[ ٢ / ٤٧٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[إملاء ١]
[دخول الفاء في خبر إن]
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين. وقال الشيخ ﵀ ممليًا: مسألة. قال سيبويه ﵀: لا يجوز دخول الفاء في خبر إن (١)، خلافًا للأخفش. ودليله أنه حرف يمتنع دخوله على الشرط، فلا يدخل على المشبه بالشرط قياسًا على "ليت". والأخفش يجيب على ذلك: بأن الأصل لم يمتنع على ما أشبه الشرط بناء على امتناع دخوله على الشرط. وإنما امتنع في: "ليت" و"لعل"، لأمر معنوي لا يستقيم معه دخوله على الشرط ولا ما أشبه الشرط. وهو أن الخبر في: ليت ولعل، هو الذي كان خبر المبتدأ. ودخول الفاء في الخبر يشعر بأن الجملة مسبب عن الأول، والجملة التي هي مسبب خبر في المعنى محتمل للصدق
_________________
(١) القول في هذه المسألة: إن سيبويه لا يجيز دخول الفاء في خبر المبتدأ إلا إذا كان متضمنًا معنى الشرط كقوله: الذي يأتيني فله درهم. ولا يجوز: زيد فله درهم. انظر الكتاب ٣/ ١٠٢. وما نسبه إليه ابن الحاجب يبدو لي غير دقيق. والظاهر أن نسبة هذا المنع إليه مبنية على نقل الزمخشري، فقد قال: "وفي دخول إن خلاف بين الأخفش وصاحب الكتاب"، انظر المفصل ص ٢٧. وابن الحاجب نفسه قد تنبه لهذه المسألة في الإيضاح، فبعد أن أورد حجة الطرفين قال: "وهذا كله بحث المتأخرين. والظاهر أنه مبني على نقل الزمخشري. وقد أوضحه معللًا في غير المفصل. وهو بعيد من جهة النقل والفقه. أما النقل فققد استشهد سيبويه في كتابه بعد قوله: الذين ينفقون أموالهم، بقوله: قل إن الموت. وأما الفقه فيبعد منه وقوعه في مخالفة الواضحات" ١/ ٢٠٦.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
[والكذب] (١)، وما يكون خبرًا لـ طليت" لا يحتمل الصدق والكذب. فاستحال أن يكون الشيء الواحد في كلام واحد محتملا للصدق والكذب ليس محتملًا للصدق والكذب (٢)، إذ يستحيل اجتماع النقيضين. ولا شك أن ما ذكره الأخفش واضح في صحة التعليل، وما ذكره سيبويه يجوز أن [يكون] (٣) قد لمح في وضع الواضع وبني عليه ما ذكره، والأحكام اللغوية لا تثبت بقياس، وإنما تثبت بالنقل ثم تعلل.
فالصواب أن ينظر إلى الواقع. فإن وقع ما ذكره الأخفش صح مذهبه وصح تعليله. وإن وقع ما ذكره سيبويه من حيث الاستقراء ثبت مذهبه وتعليله. وقد ثبت ما ذكره الأخفش في القرآن والكلام الفصيح. قال الله تعىالى: "إن الذين فتنوا" (٤)، الآية، والخبر: فلهم عذاب جهنم، بالفاء. وقال: "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم" (٥).
وما ذكره بعض أصحاب سيبويه من أن الخلاف إنما وقع في دخول "إن" على "الذي" مجابة بالفاء لا في دخولها على موصول لـ "الذي"، ليس بمستقيم. فإن "الذي" لا تكون إلا صفة، فلا فرق بين ذكر موصوفها وحذفه.
وما ذكره بعضهم من أن الفاء زائدة (٦)، غير مستقيم، فإنه اعتذار بما لا
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) فاستحال للصدق والكذب: سقطت من د.
(٣) زيادة من س.
(٤) البروج: ١٠، الآية بتمامها: "إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق".
(٥) الجمعة: ٨.
(٦) نقل أبو حيان هذا الرأي عن الفراء. البحر المحيط ٨/ ٢٦٧.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
يقوله صاحب المذهب المعتذر عنه. فإن الفاء عند سيبويه لا تزاد في خبر المبتدأ (١).
وما ذكره بعضهم من أن "الذي خبر "إن" و"فإنه ملاقيكم" جملة أخرى، ليس بمستقيم لأن المعنى على الأخبار بأن الموت يلاقيهم لا على أن الموت هو الذي يفرون.
وقد يجاب عن قوله: "إن الذين فتنوا"، بأنه سيق في قوم معهودين، وشرط "الذي المشبهة بالشرط أن لا يكون في قوم مخصوصين، فهو مشترك الإلزام، فيجب أن يقدر الخبر محذوفًا، فلا يبقى في الآية جهة استدلال.
والجواب: منع أنها مخصوصة بمن تقدم ذكره من أصحاب الأخدود، وإن كان ذلك هو السبب.
وقد يكون السبب خاصًا والحكم عامًا، فالعمل بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى أنه لو قيل: كفر زيد ومن كفر فله نار جهنم، لم يمنع مخصوص زيد من حمل من كفر على العموم، وإن كان هو السبب، فكذلك هذا.
وأما دليل الأخفش: فإنه يقول: جملة مصدرة بـ "الذي" لا يتغير (٢) معنى خبرها في التصديق والتكذيب بما طرأ عليها، فجاز أن تدخل في خبرها الفاء إذا قصد معنى السببية قياسًا على ما يطرأ فيها مما لا يغير المعنى، كقولك الذي يكرمني فله درهم (٣).
_________________
(١) الكتاب ١/ ١٣٨.
(٢) في الأصل: يتعين. وهو تحريف.
(٣) والآيتان اللتان أوردهما ابن الحاجب حجة للأخفش أوردهما سيبويه في كتابه وأجاز فيهما دخول الفاء. وشبه دخول الفاء فيهما وفي أمثالهما كدخولها في الجزاء. انظر الكتاب ٣/ ١٠٢، ١٠٣. فهما حجة على من يقول إن سيبويه لا يجيز دخول الفاء في خبر إن. فهو لا يجيزه في الكلام الذي لا يشبه الشرط كقولك: إن عبد الله فله درهم.
[ ٢ / ٤٨١ ]
[إملاء ٢]
[صرف "أحمر" إذا سمي به ثم نكر]
مسالة. قال سيبويه ﵀: إذا سمي بـ "أحمر" ثم نكر فإنه يمتنع من الصرف بعد تنكيره (١). وقال الأخفش: ينصرف (٢). ووجه الدليل أن يقول: اسم فيه الصفة الأصلية ووزن الفعل، ولا علمية تمنع من اعتبارها، فوجب أن يمتنع من الصرف كأسود وأدهم وأرقم.
وقال الأخفش: اسم نكر وليس فيه إلا علتان، وأحد (٣) علتيه التعريف فيجب صرفه لزوال التعريف بالتنكير كأحمد وعمر وإبراهيم. والجواب: الفرق بين الفرع والأصل المقيس عليه، وهو أن الأصل لم يخلف التعريف عند زواله بالتنكير علة أخرى، والفرع كانت العلمية فيه مانعة من اعتبار الوصفية الأصلية، فلما زالت بالتنكير وجب اعتبارها عند زوال المانع لقيام السبب. ويدل على أن الوصفية الأصلية معتبرة مع غير العلمية إطباق العرب على منع صرف: أسود وأرقم، للحية، ومنع صرف: أدهم، للقيد. ولا مانع إلا الصفة الأصلية ووزن الفعل. ويدل على أن العلمية مانع من اعتبار الصفة الأصلية أطباق العرب على صرف باب: حاتم، إذا كان علمًا. ولو اعتبرت الصفة الأصلية فيه لكان غير منصرف. وسره أنهم كرهوا الصفية مع ما يضاد تحقيقها سببًا لحكم واحد.
_________________
(١) انظر الكتاب ٣/ ١٩٨.
(٢) قال الزجاج: "وزعم الأخفش وجماعة من البصريين والكوفيين أن الصفة إذا سميت بها رجلًا نحو (أحمر) لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة. قالوا: تقول: مررت بأحمر يا هذا وأحمر آخر، إذا كان اسمًا. قالوا: لأنه قد خرج عن الصفة فصار بمنزلة (أحمد) إذا سميًا به، فنصرفه في النكرة كما نصرف أحمد". انظر ما ينصرف وما لا ينصرف ص ٧ (تحقيق هدى محمود قراعة).
(٣) في م، س: إحدى.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
[إملاء ٣] [صرف جوار]
وبيان المضادة للوصفية المحققة للعلمية أن العلم (١) موضوع للاختصاص بمسمى (٢) والصفة موضوعة لمسمى لا اختصاص فيه. ولما تحققوا في الوصفية المحققة كرهوا أن يعتبروها أصلًا رفعًا لوهم توهم الجمع بين متضادين.
ولو قيل في دليل الأخفش: لو امتنع صرف "أحمر" بعد التنكير لامتنع صرف "حاتم" قبل التنكير. فالجواب عنه ما تقدم. وقد أورد للأخفش: لو امتنع صرف "أحمر" بعد التنكير لامتنع صرف "أفضل" إذا سمي به بعد التنكير. والجواب: أن "أفضل" إذا سمي به لم يسم بصفة حتى يقال: إنها تعتبر بعد التنكير، لأن شرط استعماله صفة الألف واللام أو الإضافة أو من. فثبت أنه ليس مما نحن فيه، بل هو عليه أظهر. لأنا نقول: لو انصرف "أحمر" بعد التنكير لانصرف "أفضل منك" إذا سمي بعد بعد التنكير، وهم موافقون في ذلك. فلما جاءت "منك" مع "أفضل" صار بها كـ "أحمر"، فوجب منع صرفه بعد التنكير (٣)، فكذلك منع صرف "أحمر" (٤).
[إملاء ٣]
[صرف جوار]
مسألة. قال سيبويه ﵀: جوار في الرفع والجر ممتنع من
_________________
(١) في د: الفعل. وهو تحريف.
(٢) في م: بمعنى. وهو تحريف.
(٣) قال سيبويه: "أعلم أنك إنما تركت صرف أفعل منك لأنه صفة، وذلك نحو: أحمد وأصغر وأكبر، لأنك لا تقول: هذا رجل أصغر ولا هذا رجل أفضل، وإنما يكون هذا صفة بمنك، ولو سميته أفضل منك، لم تصرفه على حال". الكتاب ٣/ ٢٠٢.
(٤) وقد اختار الزجاج مذهب سيبويه. واختار المبرد مذهب الأخفش. انظر ما ينصرف وما لا ينصرف ص ٨. والمقتضب ٣/ ٣١٢. قال المبرد: "ولا أراه يجوز في القياس غيره".
[ ٢ / ٤٨٣ ]
الصرف (١). والتنوين فيه تنوين العوض خلافًا لبعضهم (٢). ودليله أن يقول: جمع على صيغة منتهى المجموع بغير هاء فوجب امتناعه من الصرف قياسًا على ضوارب. فإن قيل: قياسكم على ضوارب لا يستقيم فيه الشرط المعتبر في منع الصرف، وهو أن يكون بعد الألف فيه حرفان أو ما يقوم مقام حرفين، فالأول: كمساجد وشبهه، والثاني: دواب وشبهه. وليس جوار كذلك في الصورة المفروضة، فقد انقطع الإلحاق. والجواب أن نقول: إن هذا فيه الشرط المذكور، فإنا نقطع باعتبار المحذوف في مثل ذلك، والذي يدل على اعتبار المحذوف أمران: أحدهما: أنا نقول: هذه جوار، بكسر الراء، اعتدادًا بوجود الياء، ولو كانت الياء في حكم العدل لوجب أن نقول: هذه جوار، فدل ذلك على أنه ليس كسلام وكلام، فإن الخصم يقيس عليه، وسيذكر في معارضته. وإذا ثبت الاعتداد بها في هذا الحكم اللفظي حتى قدرت كالموجودة وجب الاعتداد بها في منع الصرف لأنه حكم لفظي مثله. والثاني: أنا متفقون على منع صرف أشقى وأحوى وما أشبهه. وأصله: أحوى، فالمانع فيه وزن الفعل والصفة. ووزن الفعل إنما يكون باعتبار الصيغة التي هي أفعل، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا
_________________
(١) قال سيبويه: "وأعلم أن كل شيء من بنات الياء والواو كان على هذه الصفة فإنه يتصرف في حال الجر والرفع، وذلك أنهم حذفوا الياء فخف عليهم فصار التنوين عوضًا. وإذا كان شيء منها في حال النصب نظرت: فإن كان نظيره من غير المعتلة مصروفًا صرفته، وإن كان غير مصروف لم تصرفه، لأنك تتم في حال النصب كما تتم غير بنات الياء والواو". الكتاب ٣/ ٣٠٨. وقد وقع الخلاف في فهم عبارة سيبويه. فمنهم من فسرها أن منع الصرف مقدم على الإعلال، ومنهم من فسرها أن الإعلال مقدم على منع الصرف. انظر الإملاء رقم (٧٩) من الأمالي على المقدمة والرضي ١/ ٥٨. والذي يظهر من كلام سيبويه أن التنوين عوض من الياء.
(٢) ومذهب أبي إسحاق الزجاج أن التنوين في جوار وغواش ونحوه بدل من الحركة الملقاة عن الياء في الرفع والجر لثقلهما. انظر: ما ينصرف وما لا ينصرف ص ١١٢.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
فبقى أحوى. فلو صح أن يكون الإعلال مخلًا بالزنة لوجب أن لا يعتدوا بوزن الفعل، فياقل: هو أحوى من كذا، بالتنوين، لأنه حينئذ غير مماثل لوزن الفعل، ولا قائل به. ثم التنوين تنوين عوض عنده. فقيل: عوض عن الياء المحذوفة. والأولى أن يقال عن إعلال الياء بالسكون، وهو قول الفارسي، لأن حذف الياء إنما كان بسبب وجود التنوين، فكيف يصح أن يكون عوضًا عنها، ولم يحذف إلا بعد وجودها، وإنما يكون الشيء عوضًا عن الشيء بعد ثبوت حذفه لغيره، فوجب أن يقال: إنه عوضا عن الإعلال لأن الإعلال ثابت قبل مجيء التنوين، فلما جاء التنوين بعد ثبوت الإعلال اجتمع ساكنان فحذفت الياء لالتقاء الساكنين (١).
قال الخصم: اسم ليس فيه الشرط المانع من الصرف فوجب بقاؤه على الأصل قياسا على سلام وكلام. والجواب من وجهين: أحدهما: أنه لا يصح نفي وجود السبب المانع من الصرف، فإنا قد أثبتناه بالدليل الذي تقدم. وإذا لم يثبت الوصف الجامع لم يثبت القياس. الثاني: الفرق بين جوار وبين سلام وكلام، وهو أن الأصل مفرد وهذا المتنازع فيه جمع فلا يقاس عليه.
[إملاء ٤]
[المعطوف الممتنع دخول "يا" عليه]
مسألة. قال الخليل: يا زيد والحارث (٢). المختار في المعطوف الرفع
_________________
(١) قال الزجاج: "الأصل في هذا عند النحويين جواري بضمة وتنوين، ثم يحذف التنوين لأنه لا ينصرف فيبقى جواري يا هذا، بضمة الياء، ثم تحذف الضمة لثقلها مع الياء فيبقى جواري، بإسكان الياء، ثم تدخل التنوينة عوضًا من الضمة فيصير جوارين، فتحذف الياء لسكونها وسكون التنوين فيبقى جوار". ما ينصرف وما لا ينصرف ص ١١٢.
(٢) قال سيبويه: "ويقولون يا عمرو والحارث، وقال الخليل ﵀: وهو القياس، كأنه =
[ ٢ / ٤٨٥ ]
خلافًا لأبي عمرو فإنه يختار النصب فيما ذكر (١). ووجه الدليل أن يقول: اسم هو منادى في التحقيق، فينبغي أن يحرك بحركة المنادى قياسًا على: أيا الرجل، اتفاقًا. إنما قلنا: إنه منادى، لأنه معطوف على منادى، والمعطوف (٢) والمعطوف عليه مشتركان في الحكم، وإلا لزم الاختلاف.
فإن (٣) قال أبو عمرو معارضًا: اسم معطوف على مبني فيختار فيه النصب قياسًا على: ضربت هؤلاء وزيدا، وذلك أن المعطوف على المبنيات إنما يجري على المواضع لا على الألفاظ بدليل ما ذكرناه من الأصل المقيس عليه. فالجواب للخليل بالفرقن وذلك أنا إنما حملنا المعطوف على موضع المبني للتعذر، لأن الأعراب إما لفظي. أو تقديري أو محلي. والأولان منتفيان لأن هؤلاء من أسماء الإشارة وهي مبنية، فتعين الحمل على المحل. أما: يا زيد، وإن كان مبنيًا مثل هؤلاء في عموم البناء إلا أنه لما كان يعرب في حالة ويبني في أخرى، فليس مثل هؤلاء فإنه لم يقع إلا مبنيًا، ولذلك جاء في تابع: يا زيد، الإعراب بالرفع لما نزلت الحركة البنائية منزلة الحركة الإعرابية لطروء البناء ألا ترى أنه يحسن: لا رجل ظريفًا فيها، ولا يحسن: ضربت هؤلاء الكرام. والجواب: أن حاصل هذا الفرق تجويز الإعراب على اللفظ، ولولا هو لم يجز
_________________
(١) = قال: ويا حارث. ولو حمل الحارث على يا كان غير جائز البتة نصب أو رفع، من قبل أنك لا تنادي اسمًا فيه الألف واللام بيا". الكتاب ٢/ ١٨٧. وقال الرضى: "وإنما اختار الرفع مع تجويز النصب نظرًا إلى المعنى لأنه منادى مستقل معنى، ولم يصح مباشرة حرف النداء له فالرفع أولى تنبيهًا على استقلاله معنى كما في: يا أيها الرجل". شرح الكافية ١/ ١٣٨.
(٢) قال الرضي: "وأبو عمرو بن العلاء يختار النصب لأنه لأجل اللام يمتنع وقوعه موقع المتبوع فاستبعد أن يجعل حركته كحركة ما باشره الحرف وكان الوجه أن ينظر إلى كونه تابعًا. والوجه في النوابع أن تتبع متبوعاتها في الإعراب لا في البناء". شرح الكافية ١/ ١٣٩.
(٣) والمعطوف: سقطت من د.
(٤) فإن: سقطت من س.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
الإعراب على اللفظ، كما لا يجوز: ضربت هؤلاء الكرام، وإنما جاز لهذا الفرق. ألا ترى أن "يا زيد العاقل" أفصح من "يا زيد العاقل" (١).
[إملاء ٥]
[لحاق علامة الندبة الصفة]
مسألة. قال الخليلك علامة الندية لا تلحق الصفة خلافًا ليونس (٢). والكلام مفروض في مثل: يا زيد الطويلاه. ووجه الدليل للخليل أنه يقول: اسم ليس بمندوب فلا تلحقه علامة الندبة قياسًا على قولهم: جاءني زيد الطويلاه. وتقريره أن علامة الندبة إنما تلحق المندوب. وقوله: الطويلاه، في: وأزيد الطويلاه، ليس بمندوب بل هو صفة جاءت بعد تمام الاسم بكماله وجملته، فلو لحقت علامة الندبة "الطويل" للحقت ما ليس بمندوب مطلقًا.
وأما يونس فإنه يقولك اسمان تنزلا منزلة اسم واحد فلحقته علامة الندبة كالمضاف والمضاف إليه في قولهم: واعبد المطلباه وشبهه. والجواب: الفرق، وذلك أن المضاف والمضاف إليه تركبا وصار مدلولهما واحدا، فصار كل واحد منهما كالزاي من زيد، حتى أنك لو فصلت أحدهما عن الآخر لم تفهم المدلول أصلا، وليس كذلك الصفة والموصوف، فإن الموصوف مستقل بالدلالة مع الذهول عن الصفة، إذ لم تأت إلا بعد تمام الأول وكماله لغرض، فقد ظهر الفرق بين الصفة والموصوفن والمضاف والمضاف إليه.
_________________
(١) وجد هذا القدر خاليًا في الأصل وفي ب، م.
(٢) قال سيبويه: "هذا باب ما لا تلحقه الألف التي تلحق المندوب. وذلك قولك: وأزيد الظريف والظريف. وزعم الخليل ﵀ أنه منعه من أن يقول الظريفاه أن الظريف ليس بمنادى، ولو جاز ذا لقلت: وأزيد أنت الفارس البطلاه، لأن هذا غير منادى كما أن ذلك غير نداء". الكتاب ٢/ ٢٢٥. وقال: "وأما يونس فيلحق الصفة الألفن فيقول وأزيد الظريفاه. وزعم الخليل ﵀ أن هذا خطأ". الكتاب ٢/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ويمكن أن يقال أيضًا: لو جاز: يا زيد الطويلاه، لجاز: جاءني زيد الطويلاه، ولم يجز فلا يجوز. ووجه الملازمة أن علامة الندبة إنما تلحق المندوب، والطويلاه ليس بمندوب، فلو لحقت الطويلاه للحقت ما ليس بمندوب مطلقًا.
[إملاء ٦]
[محل الضمائر بعد "لولا" و"عسى"]
مسألة. قال: مذهب سيبويه ﵀ في اللغة الضعيفة (١) التي جاءت في "لولا" و"عسى" في قولهم: لولاي ولولانا، وفي قولهم: لولاك إلى لولاكن، وفي: لولاه إلى لولاهن، وفي: عسى عساي وعسانا، وفي: عساك إلى عساكن، وعساه إلى عساهن، أن الضمائر بعد "لولا" في محل الجر بـ "لولا"، وأن لـ "لولا" مع المكني حالًا يخالفها مع المظهر. والمكني بعد "عسى" في محل النصب بـ "عسى" إجراء لها مجرى لعل (٢).
ومذهب الأخفش أن الضمائر في البابين في محل الرفع (٣) على ما كان عليه في اللغة الفصيحة، فحملوا الرفع على الجر في "لولا"، والرفع على النصب في "عساك" و"عساه".
_________________
(١) وقد نقل الزمخشري أن هذه اللغة رواها الثقات من العرب. فكيف تكون ضعيفة؟ انظر: المفصل ص ١٣٥.
(٢) قال سيبويه: هذا باب ما يكون مضمرًا فيه الاسم متحولًا عن حاله إذا أظهر بعده الاسم. وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمرت الاسم فيه جر، وإذا أظهرت رفع. ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت. ولكنهم جعلوه مضمرًا مجرورًا. والدليل على ذلك أن الياء والكاف لا تكونان علامة مضمر مرفوع. وهذا قول الخليل ﵀ ويونس. وأما قولهم: عساك، فالكاف منصوبة. والدليل على أنها منصوبة أنك إذا عنيت نفسك كانت علامتك ني. انظر الكتاب ٢/ ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٥.
(٣) قال سيبويه: "وهذا وجه رديء". الكتاب ٣/ ٣٧٦.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
ودليل سيبويه في "لولا" أنها صيغة لضمير مجرور، فوجب أن يكون ما قبلها هو العامل فيها جرا وإن لم يكن من أصل عمله الجر في غيره قياسًا على لدن في قوله: لدن غدوه (١). ويستعمل مثل ذلك في "عسى". إلا أنه يقول: صيغة منصوب لا ناصب له يمكن تقديره سوى "عسى"، فوجب أن يكون "عسى" هو العامل فيها نصبا وإن لم يكن من أصل عمله النصب في غيره قياسًا على لدن (٢).
ووجه قول الأخفش في: لولا وعسى، أنه موضع لو وقع فيه الظاهر لكان مرفوعًا، فوجب أن يحكم على محل المضمر الواقع موقعه بذلك قياسًا على سائر الضمائر، إلا أنه يحتاج إلى الاعتذار عن وقوع صيغة المجرور في "لولا". في محل الرفع، وعن وقوع صيغة المنصوب في "عسى" في محل الرفع أيضًا بأنه لا بعد في استعارة صيغة أحد البابين في الآخر. فكما أوقعوا صيغة المرفوع في المجرور في قولهم: مررت بك أنت وبه هو وبنا نحن، وما أنا كانت، فكذلك أوقعوا صيغة المجرور في محل الرفع في "لولا" وكما أوقعوا صيغة المرفوع في محل المنصوب في قولهم: ضربتك أنت وضربته هو، كذلك أوقعوا صيغة المنصوب في محل المرفوع في قولهم: عساك وعساني (٣).
_________________
(١) قال الشاعر: لدن غدوة حتى ألاد بخفها بقية منقوص من الظل قالص ولم يعرف قائله. وهو من شواهد المفصل ص ١٧٢.
(٢) وما ذهب إليه سيبويه هو مذهب البصريين، قال ابن الأنباري: "وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن المكني في لولاي ولولاك في موضع جر لأن الياء والكاف لا تكونان علامة مرفوع، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم محال، ولا يجوز أن يتوهم أنهما في موضع نصب، لأن لولا حرف، وليس بفعل له فاعل مرفوع، فيكون الضمير في موضع نصب، وإذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب وجب أن يكون في موضع جر". الإنصاف مسألة (٩٧).
(٣) وما ذهب إليه الأخفش، وهو من البصريين، وهو مذهب الكوفيين. قال ابن الأنباري: "أما =
[ ٢ / ٤٨٩ ]
ولا خفاء في أن كلا من المذهبين يلزمه ارتكاب محذور، والنظر في الترجيح في مثل ذلك إنما يكون ببيان أخف المحذورين.
فما ذكره سيبويه يلزم منه محذور واحد، وهو تغيير "لولا" و"عسى"، في أن لها عملًا في الظاهر يخالف عملها في المضمر على هذه اللغة. ثم يكون اختلاف الضمائر مبنيًا على هذه القاعدة، إلا أنه خولف في كل مفرد.
ومذهب الأخفش يلزمه المخالفة في كل (١) باب من البابين في جميع محاله وهو اثنا عشر في كل واحد منها (٢)، ولا خفاء في أن محذورًا أولى من اثنى عشر محذورًا. وفي هذا ضرب من التحامل على الأخفش، وذلك أن المحذور الذي لزم الأخفش لازم أيضًا على مذهب سيبويه.
وقولهم: إنه مبني على أن "لولا" جارة، لا يفيد، فإن المخالفة حاصلة سواء كانت أصلًا أو بناء. ثم (٣) ولو سلم تعدد المخالفة على مذهب الأخفش واتحادها على مذهب سيبويه فقد يكون المحذور المتحد أبعد من محذورات متعددة. ولا خفاء في أن إجراء ما ذكر مجرى "لدن" بعيد من حيث إن "لدن" مستبعد عن قياس كلامهم واقع موقع الغلط، لما ثبت فيها من النون التي هي شبيهة بالتنوين، حتى توهم أنه منون ممتنع إضافته. ولا شك في أنه بعيد جدًا، أو غير مستقيم.
_________________
(١) = الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الياء والكاف في موضع رفع لأن الظاهر الذي قام الياء والكاف مقامه رفع بها على مذهبنا، وبالابتداء على مذهبكم، فكذلك ما قام مقامه". الإنصاف مسألة (٩٧).
(٢) كل: سقطت من س.
(٣) تقول: لولاي ولولانا ولولاك ولولاك ولولاكما ولولاكم ولولاكن. ولولاه ولولاها ولولاهما ولولاهم ولولاهن. ومثل ذلك يقال في عسى.
(٤) ثم: سقطت من ب، س.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وما ذكره الأخفش مبني على قاعدة كثر مثلها، وهو وقوع بعض الصيغ موقع بعض، فثبت لذلك أن مذهب الأخفش في ذلك أظهر. والله أعلم بالصواب.
***
[ ٢ / ٤٩١ ]