا، ثم أبدلت الواو ياء؛ لأنها كما أعلت بالقلب أعلت كذلك بالإبدال، فالوزن أعفل، وأن فعلنًا يقارب أمثلتهم نحو: جلبن وهي الحمقاء، وعلجن وهي الناقة الغليظة، وأن فيعلًا أخت فيعل كصيرف، وفيعل كسيد، ومعنى ما ذكره ابن جني أن أيمنًا يحتمل أن يكون وزنه أفعلًا على أنه جمع يمين، وأن يكون وزنه فعلنًا بزيادة النون في آخره وأصالة ما عداه، وأن يكون وزنه أيفلًا بحذف العين من الكلمة وزيادة الألف والياء في أوله، وأن يكون وزنه فيعلًا بزيادة الياء بعد الفاء، وتكون الألف أصلية.
وإذا كان هذا اللفظ تحتمله جميع هذه الأوزان؛ فإن وزنه هو الأول، وهو أفعل؛ لأنه كثير نحو: أكلب. بل ذكر صاحب (الفيض) في (شرح الاقتراح) أن هذا الوزن هو المتعين، وأن ما عداه من الأوزان التي أوردها احتمال غير صحيح
[ ١١٢ ]
وغير محتمل، لما فيه من البعد، ولتأييد أن أيمنًا -وهو جمع يمين- على أفعل وقوعه في مقابلة أشمل الذي هو جمع شمال. على أن ابن جني قد ذكر أوزانًا استبعدها من التقسيم، وهي أيفع، وفعمل، وأيفم؛ لأنها أوزان ليست في لسان العرب، ولا قريبة مما في لسان العرب.
أمثلة السبر والتقسيم عند أبي البقاء، وابن فلاح
نقل السيوطي في (الاقتراح) عن كتاب (التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين) لأبي البقاء العكبري، المتوفى سنة ست عشرة بعد الستمائة من الهجرة أن الدليل على أن نعم وبئس فعلان السبر والتقسيم، وذلك أنهما ليسا حرفين بالإجماع، وقد دلَّ الدليل على أنهما ليسا اسمين أي: وإن دخل عليهما الجار في شذوذ من الكلام، كما استدل به الكوفيون ما عدا الكسائي باسميتهما بذلك، فلا يُعتد به، والدليل على فعليتهما وجهان؛ أحدهما: بناؤهما على الفتح، ولا سبب لهما أي: للبناء لو كانا اسمين؛ لأن الاسم إنما يُبنى إذا أشبه الحرف، ولا مشابهة بين نعم وبئس وبين الحرف، فلو كانتا اسمين لأعربتا أي: لأن ذلك هو شأن الأسماء التي لا شبه لها بالحروف.
والثاني: أن كل واحدة منهما لو كانت اسمًا لكانت إما اسمًا جامدًا أو وصفًا، ولا سبيل إلى اعتقاد الجمود في أيٍّ منهما؛ لأن وجه الاشتقاق فيهما ظاهر، لأنهما من نعم الرجل إذا أصاب نعمة، والمنعَم عليه يُمدح، ولا يجوز أن يكون أيٌّ منهما وصفًا؛ إذ لو كانت أي منهما كذلك لظهر الموصوف معها، وهو لم
[ ١١٣ ]
يظهر أصلًا، ولأن الصفة ليست على هذا البناء، وإذا بطل كونها حرفًا وكونها اسمًا؛ ثبت أنها فعل. انتهى.
أي: وإنما يدل بطلان كونهما حرفين أو اسمين على ثبوت كونهما فعلين، لأن أنواع الكلمة منحصرة في الأنواع الثلاثة بالاستقراء، ويدل على فعليتهما مع ذلك اتصال تاء التأنيث بهما. أما ادعاء اسميتهما بدليل دخول حرف الجر عليهما، فيما حكى أبو بكر بن الأنباري عن أبي العباس أحمد بن ثعلب عن سلمة، عن الفراء أن أعرابيًّا بُشر بمولودة فقيل له: نعم المولودة مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة، نصرتها بكاء، وبرها سرقة. وحُكي عن بعض فصحاء العرب أنه قال: نِعْم السير على بئس العير، فقد أوَّلوه بأن الحكاية فيه مقدرة، وحرف الجر يدخل مع تقدير الحكاية على ما لا شبهة في فعليته، فالتقدير: والله ما هي بمولودة مقول فيها: نعم المولودة، ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير. إلا أنهم حذفوا الموصوف وأقاموا الصفة مقامه، فصار التقدير: ما هي بمقول فيها نعم المولودة، ونعم السير على مقول فيه بئس العير. ثم حذفوا الصفة التي هي مقول، وأقاموا المحكي بها مقامها؛ لأن القول يُحذف كثيرًا كما يُذكر كثيرًا، فدخل حرف الجر على الفعل لفظًا، وإن كان داخلًا على غيره تقديرًا، كما هو مبسوط في محله.
فقد أثبت العكبري أن نعم وبئس فعلان بطريق السبر والتقسيم، فذكر أنهما ليسا حرفين بإجماع النحاة؛ فالخلاف بين النحاة منحصر في قولين؛ أحدهما: أنهما اسمان، والآخر: أنهما فعلان، يبطل أن يكونا اسمين؛ لأنهما مبنيان على الفتح، ولا سبب للبناء؛ إذ لا مشابهة بينهما وبين الحرف، ولا يُبنى من الأسماء إلا ما أشبه الحرف عند أكثر النحويين، يقول ابن مالك -﵀- في ألفيته:
والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني
[ ١١٤ ]
ولما انتفت المشابهة بين الحرف، ونعم وبئس، لم يكن هناك ما يقتضي البناء، فبطل أن يكونا اسمين. ومما ينفي القول باسميتهما أن الاسم إما جامد أو وصف، ولا يتصوَّر الجمود في نعم وبئس؛ لأن اشتقاقهما ظاهر، ولا يتصور أيضًا أن يكونا وصفين؛ إذ لو كانا كذلك لظهر الموصوف، فإذا بطل كونهما اسمين، وكونهما حرفين؛ تعين أن يكونا فعلين، لأن أنواع الكلمة منحصرة في هذه الثلاثة بالاستقراء. ويدل على فعلية نعم وبئس، كما جاء في (الإنصاف في مسائل الخلاف) اتصال ضمير الرفع بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف، فإنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا: نعما رجلين، ونعموا رجالًا، كما حكى ذلك الكسائي، واتصال تاء التأنيث الساكنة نحو: نعمت المرأة هند، وبئست المرأة دعد، وهذه التاء يختص بها الفعل الماضي لا تتعداه، ولا تجاوزه، فلا يجوز الحكم باسمية ما اتصلت به.
كما نقل السيوطي عن كتاب (المغني) لابن فلاح، وهو منصور بن محمد بن سليمان بن معمر اليمني، الشيخ تقي الدين أبو الخير المشهور بابن فلاح النحوي، نقل عنه السيوطي أن الدليل على أن كيف اسم هو السبر والتقسيم، فنقول: لا يجوز أن تكون حرفًا لحصول الفائدة منها مع الاسم، وليس ذلك لغير حرف النداء، ولا يجوز أن تكون فعلًا؛ لأن الفعل يليها بلا فاصل نحو: كيف تصنع، فيلزم أن يكون اسمًا؛ لأنه الأصل في الإفادة.
فقد استدل ابن فلاح على اسمية كيف بطريق السبر والتقسيم، بأن ذكر الأوجه المحتملة، ثم اختبرها، فأبقى ما كان صالحًا، ونفى ما عداه؛ فبين أنه لا يجوز: أن تكون كيف حرفًا، بحصول الفائدة فيها مع الاسم نحو: كيف زيد، فكيف خبر
[ ١١٥ ]
مقدم لصدارته، وزيد مبتدأ مؤخر، فقد أتمت كيف معنى يحسن السكوت عليه، فبطل أن تكون حرفًا؛ لأن حصول الفائدة من الاسم والحرف لا يكون لغير حرف النداء؛ إذ يقوم حرف النداء مقام الفعل كما سبق بيانه، ولا يجوز أن تكون كيف فعلًا؛ لأن الفعل يليها من غير فاصل نحو: كيف تصنع، والفعل لا يلي الفعل بفاعل يكون فاصلًا، فلما انتفى أن تكون كيف حرفًا، أو فعلًا؛ تعيَّن القول باسميتها.
ومن تمام الفائدة أن نذكر أن كيف اسم استفهام يُستفهم به عن كل حال؛ لأن الأحوال أكثر من أن يُحاط بها، فجاءوا بكيف اسمًا مبهمًا يتضمن جميع الأحوال. وإذا تأملنا الأمثلة السابقة وجدنا في كل منها ذكرًا للأقسام المحتملة، وإبطالًا لما لا يصلح منها، وإبقاء لما يصلح، ويُعد هذا أحد قسمين ذكرهما السيوطي نقلًا عن الأنباري.
هذا والله ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١١٦ ]