مقدمات
تمهيد:
أولا- تعريف موجز بابن هشام الأنصاري:
المولد والنشأة: ولد العلامة الشيخ، أبو محمد عبد الله جمال الدين بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري بالقاهرة في ذي القعدة، سنة ثمان وسبعمائة من الهجرة١، الموافق سنة / ١٣٠٩/ من الميلاد. ومن ثم ترعرع فيها، وشب محبا للعلم والعلماء، فأخذ عن الكثيرين منهم، ولازم بعضا من الأدباء والفضلاء.
شيوخه: ذكر صاحب الدرر الكامنة٢ أن ابن هشام لزم عددا من فحول عصره، وتلقى العلم على أيدي علماء زمانه، وتتلمذ لهم، ومنهم ابن السراج٣، وأبو حيان٤، والتاج التبريزي٥، والتاج الفاكهاني٦، والشهاب بن المرحل٧، وابن جماعة٨، وغيرهم.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة، للسيوطي. تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم "ط: ٢. بيروت: دار الفكر، "١٣٩٩-١٩٧٩ م"، ٢: ٦٨. ٢ الدرر الكامنة، لابن حجر "حيدر آباد، ١٣٤٨ هـ"، ٢: ٣٠٨-٣١٠. ٣ ابن السراج: محمد بن أحمد، أبو عبد الله السراج الدمشقي، مقرئ نحوي، ولد سنة ٦٦٨هـ، ومات سنة ٧٤٣هـ. بغية الوعاة: ١/ ٢٠. ٤ أبو حيان: محمد بن يوسف، أثير الدين الغرناطي، نحوي عصره، ولغويه، ومحدثه، وأديبه، له البحر المحيط في التفسير، والمدبح في التصريف وغيرهما. مات سنة ٧٤٥هـ. بغية الوعاة: ٢٨٠-٢٨٣". ٥ التبريزي: علي بن عبد الله الأردبيلي التبريزي، عالم ورع وأحد الأئمة الجامعين لأصناف العلوم. مات سنة ٧٤٦هـ. المصدر نفسه: ٢/ ١٧١. ٦ التاج الفاكهاني: عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندراني، له شرح العمدة، والإشارة في النحو وغيرهما. مات سنة ٧٣١هـ. المصدر نفسه ٢: ٢٢١، والدرر الكامنة: ٣/ ١٧٨. ٧ الشهاب بن المرحل: عبد اللطيف بن عبد العزيز، ولم يذكر له صاحب البغية ترجمة وافية. البغية ٢/ ٥٤١. ٨ ذكر صاحب البغية، في ترجمتة لابن هشام، أنه "حدث عن ابن جماعة بالشاطبية"، والذين سموا بهذا الاسم كُثر، ولعل المقصود بالذكر هنا بدر الدين محمد المتوفى سنة ٧٣٣هـ، والذي كان يشغل منصب قاضي قضاة دمشق، ثم مصر في أيامه.
[ ١ / ٣ ]
تلاميذه:
لم تذكر كتب التراجم تلاميذ ابن هشام، ولعل أكثرهم كان من غير المشهورين، واكتفى صاحب البغية بالقول: "وتخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم"١.
منزلته العلمية:
أتقن ابن هشام العربية، حتى فاق أقرانه وشيوخه ومعاصريه، وكان لكتابيه: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، و"أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك". صدى في النفوس، ونال بهما منزلة لدى العلماء والأدباء "فاشتهر في حياته، وأقبل الناس عليه"٣ غير أن شهرته لم تكن محصورة في مصر وحدها، بل تعدتها إلى المشرق والمغرب، حيث ذكر صاحب الدرر الكامنة نقلا عن ابن خلدون قوله: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له: ابن هشام، أنحى من سيبويه"٣.
ذكاؤه وفطنته:
كان ابن هشام، يتمتع بذكاء خارق، وذاكرة قوية، حيث استطاع أن يجمع عدة علوم، وأن يبرز فيها، وهو "المتفرد بالفوائد الغريبة، والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، والتحقيق البارع، والاطلاع المفرط، والاقتدار على التصرف في الكلام، والملكة التي كان يتمكن من التعبير بها عن مقصوده بما يريد مسهبا وموجوزا"٤، وما يدلنا على مدى فطنته، وقوة حافظته حتى أواخر حياته، أنه حفظ مختصر الخرقي في دون أربعة أشهر قبل موته بخمس سنين"٥.
تدينه ومذهبه:
ابن هشام عالم ورِع، لم يتهم باعتقاده، ولا بتدينه، ولا بسلوكه، وهو شافعي المذهب، وتحنبل في أواخر حياته٦، وهذا يدل على أنه كان متعمقا في كلا المذهبين.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة: ٢/ ٦٨. ٢ المصدر نفسه. ٣ المصدر نفسه، ص: ٦٩. والدرر الكامنة: ٢/ ٣٠٨-٣١٠. ٤ البغية: ٢/ ٦٩. ٥ المصدر نفسه. ٦ المصدر نفسه، ص: ٦٨.
[ ١ / ٤ ]
صفته وأخلاقه: كان ابن هشام يمتاز "بالتواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق رقة القلب"١ فضلًا عن دينه، وعفته، وحسن سيرته، واستقامته، وكان إلى ذلك صبورا في طلب العلم مداوِما عليه حتى آخر حياته-كما أشرنا- ومن شعره في الصبر:
ومن يصطبرْ للعلم يظفرْ بنيلِهِ ومن يخطبِ الحسناءَ يصبرْ على البذلِ
ومن لا يذل النفس في طلب العُلا يسيرًا يَعِشْ دهرًا طويلًا أَخَا ذُل٢
آثاره:
لابن هشام مصنفات كثيرة، منها:
١- الإعراب عن قواعد الإعراب.
٢- الألغاز.
٣- أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك.
٤- التذكرة.
٥- التحصيل والتفصيل لكتاب "التذييل والتكميل"
٦- الجامع الصغير.
٧- الجامع الكبير.
٨- رسالة في انتصاب "لُغَةً" وفَضْلًا"، وإعراب "خِلافًا" و"أيضًا" و"هَلُم جرا".
٩- رسالة في استعمال المنادى في تسع آيات من القرآن.
١٠- رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة.
١١- الروضة الأدبية في شواهد علم العربية.
١٢- شذور الذهب.
١٣- شرح البردة.
١٤- شرح شذور الذهب.
١٥- شرح الشواهد الصغرى.
١٦- شرح الشواهد الكبرى.
١٧- شرح القصيدة اللغوية في المسائل النحوية.
١٨- شرح قطر الندى وبل الصدى.
١٩- شرح اللحمة لأبي حيان.
٢٠- عمدة الطالب في تحقيق صرف ابن الحاجب. ٢١- فوح الشذا في مسألة كذا.
٢٢- قطر الندى وبل الصدى.
٢٣- القواعد الصغرى.
٢٤- القواعد الكبرى.
٢٥- مختصر الانتصاف من الكشاف.
٢٦- المسائل السفرية في النحو.
٢٧- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب.
٢٨- موقد الأذهان وموقظ الوسنان.
وفاته:
توفي ابن هشام -رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة في الخامس من ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة، الموافق سنة ١٣٦٠ من الميلاد٣، ورثاه ابن نباتة بقوله:
سقى ابن هشام في الثرى نوء رحمة يجر على مثواه ذيل غمام
سأروي له من سيرة المدح مسندًا فما زِلْتُ أروي سيرة ابن هشام٤
_________________
(١) ١ بغية الوعاة: ٢/ ٦٩ ٢ بغية الوعاة: ٢/ ٦٩. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه، ص٧٠.
[ ١ / ٥ ]
ثانيا- منهج ابن هشام النحوي:
يعد ابن هشام الأنصاري شيخا من شيوخ النحاة المجتهدين، الذين لم يكتفِ بالحفظ والفهم، والتقليد، وإنما فهموا، وقارنوا، واستنبطوا، ووفقوا واصطفوا، ورجحوا، وقبلوا، ورفضوا، وهذا شأن العلماء المجتهدين والمجددين في القديم والحديث.
وابن هشام نحوي بارع في عرض مادته، كما هو بارع في تحليله ونقده، فضلًا عن براعته في تصيد أمثلته، والاستدلال بها عما يجول في خلده. وكان ابن هشام حرا في تفكيره، موضوعيا في أخذه ورده؛ فهو لم يتعصبْ لمذهب من المذاهب النحوية، أو لمدرسة بعينها، وإن كان ميالا إلى مدرسة البصرة، مبجلا علماءها وأحيانا كان يقول: "والذي عليه أصحابنا" ويعني بهم البصريين. غير أن هذا الميل لم يكن لهوىً في نفسه؛ وإنما لكونه رجح آراءهم في مواطن كثيرة، ورد عليهم في مواطن أقل، وأخذ بالرأي الأقوى كائنًا من كان صاحبه، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا نستطيع الإحاطة بها في هذه العجالة، وإنما سنقتصر على نماذج قليلة من أخذه ورده.
أولا: رجح مذهب جمهور البصريين في أن المحذوف في مثل: "تأمروني" نون الرفع، لا نون الوقاية١، كما حذا حذوهم في عد "زيد" في مثل "إن زيد قائم" فاعلا لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، لا مبتدأ -خلافا للأخفش الأوسط- ولا فاعلا مقدما للفعل، خلافا للكوفيين٢. والأمثلة على موافقته لمذهبهم كثيرة لا تحصى.
وقد اختار مذهب سيبويه في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع
_________________
(١) ١ انظر مغني اللبيب، لابن هشام الأنصاري: ٣٨٠. ٢ التصريح على التوضيح: ١/ ٢٧٠-٢٧١.
[ ١ / ٦ ]
المبتدأ١. وأن المضاف إليه مجرور بالمضاف، لا بالإضافة، ولا باللام المحذوفة.
ثانيًا: رجح ما ذهب إليه الكوفيون في قولهم: الفعل ماضٍ، ومضارع فقط، وأن الأمر فرع من المضارع المصحوب بلام الطلب، في مثل: "لِتَقُمْ"، فحذفت لام الطلب؛ لِلتخفيف، في مثل: "قمْ واقعُدْ" وتبعها حرف المضارعة٣.
- ورجح ما ذهب إليه الكوفيون في مسألة جملة "البسملة"، حيث عدها البصريون اسمية، على تقدير "ابتدائي باسم الله"، وعدها الكوفيون. "فعلية"، على تقدير: "أبدأ باسم الله"، فوافق الكوفيين، وقدر: "باسم الله أقرأ".
- كما وافق الكوفيين، في نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، وفي مجيء الباء" بمعنى: "من"، التي تفيد التبعيض٤، مثل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ٥، وفي مجيء "من" مفيدة ابتداء الغاية الزمانية٦، وفي نيابة "أل" عن الضمير٧، وفي مجيء "لا" عاطفة٨، كما وافقهم في مسائلَ كثيرةٍ، لا داعيَ لذكرها.
ثالثًا: ختار كثيرا من آراء البغداديين، واستشهد بها في مواطن كثيرة؛ منها:
- جواز نداء ما فيه "أل" في سعة الكلام، لا في ضرورة الشعر فقط٩.
- جواز إعمال اسم المصدر، إن لم يكن علمًا، ولم يكن ميميا، خلافا للبصريين١.
_________________
(١) ١ التصريح على التوضيح: ١/ ١٥٨. ٢ التصريح على التوضيح: ٢/ ٢٤. ٣ انظر المغني: ٢٥٠. ٤ انظر المغني: ١٤٢-١٤٣. ٥ سورة المائدة، الآية: ٦. ٦ انظر المغني: ٤١٩-٤٢٠. ٧ انظر المغني: ٧٧-٧٨. ٨ انظر المغني: ١٠١. ٩ أوضح المسالك: ٣/ ٨٥-٨٦، وشرح التصريح: ٢/ ١٧٣. ١٠ أوضح المسالك: ٢/ ٢٤٢-٢٤٣، وشذور الذهب: ٤١٢.
[ ١ / ٧ ]
- جواز مجيء "ليس" حرفا عاطفا، كما في قول الشاعر:
إنما يجزي الفتى ليس الجمل١
ووافق ابن جني في أن الجملة قد تبدل من المفرد، كقول الشاعر:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً وبالشام أُخرى كيف يلتقيانِ؟
على تقدير: "إلى الله أشكو حاجتين تعذر التقائهما".
رابعًا: اختار بعض ما ذهب إليه الأندلسيون، وخاصة ابن مالك وابن عصفور؛ فأما ابن مالك، فقد كان كثير الموافقة له في آرائه، وقلما خالفه فيها، ومعلوم أنه شرح له "الألفية" التي نحن في صدد الحديث عن شرحه لها، كما شرح له "التسهيل"، ومن الأمور التي وافقه فيها على سبيل المثال: أن "إلى"١ قد تأتي بمعنى "في"٢، كما في قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة﴾ ٣. وأن "حتى" إذا عطفت على مجرور، أعيد الخافض فرقا بينها وبين "حتى" الجارة، مثل: "مررت بالقوم حتى بزيد"٤.
وأما موافقته لابن عصفور فيمكن التمثيل عليها، بموافقته له بأن "لن" قد تأتي للدعاء، كما أنت "لا" لذلك، والحجة في قول الأعشى:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ ت لكم خالدًا خلود الجبالِ٥
خامسًا: وافق الزمخشري، ورد عليه في مواطن كثيرة:
فأما موافقته فتتجلى في استحسانه رأيه في أن أما" في مثل: "أما زيد فمنطلق" تفيد التوكيد. قال: "قل ذكره، ولم أر من أحكم شرحه غير الزمخشري، فإنه قال: فائدة "أما" في الكلام: أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد.
_________________
(١) ١ أوضح المسالك: ٣/ ٣٨. ٢ المغني: ١٠٤-١٠٥. ٣ سورة النساء الآية ٨٧. ٤ المغني: ١٧٢. ٥ المغني: ٥١٧. ورواية البيت في ديوان الأعشى: "لا زلت لهم".
[ ١ / ٨ ]
ذلكن وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب١.
وأما ردوده عليه فكثيرة، ونختار واحدًا منها على سبيل التمثيل، وهو رده عليه في أن "لن" تقتضي تأبيد النفي وتوكيده. فقال رادا: "وكلاهما دعوى بلا دليل، ولو كانت للتأبيد، لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ٢، ولكان ذكر الأبد في قوله جل ثناؤه: ﴿وَلن تَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ ٣ تكرارا، والأصل: "عدمه"٤.
سادسًا: تعقب ابن هشام ابن الحاجب وكثيرًا ما أثبت عليه السهو، والوهم، والتعسف، ونقض آراءه، ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه ابن الحاجب، في قول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا٥.
من أن "ما تنفك": ناقصة، وأن الخبر "على الخسف"، وأن "مناخة": حال، وأن "إلا" زائدة، فقال ابن هشام: فاسد لبقاء الإشكال؛ إذ لا يقال: جاء زيد إلا راكبا.
سابعًا: ولم يكن ابن هشام في تتبعه لآراء النحاة السابقين جامعا لها، ومستوعبا لها وحسب، وإنما كان يناقشها، ويبين الصحيح منها من الفاسد -كما أسلفنا- وكان يكثر من الاستنباطات، ويعرض إلى جانبها الآراء المبتكرة غير المسبوقة، وهي أكثر من أن تُحصى، ومنها على سبيل المثال ذهابه إلى أن "عشر"
_________________
(١) ١ المغني: ٥٩. ٢ سورة مريم، الآية: ٢٦. ٣ سورة البقرة، الآية: ٩٥. ٤ المغني: ٣٧٤. ٥ المغني: ١٠٢، والحرجوج: الناقة السمينة الطويلة، والخسف: الذل، والمراد بالخسف هنا: مبيتها من غير علف. انظر القاموس المحيط: ١/ ١٨٩، ٣/ ١٣٧"،وانظر الوسيط في تاريخ النحو، د. عبد الكريم محمد الأسعد "ط: ١. الرياض: دار الشواف، ١٤١٣هـ-١٩٩٢م"، ص ٢١٣.
[ ١ / ٩ ]
في قولنا: "اثني عشر"، حلت محل النون، في "اثنين"، وهي بذلك ليست مضافة إلى ما قبلها، ولا محل لها من الإعراب١.
ومما سبق يتأكد لنا أن ابن هشام، كان يوازن بين آراء البصريين، والكوفيين، والبغداديين، وسواهم من النجاة "ويختار لنسفه ما يتمشى مع مقاييسه مظهرا قدرة فائقة في التوجيه والتعليل والتخريج، وكثيرا ما يشتق لنفسه رأيا جديدا، لم يُسبَق إليه، وخاصة في توجيهاته الإعرابية، وهو في أغلب اختياراته، يقف مع البصريين، وكان يجل سيبويه إجلالا بعيدا، كما كان يجل جمهور البصريين، ويدافع عن آرائهم"٢.
وأما طريقة ابن هشام في عرض موضوعاته، فكان يعرض الفكرة ثم يسوق الأدلة والشواهد من القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر القديم، وأحيانا من الحكم والأقوال المأثورة، ومن منثور الكلام القديم أحيانا أخرى، وربما ذكر أبياتا لشعراء لا يُحتَج بشعرهم؛ على سبيل التمثيل لا الاستشهاد بها؛ أو ليبين لحن أصحابها.
وأما تعاطيه مع الشواهد، فينم عن ثقافة واسعة، وقدرة عجيبة على الاستنباط والتحليل، وكان يقدم الشواهد القرآنية على غيرها؛ لأنها كلام فصل لا مجال للشك فيها، وله ثلاثة اتجاهات في اعتماده الآيات القرآنية في كتبه، هي٢:
أولًا: آيات استشهد بها على تثبيت قاعدة متفقٍ عليها.
ثانيًا: آيات اتخذ منها المؤلف أدلة على قاعدة ارتآها وأراد أن يدعمها بدليل قرآني.
ثالثًا: آيات أوضح ابن هشام ما دار حولها من نقاش وجدل.
وأما بالنسبة إلى القراءات القرآنية، فقد "حاول دائما، إزاء القراءات التي في
_________________
(١) ١ انظر همع الهوامع: ١/ ١٤، والوسيط في تاريخ النحو: ٢١٤. ٢ الوسيط في تاريخ النحو، الدكتور عبد الكريم الأسعد: ٢١١. ٣ أثر القرآن والقراءات في النحو العربي، الدكتور محمد سمير نجيب اللبدي: ١٤٨.
[ ١ / ١٠ ]
ظاهرها خروج عن القواعد العربية توجيهها وتخريجها على وجه ترتضيه اللغة، ويقبله النحو، ولا يتجرأ عليها، فيصفها بالشذوذ، كما كان يفعل بعض النحاة"١.
وربما "بنى ابن هشام بعض القواعد النحوية مستندا إلى القراءات، وقد صرح بذلك قائلا: إن القراءة سنة متبعة، وليس كل ما تجوزه العربية، تجوز القراءة به"٢.
وأما بالنسبة إلى الحديث الشريف، فقد استشهد به ابن هشام، واستدل به خلافا للكثيرين من النحاة الذين لا يجيزون الاستدلال بالحديث الشريف٣ حيث استشهد في كتابه "المغني" باثنين وستين حديثا سبعا وسبعين مرة، واستشهد في أوضح المسالك بستة وثلاثين حديثا، واستشهد في شرحه لكتاب "اللمحة البدرية في علم اللغة العربية" لأبي حيان، بستة وعشرين حديثا، سبعا وعشرين مرة، واستشهد في كتابه "شرح شذور الذهب" بستة وعشرين حديثا سبعا وعشرين مرة أيضا٤.
ومن الأحاديث التي استشهد بها على سبيل المثال.
"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
_________________
(١) ١ المدرسة النحوية في مصر والشام في القرنين السابع والثامن من الهجرة، الدكتور عبد العال سالم: ٤١٩-٤٢١". ٢ ابن هشام الأنصاري - حياته ومنهجه النحوي، الدكتور عصام نور الدين "ط: ١. بيروت الشركة العالمية للكتاب، ١٩٨٩"، ص: ٦٧-٦٨. وانظر شذور الذهب: ٣٠٤. ٣ ممن رفضوا الاحتجاج بالحديث الشريف: أبو حيان في شرح التسهيل، ونسب عدم الاحتجاج به إلى أبي عمرو بن العلاء، ويحيى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء، وعلي بن المبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين. أما المجوزون فمنهم: ابن مالك، ورضي الدين الأستراباذي، وابن خروف، وابن هشام، والبدر الدماميني، وناظر الجيش محب الدين بن يوسف الحلبي، والخطيب البغدادي. انظر في أصول النحو، سعيد الأفغاني "ط: ٣. بيروت: دار الفكر، ١٣٨٣هـ-١٩٦٤"، ص: ٥٠ وأصول التفكير النحوي، الدكتور علي أبو المكارم "بيروت دار الثقافة، ١٩٧٣م"، ص: ٦٦١- ٦٦٢ وابن هشام الأنصاري- حياته ومنهجه النحوي: ٧١-٧٣. ٤ المرجع نفسه: ٧٥.
[ ١ / ١١ ]
فقد استشهد بهذا الحديث على أن "نعم، وبئس، وعسى، وليس" أفعال فقال: فأما "نعم وبئس"، فذهب الفراء وجماعة من الكوفيين إلى أنهما اسمان واستدلوا على ذلك، بدخول حرف الجر عليهما، في قول بعضهم وقد بشر ببنت: "والله ما هي بنعم الولد"؛ وأما "ليس" فذهب الفارسي في الحلبيات: "إلى أنها حرف نفي بمنزلة "ما" النافية، وتبعه على ذلك أبو بكر بن شقير، وأما "عسى"، فذهب الكوفيون: إلى أنها حرف تَرَجٍ بمنزلة "لعل" وتبعهم على ذلك ابن السراج. ثم قال: والصحيح: أن الأربعة أفعال، بدليل اتصال تاء التأنيث الساكنة بهن، كقوله -﵊-: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، والمعنى: من توضأ يوم الجمعة، فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة الوضوء"١.
وأما الشواهد الشعرية، فقد غصت بها مؤلفات ابن هشام، وقلما نجد مؤلفه فيه من الشواهد ما يدانيه، ففي "شرح قطر الندى وبل الصدى" بلغ مجموع الشواهد الشعرية خمسين شاهدا ومائة شاهد، وفي "شرح اللمحة البدرية" واحدا وتسعين شاهدا ومائة شاهد، وفي "شرح شذور الذهب" تسعة وثلاثين شاهدا ومائتي شاهد، وفي "أوضح المسالك" ثلاثة وثمانية شاهدا وخمسمائة شاهد، وهو في شواهده الشعرية، لا يبني على النادر منها قاعدة؛ لأن النادر عند ابن هشام: أقل من القليل، كما صرح بقوله: "اعلم أنهم يستعملون "غالبا" و"كثيرا" و"نادرا" و"قليلا" و"مطردا"، فالمطرد: لا يتخلف، والغالب: أكثر الأشياء، ولكنه يتخلف، والكثير دونه، والقليل دون الكثير، والنادر أقل من القليل"٢.
وقد خالف ابنُ هشام الكوفيين في قضية الاستشهاد بما لم يعرف قائله، "لأن الجهل بالناقل، يوجب الجهل بالعدالة"، وقد أورد في شرحه للألفية الشعر الذي استدل به الكوفيون على جواز مد المقصور للضرورة، وهو:
قد علمت أخت بني السعلاء وعلمت ذاك مع الجزاء
_________________
(١) ١ شرح قطر الندى وبل الصدى: ٣٥-٣٧، وشرح شذور الذهب: ٢١-٢٢. ٢ المزهر، للسيوطي: ١/ ٢٣٤، وابن هشام الأنصاري - حياته ومنهجه النحوي، ص٨١.
[ ١ / ١٢ ]
أنْ نعم مأكول على الخواء يا لك من تمر ومن شيشاء
ينشب في المسعل واللهاء
ثم قال: "الجواب عندنا أنه لا يعلم قائله، فلا حجة فيه"١.
غير أنه لم ينكر الأبيات المجهولة كلها، ولا يمنع من الاستشهاد بها "إذا وفرت فيها صفات حددها لنفسه، وهي: فصاحة القول وصفاؤه، وسلامته من الفساد، فلا يحتج بمن لابس الضعف لغته، وخالطت العجمة كلامه، وتسربت الركاكة إلى لفظه"٢.
وكذلك خالف ابن هشام البصريين في تأويل الشواهد؛ والتأويل كان الوسيلة التي لجأ إليها النحاة؛ لِلتوفيق بين القواعد وبين النصوص المخالفة لها، المنسوبة -في الوقت نفسه- إلى عصر الاستشهاد. أما ما لا ينتسب إلى عصر الاستشهاد، من هذه النصوص، فقد كان الرفض هو السمة البارزة التي توضح موقف النحاة منه. وكان التعبير عن هذا الموقف-في أكثر الأحيان- يتخذ اصطلاح الشذوذ"٣.
وأما استشهاده بالنثر، فواضح في كتابه، حيث ساق بعضا من الأمثال والأقوال المشهورة، وإن كانت نسبتها أقل بالقياس مع الشواهد القرآنية، وشواهد الحديث، والشواهد الشعرية، حيث ذكر في "شرح شذور الذهب" ستة أمثال، وفي شرح "اللمحة البدرية"، ذكر ستة عشر قولا ومثلا، وفي أوضح المسالك، ذكر ثمانية وخمسين قولا ومثلا، وذكر في "مغني اللبيب" تسعة وأربعين قولا ومثلا، ومن الأمثلة التي استشهد بها على سبيل المثال: "تسمعَ بالمعيدي خير من أن تراه". وقولهم: "مره يحفرَها"، وقولهم: "خذِ اللص قبل يأخذَك"، فقد حذفت "أن" الناصبة في هذه الشواهد، فنصبوا "تسمع" ويأخذك"، و"يحفرها"، وهو شاذ، يُحفظ ولا يقاس عليه٤.
_________________
(١) ١ المزهر: ١/ ١٤٢. ٢ علوم الحديث ومصطلحاته- عرض ودراسة- صبحي الصالح، ص ٣٣٣. ٣ أصول التفكير النحوي، الدكتور علي أبو المكارم، ص ٢٦١-٢٦٢. ٤ مغني اللبيب لابن هشام، ص٨٣٩. وانظر ابن هشام الأنصاري- حياته ومنهجه النحوي، ص: ٨٧-٨٨.
[ ١ / ١٣ ]
وأسلوب ابن هشام واضح، لا تعقيد فيه، وهو يميل إلى البساطة والبعد عن التقعير والتعقيد، همه أن يوصل الفكرة إلى المتعلم من أقصر الطرق؛ ولهذا اتسم أسلوبه بشيء من الركاكة اللغوية، حتى خاله بعضهم يلحن في اللغة، وما ذلك إلا لكونه كان يترخص -أحيانا- في الاستعمالات اللغوية، فيدع الراجح، ويأخذ بالمرجوح، غير أنه كان سهل العبارة، دقيقا في تخير ألفاظه، واضحا في دلالاته.
وأما ظاهرة الاستطراد فهي السمة الغالبة في مؤلفاته؛ حيث لم يستطع -على الرغم من منهجيته، وطريقته المبتكرة في ترتيب موضوعاته- من التحرر منها، فتراه وهو يعالج مسألة من المسائل، يستطرد في شرح كلمة عارضة في سياق شاهد من الشواهد، وكأنه يعقد مبحثا جديدا لمناقشتها، ثم يعود إلى موضوعه الأول، ولعل ابن هشام قصد الاستطراد؛ ليوضح أفكاره، ويزيدها جلاء؛ لتكون أرسخ في الأذهان، وربما أراد -من خلالها- إقحام أكبر قدر ممكن من المعلومات في مخيلة قارئي كتبه، فضلا عن المعلومات الرئيسية التي يريد إفهامها.
ومهما يكن من أمر، فإن ابن هشام الأنصاري علم من أعلام النحاة المجتهدين والمجددين الذي يعود الفضل إليهم في تهذيب النحو العربي، وإخرجه بشكله المتكامل الواضح بعيدا عن الغموض والتعقيد.
وفي الختام، نتضرع إلى الله ﷾ أن ينفع بهذا الكتاب كما نفع بأصله، والحمد لله أولا وآخرا.
[ ١ / ١٤ ]
ثالثًا: عملنا في الكتاب:
أ- في المتن:
باب معلوما للدارسين والمحققين على السواء أن المحافظة على نص المتن مسألة لا يجوز الحديث فيها، حيث لا يسمح بتغيير حرف واحد في متن الكتاب المحقق، إذا جاءت لغته سليمة، وعباراته صحيحة، وإذا ما اقتضت الضرورة أي تغيير يذكر في الأصل؛ لِأمر ما، فلا بد من الإشارة إلى هذا التغيير في الحاشية؛ وانطلاقا من هذه الحقيقة المسلم بها، وتمشيا مع المنهجية العلمية، فقد حرصنا على متن الكتاب -كما هو- من دون أي زيادة أو نقصان.
غير أننا أثبتنا في المتن أمورا، لا تتنافى مع المنهجية العلمية، وأصول قواعد التحقيق، وهي:
أولًا: ضبطنا علامات الترقيم، ووضعناها في الأماكن المناسبة بين الكلمات، والجمل، والعبارات المختلفة؛ لأنها تساعد الطالب في قراءة النص قراءة صحيحة، تمكنه من فهم المراد.
ثانيًا: وضعنا عناوين فرعية لمباحث الكتاب، فضلا عن عناوين الأبواب، والفصول، والمباحث التي جاءت في الأصل؛ لِيتمكن الطالب من العودة إلى المطلوب بيسر وسهولة وقد وضعنا هذه العناوين بين معقوفين.
ثالثًا: أثبتنا اسم البحر الشعري -فوق الشاهد، إلى جهة اليسار- بين خطين مائلين، على النحو التالي:
" وقد تبدل الجملة من المفرد، كقوله: [الطويل]
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان؟
[ ١ / ١٥ ]
ب- في الحاشية:
أولا: الآيات القرآنية:
أ- عزونا الآيات القرآنية.
ب- بينا أوجه القراءات في الآية الواحدة، إذا كان لها وجهان أو أكثر، ومن ثم ذكرنا توجيه القراءات، على الشكل التالي: " يجوز في الاسم الذي يتلو الوصف العامل أن ينصب به، وأن يخفض بإضافته، وقد قرئ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه﴾، و: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّه﴾ ٢، بالوجهين ". ٦٥ سورة الطلاق، الآية: ٣.
أوجه القراءات:
قرأ عاصم وحفص والمفضل وأبان وجبلة وجماعة عن أبي عمرو: "بالغ أمره". برفع بالغ من دون تنوين. وقرأ العامة بتنوين "بالغ"، ونصب "أمره".
توجيه القراءات:
قراءة عاصم وحفص ومن معهما على إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله "أمره". وأما قراءة العامة، فعلى إعمال اسم الفاعل عمل فعله؛ لأنه بمعنى الاستقبال، فنصب "أمره" ولم يضف إليه. انظر البحر المحيط: "٨/ ٢٧٣، والقرطبي: ١٨/ ١٦١، ومشكل إعراب القرآن: ٢/ ٣٨٤.
ج- بينا موطن الشاهد ووجه الاستشهاد في الآية الكريمة، ومن ثم ذكرنا الحكم كما في تعليقنا على الآية السابقة: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّه﴾، ٣٩ سورة الزمر، الآية: ٣٨.
_________________
(١) ١ ٦٥ سورة الطلاق، الآية: ٣. ٢ ٣٩ سورة الزمر، الآية: ٣٨.
[ ١ / ١٦ ]
موطن الشاهد: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: إضافة اسم الفاعل "كاشفات" إلى ضره".
ثانيًا: الأحاديث الشريفة:
خرجنا الأحاديث الواردة في المتن بعد إتمامها، ومن ثم ذكرنا اختلاف رواياتها وبيَّنَّا موطن الشاهد فيها، ووجه الاستشهاد، إذا لم يبين المؤلف في المتن المراد من الاستشهاد بها.
ثالثًا: الشواهد الشعرية:
سبقت الإشارة في أثناء حديثنا عن عملنا في المتن، أننا أثبتنا اسم البحر الشعري، للشاهد فوق البيت. وأما في الحاشية، فتجلى عملنا في الآتي:
أ- ذكرنا اسم صاحب البيت، إن صحَّت نسبته إلى شاعر بعينه، وتيقنَّا من صحة هذه النسبة. وإذا نسب إلى غير واحد، ذكرنا المنسوب إليهما، أو إليهم ورجحنا نسبته إلى واحد منهم إن توفَّرت القرائن، وإلا اكتفينا بذكر المنسوب إليهم فقط.
ب- ترجمنا لصاحب الشاهد ترجمة موجزة. وإن لم نعثر على ترجمة لذلك القائل، اكتفينا بما ذكره أصحاب المتون، وعقبنا بالقول: "لم نعثر له على ترجمة وافية".
ج- ذكرنا المصادر والمراجع التي يوجد فيها الشاهد، وركزنا على ذكر كتب النحو المعتمدة. وإذا أتى الشاهد مرقما في مصدر من المصادر، أثبتنا رقمه في ذلك المصدر أولا، ثم ذكرنا الصفحة، وإذا كان المصدر أو المرجع جزأين أو أكثر، ذكرنا رقم الشاهد أولا، ثم رقم الجزء أو المجلد ثانيا، ثم رقم الصفحة ثالثا.
وأما إذا ورد غير مرقم، فإننا نثبت اسم الكتاب أولا، ثم الصفحة ثانيا، وإن كان المصدر جزأين أو أكثر نذكر رقم الجزء أو المجلد أولا، ثم الصفحة ثانيا، وهكذا، كما في تخريج الشاهد التالي:
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع
[ ١ / ١٧ ]
تخريج الشاهد:
البيت من عينيَّة أبي ذؤيب الهذلي المشهورة، وهو من شواهد: الأشموني "٦٧٤/ ٢/ ٣٣١"، والعيني: ٣/ ٤٩٣، والمحتسب: ١/ ٧٦، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٨١" وشرح المفصل: ٣/ ٣٣، والمقرب: ٤٦، وهمع الهوامع: ٢/ ٥٣، والدرر اللوامع: ٢/ ٦٨، والمفضليات: ٤٢١، وديوان الهذليين: ١/ ٢، والتصريح على التوضيح: ٢/ ٦١.
د- شرحنا المفردات الغريبة في الشاهد، والتي يعثر فهمها على الطالب.
هـ- شرحنا الشاهد الشعري شرحا موجزا، يفي بالغرض.
وأعربنا الشاهد إعرابا مفصلا، وموجزا في الوقت نفسه؛ لأن الدارس في هذا الكتاب، يملك القدرة التي تمكنه من فهم المراد، ولا سيما بعد أن يكون ألَمَّ بمبادئ النحو، وقواعد الإعراب.
ز- بيَّنَّا موطن الشاهد في البيت، ومن ثم وجه الاستشهاد، أو وجه الدلالة في البيت أو العلة التي لأجلها ساق المؤلف هذا البيت، على النحو التالي:
أودي بني وأعقبوني حسرة عند الرقاد وعبرة لا تقلعُ
الإعراب:
أودي: فعل ماضي مبني على الفتح المقدَّر على الألف.
بني: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو المنقلبة ياء، المدغمة في ياء المتكلم، نيابة عن الضمة؛ لأن جمع مذكر سالم، وياء المتكلم: في محل جر بالإضافة.
وأعقبوني: الواو عاطفة، أعقبوني: فعل ماضي مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: في محل رفع فاعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به أول.
حسرة: مفعول به ثانٍ.
[ ١ / ١٨ ]
"عند": مضاف إليه مجرور.
وعبرة: الواو حرف عطف، عبرة: اسم معطوف على حسرة منصوب مثله.
لا تقلع: لا نافية، تقلع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر جوازا، تقديره: هي، يعود إلى عبرة، وجملة "لا تقلع": في محل نصب صفة لـ "عبرة".
موطن الشاهد: "بني".
وجه الاستشهاد: قلب واو الجمع ياء عند إضافة الاسم إلى ياء المتكلم، وإدغامهما، وحكم هذا الإدغام الجواز.
وتجدر الإشارة -هنا- إلى أننا في إعراب المفردات، راعينا مسألة: "الخيارات الإعرابية"، فإذا كان للفظة بحسب موقعها في الجملة وجهان من الإعراب، ذكرنا الوجهين غالبا، وإن كان لأحد الوجهين مرجح، ذكرنا في نهاية الإعراب: "وهو الأرجح"، وإذا لم يكن مرجح لأحدهما، اعتمدنا الإعراب الأيسر، والأسهل، وقلنا في نهاية الإعراب: "وهو الأفضل". وأما بالنسبة إلى شبه الجملة -الظرف والجار والمجرور- فقد أعربناه من دون تفصيل لا فائدة فيه، حيث حصرنا الظرف، والجار والمجرور بين تنصيصين، وذكرنا متعلقه مباشرة، كما في الجملة التالية:
يغدو الفلاح النشيط إلى أرضه قبيل طلوع الشمس.
فأعربنا شبه الجملة على النحو التالي:
"إلى أرضه" متعلق بـ "يغدو"، وأرض: مضاف، والهاء: مضاف إليه.
"قبيل": متعلق بـ "يغدو" أيضا، وهو مضاف.
طلوع: مضاف إليه مجرور، وهكذا.
كما تجدر الإشارة إلى أننا لم نذكر الإعراب المفصل للأفعال المعلومة، والمعروفة لدى المبتدئين، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك. وفي إعرابنا للحروف، اكتفينا بالقول: "حرف عطف، حرف استئناف، حرف مشبه بالفعل، حرف نداء، حرف استثناء إلخ"، ولم نقل: لا محل له من الإعراب؛ لأن الحروف -بشكل
[ ١ / ١٩ ]
عام- لا محل لها من الإعراب دائما. وبالنسبة إلى: "الفاء والباء"، وهما حرفان يجوز فيهما أن يكون للعطف، أو للاستئناف، في الموطن الواحد، فذكرنا في الإعراب ما رأيناه مناسبا للسياق، ويقتضيه المعنى، وقلنا: ويعربه بعضهم: حرف عطف، أو استئناف -الوجه الآخر- والمراد: في الشاهد نفسه، حتى لا يحار الطالب في أمره.
وأما الأحرف المصدرية وما تنسبك معه، فقد حصرنا الحرف المصدري بين تنصيصين، وقلنا: و"أن وما بعدها"، أو والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل كذا، كما في المثال التالي:
يذهب الطلاب إلى المدرسة ليتعلموا، حتى يفيدوا وطنهم في المستقبل.
فقلنا في الإعراب.
والمصدر المؤؤل من "أن المضمرة بعد لام التعليل-وما بعدها": في جر جر باللام، والتقدير: للتعلم، و"للتعلم": متعلق بفعل "يذهب".
وفي قولنا: "حتى يفيدوا وطنهم".
والمصدر المؤول من "أن المضمرة -بعد حتى- وما بعدها": في محل جر بـ "حتى"، والتقدير: لإفادة وطنهم، و"الجار والمجرور": متعلق بفعل "يذهب" أيضان وهكذا.
رابعا: الأمثال والكلمات المشهورة:
خرجنا الأمثال والحكم الواردة في المتن، وذكرنا المصادر والمراجع التي اعتمدناها، ومن ثم ذكرنا موطن الشاهد ووجه الاستشهاد بالحكمة أو بالمثل، إن لم يكن المؤلف، قد بين المراد من الاستشهاد بهما، في المتن.
خامسًا: تراجم الأعلام:
زيادة في الفائدة، فقد ترجمنا للنحاة واللغويين والقراء والمفسرين والأدباء، والعلماء الواردة أسماؤهم في المتن، حيث بلغ مجموع من ترجم لهم ما يزيد على
[ ١ / ٢٠ ]
أربعين ترجمة ومائتي ترجمة. وقد أثبتنا المصادر والمراجع المعتمدة بعد كل ترجمة. وأما الأسماء التي لم نستطع الحصول على ترجمة لها، فاكتفينا بالاسم الوارد في المتن، وعقبنا بالقول: "ولم نعثر له على ترجمة وافية".
سادسًا: تعليقنا على المتن:
معلوم أن هذا الكتاب شرح لألفية ابن مالك، وقد أراد المؤلف منه أن يوضح معاني الألفية، وهو لم يؤلفه للمبتدئين، كما فعل في "شرح قطر الندى وبل الصدى". و"شرح شذور الذهب"، وإنما ألفه لمن صار لديهم قدرة على فهم المراد، ويستطيعيون القياس والاستنباط، ولهذا كثرت رموز هذا الكتاب، وغمض الكثير من عباراته مما اضطر الشيخ خالد الأزهري لأن يصنف حاشية عليه، أسماها: "التصريح على التوضيح"، وقد علق الشيخ يس العلمي الحمصي على هذه الحاشية تعليقات مفيدة، طبعت مع الحاشية والشرح. ولما قام المرحوم الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد بتحقيق "أوضح المسالك" وضع له تعليقات على غاية من الأهمية، غير أنه لم ينسب تلك التعليقات إلى أصحابها، وأكثرها نقل حرفيا من الكتب المشهورة كـ "همع الهوامع"، و"حاشية الصبان"، و"المغني" وغيرها، فضلا عن التصريح، وحاشية الشيخ يس.
وكذلك، قام الشيخ محمد عبد العزيز النجار بوضع تعليقات، لا تقل أهمية، من تعليقات المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد، وجعل هذه التعليقات على مستويين، الأول للمبتدئين، والثاني للجامعيين، وطلاب المعاهد العليا، وسماه: "ضياء السالك"، غير أنه -هو الآخر- لم يذكر المصادر والمراجع التي اقتبس منها، هي نفسها التي اعتمدها الشيخ عبد الحميد كما يظهر لمتتبع طرق الكتابين.
ولما كان هذا الكتاب مرجعا مهما للأساتذة والباحثين ولا غنىً عنه بحال بالنسبة إلى الطلاب المتخصصين، ووفاءً بالعهد الذي قطعناه على أنفسنا، بإعادة النظر في كتب ابن هشام المحققة، وإخراجها إخراجًا عصريا، وشرحها شرحا واضحا، وفق أصول المنهجية العلمية؛ لِيستفيد منها الكبار والصغار معا، فقد قمنا
[ ١ / ٢١ ]
بشرح ما غمض من مسائل الكتاب، وأوضحنا ما يعسر فهمه على الطلاب، من العبارات، والألفاظ، والتراكيب، والمصطلحات، والأفكار، واعتمدنا التصريح على التوضيح مرجعا أساسًا في عملنا، ولم نهمل تعليقات الشيخين، محمد محيي الدين عبد الحميد، والشيخ محمد عبد العزيز النجار، وكثيرا ما نقلنا عنهما، ونسبنا القول إليهما، أو إلى المصادر التي استقيا منها، إن كان النقل حرفيا من دون أي إضافة تذكر. وتوخيا للأمانة العلمية، فقد آثرنا ذكر المراجع والمصادر المعتمدة؛ ليطمئن الطالب والباحث إلى صحة ما أتينا به من المعاني والأفكار.
ولما كان طلاب الجامعات، وطلاب الدراسات العليا، يجدون صعوبة ومشقة، في العودة إلى المصادر والمراجع النحوية؛ لكثرتها من جهة، ولتعدد طبعاتها من جهة أخرى، فقد أحلنا الباحثين، ومن يودُّون التعمق في البحث والتحليل، إلى المصادر التي تشبع نهمهم، بعد تعليقنا على كل فكرة، أو مبحث بحاجة إلى مزيد الشرح والإيضاح؛ وذلك تمكينا للطالب والباحث من الوصول إلى مبتغاه من دون عناء.
التوجيهات والتعقيبات:
لما كان هذا الكتاب مختصرا -كما سماه صاحبه- فقد تجاوز كثيرا من الأمور التي ينبغي للطالب أن يطلع عليها، حيث أغفل كثيرا من التعريفات الضرورية في مستهل الفصول والأبواب، فكان يشرع في الحديث عن الأحكام، والشروط من دون تمهيد يذكر، أو تعريف يحدد المراد بالمصطلح النحوي، وأحيانا أخرى كان يتجاوز أمورا ضرورية وجوهرية لا غنى للطالب عنها، وما ذلك -بحسب اعتقاده؛ إلا لكون الدارس أو الطالب الذي يتناول هذا الكتاب، قد ألمَّ بالمبادئ والأوليات في كتبه التي صنفها للمبتدئين، كقطر الندى وبلِّ الصدى، وشذور الذهب وأمثالهما.
فإتمامًا للفائدة، ومراعاة لمستوى طلابنا في هذه الأيام، فقد أضفنا كثيرا من الفوائد، والتوجيهات، والتنبيهات، والتعقيبات، فضلا عن التعريفات، كلما وجدنا الضرورة تقتضي ذلك، فرب فائدة تساق في موقعها المناسب، تكون أكثر فائدة من
[ ١ / ٢٢ ]
المبحث بكامله-أحيانا- ورُبَّ توجيه يثير انتباه الطالب، يكون له أثر محمود في تركيز اهتمام الباحث. وأما حرصنا على التعريفات والتعقيبات، فلكى تكون موضوعات الكتاب متكاملة قدر الإمكان.
ج- من الناحية الفنية:
أ- المصادر والمراجع:
آثرنا ذكر المصادر والمراجع لـ "الشروح، والتعليقات، والتخريجات، والترجمات، والفوائد، والتوجيهات، والتعقيبات بعد الانتهاء من ذكرها مباشرة، لكيلا نجعل لها حواشي في أسفل الصفحات؛ لأن عملنا كله، يعد حاشية على الكتاب من جهة، ولكيلا يمل القارئ ويتشتت انتباهه من جهة أخرى.
ب- المسارد الفنية:
صنعنا للكتاب اثني عشر مسردا فضلا عن مسرد الموضوعات، كل منها مختص بجانب محدد؛ لتمكن الباحث من العودة إلى ما هو بحاجة إليه بسرعة وسهولة، وهذه المسارد هي:
أولًا: مسرد الآيات القرآنية.
ثانيًا: مسرد الأحاديث الشريفة.
ثالثًا: مسرد الأمثال والأقوال المشهورة.
رابعًا: مسرد الشواهد النثرية.
خامسًا: مسرد الشواهد الشعرية.
سادسًا: مسرد الأعلام.
سابعًا: مسرد الشعراء.
ثامنًا: مسرد القبائل والجماعات.
تاسعًا: مسرد الأماكن والبلدان.
عاشرًا: مسرد المصادر والمراجع
حادي عشر: مسرد محتويات الكتاب.
ثاني عشر: مسرد المسارد.
وختامًا، أسأل الله -﵎- أن يفيد بهذا الكتاب، وأن يمنَّ علينا بدوام الصحة والعافية؛ لِنتمكن من إعادة تحقيق مؤلفات ابن هشام كلها، وفق النهج الذي بدأنا والحمد لله أولا وآخرا.
[ ١ / ٢٣ ]
مقدمة أوضح المسالك:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
يعد كتاب "الخلاصة الألفية" في النحو والصرف، لابن مالك الأندلسي١، من أهم المنظومات النحوية واللغوية، لما حظيت به من عناية العلماء والأدباء الذين انْبَرَوْا للتعليق عليها، بالشروح والحواشي.
ولعل من أهم هذه الشروح: شرح ابن عقيل٢، وشرح ابن هشام الأنصاري، وشرح الأشموني، وسنتحدث بإيجاز عن كل من هذه الشروح الثلاثة.
أما الأول: فهو من أهم الشروح على كثرتها؛ لِما فيه من الوضوح والسهولة
_________________
(١) ١ ابن مالك: هو محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، جمال الدين، أبو عبد الله الجياني، ولد بجيان سنة ٦٠هـ، وقيل سنة ٦٠١هـ، ولما ترعرع تعلم العربية وسمع من الشلوبيين في الأندلس، وأخذ عن ابن الحاجب بمصر سنة ٦٣٠هـ، ورحل إلى دمشق، وأقام فيها حتى أواخر حياته. من آثاره: الكافية الشافية في ثلاثة آلاف بيت، ومنظومته الألفية -الخلاصة- ملخص عنها. والوافية، وهو شرح للكافية الشافية. والفوائد وغيرها، وقد بلغت مصنفاته الثلاثين، أو أكثر مات سنة ٦٧٢هـ بدمشق. انظر البغية: ١/ ١٣٠، وابن العماد: ٥/ ٣٣٩. ٢ ابن عقيل: أبو محمد، بهاء الدين، عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عقيل، ولد بمصر سنة ٦٩٤هـ، وقيل: ٦٩٨، وقيل: ٧٠٠هـ. برع في النحو، حتى عُدَّ نحويَّ الديار المصرية في زمانه. أخذ عن القزويني، ولازم أبا حيان اثنتي عشرة سنة. قال فيه أبو حيان: "ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عقيل" مات بالقاهرة سنة ٧٦٩هـ. انظر الدور الكامنة: ٢/ ٣٧٢، وابن العماد: ٦/ ٢١٤، والبغية: ٢/ ٤٧.
[ ١ / ٢٤ ]
مع شيء من الإيجاز. وقد علق على هذا الشرح حواشٍ عدة، أشهرها: حاشية الجلال السيوطي "٩١١هـ"، وحاشية أحمد السجاعي "١١٩٧هـ" وأشهرها وأوسعها: حاشية محمد الخضري الدمياطي "١٢٢٧هـ".
وأما الشرح الثالث: فهو شرح الأشموني١، وهو "يعد أغزر شروح الألفية مادة على كثرة الشروح٢، واختلاف مشارب أصحابها، بل ويعد من أكثر كتب النحو جميعا واستيفاء، لمذاهب النحاة، وتعليلاتهم وشواهدهم مع البسط والتفصيل٣، على الرغم مما قيل فيه، ووجه إليه من النقد الذي لا يخلو منه كتاب يضاهيه. وقد علق على هذا الشرح حواشٍ كثيرة، أهمها: حاشية الصبان٤ "١٢٠٦هـ".
وأما الشرح الثاني: فهو شرح ابن هشام الأنصاري، وهو موضوع بحثنا، وندع الحديث عنه للعلامة خالد الأزهري٥، حيث قال في مقدمة حاشيته على التوضيح واصفا هذا الكتاب: " وهو في غاية حسن الموقع عند جميع الإخوان
_________________
(١) ١ أبو الحسن، نور الدين، علي بن محمد بن عيسى بن يوسف المعروف بالأشموني، من أشمون، ولكنه وُلِد بقناطر السباع -وهما بلدان من بلاد مصر- سنة ٨٣٨هـ، وتوطَّن القاهرة، ونشأ متزهدا متقشفا. قال عنه السخاوي: "راجٍ أمره، ورجح على السيوطي -أي في العلم- مع اشتراكهما في الحمق. غير أن ذلك -أي: السيوطي- أرجح -أي: في الحمق- توفي بالقاهرة سنة ٩٢٩هـ. انظر الضوء اللامع: ٦/ ٥، وشذرات الذهب: ٨/ ١٦٤، والوسيط في تاريخ النحو العربي، ص٢٣٥. ٢ من هذه الشروح: شرح ابن الناظم، وشرح المرادي، وشرح الشاطبي وغيرها. ٣ الوسيط في تاريخ النحو العربي: ٢٣٥-٢٣٧. ٤ وهناك شروح منها: حاشية المدابغي، وحاشية الأساقطي، وحاشية الحنفي وغيرها. ٥ الأزهري: زين الدين، خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن أحمد الجرجي الأزهري، ويعرف بالوقَّاد. ولد بجرجة في صعيد مصر، وتحول إلى القاهرة -وهو طفل- مع أبويه. برع في العربية. من مؤلفاته: التصريح بمضمون التوضيح، والمقدمة الأزهرية في علم العربية، وشرح الأجرومية، وشرح على كتاب "الإعراب عن قواعد الإعراب" لابن هشام. وغيرها، مات قرب القاهرة سنة ٩٠٥هـ. انظر الوضوء اللامع: ٣/ ١٧١، وابن العماد: "٨/ ٢٦.
[ ١ / ٢٥ ]
لم يؤتَ بمثاله، ولم يُنسَجْ على منواله، ولم يوضع في ترتيب الأقسام مثله، ولم يبرز للوجود في هذا النحو شكله"١.
وأما الغاية التي هدف إليها ابن هشام في شرحه المسمى: "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" فقد أوجزها في مقدمة كتابه، ويمكن إيجازها بالآتي:
- أن يساعد المتعلمين في فهم كتاب "الخلاصة الألفية".
- أن يأتي بمثل ما أتى به ابن مالك في "الخلاصة" ويستدرك ما فاته.
- أن يبين ويشرح مفرداته، ويفصل تراكيبه ويوضحها.
- أن يرتب المعلومات، وينسقها وفق الطريقة التي أرادها، واتبعها في مؤلفاته الأخرى، في ضم القواعد المتصلة بعضها ببعض، ولو خالف المؤلف في تفصيله وترتيبه.
- ألا يترك مسألة فيه من دون أن يأتي لها بشاهد أو بمثال يوضحها.
غير أن هذا الإيضاح الذي قصد إليه ابن هشام، يصفه بعد أن تحدث عن "كتاب الخلاصة الألفية" قائلا: "غير أنه -أي: الخلاصة- لإفراد الإيجاز، قد كاد يعد من جملة الألغاز -وأردف واصفا عمله- وقد أسعفت طالبه بمختصر يدانيه"٢، ولهذا كانت طريقته شبيهة بطريقة شرح قطر الندى وبلِّ الصدى، وإن كانت عبارته هناك -أي: في شرح قطر الندى- أكثر بسطا منها، في أوضح المسالك؛ لأن الأول صنف للمبتدئين، وأما الثاني فيأتي في الدرجة الرابعة في الترتيب الهرمي بعد "الإعراب عن قواعد الإعراب" و: "شرح قطر الندى وبلِّ الصدى" وشرح شذور الذهب".
ولما وجد العلماء صعوبة في عبارة الكتاب، مع إيجاز يكاد يكون رمزا في كثير
_________________
(١) ١ التصريح على التوضيح، خالد الأزهري "بيروت: دار الفكر، لا. ت" ص: ٣. ٢ مقدمة الكتاب.
[ ١ / ٢٦ ]
من الأحيان، عمدوا إلى شرحه، والتعليق عليه. ولعل أشهر من حشى عليه، الشيخ خالد الأزهري١، وسمى حاشيته "التصريح بمضمون التوضيح".
ويصف الشيخ خالد عمله بعد أن وصف الكتاب بأنه لم يُنسَجْ على منواله: وهو يحتاج إلى شرح يسفر عن وجوه مخدّراته النقاب، ويبرز من خفي مكنوناته ما وراء الحجاب"٢. هذا وقد علق على هذه الحاشية الشيخ ياسين العليمي الحمصي٣ تعليقات طبعت مع الحاشية والشرح معا.
وأما من علقوا على كتاب "أوضح المسالك" فكثر، منهم: العيني المتوفى سنة ٨١٩هـ، والإمام السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، وابن جماعة المتوفى سنة ٩١٩هـ. ومهما يكن من أمر، فإن "أوضح المسالك" يعد من أشهر كتب النحو بشكل عام، ومن أشهر كتب ابن هشام بشكل خاص. وقد عكف عليه الدارسون قديما وحديثا؛ لِما فيه من السهولة في العبارة، والترتيب في الأفكار، وإن كان فيه كثير من الاستطراد.
وقد عني به المرحوم الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد فحققه، وأخرجه مع تعليقات في غاية الأهمية، وإن كان تعليقاته- هو الآخر، لا تخلو من الاستطراد. ثم شرحه الشيخ محمد عبد العزيز النجار شرحين؛ أحدهما: للمبتدئين.
والثاني: لطلاب المعاهد والجامعيين، وسماه: "ضياء السالك إلى أوضح المسالك"، وهو أقل استطرادا في تعليقاته، وأكثر تفصيلا، ووقوفًا على الجزئيات، وأكثر تحليلا للتراكيب والعبارات. وقد استفدنا -في عملنا- من الكتابين. وكثيرا ما عزونا اقتباساتهما وتعليقاتهما إلى أهلها.
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ التصريح بمضمون التوضيح، ص٣. ٣ هو ياسين بن زين الدين بن أبي بكر بن عليم الحمصي المشهور بالعليمي، شيخ عصره في العربية. ولد بحمص، ورحل مع أبيه إلى مصر ومات فيها سنة ١٠٦١هـ، من آثاره: تعليق على حاشية التصريح للشيخ خالد، وحاشية على شرح قطر الندى لابن هشام، وحاشية على شرح الفاكهي على متن القطر وغيرها. انظر خلاصة الأثر ٤/ ٤٩١، والوسيط في تاريخ النحو: ٢٣٩.
[ ١ / ٢٧ ]
وأما اعتمادنا الأول -في عملنا- فكان على "شرح التصريح"، وحاشية ياسين الحمصي عليه، وعلى حاشية الصبان، واقتبسنا كثيرا من الفوائد والتوجيهات من شرح الأشموني، وعلى شرح ابن عقيل، وعلى الدرر اللوامع، للشنقيطي، وعلى المغني لابن هشام وعلى كتب أخرى ذكرت في حواشي الكتاب.
وقد سِرْنَا -في أثنا عملنا- وفق الخطة التي رسمناها لتحقيق مؤلفات ابن هشام وغيرها، وقد أوضحناها في التمهيد.
وقد سمينا عملنا هذا "مصباح السالك إلى أوضح المسالك" متضرعين إلى الله تعالى أن يسلكنا سبيل العلماء العاملين المخلصين. وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يبعد عنا الجهل، والفسوق والعصيان، وأن يجنبنا الهوى، والزيغ، والبهتان. وأن يكرمنا بالتقوى، ويجملنا بالعافية ما أحيانَا. وأن يبارك لنا فيما آتانا. وأن يمدنا بالصبر والثبات؛ لِنتم الطريق الذي بدأنا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن بهداهم اقتدى، والحمد لله أولا وآخرا.
بركات يوسف هبود.
بيروت في ٢٢/ صفر/ ١٤١٤هـ. الموافق لـ ٩/ آب/ ١٩٩٣م.
[ ١ / ٢٨ ]
مقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين١، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغر٢ المحجلين٣، وعلى آله٤ وصحبه أجمعين، صلاة وسلامًا٥ دائمين بدوام السموات والأرضين٦.
_________________
(١) ١ الأرجح: أنه اسم جمع، أعرب إعراب الجمع، وليس جمعا لـ "عالم" بفتح اللام، كما قال بعضهم؛ لأنه يستلزم أن يكون المفرد أعم من الجميع؛ لأن العالم: اسم لكل ما سوى الله تعالى، و"العالمين": خاص بالعقلاء. ضياء السالك: "١/ ٢٩. ٢ جمع "أغر" من الغرة، وهي بياض في الجبهة، ورجل أغر: شريف كريم الأفعال واضحها. ٣ جمع "محجل"، وفي هذا إشارة إلى حديث النبي ﷺ: "أمتي الغرُّ المحجَّلون". ٤ هو اسم جمع، لا واحد له من لفظه، واختلف في ألفه، أمنقلبة عن هاء أو عن واو؟ فقال سيبويه: إنها منقلبة عن هاء، وأصله عنده: أَهْل. وقال الكسائي: إنها منقلبة عن واو، وأصله عنده أول، من آل إليه في الدين يؤول، ويظهر أثر القولين في التصغير. فمن قال: أصله أهل، قال في تصغيره: أهيل. ومن قال: أصله أول، قال في تصغيره: أويل، وكلاهما مسموع، غير أن الأول أشهر وأكثر، ثم اختلف في معناه، فقال الشافعي ﵁: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابنَيْ عبد مناف؛ لأنهم أهلوه، أو آل أمر دينهم إليه، وقيل غير ذلك. التصريح: ١/ ١١-١٢. ٥ صلاةً وسلامًا": اسما مصدر منصوبان على المفعولية المطلقة، يفيدان تقوية عاملهما، وتقدير معناه. ٦ بفتح الراء، ولا يجوز تسكينها إلا في الشعر، كقول أحدهم: لقد ضجت الأرضون إذ قام من بني هداد خطيب فوق أعواد منبرِ وجمعت "أرض" جمع مذكر سالما شذوذا. التصريح: ١/ ١٢.
[ ١ / ٢٩ ]
أما١ بعد حمد الله مستحق الحمد وملهمه٢، ومنشئ الخلق ومعدمه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأكرمه، المنعوت بأحسن الخلق٣ وأعظمه٤، محمد٥، نبيه، وخليله وصفيه، وعلى آله وأصحابه، وأحزابه وأحبابه، فإن كتاب الخلاصة الألفية، في علم العربية٦، نظم الإمام العلامة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن مالك الطائي٧، ﵀، كتاب صغر
_________________
(١) ١ "بفتح الهمزة، وتشديد الميم"، قال الدماميني: حرف غير معنى الشرط، صرح به جماعة من النحويين، لا حرف شرط. المصدر نفسه. ٢ الإلهام: ما يُلقَى في الروع، بضم الراء، وهو القلب. ٣ بضم الخاء مع ضم اللام وتسكينها"، والضم أشهر. والخلق والخلق -بفتح الخاء في الأول وضمها في الثاني- في الأصل واحد كالشرب، والشراب، لكن خص المفتوح بالهيئات، والأشكال، والصور المدركة بالبصر، وخص الثاني، بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. والمراد هنا السجية والطبيعة. المصدر نفسه: ١/ ١٣. ٤ معطوف على أحسن، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ . ٥ بدل من "أشرف" ويجوز كونه عطف بيان عليه؛ فإن إضافة اسم التفضيل إلى المعرفة معنوية، لا أنها لفظية. وقد ذهب هذا المذهب -إلى أنها لفظية- أبو البقاء العكبري، ومن قبله ابن السراج والفارسي، والكوفيون، وتبعهم جماعة من المتأخرين. المصدر نفسه. ٦ المراد هنا: النحو الصرف؛ لأن علم العربية -كما يقول الزمخشري- يطلق على اثني عشر علما، ويحد على هذا بأنه قواعد تعرف بها أحوال الكلمات، عند الإفراد والتركيب. ٧ هو إمام النحاة، محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني -نسبة إلى مولده- الشافعي، ولد سنة ٦٠٠هـ، عالم بالنحو والقراءات، أخذ عن أَجِلَّة علماء عصره، مثل: ثابت بن حيان، وأبي علي الشلوبين، وابن يعيش الحلبي، له تصانيف كثيرة تقارب الثلاثين، منها: التسهيل، والعمدة، والخلاصة الألفية وغيرها. مات سنة ٦٧٢هـ. البلغة: ٢٢٩، وبغية الوعاة: ١/ ١٣٠، وطبقات القراء: ٢/ ١٨٠، والوافي بالوفيات: ٣/ ٣٥٩.
[ ١ / ٣٠ ]
حجمًا، وغزر علمًا، غير١ أنه لإفراط الإيجاز٢، قد كان يعد من جملة الألغاز.
وقد أسعفت٣ طالبيه، بمختصر يُدانيه٤، وتوضيح يسايره ويباريه٥، أحل به ألفاظه وأوضح معانيه، وأحلل به تراكيبه، وأنقح مبانيه٦، وأعذب به موارده، وأعقل به شوارده٧، ولا أخلي منه مسألة شاهد أو تمثيل، وربما أشير فيه إلى خلاف أو نقد أو تعليل، ولم آل جهدًا٨ في توضيحه وتهذيبه، وربما خالفته في تفصيله وترتيبه وسميته:
"أوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك".
وبالله أعتصم٩، وأسأله العصمة مما يصم١٠، لا رب غيره، وما مأمول إلا خيره، عليه توكلت، وإليه أنيب.
_________________
(١) ١ بالنصب على الاستثناء المنقطع المخرج عما دخل في حكم دلالة المفهوم، واختلف في نصبها في الاستثناء، فقال ابن عصفور: عن تمام الكلام، وقال الفارسي: على الحالية، وقال ابن الباذش: على التشبيه بظرف المكان، ويجوز أن تكون فتحة غير -هنا- بنائيَّة؛ لأن "غير" إذا أضيفت لمبني، جاز بناؤها على الفتح، كقوله: لم يمنع الشرب فيها غير إن نطقت حمامة في غضون ذات أو قال انظر التصريح: ١/ ١٥، ومغني اللبيب: ٢١١. ٢ الإفراط: مجاوزة الحد في الأمر، والإيجاز: الاختصار. ٣ ساعدت وعاونت، وأسعفه بحاجة: قضاها له. ٤ يقاربه. ٥ يسابقه، ويفعل مثل فعله. ٦ أهذِّب أصول موضعاته، ومبنى الكتاب: ما تبنى عليه مسائله. ٧ أعقِل: أمنع. والشوارد: النوافر، واحدها شاردة أو شارد، والمراد: أجمع مسائله المبعثرة. ٨ أدَّخِرْ وسعًا، والألوّ: التقصير. ٩ أَمتَنِع. ١٠ يعيب.
[ ١ / ٣١ ]
باب شرح الكلام:
هذا باب شرح الكلام، وشرح ما يتألف الكلام منه:
[بيان معنى الكلام وأقل ما يتألف منه] .
الكلام -في اصطلاح النحويين١- عبارة عمل اجتمع فيه أمران: اللفظ، والإفادة.
والمراد باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف، تحقيقا أو تقديرا٢.
والمراد بالمفيد: ما دل على معنى يحسن السكوت عليه٣.
وأقل ما يتألف الكلام من اسمين: كـ "زيد قائم"٤ ومن فعل اسم، كـ "قام زيد" ومنه٥ "استقم"؛ فإنه من فعل الأمر المنطوق به، ومن ضمير المخاطب المقدَّر
_________________
(١) ١ أما عند اللغويين، فالقول، ما كان مكتفيًا بنفسه في أداء المقصود منه، كالخط والإشارة والرمز، يقول ابن عقيل: هو في اللغة: اسم لكل ما يُتلفَّظ به، مفيدا كان أو غير مفيد، وعند المتكلمين: هو المعنى القائم بالنفس. ابن عقيل: ١/ ١٥، والتصريح على التوضيح: ١/ ١٨ و١٩. ٢ تحقيقًا: كمحمد وعلي، وتقديرا: كالضمائر المستترة، في نحو: اقرأ، تعلم، نشكر؛ فإنها ليست بحروف ولا أصوات، والتعبير عنها بالضمائر المنفصلة تقريبا للفهم. ٣ أي من المتكلم بحيث يقنع السامع، ولا ينتظر مزيدا من المخاطب، وهذا يستلزم أن يكون الكلام مركبا مقصودا، وعلى ذلك، فلا حاجة لهذين القيدين، كما قال. التصريح: ١/ ٢٠، ٢١. ٤ هذان اسمان حكما؛ لأن الوصف مع مرفوعه المستتر في حكم الاسم المفرد، ومثال الاسمين حقيقة: الدب حيوان. ٥ أي: ومما يتألَّف من فعل واسم، وهو بهذا يشير إلى أنه لا فرق بين أن يكون الجزآن مذكورين، أو أحدهما ولا بين الخبر والإنشاء، هذا ويسمى الكلام جملة.
[ ١ / ٣٣ ]
بأنت٦.
[معنى الكلام]:
والكلم: اسم جنس جمعي، واحده كلمة٢، وهي: الاسم، والفعل،
_________________
(١) ١ وقول النحويين: "أقلّ ما يتألف منه الكلام اسمان، أو فعل واسم" مرادهم أن هاتين الصورتين أقلّ الصور التي يتألف منها الكلام المفيد أجزاء، وليس معناه أن الكلام، لا يتألف إلا من اسمين أو فعل واسم، فقد تتبع النحاة كلام العرب، فوجدوه يرد على ست صور إجمالا -وهي إحدى عشرة صورة تفصيلا؛ وذلك لأنه؛ إما أن يتألف من اسمين، وإما من فعل واسم، وإما من جملتين وإما من فعل واسمين، وإما من فعل وثلاثة أسماء، وإما من فعل وأربعة أسماء، فهذه ست صور على وجه الإجمال. وأما على وجه التفصيل: فالمؤلف من اسمين له أربع صور؛ لأن الاسمين إما مبتدأ وخبر، نحو: "زيد قائم" وإما مبتدأ وفاعل، سدَّ مسدَّ الخبر، نحو: "أقائم الزيدان، وإما مبتدأ ونائب فاعل، سد مسد الخبر، نحو: "أمضروب زيد" وإما اسم فعل وفاعله نحو "هيهات العقيق". والمؤلف من فعل اسم، له صورتان؛ لأنه إما من فعل وفاعل نحو "قام زيد" وإما من فعل ونائب فعل نحو "قطع الغصن". والمؤلف من جملتين، له صورتان؛ لأن الجملتين: إما جملتا القسم وجوابه، نحو: "أقسم بالله لأكرمنك" وإما جملتا الشرط وجوابه نحو" إن تجتهد تنجح". والمؤلف من فعل واسمين، له صورة واحدة، وهي "كان" أو إحدى أخواتها مع اسمها وخبرها، نحو قولك: "كان الجو حارا" و"أصبح الجو باردا". والمؤلف من فعل وثلاثة أسماء، له صورة واحدة أيضا، وهي "ظن" أو إحدى أخواتها مع فاعلها ومفعوليها، نحو "ظننت الوقت متسعا". والمؤلف من فعل وأربعة أسماء، له صورة واحدة أيضا، وهي: "أعلم" أو إحدى أخواتها مع فاعلها ومفعولاتها، نحو "أعلمت زيدا عمرا مخلصا". انظر قطر الندى بتحقيقنا. ٢ اختلفوا في لفظ "كلم" فقيل: وهو جمع مفرده كلمة، وقيل: وهو اسم جمع؛ لأنه ليس على زنة من أوزان الجموع المحصورة المشهورة، والصحيح أنه اسم جنس جمعي، واسم الجنس على نوعين: الأول اسم جنس إفرادي، وهو "ما دل على القليل والكثير من جنس واحد بلفظ واحد" وذلك كماء وتراب وزيت وخلٍّ، ومنه المصدر: كضَرْب وشُرْب وقيام وجلوس، والثاني اسم جنس جمعي، وهو: ما يفرق بينه وبين واحده بالتاء غالبا، وذلك بأنه يكون الواحد بالتاء، واللفظ الدال على الجمع بغير تاء، وذلك مثل: كلم وكلمة، وبقر وبقرة، وشجر وشجرة ، وقولنا: "غالبا" للإشارة إلى شيئين، أولهما: أنه قد يفرق بين الواحد واللفظ الدال على الجمع بالياء المشددة، نحو: روم ورومي، وزنج وزنجي وثانيهما: أنه قد يكون اللفظ الدال على الجمع مقترنا بالتاء، والمفرد خاليا منها، عكس الغالب، نحو: كم، وكمأة، وذلك النوع في العربية قليل جدا. شرح التصريح: ١/ ٢٤، وابن عقيل: ١/ ١٥.
[ ١ / ٣٤ ]
والحرف١، ومعنى كونه اسم جنس جمعي أنه يدل على جماعة، وإذا زيد على لفظه تاء التأنيث فقيل "كلمة" نقص معناه، وصار دالًّا على الواحد، ونظيره لبن ولبنة، ونبق ونبقة.
[النسبة بين الكلم والكلام]:
وقد تبين، بما ذكرناه في تفسير الكلام، من أن شرطه الإفادة، وأنه من كلمتين، وبما هو مشهور من أن أقل الجمع ثلاثة، أن بين الكلام والكلم عموما وخصوصا من وجه٢، فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لانطلاقه على المفيد وغيره٣، وأخص من جهة اللفظ؛ لِكونه لا ينطلق على المركب من كلمتين، فنحو:
_________________
(١) ١ ونقل عن الفراء أن "كلا" ليست واحدا، من هذه الثلاثة، بل هي بين الأسماء والأفعال. وقال الفخر الرازي: لا يصح أن تكون الكلمة جنسا لهذه الأنواع الثلاثة؛ لأنها لو كانت جنسا لها، لكان امتياز كل واحد من هذه الثلاثة، بفصل وجودي مع أن الحرف يمتاز عن الاسم والفعل بقيد عدمي، وهو كون مفهومه غير مستقل بالمفهومية، والاسم -أيضا- يمتاز عن الفعل بقيد عدمي، وهو كونه غير دالٍّ على زمانه المعين. شرح التصريح: ١/ ٢٥. ٢ ضابط العموم والخصوص الوجهي: أن يجتمع اللفظان في الصدق على شيء، كاجتماع الكلام والكلم -هنا- في الصدق على "زيد قام أبوه" لأنه مفيد، وقد تركب في أربع كلمات. وينفرد كل منهما بالصدق على شيء، كانفراد الكلام بالصدق على "قام زياد"؛ لأنه مفيد وليس مركبا من ثلاثة ألفاظ، وانفراد "الكلم" بالصدق على "إن قام زيد"؛ لأنه مركب من ثلاثة ألفاظ وليس مفيدا. التصريح: ٢٦-٢٧. ٣ المفيد نحو: الله واحد لا شريك له، وغير المفيد نحو: إن يجتهد الطالب.
[ ١ / ٣٥ ]
"زيد قام أبوه" كلام؛ لوجود الفائدة، وكَلِم؛ لوجود الثلاثة بل الأربعة، و"قام زيد" كلام لا كَلِم، وإن قام زيد" بالعكس.
[معنى القول]:
والقول عبارة عن: اللفظ الدالِّ على معنى١، فهو أعمُّ من الكلام، والكلم، والكلمة، عموما مطلقا٢، لا عموما من وجه.
وتطلق الكلمة لغة٣ ويراد بها الكلام٤، نحو: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ٥، وذلك كثير لا قليل.
_________________
(١) ١ سواء صح السكوت عليه أم لا. ٢ ضابط هذه النسبة بين الأشياء، الاجتماع في الصدق على شيء وانفراد الأعم، وهو القول: فهو ينفرد في نحو: ظلمة الليل- غلاف المصحف؛ لأن هذه الأمثلة، ليست كلاما، ولا كَلِمًا، ولا كلمة كما سلف، ولهذا قال الناظم "والقول عم"؛ لأنه ينطبق عليها جميعا. التصريح: ١/ ٢٨. ٣ قيد بذلك؛ لأنها في الاصطلاح: هي اللفظة الواحدة التي تتركب من بعض الحروف الهجائية وتدل على معنى مفرد: أي جزئي. ٤ أي على سبيل المجاز من باب تسمية الشيء باسم جزئه، وكذلك يطلق القول ويراد به الرأي والاعتقاد، نحو: قال أبو حنيفة كذا- أي رأى واعتقد. التصريح ١/ ٢٨. ٥ ٢٣ سورة المؤمنون، الآيةان: ٩٩، ١٠٠. موطن الشاهد: "كلمة". وجه الاستشهاد: مجيء "كلمة" في الآية الكريمة دالة على معناها اللغوي؛ لأنه أريد بها الكلام الذي قاله القائل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، وعندما تطلق "الكلمة لغة ويراد بها الكلام، فذاك مجاز من تسمية الشيء، باسم جزئه. ومثل قولهم: كلمة الشهادة، يريدون: لا إله إله الله محمد رسول الله. ومثل هذا قول الرسول الكريم ﵊: "أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". وتقول: حفظت كلمة زهير: تريد قصيدة له بطولها انظر التصريح: ١/ ٢٨و ٢٩.
[ ١ / ٣٦ ]
[علامات الاسم]:
يتميز الاسم١ عن الفعل والحرف بخمس علامات٢:
إحداها: الجر، وليس المراد به حرف الجر؛ لأنه قد يدخل في اللفظ٣ على ما ليس باسم، نحو: "عجبت من أن قمت"٤ بل المراد به الكسرة التي يحدثها عامل الجر، سواء كان العامل حرفا، أم إضافة، أم تبعية٥، وقد اجتمعت في البسملة٦.
الثانية: التنوين، وهو نون ساكنة تلحق الآخر٧ لفظا لا خطا لغير توكيد، فخرج بقيد السكون النون في "ضيفن" للطفيلي٨، و"رعشن" للمرتعش، وبقيد الآخِرِ النون في "انكسر" و"منكسِر" وبقولي "لفظًا لا خطًّا" النون اللاحقة لآخر.
_________________
(١) ١ الاسم: كلمة دالة تدل بذاتها -أي: من غير احتياج إلى كلمة أخرى- على شيء ولا تقترن بزمن، وهذا الشيء قد يكون محسوسا: كمحمد، أو يدرك بالعقل مثل: علم، شجاعة. ٢ إذا وجدت واحدة منها في الكلمة كانت دليلا على أنها اسم. ٣ قيد بذلك؛ لأن ما بعد "من" في المثال اسم بالتأويل، أي من قيامك. ٤ ومن ذلك، عند جمهرة النحاة، قول بعضهم-وقد بشر بأنثى: "والله ما هي بنعم الولد"، وقول آخر- وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء: نعم السير على بئس العير. ٥ الصحيح أن الجار في الإضافة هو المضاف لا الإضافة، وفي التبعية عامل المتبوع من حرف أو مضاف -في غير البدل- لا التبعية. ٦ فـ "اسم" مجرور بالحرف، ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة، "الرحمن الرحيم" مجروران بالتبعية للموصوف. ٧ المراد بالآخر الذي لحقه التنوين، ما كان آخرا حقيقة، كالدال من "زيد" والراء من "عمرو" أو كان آخرا حكما كالدال من "يد" و"غد" والميم من "دم"، فإن لام هذه الكلمات قد حذفت اعتباطا، أي لغير علة، وبقيت عين هذه الكلمات أواخر لها حكما. التصريح: ١/ ٣١. ٨ هو الذي يجيء مع الضيف في مأدبة أو وليمة متطفلا من غير دعوة.
[ ١ / ٣٧ ]
القوافي١، وستأتي، وبقولي "لغير توكيد" نون نحو ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ٢ و"لتضربن يا قوم" و"لتضربن يا هند".
وأنواع التنوين أربعة:
أحدها: تنوين التمكين٣، كزيد ورجل، وفائدته الدلالة على خفة الاسم وتمكنه في باب الاسمية؛ لِكونه لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيُمنَع من الصرف.
الثاني: تنوين التنكير، وهو: اللاحق لبعض المبنيات للدلالة على التنكير، تقول: "سيبويه" إذا أدرت شخصا معينا اسمه ذلك، و"إيه" إذا استزدت مخاطبك من حديث معين، فإذا أردت شخصا ما اسمه سيبويه أو استزادة من حديث ما نونتهما٤.
_________________
(١) ١ جمع قافية، وهي آخر كلمة في البيت من الشعر، أو هي الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، وقيل: هي من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن. انظر كتاب: مفتاح العلوم، للسكاكي "ط. المكتبة العلمية الجديدة": ٢٧٠. ٢ ٩٦ سورة العلق، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء التنوين غير مفيد التوكيد؛ ورسمت بالألف لوقوعها بعد فتحة. وجاءت النون مرسومة في الخط ألفا؛ لوقوعها بعد الفتحة، بخلاف الواقعة بعد الضمة والكسرة فإنها تصور نونا. ٣ ويسمى أيضا: تنوين الصرف، وتنوين الأمكنية، وهو الذي يلحق أغلب الأسماء المعربة المتصرفة، معرفة كانت أم نكرة، كما مثل المصنف؛ لأن الأصل في الأسماء أن تكون معربة منونة، وهذا النوع أقوى أنواع التنوين في الدلالة على الاسمية، وهو المقصود عند الإطلاق. التصريح: ١/ ٣٢- حاشية الصبان: ١/ ٣٤. ٤ ومن المبنيات: ما لا يدخله التنوين كـ "حيث وكم" وهذا التنوين مقيس في الأسماء المبنية المختومة بكلمة "ويه" مثل: خالويه، ونفطويه، ومقصور على السماع في أغلب أسماء الأفعال والأصوات كـ "صه وإيه". و"غاق" لحكاية صوت الغراب، فإن لم تنونها، كانت معرفة ودلت على معنى مخصوص، وإذا نونتها، كانت نكرة مبهمة، ودلت على معنى مبهم. ومثله قوله ذي الزمة: وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم وما بال تكليم الديار البلاقع
[ ١ / ٣٨ ]
الثالث: تنوين المقابلة، وهو: اللاحق لنحو "مسلمات"١ جعلوه في مقابلة النون في نحو مسلمين٢.
الرابع: تنوين التعويض٣، وهو: اللاحق لنحو غواشٍ٤، وجوارٍ عوضا عن الياء، ولإذ في نحو: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون﴾ ٥ عوضا عن الجملة التي تضاف "إذ" إليها٦.
_________________
(١) ١ أي: من جمع المؤنث السالم والملحق به. ٢ المقصود: جمع المذكر السالم والملحق به، وإيضاح ذلك -كما يقول النحاة- إن التنوين في المفرد قد اختفى، وحل محله النون في آخر جمع المذكر؛ لِلدلالة على تمام الاسم، ولما كان جمع المؤنث جمع سلامة، كجمع المذكر، جعل التنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر؛ لأنه أيضا علامة على تمام الاسم. والذي يدل على أنه لتمام الاسم ليس غير، أنه ليس بتمكين. التصريح: ١/ ٣٣. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٣٤-٣٦. ٣ ويسمى أيضا تنوين العوض. ٤ المراد بنحو "غواشٍ" كل اسم ممنوع من الصرف، وهو معتل الآخر، سواء أكان منعه من الصرف لكونه على صيغة منتهى الجموع، نحو: "غواشٍ، وجوارٍ، ودواع " أم كان منعه من الصرف للعلمية، ووزن الفعل، نحو "أعيم، وبعيل". أصلهما: تصغير أعمى ويعلى، ثم سُمي بهما، فصارا علمين موازنين، لنحو: أبيطر ويبيطر: مضارعي بيطر، أي لكونهما على وزن الفعل فضلا عن كونهما للوصف. وتنوين "غواشٍ وجوارٍ ودواعٍ" عوض عن الياء المحذوفة. التصريح، ١/ ٣٤. ٥ "٣٠" سورة الروم، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء التنوين على "إذ" عوضا عن الجملة المحذوفة التي من حق "إذ" أن تضاف إليها، ولذا سُمي تنوين العوض، والأصل: والله أعلم -ويوم إذ غلبت الروم يفرح المؤمنون، فحذفت الجملة: ﴿غُلِبَتِ الْرُوْمُ﴾ وجيء بالتنوين عوضا عنها إيجازا، أو تحسينا م. ن. ٦ أكثر النحاة يذكرون "إذ" لفظا واحدا في هذا الموضع، ويذكرون أن التنوين اللاحق لهذا اللفظ عوض عن الجملة التي من حق "إذ" أن تضاف إليها، والتقدير في الآية الكريمة: ويوم يغلب الرومُ فارسَ يفرح المؤمنون، فحذفت الجملة الأولى؛ وهي "يغلب الروم فارس" وعوض عنها التنوين، وبقيت "إذ" مبنية؛ لِشبهها بالحرف في الوضع على حرفين أو في الافتقار افتقارا متأصلا إلى جملة تضاف إليها. ويذكر بعض النحاة في هذا الموضع "إذا" أيضا فقد تحذف الجملة التي من حقها أن تضاف إليها ويعوَّض عنها التنوين، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وقوله جل شأنه: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاة﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاق﴾، ولهذا نظائر كثيرة، وليست هذه إذا الناصبة للمضارع، بل هي الظرفية الشرطية. التصريح: ١/ ٣٤و ٣٥. أوضح المسالك "تحقيق محيي الدين عبد الحميد": ١/ ١٥، حا: ٣.
[ ١ / ٣٩ ]
وهذه الأنواع الأربعة مختصة بالاسم.
وزاد جماعة تنوين الترنم، وهو: اللاحق للقوافي المطلقة، أي: التي آخرها حرف مد، كقوله١: [الوافر]
١- أقلِّي اللوم عاذل والعتابن وقولي إن أصبت لقد أصابن٢
_________________
(١) ١ هو: جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي، من بني كليب بن يربوع، يكني أبا حزرة، أحد ثلاثة يعدون أشعر شعراء عصرهم مع الفرزدق والأخطل، وهم المقدمون على سواهم، وجرير أكثرهم فنون شعر، وأسهلهم ألفاظا، وأقلّهم تكلفا وأرقّهم نسيبا، وكان دينا عفيفا، وهو أشبه الشعراء بالأعشى، مات باليمامة سنة ١١١هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٤٦٤-٤٧٠، وتجريد الأغاني: ٣/ ٩١٥-٩٢٩. ٢ تخريج الشاهد: الشاهد مطلع قصيدة لجرير في هجاء عبيد بن الحصين "الراعي النميري" لتفضيله الفرزدق عليه، ومنها البيت المشهور: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا. والبيت من شواهد التصريح: ١/ ٣٦، والأشموني "٤/ ١/ ١٢"، وابن عقيل "١/ ١/ ١٨" واللمع: ٢/ ٥٠٦، وكتاب سيبويه: ٢/ ٢٩٨، والمقتضب: ١/ ٢٤٠، وشرح المفصّل لابن يعيش الحلبي: ٩/ ٢٩، ٣٣، والخزانة: ١/ ٣٤، ومغني اللبيب "٦٣٩/ ٤٤٧"، وشرح شواهد المغني للسيوطي: ٢٥٨، وحاشية الدمنهوري على متن الكافي: ٨٨، وديوانه: ٦٤. المفردات الغريبة: أقلّي: من الإقلال، والمراد هنا الترك؛ لأن العرب قد تعبر عن العدم بالقلة، فتقول: قلّ أن يفعل فلان ذلك، وتريد أنه لا يفعله أصلا. العذل: اللوم. عاذل: اسم فاعل مؤنث بتاء محذوفة للترخيم، وأصله عاذلة. =
[ ١ / ٤٠ ]
الأصل "العتابا" و"أصابا" فجيء بالتنوين بدلا من الألف، لترك الترنم١.
_________________
(١) = ويروي بضم التاء في "أصبت" على أنها ضمير المتكلم، ويروى بكسر التاء على أنها ضمير المخاطبة المؤنثة. المعنى: يطلب الشاعر إلى عاذلته أن تقلّل من لومه ومعاتبته، وأن تعترف له بالفضل إذا ما أصاب في القول أو الفعل. الإعراب: أقلّي: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء: فاعل. اللوم. مفعول به. عاذل: منادىً بحرف نداء محذوف، مبني على ضم الحرف المحذوف للترخيم، على لغة من ينتظر، أو على الفتح الظاهر على اللام على لغة من لا ينتظر، وعلى كلٍّ فهو في محل نصب على النداء. والعتابن: الواو عاطفة، العتابن: معطوف على اللوم منصوب مثله، والنون: عوض عن ألف الإطلاق. وقولي: الواو عاطفة. قولي: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء: فاعل. إن: شرطية جازمة. أصبت: فعل ماضٍ وفاعله في محل جزم فعل الشرط؟ وجواب الشرط محذوف؛ لِدلالة ما قبله عليه. لقد: اللام موطئة للقسم المحذوف، قد حرف تحقيق. أصابن: فعل ماض والفاعل: هو: والنون: للترنم بدل ألف الإطلاق، أو عوض عن ألف الإطلاق، وجملة "أصابن": جواب القسم، لا محل لها، و"جملة القسم وجوابه": في محل نصب مقول القول. موطن الشاهد: "العتابن، أصابن". وجه الاستشهاد: دخول تنوين الترنم على "العتاب" وهو اسم معرف بـ "أل"، وعلى "أصاب" وهو فعل ماضٍ، ودخول هذا التنوين على الاسم والفعل دلالة على أنه غير مختصٍّ بالاسم، وبالتالي، فلا يكون دليلا على اسمية ما يدخل عليه كتنوين التنكير؛ لأن دخوله على الاسم المعرف بـ "أل" لم يؤثر فيه شيئا؛ لأن "أل" عرفت الاسم والتنوين المختص بالاسم ينافي التعريف؛ لأنه يدل على عدم اختصاصه بفرد معين من أفراد جنسه، ولما دخل التنوين على المعرف بـ "أل" تبين أن تنوين الترنم لا يختص بالاسم، ودليل ذلك دخوله على الفعل "أصاب". ١ على ما صرح به سيبويه وغيره من المحققين من أن الترنم -وهو التغني- إنما يحصل بأحرف الإطلاق لقبولها لمد الصوت بها، فإذا أنشدوا، ولم يترنموا، جاءوا بالنون في مكانها في لغة تميم، أكثرهم أو جميعهم، وكثير من قيس، وأما الحجازيون فلا؛ لأنهم يدعون القوافي على حالها في الترنم فعبر أولا بتنوين الترنم موافقة لابن مالك في "شرح العمدة" نظرا إلى توجيه ابن يعيش ومن وافقه. وثانيا بترك الترنم موافقة للتسهيل؛ نظرا إلى ما صرح به سيبويه وأصحابه، وقد يبدل التنوين من حرف الإطلاق في غير القوافي كقراءة بعضهم: "وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرٍ"، بالتنوين. التصريح: ١/ ٣٦ ومعنى اللبيب: ٢٥٢، ٤٤٧، والجني الداني: ١٤٥، ١٤٦.
[ ١ / ٤١ ]
وزاد بعضهم١ التنوين الغالي، وهو: اللاحق للقوافي المقيدة٢ زيادة على الوزن، ومن ثم سمي غاليا٣، كقوله٤: [الكامل]
٢- قالت بنات العم يا سلمى وإنن كان فقيرا معدما قالت وإنن٥
/ الكامل/
_________________
(١) ١ هم: الأخفش والعروضيون، هذا وزاد بعضهم أنواعا أخرى للتنوين، كتنوين الضرورة، والتنوين الشاذ، وتنوين الحكاية. انظر: مغني اللبيب "ط. دار الفكر": ٤٤٨، والتصريح: ١/ ٣٧. ٢ أي التي يكون حرف رويها ساكنا ليس حرف مد، والأعاريض المصرعة. ٣ سَمَّى الأخفش الحركة التي قبل لحاقه غلوا، وزعم ابن الحاجب أنه إنما سمي غاليا؛ لقلته، ونفاه السيرافي والزجاج وزعما أن الشاعر، زاد "أن" في آخر البيت إيذانا بتمامه فضعف صوته بالهمزة، واختاره ابن مالك، وقال ابن يعيش: فائدته الترنم أيضا. التصريح: ١/ ٣٦. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٣٣. ٤ القائل: هو رؤبة بن العجاج، أبو الجحاف بن عبد الله بن رؤبة، من تميم، أحد رجاز الإسلام وفصحائهم المقدمين، نزل البصرة، وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، قال عنه يونس النحوي: ما كان معد بن عدنان أفصح منه، أخذ عنه أهل اللغة، وكانوا يقتدون به ويحتجون بشعره، قال الخليل يوم وفاته: "دَفَنَّا الشعر واللغة والفصاحة"، مات في خلافة المنصور سنة: ١٤٥هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٥٩٤، وتجريد الأغاني: ٥/ ٢١٤٥، واللآليء: ٥٦، والخزانة: ١/ ٣٨. ٥ تخريج الشاهد: ينشد النحاة الشاهد، وينشدون قبله: قالت سليمي ليت لي بعلا يَمُنّ بغسل جلدي وينسيني الحزن والبيت الشاهد: استشهد به في التصريح: ١/ ٣٧، الأشموني "٨/ ١/ ١٢" مغني اللبيب، "١١٠٩/ ٨٥٢"ن وشرح شواهد المغني للسيوطي: ٣١٦، شرح شواهد الألفية للعيني: ١/ ١٤٠، ٤/ ٣٣٦ المقرب لابن عصفور: ٦٠، خزانة الأدب: ٣/ ٦٣، همع الهوامع: ٢/ ٦٢، الدرر اللوامع للشنقيطي: ٢/ ٧٨، وملحقات ديوان رؤبة بن العجاج: ١٨٦. المفردات الغريبة: سليمي: تصغير سلمى، وهو اسم امرأة. بعلا: زوجا. معدما: اسم الفاعل من مصدر "أعدم الرجل" إذا كان فقيرا لا مال له. المعني: قالت بنات عم تلك المتمنية: يا سلمى، أترضين بهذا البعل، وإن كان فقيرا معدما؟! قالت: رضيت به وإن كان فقيرا معدما. الإعراب: قالت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. بنات: فاعل مرفوع. العم: مضاف =
[ ١ / ٤٢ ]
والحق١ أنهما نونان زيدتا في الوقف، كما زيدت نون "ضيفن" في الوصل والوقف، وليسا من أنواع التنوين في شيء؛ لثبوتهما مع "أل"، وفي الفعل، وفي الحرف، وفي الخط والوقف، ولحذفهما في الوصل٢، وعلى هذا فلا يردان على من أطلق أن الاسم يعرف بالتنوين، إلا من جهة أن يسميهما تنوينين، أما باعتبار ما في نفس الأمر فلا.
الثالثة: النداء، وليس المراد به دخول حرف النداء؛ لأن "يا" تدخل في اللفظ
_________________
(١) = إليه. وإنن: الواو عاطفة على محذوف. إن: حرف شرط جازم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والنون الزائدة حرف لا محل له من الإعراب. كان: فعل ماضٍ ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى البعل. فقيرا: خبر "كان" منصوب. معدما: صفة لـ "فقيرا"، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة سياق الكلام عليه، و"جملة الشرط وجوابه": معطوفة بالواو على محذوف، يدل عليه سياق الكلام كذلك. قالت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث. وإنن: الواو عاطفة على محذوف، إن: شرطية جازمة، وفعل الشرط وجوابه محذوفان؛ لِدلالة الكلام السابق عليهما، والتقدير: قالت: إن كان غنيا موسرا أرضى به، وإن كان فقيرا معدما أرضى به. موطن الشاهد: "إنن، إنن". وجه الاستشهاد: لحق التنوين العروض والقافية المقيدة، زيادة على الوزن، ودخل التنوين على "إن" وهي حرف من دون خلاف، ولحوق التنوين بهذا الحرف في العروض والقافية، دليل على أن التنوين الغالي لا يختص بالاسم، ونظير هذا البيت قول رؤبة بن العجاج. وقاتم الأعماق خاوي المخترقن مشتبه الأعلام لماع الخفقن. حيث ألحق الشاعر التنوين بالعروض والقافية "المخترق، والخفق"، وكلاهما اسم محلىً بـ "أل"، وفي دخول التنوين الغالي على الاسم المحلى بـ "أل" دليل على أن التنوين الغالي ليس خاصا بالاسم، كما بينا سابقا. ١ كما قاله ابن مالك في التحفة وتبعه ابنه في "نكت الحاجبية". ٢ وليس كذلك شيء من أقسام التنوين، وهناك مواضع يحذف فيها التنوين وجوبا، فيها: وجود "أل" في صدر الكلمة المنونة، فتقول في جاء رجل: جاء الرجل بغير تنوين وإضافة الكلمة المنونة، تقول: جاء رجل القوم، والوقف على الكلمة المنونة في حالتي الرفع والجر إلخ.
[ ١ / ٤٣ ]
على ما ليس باسم، نحو: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي﴾ ١ "أَلَا يَا اسْجُدُوا"٢ في قراءة الكسائي٣، بل المراد كون الكلمة مناداة، نحو: "يا أيها الرجل، ويا فُلُ، ويا مكرمان"٤.
_________________
(١) ١ ٣٦ سورة يس، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي﴾ . وجه الاستشهاد: دخول "يا" على "ليت" وهي حرف، وليست اسما، وفي هذا دلالة على مباشرة حرف النداء للحرف، حين يحذف المنادى، وقيل: إن "يا" في هذه الحال حرف تنبيه لا حرف نداء. ٢ ٢٧ سورة النمل، الآية: ٢٥. أوجه القراءات: قرأ الكسائي، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب بتخفيف "ألَا" وقرأ باقي العشرة بتشديدها انظر: النشر: ٢/ ٣٢٣، والتيسير: ١٦٧، والإتحاف: ٣٣٦. توجيه القراء ات: على قراءة الكسائي ومن معه بتخفيف "ألَا" فيكون المعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، و"ألا" على هذه القراءة للتنبيه، و"يا" للنداء، وحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه، و"اسجدوا" فعل أمر بني على حذف النون، والدليل على صحة هذا التخريج، أن الكسائي كان يقف على "ألا يا" ثم يبتدئ بـ "اسجدوا" إيضاح الوقف والابتداء: ١٦٩. وأما على قراءة تشديد اللام في "ألا" فعلى أنهما كلمتان، أن المصدرية، ولا النافية، ويكون بعدها "يسجدوا" فعل مضارع منصوب بـ "أن" المصدرية، والمصدر المنسبك من "أن وما بعدها" في محل نصب بدلا من "أعمالهم" على تقدير "لا" غير زائدة، أو في موضع جر على البدل من "السبل" على تقدير "لا زائدة" وكتابتها في المصحف: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ تؤيد هذه القراءة. انظر: البيان: ٢/ ٢٢١، والعكبري: ٢/ ٩٣، وتفسير القرطبي: ١٣/ ١٨٥، وزاد المسير: ٦/ ١٦٦، ومشكل إعراب القرآن: ٢/ ١٤٧. ٣ الكسائي: هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الكسائي، إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة المشهورين ولقب بالكسائي؛ لأنه كان يصنعها، وهو كوفي أتى بغداد وأخذ عن القراء، وعن الخليل، له مجالس مع يونس بن حبيب، والفراء، وأبي يوسف، صاحب أبي حنيفة، له مؤلفات كثيرة منها: معاني القرآن، ومختصر في النحو، والقراءات النوادر، والمصادر. مات سنة ١٩٨ بالري، ودفنه هارون الرشيد. البلغة: ١٥٦، وإنباه الرواة: ٢/ ٢٥٦، وبغية الوعاة: ٢/ ١٦٢، والأعلام: ٥/ ٩٣. ٤ خص المؤلف هذه الأسماء بالذكر، مع هذه العلامة؛ لأنها ملازمة للنداء، ومعنى هذا أنها لا تقبل من العلامات التي ذكرها إلا النداء، ومعنى "يا فُلُ" يا رجل أو يا امرأة، ونظيرهن "يا مَلْأَمَان" ويا "خباث" وبابه، وسيأتي في باب النداء. التصريح: ١/ ٣٨.
[ ١ / ٤٤ ]
الرابعة: أل غير الموصولة١، كالفرس والغلام، فأما الموصولة فقد تدخل على المضارع، كقوله٢: [البسيط]
٣- ما أنت بالحكم التُرْضَى حُكُومتُهُ٣.
_________________
(١) ١ وغير الاستفهامية أيضا، فإنها تدخل على الماضي، نحو: ألفعلت؟ بمعنى هل فعلت؟ ٢ القائل هو: الفرزدق، أبو فراس، همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، شاعر إسلامي من الطبقة الأولى، ولقب بالفرزدق؛ لِقصره وغلظه، ولشعره عند علماء اللغة منزلة كبيرة، فقالوا: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة، والفرزدق أشبه بزهير من شعراء الجاهلية، مات سنة ١١٠هـ، وقد ناهز المائة، له ديوان شعر مطبوع. الشعر والشعراء: ١/ ٤٧١، الأغاني: ٩/ ٣٢٤، الوفيات: ٦/ ٨٦، الخزانة: ١/ ١٠٥، المرزباني: ٤٨١. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل وهو في هجاء رجل من بني عذرة، وكان قد دخل على عبد الملك بن مروان يمدحه، وعند عبد الملك جرير والأخطل والفرزدق، وهو لا يعرفهم، فعرف عبد الملك الأعرابي بهم. فقال على الفور: فحيا الإله أبا حزرة وأرغم أنفك يا أخطلُ وجد الفرزدق أتعِسْ به ودقَّ خياشيمَه الجندلُ فقال له الفرزدق: يا أرغم الله أنفا أنت حامله يا ذا الخنى ومقال الزور والخطلِ وبعده البيت المستشهد بصدره. وقد استشهد بالبيت في: التصريح: ١/ ٣٨، وابن عقيل "٣٠/ ١/ ١٥٧، والأشموني "٩٧/ ١/ ٧١" وخزانة الأدب: "١/ ١٤ عرضًا، والمقرب لابن عصفور: ٧، والإنصاف لابن الأنباري: ٥٢١ وشرح العيني: ١/ ١١١، ٤٤٥، وحاشية يس بن زين الدين العليمي: ٢/ ٢٢٩، وليس في ديوان الفرزدق. المفردات الغريبة: الحكم: الذي يحكمه الخصمان؛ لِيفصل بينهما. الأصيل: الحسيب. الجدل: شدة الخصومة. التُرْضَى: الذي تُرضَى. =
[ ١ / ٤٥ ]
الخامسة: الإسناد إليه١، وهو: أن تنسب إليه ما تحصل به الفائدة؛ وذلك
_________________
(١) = مفردات الأبيات الأخرى: "أبا حزرة": كنية جرير بن عطية. الجندل: الحجر: يا أرغم الله أنفا". أصل "أرغمه": عفره بالرغام، أي: التراب، وفي ذلك كناية عن الإهانة والإذلال. الخنى: الفحش. الخطل: المنطق الفاسد المضطرب. معنى الشاهد: يستخف الفرزدق بذلك الأعرابي الذي مدح جريرا وفضله عليه قائلا: لست بالرجل الرشيد الذي يُحكَّم في الخصومات، ويرضى بحكمه، أو يُؤبَه لكلامه، أو يعتدُّ به في المجالس، فضلا عن أنك لست شريف النسب، ولا صاحب الرأي النافذ، ولا صاحب المنطق السديد الذي يزين صاحبه، ويؤهله للحكم في معضلات الأمور. موطن الشاهد: "التُّرضَى". وجه الاستشهاد: دخول "أل" الموصولة على الفعل المضارع "تُرضَى"، ودخولها على الفعل في هذا البيت دليل، على أنها ليست علامة على اسمية ما تدخل عليه، فهي تدخل على الأسماء، في نحو: الصائم، والقائم، والمقتول، وتدخل على الأفعال، كما في الشاهد السابق، وكما في قول ذي الخرق الطهوي: يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع فالمعني مأخوذ من الآية الكريمة: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير﴾ واليجدع، أي: الذي يجدع. والأمثلة على ذلك كثيرة. واختلف النحاة في حكم "أل الموصولة" الداخلة على الفعل المضارع كما يلي: أ- ذهب ابن مالك وجمهور الكوفيين، إلى أنه جائز في الاختيار -على الرغم من قلته- واحتجوا بما ورد من الشواهد عن العرب الذين يُحتَجُّ بشعرهم. ب- وذهب البصريون إلى أن دخول "أل" على الفعل المضارع، لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. ج- وذهب الشيخ عبد القاهر الجرجاني إلى أنه من أقبح ضرورات الشعر، يذهب إلى أن دخول "أل" الموصولة على المضارع جائز في السعة، لم يجعلها من علامات الاسم، ومن ذهب إلى أنها لا تدخل على المضارع إلا ضرورة، جعل "أل" بجميع أنواعها من علامات الاسم. انظر شرح الأشموني "تحقيق محيي الدين عبد الحميد": ١/ ١٦٩، والتصريح على التوضيح: ١/ ٣٨. ١ أي: الإخبار عنه بشيء، وجعله متحدثا عنه؛ لأنه لا يتحدث إلا عن الاسم. وبهذه العلامة دل على اسمية الضمائر ونحوها.
[ ١ / ٤٦ ]
كما في "قمت" و"أنا"١ في قولك "أنا مؤمن".
[علامات الفعل]:
ينجلي الفعل بأربع علامات:
إحداها: تاء الفاعل٢، متكلما كان كـ "قمت" أو مخاطبا نحو "تباركت".
الثانية: تاء التأنيث الساكنة٣، كـ "قامت، وقعدت"، فأما المتحركة فتختص بالاسم كقائمة٤.
_________________
(١) ١ كرر المثال؛ لِبيان أنه لا فرق بين تأخر المسند إليه وتقدمه، ولا بين أن يكون فعلا أو وصفا، وقد أشار ابن مالك إلى العلامات المتقدمة بقوله: بالجر، والتنوين، والندا، وأل ومسند، للاسم تميز حصل أي: حصل للاسم تميز عن الفعل والحرف، وما ذكره المصنف أشهر العلامات. وهناك علامات أخرى للاسم، منها: أن يكون مصغرا؛ لأن التصغير من خواص الأسماء، أو أن يكون لفظه موافقا لوزن اسم آخر، لا خلاف في اسمتيه، كنزال: بمعنى انزل؛ فإنه موافق لوزن "حذام" اسم امرأة. وبهذه العلامة دل على اسمية نزال، أو يكون معناه كذلك مثل: قط، وعوض، فإنهما يدلان على الزمان؛ الأول: الزمان الماضي، والثاني: المستقبل. التصريح: ١/ ٣٩. الأشموني وحاشية الصبان: ١/ ٤٦-٤٧. ٢ أي تاء الضمير الذي يقع فاعلا في المعنى للفعل قبله. ٣ أي: في الأصل، فلا يضر تحركها لعارض، نحو قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ و: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيز﴾ . ٤ التاء المتحركة؛ إما أن تكون حركتها حركة إعراب كقائمة، وهذه تختص بالاسم كما قال، وإما أن تكون حركتها حركة بناء، وهذه تدخل على الحرف في "لات" و"ربت" و"ثمة" وتكون في الاسم أيضا، نحو: "لا قوة" من شواهد دخول تاء التأنيث على "رب" قوله: ماويَّ يا رُبَّتَمَا غَارَةٍ شعواءَ مثل اللَّذعَةِ بالميسمِ وقول الآخر في دخولها على "ثم": ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثُمَّتَ قُلت لا يعنيني وأما دخولها على "لا" فأشهر من أن يستدل له، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاص﴾، وقول الشاعر: ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيمُ
[ ١ / ٤٧ ]
وبهاتين العلامتين رد على من زعم حرفية ليس وعسى١، وبالعلامة الثانية على من زعم اسمية نعم وبئس٢.
الثالثة: ياء المخاطبة: كقومي، وبهذه رُدَّ على من قال إن هات وتعالَ اسما فعلين٣.
_________________
(١) ١ ذهب الفارسي وتبعه أبو بكر بن شقير إلى أن "ليس" حرف؛ لِكونها دالة على النفي مثل "ما" وذهب الكوفيون إلى أن "عسى" حرف؛ لِكونها دالة على النفي مثل "فعل"، والصحيح أنهما فعلان، بدليل قبولهما تاء التأنيث في نحو ليست هند مفلحة، وعست هند أن تزورنا. وتاء الفاعل في نحو: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ ونحو: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُم﴾ . ومما يدل على فعليتهما أيضا، أنه يجوز في خبر ليس تقديمه على اسمها إجماعا، وعليها على الراجح، و"ما" لا يجوز معها إلا مجيء خبرها متأخرا عنها وعن اسمها التصريح: ١/ ٤٠، ٤١، ومغني اللبيب: ٢٠١، ٢٨٦، والجنى الداني في حروف المعاني: ٤٦، ٤٩٣". ٢ الزاعم: هو الفراء من الكوفيين، وحجته: دخول حرف الجر عليهما في بعض التراكيب. ومن ذلك قول بعض العرب، وقد بشر بمولود أنثى: "والله ما هي بنعم الولد" وقول الآخر -وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: "نعم السير على بئس العير"؛ هذا وقد تأولهما المانعون على حذف الموصوف وصفته ودخول حرف الجر على معمول الصفة. والأصل: ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد"، ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير"، فحرف الجر في الحقيقة إنما دخل على الاسم. وإنما لم يقل وبالعلامتين كالتي قبلها؛ لأن تاء الفاعل لا تدخل على "نعم" و"بئس" بخلاف "ليس" و"عسى" فإنهما يقبلان العلامتين كما مر. التصريح: ١/ ٤١. ٣ القائل هو الزمخشري وحجته استعمالهما بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع، وإبراز الضمير معهما؛ لِشدة شبههما بالفعل، والصحيح أن "هات" بكسر التاء فعل أمر بمعنى ناول وتعال -بفتح اللام- أمر بمعنى أقبل؛ لِقبولهما ياء المخاطبة، وهما مبنيان على حذف حرف العلة. التصريح: ١/ ٤١.
[ ١ / ٤٨ ]
الرابعة: نون التوكيد شديدة أو خفيفة: نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا﴾ ١، وأما قوله: [مشطور الرجز] .
٤- أقائلنَّ أحضروا الشهودا٤
فضرورة
_________________
(١) ١ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٣٢. موطن الشاهد: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾، و: ﴿لِيَكُونًا﴾ . وجه الاستشهاد: اقتران فعل "يسجن" بنون التوكيد الثقيلة، واقتران "يكون" بنون التوكيد الخفيفة، وفي اقتران نون التوكيد بهاتين الكلمتين، دليل على فعليتهما؛ لأن من علامات الفعل اقترانه بإحدى نوني التوكيد، الثقيلة أو الخفيفة كما في المتن. ٢ القائل هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: وقبل الشاهد قوله: أريت إن جاءت به أملودا مرجلا ويلبس البرودا ولا ترى مالا له معدودا أقائلن أحضروا الشهودا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٤٢، والأشموني "١٣/ ١/ ١٦"، والمحتسب: "١/ ١٩٣" والخصائص لابن جني: ١/ ١٣٦، وخزانة الأدب: ٤/ ٥٧٤ عرضا، والعيني: ٣/ ٦٤٨ وحاشية يس: ١/ ٤٢، وشرح السكري: ١/ ٦٥١ ونسبه لرجل من الهذليين ومغني اللبيب "٦٣٣/ ٤٤٣"، وشرح السيوطي: ٢٥٧، وملحقات ديوان رؤبة: ١٧٣. المفردات الغريبة: أملودا "بضم الهمزة وسكون الميم": هو الغصن الناعم. مرجلا: أصل الكلام، مرجلا شعره، فحذف المضاف -وهو الشعر- وأقام المضاف إليه -وهو الضمير المجرور محلا بالإضافة- مقامه، فارتفع واستتر. البرود: جمع برد -بضم وسكون الراء- وهو ضرب معروف من الثياب. المعنى: أرأيت إن جاءت هذه المرأة بشاب مرجل الشعر، حسن الملمس كأنه الغصن الناعم ليتزوجها أفأنت موافق على ذلك آمر بإحضار الشهود؛ لِيحضروا عقد زواجها؟ والاستفهام -هنا- إنكاري، كما ترى. موطن الشاهد: "أقائلن". وجه الاستشهاد: دخول نون التوكيد على اسم الفاعل ضرورة؛ لأن نون التوكيد لا تدخل إلا على فعل المضارع، وفعل الأمر، وأما سبب دخول نون التوكيد على اسم الفاعل "قائلن" ضرورة؛ لِمشابهة اسم الفاعل المقرون بهمزة الاستفهام للفعل، المضارع. غير أن بعضهم يروي البيت "أقائلون" بالواو والنون، ولا شذوذ ولا ضرورة حينئذ. وفي التصريح تأويلات أخرى يمكن الرجوع إليها. التصريح: ١/ ٤٢.
[ ١ / ٤٩ ]
[علامة الحرف]:
ويعرف الحرف١ بأنه: لا يحسن فيه شيء من العلامات، التسع، كـ "هل"، و"في"، و"لم".
وقد أشير بهذه المثل إلى أنواع الحروف٢، فإن منها ما لا يختصُّ بالأسماء.
_________________
(١) ١ الحرف: كلمة لا تدل على معنى في نفسها، وتدل على معنى في غيرها إذا ضم إليها، ولا تدل على زمن ما. ٢ الأحرف ثلاثة أقسام، منها ما هو مختص بالاسم، ومنها ما هو مختص بالفعل، ومنها ما هو مشترك بينهما. فما اختص بالاسم، فهو يعمل فيه الجر؛ لأن الجر من خصائص الأسماء. وما اختص بالفعل، فهو يعمل فيه الجزم؛ لأن الجزم من خصائص الأفعال. وما كان مشتركا، فلا يعمر شيئا على الأصل. غير أنه جاءت أحرف في العربية مختصة بالاسم وعملت غير الجر، ووردت أحرف مختصة بالفعل، وعملت غير الجزم، ووردت أحرف مشتركة بين الفريقين، وعملت كما نجد أحرفا مختصة بالفعل قد أهملت، وأحرفا مختصة بالاسم وقد أهملت أيضا. وهذه الأنواع الخمسة التي جاءت على خلاف الأصل لا بد لمجيئها من علة، كما يلي: أ- من الحروف المختصة بالاسم، وتعمل غير الجر: "إنَّ" وأخواتها، وعلة عملها النصب والرفع في المبتدأ والخبر؛ لأنها أشبهت الأفعال في اللفظ والمعنى، في اللفظ لمجيئها على ثلاثة أحرف أو أكثر، وفي المعنى؛ لأن كل حرف منها يدل على معنى معين، فـ "إنَّ" تدل على معنى أؤكد، و"كأنَّ" على معنى أشبه و"ليت" على معنى التمني، و"لعل" على معنى الترجي. ب- ومن الحروف المختصة بالفعل، ما عملت النصب، ولم تعمل الجزم، والعلة في ذلك، أن "لن" الناصبة، أشبهت "لا" النافية للجنس في معناها، فعملت عملها فيما اختصت به، وحمل بقية الأحرف الناصبة للفعل المضارع عليها. ج- ومن الأحرف المشتركة "ما"، و"لا" النافيتان الرافعتان للاسم والناصبتان للخبر، والعلة في عملهما ذلك؛ لِمشابهتهما لـ "ليس" من حيث المعنى، فعملها عملها. د- والحروف المختصة بالأفعال وقد أهملت: "قد"، و"السين"، و"سوف" فهي لا تدخل إلا على الأفعال، ومع ذلك، فهي لا تعمل شيئا، وعلة إهمالها، أن كل حرف منها، نزل منزلة الجزء من الفعل، وجزء الشيء، لا يعمل فيه. هـ- ومن الحروف المختصة بالاسم وقد أهملت: حرف التعريف "أل" عند عامة العرب، و"أم" في لغة "حمير"، وعلة إهماله أنه نزل منزلة الجزء من الاسم بدليل أن العامل يتجاوزه. انظر حاشية الشيخ يس على شرح التصريح: ١/ ٤٣-٤٤.
[ ١ / ٥٠ ]
ولا بالأفعال فلا يعمل شيئا كـ "هل"١، تقول: "هل زيد أخوك؟ و"هل يقوم؟ " ومنها ما يختص بالأسماء فيعمل فيها كفى، نحو: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ ٢، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُم﴾ ٣، ومنها ما يختص بالأفعال فيعمل فيها كـ "لم"، نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد﴾ ٤.
[أنواع الفعل]:
والفعل جنس تحته ثلاثة أنواع٦:
_________________
(١) ١ الأصل في "هل" الاختصاص بالفعل؛ لأنها بمعنى "قد" وهذه مختصة بالفعل، فلما جاءت بمعنى الهمزة فقدت الاختصاص، فإذا جاء الفعل في تركيبها، حنت إليه، وجذبته نحوها، واختصت به، ولو تقديرا؛ ولهذا وجب نصب الاسم بعدها في باب الاشتغال. مغني اللبيب: ٤٦٠-٤٦١. ٢ ٥١ سورة الذارايات، الآية: ٢٠. موطن الشاهد: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول الحرف "في" وهو مختص بالأسماء على "الأرض" فأعمل فيه الجر على الأصل. ٣ ٥١ سورة الذاريات، الآية: ٢٢. موطن الشاهد: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول الحر في "في" على "السماء" فأعمل فيه الجر، كما في الآيات السابقة. ٤ ١١٢ سورة الصمد، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول "لم" وهو حرف مختص بالأفعال على الفعلين المضارعين "يلد، يولد" وأعمل فيهما الجزم، على الأصل. ٥ الفعل: هو ما يدل على معنى، أي حدث وزمن يقترن به، والمراد بالجنس: معناه اللغوي: الأعم من النوع. ٦ عند البصريين، ونوعان عند الكوفيين، والأخفش، بإسقاط الأمر على أن أصله مضارع. التصريح: ١/ ٤٤.
[ ١ / ٥١ ]
أحدها: المضارع١، وعلامته أن يصلح لأن يلي "لم"٢ نحو "لم يقم، ولم يشم"، والأفصح فيه فتح الشين لا ضمها، والأفصح في الماضي شممت، بكسر الميم، لا فتحها، وإنما سمي مضارعا لمشابهته للاسم، ولهذا٣ أعرب واستحق التقديم في الذكر على أخويه.
ومتى دلت كلمة على معنى المضارع ولم تقبل "لم" فهي اسم٤، كأوه وأفّ بمعنى أتوجع وأتضجر.
الثاني: الماضي٥: ويتميز بقبول تاء الفاعل كتبارك وعسى وليس، أو تاء
_________________
(١) ١ هو: كلمة تدل على معنى -أي حدث- وزمن يصلح للحال والاستقبال. ويتعين للحال إذا اقترن بكلمة تفيد ذلك، ككلمة: الآن، الساعة. كما يتعين للاستقبال إذا اقترن بالسين، أو سوف -أو بظرف من ظروف المستقبل، مثل: إذا نحو: أزورك إذا تسافر- أو دل على وعد أو وعيد، نحو: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء﴾ أو اقترن بأداة توكيد، كنون، أو لام القسم، أو أداة رجاء مثل: لعل، أو أداة شرط وجزاء، وقد ينصرف زمنه للماضي إذا سبقته "لم" أو "لما" الجازمتان. ٢ اقتصر الناظم على هذه العلامة؛ لأنها أنفع علامات المضارع. ٣ لهذا، أي لمضارعته -مشابهته- للاسم، والمراد بالاسم الذي أشبهه المضارع اسم الفاعل، ولمشابهته للاسم اختص بأمرين: الإعراب، والتقدم على الماضي والأمر في الذكر؛ لأن الاسم أسمى الأنواع وأشرفها، ولما أشبه الفعل المضارع، نال منه شرف التقدم، وشبه الفعل المضارع للاسم حاصل في اللفظ والمعنى، فشبهه في اللفظ حيث يجري معه في الحركات والسكنات، وعدد الحروف، وفي تعيين الحروف الأصلية والحروف الزائدة. وشبهه إياه في المعني، فلأن كل واحد منهما صالح للحال، وللاستقبال، والقرينة اللفظية تخصصه بأحدهما، التصريح: ١/ ٤٤. ٤ هناك كلمات تدل على معاني الأفعال المضارعة، ولا تقبل "لم" وليست مع ذلك أسماء أفعال، بل هي حروف، نحو: حرف النداء، فإنه يدل على معنى "أدعو"، وحرف الاستثناء، فهو يدل على معنى "أستثني" وسوى ذلك، والسبب في ذلك أن هذه الكلمات دلت بصيغتها لا بهيئتها على معنى المضارع. ٥ هو كلمة تدل على معنى -أي حدث- وزمن فات قبل النطق بها، ويتعين معناه للحال إذا قصد به الإنشاء مثل اشتريت وبعت إلخ، كما يتعين للاستقبال إذا أفاد طلبا ودعاء مثل: أعانك الله ورفع منزلتك. أو سبق بنفي بـ "لا" أو "إن" المسبوقتين بقسم، نحو: والله لا أكرمت الجبان، لئن ثابرت لتظفرن بما ترجو.
[ ١ / ٥٢ ]
باب المعرب والمبني:
هذا باب شرح المعرب والمبني:
أولا: [المعرب والمبني من الأسماء]:
الاسم ضربان: معرب، وهو الأصل، ويسمَّى متمكنا، ومبني، وهو القرع، ويسمَّى غير متمكن١.
وإنما يبني الاسم إذا أشبه الحرف٢، وأنواع الشبه ثلاثة:
أحدها: الشبه الوضعي؛ وضابطه أن يكون الاسم على حرف أو حرفين٣، فالأول: كتاء "قمت" فإنها شبيهة بنحو باء الجر ولامه وواو العطف وفائه، والثاني: كـ "نا" من "قمنا فإنها شبيهة بنحو قد وبل.
_________________
(١) ١ ما قيده المؤلف بعبارته، هو الصحيح الذي عليه جمهرة النحاة من الكوفيين والبصريين وذهب بعض النحاة إلى أن المضاف إلى ياء المتكلم، نحو أبي وأخي وغلامي قسم ثالث لا معرب ولا مبني؛ أما أنه ليس معربا؛ فلأنه ملازم لحركة واحدة، وهي الكسرة؛ وأما أنه ليس مبنيا؛ فلأنه، لم يشبه الحرف، وهذا كلام غير مستقيم، بل هو من نوع المعرب، والحركات مقدرة على ما قبل الياء، مثل تقديرها على آخر الاسم المقصور، وعلى آخر الاسم المنقوص، والمانع من ظهورها وجود الحركة المناسبة لياء المتكلم وهي الكسرة. التصريح: ١/ ٤٧، وابن عقيل: ١/ ٢٨، ٢٩. ٢ أي مشابهة قوية لا يعارضها شيء من خصائص الأسماء: كالتثنية والإضافة. ومعلوم أن الحروف كلها مبنية؛ لأن الحرف لا يؤدي معنى بنفسه، فلا ينسب إليه ولا يقع فاعلا ولا مفعولا حتى يحتاج إلى إعراب. ٣ سواء أكان ثاني الحرفين حرف لين أم لم يكن على الراجح، فما كان ثانيه حرف لين من الحروف مثل "ما" و"لا" ومن الأسماء المشبهة لها مثل: نا، وما كان ثانيه غير حرف لين من الحروف، مثل: "هل" و"بل" و"قد" ومن الأسماء المشبهة لها: "كم" و"من" وادعى الشاطبي أن أصل وضع الحرف أن يكون على حرف واحد، أو حرفين: ثانيهما حرف لين، وهو خلاف ما يراه المحققون. التصريح: ١/ ٤٧، وابن عقيل: "١/ ٣١".
[ ١ / ٥٤ ]
وإنما أعرب نحو "أب، وأخ"؛ لضعف الشبه بكونه عارضا، فإنه أصلهما أبَوٌ وأخَوٌ، بدليل أبَوَانِ وأخَوَانِ.
والثاني: الشبه المعنوي١: وضابطه أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف، سواء وضع لذلك المعنى حرف، أم لا.
فالأول: كـ "متى"، فإنها تستعمل شرطا، نحو: "متى تقم أقم" وهي حينئذ شبيهة في المعنى بإن الشرطية، وتستعمل أيضا استفهاما نحو: ﴿مَتَى نَصْرُ الْلَّهِ﴾ ٢ وهي حينئذ شبيهة في المعنى بهمزة الاستفهام.
وإنما أعربت أي الشرطية في نحو: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْت﴾ ٣ والاستفهامية في نحو: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ﴾ ٤؛ لِضعف الشبه بما عارضه من ملازمتهما للإضافة التي هي من خصائص الأسماء٥.
_________________
(١) ١ أي: أن يتضمن الاسم بعد وضعه في جملةٍ معنىً جزئيًّا زيادة على معناه المستقل الذي يؤديه في حال انفراده، وكان الحرف أولى بتأدية هذا المعنى الجزئي، فيكون الاسم قد خلف الحرف في ذلك. التصريح: ١/ ٤٨. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٤. موطن الشاهد: ﴿مَتَى نَصْرُ الْلَّهِ﴾؟ وجه الاستشهاد: مجيء "متى" في الآية الكريمة اسم استفهام وهي شبيهة في معناها بهمزة الاستفهام. ٣ سورة القصص، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿أَيَّمَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أي" في الآية الكريمة اسم شرط جازم معربا في محل نصب مفعولا به بفعل "قضيت"، وقدمت "أي" لأن لها الصدارة: وما: صلة، والأجلين، مضاف إليهما. وجملة فلا عدوان على " جواب أي. ٤ سورة الأنعام، الآية: ٨١. موطن الشاهد: "أي". وجه الاستشهاد: مجيء "أي" اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و"الفريقين". مضاف إليه. وأحق خبر "أي" مرفوع" وأعربت أي الشرطية والاستفهامية؛ لِضعف الشبه فيهما بما عارض من ملازمتهما للإضافة التي هي من خصائص الأسماء. ٥ فإن قلت: فلماذا بنيت "لدن" مع أنها ملازمة للإضافة مثل أي؟ فالجواب عن ذلك: أن نذكرك أولا بأن للعرب في "لَدُن" لغتين: إحداهما الإعراب وهي لغة قيس، وعلى هذا يسقط هذا السؤال ويصبح كلام النحاة مستقيما وهو أن الإضافة التي هي من خصائص الأسماء، إذا لازمت كلمة، وكان في هذه الكلمة شبه للحرف عارض لزوم الإضافة شبه الحرف، فبقيت على ما هو الأصل في الاسم، وهو الإعراب. واللغة الثانية في "لَدُن" البناء، وهي لغة عامة العربة، ويعتذر عن هذه اللغة بأن هؤلاء قد وجدوا في "لدن" شبها للحرف من جهة اللفظ؛ لأنهم قد قالوا فيها "لد" على حرفين، كما وجدوا فيها شبها معنويا؛ لأنها موضوعة لمعنى نسبي هو أول الغاية في الزمان أو المكان، ووجدوا فيها شبها استعماليا، وهو لزوم استعمالها في وجه واحد، وامتناع الإخبار بها أو عنها، بخلاف "عند" التي بمعناها؛ فإنها تجيء فضل، وتجيء عمدة، فلما وجدوها قوية الشبه بالحرف من عدة أوجه جنحوا إلى اعتبار هذا الشبه، ولم يبالوا بالإضافة. حاشية يس على التصريح: ١/ ٤٩، ومغني اللبيب: ٢٠٧، ٢٠٨.
[ ١ / ٥٥ ]
والثاني نحو: "هنا" فإنها متضمنة لمعنى الإشارة، وهذا المعنى لم تضع العرب١ له حرفا، ولكنه من المعاني التي من حقها أن تؤدى بالحروف؛ لأنه كالخطاب والتنبيه، فهنا مستحقة للبناء؛ لِتضمنها لمعنى الحرف الذي كان يستحق الوضع.
وإنما أعرب "هذان، وهاتان"، مع تضمنهما لمعنى الإشارة؛ لِضعف الشبه بما عارضه من مجيئهما على صورة المثنى، والتثنية من خصائص الأسماء٢.
_________________
(١) ١ قيل وضعت له لام العهد؛ لأنها للإشارة إلى معهود بين المتكلم، والمخاطب، وهي حرف غايته أنها للإشارة الذهنية، ولا فرق بينها وبين الخارجية. ابن عقيل: ١/ ٣٢، وحاشية يس على التصريح: ١/ ٤٩. ٢ للنحاة في "هذان وهاتان" رفعا، و"هذين وهاتين" نصبا وجرا مذهبان هما: أ- أن هذه الألفاظ مثنيات حقيقة، وأنها معربات بالألف رفعا، وبالياء نصبا وجرا. ب- أن هذه الألفاظ، ليست مثنيات حقيقية، وأنها مبنية، ووجه هذا المذهب، أنها فارقت المثنيات الحقيقية من وجهين. الأول: لو كانت مثنيات حقيقة، لقيل في حالة الرفع هذيان وهاتيان، كما يقال: فتيان، ولقيل في حالتي النصب والجر: هذيين وهاتيين، كما يقال: فتيين. الثاني: من شرط التثنية الحقيقية قبول التنكير؛ لأننا لا نثني زيدًا العلم، حتى نعتقد تنكيره، ثم إذا أردنا تعريفه بعد التثنية، أدخلنا عليه "أل" فنقول: الزيدان والزيدين، ومعلوم أن أسماء الإشارة لا تقبل التنكير بحال. نخلص من هذا إلى أن هذه الألفاظ ليست مثنيات حقيقية -لما ذكر- ولذا، لا يجوز القول: إنه عارض شبه الحرف شيء من خصائص الأسماء، والصحيح: أن العرب، وضعوا للمشار إليه في حالة الرفع -إذا كان مثنى- "هذان" و"هاتان" وفي حالتي الجر والنصب و"هاتين، وهذين"، فهي ألفاظ موضوعة على صورة المثنى في بادئ الأمر، وكلام المؤلف ملفق من المذهبين، فهو يوافق المذهب الأول القائل بإعراب هذه الألفاظ، ثم يوافق المذهب الثاني القائل ببنائها. وانظر التصريح: ١/ ٤٩-٥٠.
[ ١ / ٥٦ ]
الثالث: الشبه الاستعمالي١ وضابطه: أن يلزم الاسم طريقة من طرائق الحروف كأن ينوب عن الفعل٢ ولا يدخل عليه عامل فيؤثر فيه، وكأن يفتقر افتقارا متأصلا إلى جملة٣.
فالأول: كـ "هيهات، وصه، وأوَّه" فإنها نائبة عن "بعد واسكت وأتوجع"، ولا يصح أن يدخل عليها شيء من العوامل فتتأثر به٤، فأشبهت "ليت ولعل" مثلا، ألا ترى أنهما نائبان عن "أتمنى وأترجَّى" ولا يدخل عليهما عامل، واحتُرِزَ بانتفاء التأثر من المصدر النائب عن فعله نحو "ضربا" في قولك: "ضربا زيدا" فإنه نائب عن "اضرب" وهو مع هذا معرب؛ وذلك٥ لأنه تدخل عليه العوامل، فتؤثر فيه، تقول: "أعجبني ضرب زيد، وكرهت ضرب عمرو، وعجبت من ضربه".
_________________
(١) ١ هو: أن يكون الاسم عاملا في غيره، ولا يدخل عليه عامل يؤثر فيه، كالحرف. ٢ أي: في معناه وفي عمله. ٣ ينزل منزلة الجملة شيئان، الأول: الوصف الصريح مع "أل" الموصولة، نحو: "الضارب والمضروب" والثاني: النوين المعوض به عن الجملة في "إذا" -كما رأينا سابقا في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون﴾، وفي "إذا" في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذًَا لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ . ٤ هذا، بناء على الصحيح من أن أسماء الأفعال، لا محل لها من الإعراب خلافا للمازني ومن تبعه في جعلها مبتدأ أغنى فاعلها عن الخبر، أو مفعولا مطلقا لمحذوف وجوبأ، ضياء المسالك: ١/ ٤٢. ٥ إنما تدخل عليه العوامل فتؤثر فيه إذا ناب عن أن المصدرية والفعل، والأمثلة: أعجبني ضرب زيد، وكرهت ضرب عمرو، وعجبت من ضربه، مما ناب فيه المصدر عن أن والفعل، وليس من المصدر الذي ناب عن فعل الأمر. انظر شرح التصريح: ١/ ٥١.
[ ١ / ٥٧ ]
والثاني١: كـ "إذ" و"إذا" و"حيث" والموصولات٢، ألا ترى أنك تقول: "جئتك إذ "، فلا يتم معنى "إذ" حتى تقول: "جاء زيد" ونحوه، وكذلك الباقي، واحترز بذكر الأصالة من نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُم﴾ ١، فيوم: مضاف إلى الجملة،
_________________
(١) ١ الذي يفتقر افتقارا متأصلا إلى جملة أو شبهها. ٢ فإنها مفتقرة دائما إلى جملة تكمل معناها، وأما إضافة "حيث" إلى مفرد في قول الفرزدق: ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم ببيض النواصي حيث ليِّ العمائمِ فذلك نادر، ومعلوم أن النادر كالشاذ يُحفَظ ولا يُقاس عليه. وذكر الشيخ يس في حاشيته على شرح التصريح: "فإن قلت: إنَّ إذ وإذا ملازمان للإضافة، وقد علمنا أن الإضافة مما يختصُّ بالأسماء، فلماذا لم يعربا، كما أعربت أيّ الشرطية والاستفهامية لملازمتهما للإضافة؟ فالجواب عن ذلك: "قلت: إضافتهما كلا إضافة؛ لأنهما مضافان إلى الجمل، والإضافة إلى الجمل في تقدير الانفصال، فكأنهما غير مضافين".حاشية يس على شرح التصدير: ١/ ٥٢". ٣ ٥ سورة المائدة: الآية: ١١٩. أوجه القراءات: قرأ الجمهور بالرفع في "يوم" وقرأ نافع وابن محيصن "يَوْمَ" بالنصب، النَّشر: ٢/ ٢٤٧. توجيه القراءات: على قراءة الرفع فـ "يوم" خبر لـ "هذا": إشارة إلى ما تقدم من القصص، وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ فأخبر الله عما لم يقع بلفظ الماضي؛ لِصحة كونه وحدوثه. وجاز أن يقع "يوم" خبرا عن "هذا" لأنه إشارة إلى حدث، وظروف الزمان تكون خبرا عن الحدث. ويجوز على قول الكوفيين أن يكون "يوم" مبنيا على الفتح؛ لِإضافته إلى الفعل، فإذا كان كذلك احتمل موضعه النصب والرفع على ما تقدم من التفسير. وإنما يقع البناء في الظرف إذا أضيف إلى الفعل عند البصريين، إذا كان الفعل مبنيا، فأما إذا كان معربا فلا يبنى الظرف إذا أضيف عندهم. معاني القرآن: ١/ ٣٢٦-٣٢٧، والبيان ١/ ٣١١، وتفسير القرطبي: ٦/ ٣٧٩، ومشكل إعراب القرآن: ١/ ٢٥٥. موطن الشاهد: ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يوم" مضافا بدليل حذف تنوينه إلى الجملة بعده، وهي: ﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ والمضاف مفتقر إلى ذكر المضاف إليه كما هو معلوم في إفادة معناه، غير أن هذا الافتقار عارض التراكيب في بعض التراكيب، ويزول في بعضها الآخر، في نحو: صمت يوما، إذا أخبرت عن الترك، ولا يحتاج في تمام معنى "يوم" إلى شيء آخر.
[ ١ / ٥٨ ]
والمضاف مفتقر إلى المضاف إليه، ولكن هذا الافتقار عارض في بعض التراكيب، ألا ترى أنك تقول: "صمت يوما، وسرت يوما" فلا يحتاج إلى شيء واحترز بذكر الجملة من نحو: "سبحان"، و"عند" فإنهما مفتقران في الأصالة لكن إلى مفرد، تقول: "سبحان الله"١ و"جلست عند زيد".
وإنما أعرب اللذان، واللتان، وأي الموصولة" في نحو: "اضرب أيهم أساء"؛ لِضعف الشبه بما عارضه من المجيء على صورة التثنية، ومن لزوم الإضافة٢.
وما سلم من مشابهة الحرف فمعرب، وهو نوعان: ما يظهر إعرابه، كأرض، تقول: "هذه أرض، ورأيت أرضا، ومررت بأرض" وما لا يظهر إعرابه كالفتى،
_________________
(١) ١ ما ذكره المؤلف من أن "سبحان" ملازم للإضافة إلى مفرد: هو المشهور عند أهل اللغة والنحو، وذهب جماعة إلى أن "سبحان" يستعمل غير مضاف، واستشهدوا على استعماله غير مضاف بقول الأعشى: قد قلت لما جاءني فخره سبحان مِنْ علقمةَ الفاخرِ وهو شاذ عند الأولين. التصريح: ١/ ٥٢. حاشية الصبان: ١/ ٥٤. ٢ كلام المؤلف راجع إلى ما ذكره من إعراب "اللذين" و"اللتين"، وقوله بعده: "من لزوم الإضافة" راجع إلى "أي" وحاصل ذلك، أنه وجد في "أي" الموصولة الشبه الافتقاري؛ لأنها مفتقرة افتقارا متأصلا إلى جملة تكون صلة لها، وهذا الشبه، يقتضي البناء؛ لأنها لما كانت ملازمة للإضافة إلى مفرد، وكانت الإضافة من خصائص الأسماء فقد عارض هذا الشبه ما يقتضي الإعراب، فلذلك أعربت التصريح: ١/ ٥٣. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٥٥.
[ ١ / ٥٩ ]
تقول: "جاء الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى"، ونظير الفتى سما، كهدى، وهي لغة في الاسم، بدليل قول بعضهم: "ما سماك١؟ " حكاه صاحب الإفصاح٢، وأما قوله٣: [مشطور الرجز]
٥- والله أسماك سَمًا مباركا
فلا دليل عليه فيه؛ لأنه منصوب منون، فيُحتمل أن الأصل سم، ثم دخل عليه الناصب ففتح كما تقول في يد: "رأيت يدا".
_________________
(١) ١ أي: ما اسمك؟ ووجه الدلالة: أنه أثبت الألف مع الإضافة، وذلك يدل على أنه مقصور. ٢ الإفصاح: شرح لكتاب "الإيضاح" لأبي على الفارسي، وصاحبه هو: محمد بن يحيى المعروف بابن هشام الخضراوي، المتوفى سنة: ٦٤٦هـ. ٣ هو: ابن خالد القناني -يفتح القاف والنون المخففة- نسبة إلى جبل قنان، وهو جبل لبني أسد فيه ماء يسمى العسيلة، ولم أعثر للشاعر على ترجمة وافية. ٤ تخريج الشاهد: بعد الشاهد قوله: آثرك الله به إيثاركا. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٥٤، والإنصاف لابن الأنباري: ١/ ١٥، وشرح العيني: ١/ ٤٥. المفردات الغريبة: أسماك: ألهم آلك أن يسموك. سما: اسما. آثرك: ميزك واختصك. إيثاركا: مصدر آثر. المعنى: ألهم الله تعالى أهلك أن يسموك اسما مباركا ميمونا؛ لأن الله تعالى اختصك بهذا الإسم وميزك به عن الناس، كما تؤثر أنت بخيرك ومعروفك. ولعل المراد: إن الاسم دالٌّ على المسمى. فكان الاسم خيرا طيبا؛ لأن صاحبه متَّصف بالبذل والمعروف والكرم. الإعراب: والله: مبتدأ. أسماك: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، والكاف: مفعول به أول والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. سما: مفعول ثانٍ لأسماك، منصوب وعلامه نصبه الفتحة الظاهرة. مباركا: صفة: "به": متعلق بـ آثرك". إيثارك: مفعول آثرك، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، أي إيثارك إياه، ويمكن أن يكون مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف، والتقدير: إيثارك الناس بالخير. موطن الشاهد: سما". وجه الاستشهاد: مجيء "سما" على هذا اللفظ، وهو لغة في "الاسم" غير أن مجيئه لا يصلح أن يكون دليلا على أنه مقصور مثل "هدى" وقد أوضح المؤلف ذلك في المتن.
[ ١ / ٦٠ ]
ثانيا: [المبني والمعرَب من الأفعال]:
والفعل ضربان: مبني، وهو الأصل١، ومعرب، وهو بخلافه. فالمبني نوعان:
أحدهما: الماضي٢، وبناؤه على الفتح كضرب، وأما "ضربت" ونحوه، فالسكون عارض أوجبه كراهتهم توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة٣ الواحدة وكذلك ضمه "ضربوا" عارضة لمناسبة الواو٤.
والثاني: الأمر، وبناؤه على ما يجزم به مضارعه٥، فنحو: "اضرب" مبني
_________________
(١) ١ المراد بالأصل هنا؛ الغالب، أو ما ينبغي أن يكون الشيء عليه، وما جاء على ما هو الأصل فيه فإنه لا يُسأل عن علته، ولهذا لا يُسأل عن علة بناء الفعل الماضي، وفعل الأمر، وكل شيء جاء على خلاف ما هو الأصل فيه، لزم أن يسأل عن علة خروجه عن الأصل، ولهذا يسأل عن علة إعراب الفعل المضارع، وهي مشابهته للاسم الذي الأصل فيه الإعراب، وإنما كان الأصل في الفعل البناء؛ لِكونه لا تعرض له معانٍ مختلفة تفتقر في التمييز بينها إلى الإعراب، وإنما كان الأصل في الاسم الإعراب؛ لِكونه يعرض له أن تطرأ عليه معانٍ مختلفة تفتقر إليه كالفاعلية والمفعولية والإضافة. التصريح: ١/ ٥٤. ٢ الأصل في المبني أن يكون بناؤه على السكون؛ لخفته، وإنما بني الماضي على حركة لكونه أشبه المضارع المعرب في وقوع كل منهما صفة، وصلة، وحالا، وخبرا، وإنما كان بناؤه على الفتح؛ لِكون الفتح أخف الحركات مع كون الفعل ثقيلا بسبب دلالته على شيئين، هما الحدث والزمان، فلو أنه بني على الضم، لاجتمع فيه ثقيلان، فطلبوا في نطقهم التخفف من أحد الثقيلين، فجاءوا به مفتوحا. التصريح: ١/ ٥٤. ابن عقيل "تحقيق البقاعي" ١/ ٣٨". ٣ نزلت تاء الفاعل في الفعل منزلة الجزء؛ لِشدة اتصالها به، فصارت المتحركات أحرف الفعل الثلاثة وتاء الفاعل. التصريح: ١/ ٥٥. ٤ أي: لمناسبتها الواو؛ لأنه قوله: "عارضته لمناسبة الواو" من إضافة المصدر إلى مفعوله، وحذف فاعله. التصريح: ١/ ٥٥. ٥ هذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم بلام محذوفة فأصل قم واقعد لتقم ولتقعد، فحذفت لام الأمر، ثم حذف حرف المضارعة. التصريح: ١/ ٥٥، ومغني اللبيب: ٣٠٠.
[ ١ / ٦١ ]
على السكون، ونحو "اضربا" مبني على حذف النون، ونحو: "اغْزُ" مبني على حذف آخر الفعل.
والمعرب: المضارع نحو: "يقومُ" لكن بشرط سلامته من نون الإناث ونون التوكيد١ المباشرة، فإنه مع نون الإناث مبني على السكون، نحو: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ٢، ومع نون التوكيد المباشرة مبني على الفتح، نحو: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ٣ وأما غير المباشرة فإنه معرب معها تقديرا، نحو: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ ٤، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾، ﴿وَلَا
_________________
(١) ١ علة بناء المضارع مع نون النسوة مشابهته للفعل الماضي، فنحو "يرضعن" أشبه "أرضعن" وذهب السهيلي إلى أن المضارع مع نون النسوة معرَب على ما استقر له من الإعراب. وعلة بناء المضارع مع نون التوكيد المباشرة؛ لِتركبه معها كتركب خمسة عشر، وعلة إعرابه مع غير المباشرة أن الفاعل فاصل بين الفعل والنون، وهم لا يركبون ثلاثة أشياء. التصريح: ١/ ٥٦، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٦٠-٦١. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٢٨. موطن الشاهد: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يتربص" مبنيا على السكون؛ لِاتصاله بنون الإناث، والنون في محل رفع فاعل. ٣ ١٠٤ سورة الهمزة، الآية: موطن الشاهد: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ينبذ" مبنيا على الفتح؛ لِاتصاله بنون التوكيد الثقيلة المباشرة له، ونون التوكيد "الخفيفة والثقيلة" حرف لا محل له من الإعراب. ٣ ٣ سورة آل عمران، الآية: ١٨٦. موطن الشاهد: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء نون التوكيد غير مباشرة لفعل "تبلو" فأعرب الفعل معها تقديرا، والفعل هنا مبني للمجهول، وأصله: لتبلوون بواوين، الأولى لام الفعل، والثانية: واو الجماعة، فإما أن تقول: استثقلت الضمة على لام الفعل فحذفت لاستثقالها، أو تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا وعلى التقديرين التقى ساكنان، فحذف أول الساكنين. ٥ "١٩" سورة مريم، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿إِمَّا تَرَيِنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ترى" مجزوما بـ "إن" الشرطية، وهو مؤكَّد بنون التوكيد الثقيلة، وعلامة جزمه حذف النون؛ التي هي علامة الرفع؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والياء: فاعل، وحركت بالكسرة؛ لأن الكسرة تجانسها؛ لِلتخلص من التقاء الساكنين بعد تعذر حذف أحدهما، الياء ونون التوكيد.
[ ١ / ٦٢ ]
تَتَّبِعَانِّ﴾ ١.
والحروف كلها مبنية.
[أنواع البناء]:
وأنواع البناء أربعة:
أحدها: السكون، وهو الأصل ويسمَّى أيضا وقفا، ولخفته دخل في الكلم الثلاث، نحو: هل، وقم، وكم.
والثاني: الفتح، وهو أقرب الحركات إلى السكون، فلذا دخل أيضا في الكلم الثلاث، نحو: سوف وقام، وأين.
والنوعان الآخران هما: الكسر والضم، ولثقلهما وثقل الفعل لم يدخلا فيه، ودخلا في الحرف والاسم، نحو لام الجر و"أمس" ونحو "منذ" في لغة من جرها أو رفع؛ فإن الجارة حرف والرافعة اسم٢.
_________________
(١) ١ "١٠" يونس، الآية: ٨٩. موطن الشاهد: ﴿لَا تَتَّبِعَانِّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "تتبعان" فعلا مضارعا مجزوما بلا الناهية، فحذفت نون الرفع، فصار لا تتبعا، ثم أكد بالثقيلة، فالتقى ساكنان، الأنف ونون التوكيد المدغمة، ولم يجز حذف أحدهما، فحركت النون بالكسر تشبيها بنون التثنية الواقعة بعد الألف. ٢ إنما كان الأصل في البناء السكون؛ لِخفته واستصحابا للأصل وهو عدم الحركة. فلا يبنى عليها إلا لسبب كالتقاء الساكنين في نحو "أمس"، وكون الكلمة على حرف واحد كـ "تاء قمت"، وكونها عرضة للابتداء بها كـ "لام" الابتداء، وكونها أصلًا في التمكن كأول، وكشبهها بالمعرب كضرب. التصريح: ١/ ٥٨. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٦٣.
[ ١ / ٦٣ ]
[تعريف الإعراب وأنواعه]:
الإعراب١ أثر ظاهر أو مقدَّر يجلبه العامل في آخر الكلمة، وأنواعه أربعة: رفع ونصب في اسم وفعل، نحو: "زيد يقوم، وإن زيدًا لن يقوم" وجر في اسم نحو "لزيدٍ" وجزم في فعل نحو:"لم يقمْ" ولهذه الأنواع الأربعة علامات أصول، وهي: الضمة للرفع، والفتحة للنصب، والكسرة: للجر، وحذف الحركة: للجزم، وعلامات فروعٌ٢ عن هذه العلامات، وهي واقعة في سبعة أبواب:
_________________
(١) ١ الإعراب في اللغة له معانٍ كثيرة، منها: البيان، والإجادة، والحسن، والتغيير، وإزالة الفساد عن الشيء، والتكلم باللغة العربية، واصطلاحا: بناء على القول بأنه معنوي؛ هو تغير أواخر الكلم بسبب اختلاف العوامل الداخلة عليها، وبناء على أنه لفظي ما ذكره المؤلف بقوله: أثر ظاهر أو مقدَّر إلخ. التصريح: ١/ ٥٩، ٦٠. ٢ عدتها عشر علامات: ينوب في بعضها حركة فرعية عن حركة أصلية، وفي بعضها حرف عن حركة أصلية، وفي ثالث حذف حرف عن سكون. وتنحصر هذه الفروع النائبة فيما يأتي: ينوب عن الضمة ثلاثة: الواو، والألف، والنون. وينوب عن الفتحة أربعة: الكسرة، والألف، والياء، وحذف النون. وعن الكسرة اثنان الفتحة، والياء. وعن السكون واحدة، وهي الحذف، ويشمل حذف حرف العلة في آخر المضارع المعتل، وحذف النون في الأفعال الخمسة المجزومة. التصريح ١/ ١٦.
[ ١ / ٦٤ ]
[الباب الأول: الأسماء الستة وشروط إعرابها]:
الباب الأول: باب الأسماء الستة١:
فإنها ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتخفض بالياء، وهي "ذو" بمعنى صاحب، والفم إذا فارقته الميم، والأب، والأخ، والحم، والهن، ويشترط في غير "ذو" أن تكون مضافة لا مفردة، فإن أُفرِدتْ أُعرِبتْ.
_________________
(١) ١ يسميها بعض النحاة: الأسماء الستة المعتلة الآخر؛ لأن آخرها واو محذوفة تخفيفًا فيما عدا "ذو".
[ ١ / ٦٤ ]
بالحركات، نحو: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾، و﴿إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ ٢، و﴿بَنَاتُ الْأَخِ﴾ ٣، فأما قوله: [مشطور الرجز]
٦- خالط من سلمى خياشيم وفا٥
_________________
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢. موطن الشاهد: "أخ". وجه الاستشهاد: مجيء "أخ" مرفوعا وعلامة رفعه الضمة، وهو من الأسماء الستة؛ لأنه جاء مفردا غير مضاف. ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٨٧. موطن الشاهد: "أبا". وجه الاستشهاد: مجيء "أبا" منصوبا وعلامة نصبه الفتحة؛ لأنه اسم "إن"، ولم ينصب بالألف -على الرغم من كونه من الأسماء الستة- لأنه أتى مفردا غير مضاف. ٣ "٤" سورة النساء، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: "الأخ". وجه الاستشهاد: مجيء "الأخ"، مجرورا، وعلامة جره الكسرة؛ مع أنه من الأسماء الستة؛ لأنه جاء مفردا غير مضاف. ٤ القائل هو العجاج: أبو الشعثاء: عبد الله بن رؤبة من بني مالك بن تميم، شاعر مخضرم، أسلم وحسن إسلامه، لقي أبا هريرة وسمع منه، وهو أحد رجاز العرب المشهورين مع ابنه رؤبة سُمِّيَ بالعجاج لقوله: حتى يعجَّ عندها من عجعجا أدرك عهد الوليد بن عبد الملك ومات سنة ٩٠هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٥٩١، والجمحي: ٢/ ٧٥٣. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز، وصدره: حتى تناهى في صهاريج الصفا يذكر بعد البيت الشاهد قوله: صهباء خرطوما عقارا قرقفا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٦٢، وهمع الهوامع: ١/ ٤٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤، والمقتضب: ١/ ٢٤٠، والمخصص لابن سيده: ١/ ١٣٦، ١٤/ ٩٦، ١٥/ ٧٨، وشرح المفصل لابن يعيش: ٦/ ٨٩، والخزانة: ٢/ ٦، والعيني: ١/ ١٥٢، وحاشية يس: ١/ ١٢٥ وأراجيز البكري: ٥٠، وملحقات ديوان العجاج: ٨٣. المفردات الغريبة: خالط: امتزج. خياشيم: جمع خيشوم، وهو الأنف أو أقصاه. فا: المراد فاها. صهباء: الخمر. خرطوما: هي الخمر أو عصيرها. عقارا: هي الخمر =
[ ١ / ٦٥ ]
فَشَاذٌّ، أو الإضافة مَنْوِيَّة، أي: خياشيمها وفاها، واشترط في الإضافة أن تكون لغير الياء، فإن كان للياء أعربت بالحركات المقدَّرة، نحو: ﴿وَأَخِيْ هَارُونُ﴾ ١١، ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ ٢، و"ذو"٣ ملازمة للإضافة لغير الياء٤، فلا حاجة إلى اشتراط الإضافة فيها.
_________________
(١) = أيضا، سميت بذلك؛ لأنها تعقر شاربها. قرقفا: هي الخمر أيضا، وأراد بهذه الألفاظ ما تحمله من الأوصاف، ولم يرد بها مجرد الاسمية. المعنى: يصف تلك الخمرة الموصوفة بتلك الأوصاف كأنَّها امتزجت بريح خياشيم سلمى وريق فمها، حتى وصلت إلى تلك الجودة وعذوبة النكهة. الإعراب: خالط: فعل ماضٍ، والفاعل يعود على الماء الممزوج بالخمر في الأبيات السابقة. خياشيم: مفعول به لـ "خالط". فا: اسم معطوف على خياشيم. موطن الشاهد: "وفا". وجه الاستشهاد: مجيء "فا" معطوفا على خياشيم، وهو منصوب بالألف نيابة عن الفتحة، مع أنه غير مضاف في اللفظ إلى شيء، ومعلوم أن الأسماء الستة لا تُعرب بالحروف إلا إذا أضيفت، وقد بيَّن المؤلف في المتن أن هذا النصب بالألف إما أن يكون شاذا، أو أنه مضاف إلى ضمير محذوف عائد إلى المحبوبة كما بيَّن. ١ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٣٤. موطن الشاهد: ﴿أَخِيْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أخ" اسما مرفوعا وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وقد أعرب الاسم -هنا- بالحركة المقدَّرة؛ لأنه أضيف إلى ياء المتكلم كما جاء في المتن. ٢ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٥. موطن الشاهد: ﴿وَأَخِيْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أخ" معربا بالحركة المقدرة على ما قبل الياء، كما في الآية السابقة؛ لِإضافته إلى ياء المتكلم. ٣ قال الدنوشري: وزنها فَعَل بالتحريك عند سيبويه، ولامها ياء، وبالسكون عند الخليل، ولامها واو. حاشية يس على التصريح: ١/ ٦٣. ٤ اعلم أولا أنهم أرادوا أن يصِفوا بأسماء الأجناس -أي أرادوا أن يجعلوا أسماء الأجناس صفات- فلم يتيسر لهم ذلك؛ لأن النعت لِا يكون مشتقا أو مُؤَوَّلا بالمشتق، فاتخذوا كلمة "ذو" وصلة وذريعة إلى الوصف باسم الجنس، والتزموا إضافتها إلى اسم جنس غير وصف؛ لأنه لو كان اسم الجنس وصفا لما احتيج في الوصف به إلى وصْلة، ومن هنا تعلم أن "ذو" لا تضاف إلى الأعلام، ولا إلى الضمائر، ولا إلى الصفات، ولا إلى الجمل، وقد وردت إضافتها إلى العلم قليلا في نحو "أنا الله ذو بكة"، أي: "أنا صاحبها، وبكة لغة في مكة"، وورد إضافتها إلى الضمير شذوذا في قول الشاعر: إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه ووردت إضافتها إلى جملة شذوذا أيضا، في نحو قولهم "اذهب بذي تسلم". شرح التصريح: ١/ ٦٣، ابن عقيل "تحقيق: البقاعي": ١/ ٤٨.
[ ١ / ٦٦ ]
وإذا كانت "ذو" موصولة لزمتها الواو١، وقد تعرب بالحروف٢ كقوله٣: [الطويل]
٧- فحسبي من ذي عندَهم ما كفانيا٤
_________________
(١) ١ أي غالبا في أحوالها المختلفة، وتكون مبنية على السكون في محل رفع أو نصب أو جر. ٢ وذلك مثل إعراب "ذي" بمعنى صاحب. ٣ هو منظور بن سحيم بن نضلة الأسدي الفقعسي: شاعر جاهلي مقلٌّ، أدرك الإسلام، وكان يسكن بالكوفة، ويعد من شعراء الحماسة. المرزباني: ٣٧٤-٣٧٥، والإصابة: ٣/ ٥٠٣. ٤ تخريج الشاهد: هذا بيت من كلمة للشاعر منها: ولست بهاجٍ في القرى أهل منزل على زادهم أَبكي وأُبكي البواكيا فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذي عندَهم ما كفانيا وإما كرام معسرون عذرتهم وإما لئام فادخرت حيائيا وعرضي أُبقِي ما ادخرت ذخيرة وبطني أطويه كطي ردائيا والبيت الشاهد: من شواهد التصريح: ١/ ٦٣، وابن عقيل "٤/ ١/ ٤٥" والأشموني "١٠٠/ ١/ ٧٢"، والمغني "٧٥٨/ ٥٣٥"، وشرح المفصل: ٣/ ١٣٨، والمقرب لابن عصفور: ٣، وشرح العيني: ١/ ١٢٧، ٤٣٦، وشرح السيوطي: ٢٨١، وهمع الهوامع: ١/ ٨٤، والدرر اللوامع: ١/ ٥٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١١٥٨. المفردات الغريبة: كرام: جمع كريم، وأراد به الشريف النسب. موسِرُون: ذوو غنىً وميسرة، ولديهم ما يقدمون للضيوف. معسِرُون: ذَوُو ضيق وعسرة، لا يجدون ما يقدمونه لضيوفهم مع كريم نفوسهم وطيب محتدهم. المعنى: هؤلاء الناس الذين حللت في ديارهم، وأَمِنت بجوارهم، إما أن يكونوا كراما أثرياء، وما يعطوني إياه يكفيني وحسبي ذلك ولا أريد زيادة عليه. =
[ ١ / ٦٧ ]
وإذا لم تفارق الميم الفم أعرب بالحركات١.
فصل: والأفصح في الهن النقص، أي: حذف اللام، فيعرب بالحركات٢ ومنه الحديث: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بهن أبيه ولا تكنوا"٣ ويجوز
_________________
(١) = الإعراب: إما: حرف شرط وتفصيل. كرام: إما فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إما قابلني كرام، ويمكن أن يكون -في هذه الحال- خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: فالناس إما كرام، دليل ذلك في البيت التالي: وإما لئام، والأول أفضل؛ لأنه جارٍ على القياس. موسرون: صفة لكرام: لقيتهم: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها مفسرة. فحسبي: الفاء واقعة في جواب الشرط، حسب: اسم بمعنى كافٍ خبر مقدم، والياء: مضاف إليه. من حرف جر. ذي: اسم موصول بمعنى الذي مجرور بمن، والجار والمجرور متعلقان بحسب. "عندهم" متعلق بمحذوف الصلة، وهم: مضاف إليه. ما: اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ مرفوع مؤخر. كفانيا: فعل ماضٍ وفاعله هو، والنون للوقاية، والياء: مفعول به، وجملة "كفانيا": لا محل لها؛ لأنها صلة للموصول. موطن الشاهد: "ذي". وجه الاستشهاد: مجيء "ذي" اسما موصولا بمعنى "الذي"، معربا مجرورا بالياء في لغة طيء، مثل "ذي" بمعنى صاحب، وروي البيت على: "من ذو" على أنها مبنية على سكون الواو بمعنى الذي؛ لأنها في محل جر بمن، ومعلوم أن "ذو" الذي بمعنى الذي تكون في الرفع والنصب والجر على لفظ واحد، وكذا بالنسبة إلى المذكر والمؤنث. ١ تستعمل كلمة "فم" بالميم مضافة، نحو قوله ﷺ: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ونحو قول الراجز: يصبح ظمآن وفي البحر فمه. وتستعمل مقطوعة عن الإضافة كقولهم: "هند أطيب الناس فَمَا" وقد استعمله الشاعر مقصورا مثل الفتى والعصا في قوله: يا حبذا وجه سليمي والفَمَا والجيد والنحر وثدي قد نما ووجه الدلالة، أنه لو كان صحيح الآخر، لكان بضم الميم. التصريح: ١/ ٦٤. والأشموني مع حاشية الصبان: "١/ ٧٣". ٢ أي الظاهرة على النون، فتقول هذا هنك، ورأيت هنك ونظرت إلى هنك. ٣ حديث نبوي شريف أخرجه في مصابيح السنة "١/ ١٠٨" عن أبي بن كعب ﵁ بهذا اللفظ في باب الحسان. وأخرجه أحمد "٥/ ١٣٦" عن أبي بألفاظ مختلفة وهو في شرح التسهيل وتعزي "بوزن تجلي": أي انتسب وانتمى، وهو الذي يقول "يا لفلان" ليخرج الناس "١/ ٤٧" معه إلى القتال في الباطل. أعضوه -بهمزة قطع وكسر العين وتشديد الضاد: أي قولوا له: "اعضض على هنِ أبيك" ومعنى لا تكنوا: قولوه بلفظه الصريح استهزاء به، واحتقارا لما دعاكم إليه. موطن الشاهد: "الهن". وجه الاستشهاد: استعمال "الهن" منقوصا معربا بالحركات الظاهرة، بعد أن حذفت لامه، أي واوه، وهذا الوجه الأفصح لاستعمال هذا الاسم.
[ ١ / ٦٨ ]
النقص في الأب والأخ والحم، ومنه قوله: [الرجز]
٨- بأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم٢
_________________
(١) ١ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: يمدح الشاعر في هذا البيت عدي بن حاتم الطائي، وقبل الشاهد قوله: أنت الحليم والأمير المنتقم تصدع بالحق وتنفي من ظلم والشاهد من شواهد: ابن عقيل "٥/ ١/ ٥٠" والأشموني "١٥/ ١/ ٢٩"، والتصريح: ١/ ٦٤، وشرح العيني: ١/ ١٢٩، وملحقات ديوان رؤبة: ١٨٢، وأمثال الميداني: ٢/ ٣٣٣. المفردات الغريبة: عدي: أراد عدي بن حاتم الطائي المشهور بالكرم والجود. اقتدى: جعله قدوة وأسوة. فما ظلم: أراد ما ظلم أباه ولا أمه، فجاء على مثال أبيه. المعنى: يصف الشاعر عدي بن حاتم، بأنه اقتدى بأبيه، وسلك طريقه في الجود والكرم، فدل بذلك على أنه ابنه حقيقة، ومن شابه أباه في صفاته وأفعاله، لم يظلمه بتضييع صفاته وحقوقه عليه أو يكون المراد: ما ظلم أمه باتهامها فيه؛ لأنه جاء على مثال أبيه. موطن الشاهد: "بأبه". وجه التشبه: استعمال "أب" منقوصا مجرورا، وعلامة جره الكسرة الظاهرة في الأول، ومنصوبا وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في "أبه" الثاني مع أنهما مضافان إلى ضمير الغائب، وهذه اللغة من لغات العرب في الأسماء الستة، يعربونها بالحركات وإن كان مضافة إلى غير ياء المتكلم، وتسمى هذه اللغة لغة النقص، وهي لغة تميم. وأما إعراب تلك الأسماء بالحروف "الواو، الألف، الياء" فعلى لغة الإتمام، وفي هذه الأسماء لغة ثالثة في الشاهد التالي، وتسمى لغة القصر.
[ ١ / ٦٩ ]
وقول بعضهم١ في التثنية: "أبان" و"أخان". وقصرهن أولى من نقصهن كقوله٢: [الرجز]
٩- إن أباها وأبا أباها٣
_________________
(١) ١ قياسا على لغة النقص، حيث إن "أبان، وأخان" مثنى "أب وأخ" من دون النظر إلى اللام المحذوفة، كما قيل في تثنية: "يد ودم": يدان، ودمان. وعلى هذا، فيقال في جمعه جمع المذكر السالم -مع أنه ليس وصفا ولا علما- أبون، وأبين، ومنه قول زياد بن واصل السلمي: فلما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالأبين وذكر صاحب "التصريح" عن أبي العباس، أحمد بن يحيى ثعلب: "العرب تقول: هذا أبوك، وتقول: هذا أباك، وتقول: هذا أبك، فمن قال: هذا أبك، قال في التثنية: هذان أبان". انظر شرح التصريح: ١/ ٦٥. ٢ ينسب هذا الشاهد إلى أبي النجم، الفضل بن قدامة بن عبيد العجلي، أحد بني بكر بن وائل وهو مبرز في الرجز، ومجيد في القصيد، يفضلونه على العجاج في النعت. منزله بسواد الكوفة، وكان له اتصال بهشام بن عبد الملك، وضعه ابن سلام في الطبقة التاسعة في الإسلاميين. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٠٣ والجمحي: ١٤٩، والمرزباني: ٣١٠، والآلي: ٣٢٧. والأغاني: ٩/ ٧٣. ٣ تخريج الشاهد: اختلف في نسبة الشاهد، فقد نسبه بعض النحاة إلى رؤبة بن العجاج، وزعم العيني أن أبا زيد رواه بسند عن أبي الغول منسوبا إلى بعض أهل اليمن من غير تعيين، وفي نوادر أبي زيد "ص٥٨" أبيات على قافية هذا الشاهد ترتفع روايته لها إلى أبي الغول الطهوي، ولكن الشاهد ليس منها. ويروي النحاة قبل الشاهد: واهًا لريا ثم واها واها هي المنى لو أننا نلناها يا ليت عيناها لنا وفاها بثمن نرضي به أباها إن أباها وأبا أباها قد بلغ في المجد غايتاها والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٦٥، وابن عقيل "٦/ ١/ ٥١"، والأشموني "١٦/ ١/ ٢٩" وهمع الهوامع: "١/ ٣٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٢، والعيني: ١/ ١٣٣. ٣/ ٣٤٦، والإنصاف: ١/ ١٨، ومغني اللبيب: "٥٢/ ٥٨"، "١٩٦/ ١٦٦"، "٣٩٥/ ٢٨٦"، وشرح المفصل: "١/ ٥١"، ٣/ ١٢٩"، والمقرب: ٨١، وخزانة الأدب: ٣/ ٣٣٧، وشرح السيوطي: ١٩٩.
[ ١ / ٧٠ ]
وقول بعضهم: "مُكْرَهٌ أخاك لا بطل"١.
_________________
(١) = المفردات الغريبة: المجد: العز والشرف. وأراد بالغايتين: المبتدأ والمنتهى تغليبا، أو غاية المجد في النسب، وغايته في الحسب. المعنى: يصف الشاعر والد محبوبته وجدَّها، بأنهما بلغا الغاية والمنتهى في الشرف، والمجد والسؤدد. الإعراب: أباها: اسم "إن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدَّرة على الألف للتعذر، و"أبا" مضاف و"ها" مضاف إليه. وأبا: الواو عاطفة. "أبا": معطوف على "أباها" منصوب كذلك. أباها: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة المقدَّرة على الألف. غايتاها: مفعول به لفعل بلغ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدَّرة على الألف للتعذر، وهذا على لغة من يلزم المثنى الألف، و"ها": مضاف إليه، وهو ضمير عائد إلى المجد، وأُنِّث باعتبار الصفة أو الرتبة، والمراد بالغايتين: المبدأ والنهاية، أو غاية المجد في النسب، وغايته في الحسب كما أشرنا وقيل: الألف بعد التاء للإشباع لا للتثنية. ضياء السالك: ١/ ٥٥. موطن الشاهد: "أباها". وجه الاستشهاد: مجيء "أباها" على لغة القصر في الأسماء الستة، وهذا ظاهر في "أباها" الثالثة؛ لأنه في موضوع جر بإضافة "أبا" الثانية إليه، وأما "أباها" الأولى والثانية فنستدل على مجيئهما على لغة القصر بالقرينة. ويمكن أن نعدهما على لغة الإتمام؛ لأنهما منصوبان، فيكون نصبهما بالألف، وأما على لغة القصر فعلامة نصبهما الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وإذا عددنا الثالثة مسوقة على لغة القصر، والأولى والثانية مسوقتين على لغة الإتمام، يكون ذلك من باب التلفيق، وهذا لا يكون في اللغات على الأغلب. ١ هذا مثل مشهور من أمثال العرب، ذكره الميداني مرتين، إحداهما في حرف الميم: ٢/ ٣١٨ برقم "١١٧"، والثانية في حرف الثاء أثناء شرح قولهم في المثل: شكل أرأمها ولدا: ١/ ١٥٢ برقم "٧٧١". ويضرب للرجل، يحمله غيره على ما ليس من شأنه. وقصة هذا المثل: أن رجلا يدعى أبا حنش، قال له خاله -وقد بلغه أن ناسا من أشجع في غار يشربون وهم قاتلون إخوته: "هل لك في غارٍ فيه ظباء لعلنا نصيب منها؟ وانطلق به حتى أقامه على فم الغار، ثم دفعه في الغار، فقال: ضربا أبا حنش، فقال بعضهم: إن أبا حنش لبطل، فقال أبو حنش: مكرهٌ أخاك لا بطل. وقيل: إن أول من قاله عمرو بن العاص لما عزم عليه معاوية ليخرجن إلى مبارزة علي ﵄فلما التقيا، قال عمرو: مكره أخاك لا بطل، فأعرض علي عنه. موطن الشاهد: أخاك". وجه الاستشهاد: مجيء "أخاك" بالألف، وهو في موضع رفع، فدل ذلك على مجيئه على لغة القصر، حيث يعرب بالحركات المقدرة على الألف.
[ ١ / ٧١ ]
وقولهم للمرأة "حماة"١.
_________________
(١) ١ ومن ذلك قول الراجز. إن الحماة أولعت بالكنة وأولعت كنتها بالهنه ووجه الاستدلال: أنهم إذا قالوا للأنثى: "حماة" فإنهم يقولون للمذكر حما - بألف مقصورة؛ لأن صيغة المؤنث هي صيغة المذكر، بزيادة تاء التأنيث، فلما اتصلت التاء، نقل الإعراب من الألف إليها وظهر؛ لأنها حرف صحيح، والمذكر على أصله، فيقدر الإعراب فيه، ونظير ذلك فتى وفتاه وحاصل ما ذكره المؤلف من اللغات في الأسماء الستة أن هذه الأسماء على ثلاثة أضرب: ضرب فيه لغة واحدة وهو "ذو بمعنى صاحب، و"الفم" إذا فارقته الميم. وضرب فيه لغتان النقص والإتمام، وهو "الهن". وضرب فيه ثلاث لغات: الإتمام والقصر، والنقص، وهو ثلاثة ألفاظ، الأب. والأخر، والحم. التصريح: ١/ ٦٥، ابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ٤٦. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٧١-٧٢.
[ ١ / ٧٢ ]
[الباب الثاني: إعراب المثني وما ألحق به] .
الباب الثاني: المثنى: وهو: ما وضع لاثنين وأغنى عن المتعاطفين١.
_________________
(١) ١ يعرفونه بأنه اسم، يدل على اثنين، متفقين في الحركات، والحروف، والمعنى، بسبب زيادة في آخره، تغني عن العاطف والمعطوف، وهذه الزيادة هي: الألف والنون المكسورة رفعا، أو الياء المفتوحة والنون المكسورة نصبا وجرا، ويشترط في كل ما يثنى ثمانية شروط: أحدها: الإفراد، فلا يثنى المثنى، ولا المجموع على حده ولا الجمع الذي لا نظير له في الآحاد. الثاني: الإعراب: فلا يثنى المبني وأما نحو ذان وتان واللذان واللتان، فصيغ موضوعة للمثنى وليست مثناة حقيقة على الأصح، عند جمهور البصريين. الثالث: عدم التركيب، فلا يثنى المركب تركيب إسنادٍ اتفاقا، ولا مزج على الأصح، وأما المركب تركيب إضافة مع الأعلام فيستغنى بتثنية المضاف عن تثنية المضاف إليه. الرابع: التنكير، فلا يثنى العلم باقيا على علميته بل ينكر ثم يثنى. الخامس: اتفاق اللفظ، وأما نحو: الأبوان للأب والأم، فمن باب التغليب. السادس: اتفاق المعنى، لا يُثَنَّى المشترك ولا الحقيقة والمجاز، وأما قولهم: القلم أحد اللسانين فشاذٌّ. السابع: أن لا يستغنى عنه بتثنية غيره. الثامن: أن يكون له ثانٍ في الوجود. التصريح: ١/ ٦٧. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ١/ ٧٥-٧٦.
[ ١ / ٧٢ ]
كالزيدان والهندان، فإنه يرفع بالألف، ويجر وينصب بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها١.
وحملوا عليه أربعة ألفاظ: "اثنين" و"اثنتين" مطلقا، و"كلا"، "كلتا" مضافين لمضمر، فإن أضيفا إلى ظاهر لزمتهما الألف.
_________________
(١) ١ هذا الإعراب هو أشهر الأقوال وأقواها ويحسن الاقتصار عليه، ومن العرب من يلزم المثنى وملحقاته الآتية -غير كلا وكلتا- الألف في جميع الأحوال، ويعرب بحركات مقدرة عليها إعراب المقصور، وهذه لغة كنانة وبني الحارث وبنى العنبر وبنى هجيم وغيرهم وعليه خرج قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾، وقوله ﷺ: "لا وتران في ليلة". ومنه قول الشاعر: تزوَّد منَّا بين أذناه طعنة دعته إلى هابي التراب عقيم التصريح: ١/ ٦٨. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٧٩.
[ ١ / ٧٣ ]
[الباب الثالث: إعراب جمع المذكر السالم وما ألحق به]:
الباب الثالث: باب جمع المذكر السالم١، كالزيدون والمسلمون؛ فإنه يرفع بالواو، ويجر وينصب بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها.
ويشترط في كل ما يجمع هذا الجمع ثلاثة شروط٢:
أحدها: الخلو من تاء التأنيث، فلا يُجمع نحو "طلحة" و"علامة"٣. الثاني.
_________________
(١) ١ هو ما يدل على أكثر من اثنين، بزيادة واو ونون في حالة الرفع، وياء ونون في حالتي النصب والجر، ويشترط فيه ما اشترط في المثنى؛ من الإعراب والإفراد والتنكير إلخ. ٢ الذي يجمع هذا الجمع نوعان: العلم والصفة، ولذلك مثل بمثالين، ولكلٍّ شروط؛ وهذه الشروط علاوة على الشروط الثمانية السابقة. ٣ لئلا يجتمع علامتا "التأنيث والتذكير" والعبرة في التأنيث، ليست بلفظة، ولكن بمعناه، فإذا جاءت كلمة "سعاد" أو "هند" علما مذكرا واشتهر بذلك، فإنها، تجمع جمع مذكر سالما.
[ ١ / ٧٣ ]
أن يكون لذكر، فلا يجمع نحو "زينب" و"حائض". الثالث: أن يكون لعاقل، فلا يجمع نحو "واشق" علما لكلب، و"سابق" صفة لفرس.
ثم يشترط أن يكون إما علما١ غير مركب تركيبا إسناديا ولا مزجيا، فلا يجمع نحو "برق نحره" و"معد يكرب" وإما صفة تقبل التاء أو تدل على التفضيل نحو "قائم" و"مذنب" و"أفضل" فلا يجمع نحو "جريح" و"صبور" و"سكران" و"أحمر".
[ما ألحق بجمع المذكر السالم]:
وحملوا على هذا الجمع أربعة أنواع٢:
أحدها: أسماء جموع، وهي: أولو، وعالمون، وعشرون، وبابُهُ.
والثاني: جموع تكسير، وهي: بنون، وحرون، وأرضون، وسنون، وبابُهُ، فإن هذا الجمع مطَّرد في كل ثلاثي حذفت لامُهُ وعوض عنها هاء التأنيث ولم يكسر، نحو: عِضَة٣ وعِضِين، وعِزَة٤ وعِزِين، وثُبَة وثُبِين، قال الله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي
_________________
(١) ١ يشترط في العلم خاصة أن يكون غير مركب تركيبا إسناديا "كجاد الحق"، وبرق نحره" لأن المحكي لا يغير، أو مزجيا على الأصح "كبختنصر" تشبيها له بالمحكي، وكذلك يشترط في الصفة خاصة أحد أمرين، قبولها التاء المقصود بها معنى التأنيث، فلا يجمع نحو علامة ونسابة؛ لأن التاء فيهما؛ لِتأكيد المبالغة، لا لقصد معنى التأنيث. التصريح: ١/ ٧١. ٢ هذه الأنواع تعرب بإعراب، وليست جمعا حقيقيا؛ لأنها فقدت بعض شروط الجمع، وأكثرها سماعي لا يُقاس عليه. ٣ أصل عضة: عضه بالهاء من العضه وهو الكذب والبهتان، وفي الحديث: "لا يعضَهْ بعضكم بعضا" وقيل أصله: عضو من قولهم عضيته، إذا فرقته، ومنه قول رؤبة: وليس دين الله بالمعضي أي: المفرق، فعلى الأول لامها هاء، ويدل له تصغيرها على عضيهة وعلى الثاني واو ويدل له جمعها على عضوات، فكل من التصغير والجمع يردان الشيء إلى أصله. التصريح: ١/ ٧٣و ٧٤. ٤ العزة: بكسر العين وفتح الزاي، أصلها: عَزَيَ، فلامها ياء وهي الفرقة من الناس، والعزين: الفرق المختلفة؛ لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى.
[ ١ / ٧٤ ]
الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِين﴾ ١، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِين﴾ ٢، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِين﴾،٣ ولا يجوز ذلك في نحو تمرة لعدم الحذف، ولا في نحو "عدة" و"زنة" لأن المحذوف الفاء، ولا في نحو "يد" و"دم"٤، وشذ أبون وأخون، ولا في اسم وأخت وبنت لأن العوض غير التاء، وشذ بنون، ولا في نحو شاة وشفة لأنهما كسِّرا على شياه وشفاه.
والثالث: جموع تصحيح لم تستوفِ الشروط: كأهلون ووابلون؛ لأن أهلا ووابلا ليسا علمين ولا صفتين؛ ولأن وابلا لغير عاقل.
والرابع: ما سمي به من هذا الجمع وما ألحق به٥: كعليون وزيدون مسمى
_________________
(١) ١ "٢٣" سورة المؤمنون، الآية: ١١٢. موطن الشاهد: ﴿سِنِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "سنين" ملحقا بجمع المذكر السالم؛ لأنه من جموع التكسير من الثلاثي المحذوفة لامه والمعوض عنها هاء التأنيث؛ لأن المفرد منه سنة، وأصلها سنو أو سنه أي. لامها واو أو هاء؛ لِقولهم: سنوات وسنهات. ٢ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٩١. موطن الشاهد: ﴿عِضِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عضين" اسما ملحقا بجمع المذكر السالم؛ لأنه من الثلاثي المحذوفة لامه، والمعوض عنها هاء التأنيث، و"عضين" جمع عضة، والتي أصلها: عضه بالهاء، من العضه، وهو الكذب والبهتان. ٣ "٧٠" سورة المعارج، الآية: ٣٧. موطن الشاهد: ﴿عِزِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عزين" اسما ملحقا بجمع المذكر السالم؛ لِما ذكر في الآية السابقة، و"عزين" جمع "عِزَة" وأصلها: عَزَيَ فلامها ياء، وهي الفرقة من الناس، والعزين: الفرق المختلفة؛ لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى كما أشرنا. ٤ لعدم التعويض، من لامها المحذوفة، وأصلها يدي ودمي. ٥ ومثله إذا سمي شخص، أو مكان باسم مشتمل على علامة التثنية، مثل: حسنين وزيدين، فإن هذا الاسم ليس مثنى حقيقة؛ لأن مدلوله فرد واحد، وقد ألحقه العرب بالمثنى، فأعربوه في أشهر لغاتهم كإعراب المثنى: بالألف رفعا، وبالياء نصبا وجرا، ومن العرب من يلزمه الألف في الاحوال كلها، ويعربه بالحركات الظاهرة على النون كإعراب ما لا ينصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، وإذا اقترنت به "أل" جروه بالكسرة، كما في قول ابن أحمر: ألا يا ديار الحي بالسَّبُعانِ أمل عليها بالبلى المَلَوَانِ والسَّبُعان: اسم موضع، نقل من تثنية سبع. التصريح: ١: ٦٨و ٦٩.
[ ١ / ٧٥ ]
به، ويجوز في هذا النوع أن يجري مجرى "غسلين" في لزوم الياء الإعراب بالحركات على النون منونة١، ودون هذا أن يجري مجري عربون في لزوم الواو والإعراب بالحركات على النون منونة، كقوله٢: [الخفيف]
١٠- واعترتني الهموم بالماطرونِ٣
_________________
(١) ١ هنا: إذا لم يوجد ما يمنع التنوين، ككونه أعجميا، مثل "قنسرين" اسم بلد بالشام، أو وجود "أل" في أوله، أو الإضافة في آخره، وإلا فإنه يعرب على النون من غير التنوين. التصريح: ١/ ٧٥، وضياء السالك: ١/ ٦٤. ٢ القائل: هو: أبو دهبل الجمحي، وهب بن زمعة بن أسيد أحد بني جمح، شاعر محسن جميل الخلقة، عفيف النفس، قال شعره في آخر خلافة علي بن أبي طالب ﵁، ومدح معاوية، وكان أكثر شعره في عبد الله بن عبد الرحمن الأزرق والي اليمن. الشعر والشعراء: ٢/ ٦١٤، والاشتقاق: ٨١، والمؤتلف: ١١٧، والأغاني: ٦/ ١٤٩. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: طال ليلي وبتُّ كالمجنونِ ونسب الجوهري البيت إلى عبد الرحمن بن حسان، ويظن أن البيت من قصيدة لأبي دهبل، ومنها: طال ليلي وبتُّ كالمحزونِ ومللت الثواء في جيرونِ وأطلت المقام بالشام حتى ظن أهلي مرجَّمات الظنونِ فبكت خشية التفرق جُملٌ كبكاء القرين إثرَ القرينِ والشاهد: من شواهد التصريح: ١/ ٧٦. المفردات الغريبة: اعترتني: غشيتني ونزلت بي. الهموم: الأحزان، الماطرون: وهو في الأصل جمع ماطر على غير قياس، ثم سُمي به موضع بالشام. المعنى: طال ليل الشاعر المهموم؛ لِبعده عن أحبابه، وتذكره لهم في ذلك المكان الذي حلت الأحزان والهموم عليه فيه. الإعراب: طال: فعل ماضٍ، ليلى: فاعل ومضاف إليه، وبت: الواو حرف عطف. بات: فعل ماضٍ تام -وهو الأفضل- وتاء المتكلم فاعله. "كالمجنون": متعلق بمحذوف حالٍ من ياء المتكلم، ويجوز عدُّ "بات" فعلا ناقصا و"الجار والمجرور": متعلقا بخبره المحذوف. واعترتني: الواو حرف عطف، اعترى: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والنون للوقاية، وياء المتكلم، مفعول به مبني على السكون في محل نصب مفعول به. الهموم: فاعل مرفوع. "بالماطرون": متعلق بـ "اعترى". موطن الشاهد: "الماطرون". وجه الاستشهاد: مجيء "الماطرون" جمع مذكر سالم مسمى به، فلزمته الواو، غير أنه أعرب بالكسرة الظاهرة على النون كالاسم المفرد، ولم ينون لوجود "أل" فيه، وحكم هذا الجمع كالاسم الذي آخره واو ونون، نحو: زيتون وعربون، فعلامة رفعه الضمة على آخره، وعلامة نصبه الفتحة، وعلامة جره الكسرة.
[ ١ / ٧٦ ]
دون هذه أن تلزمه الواو وفتح النون١،وبعضهم يجري بنين وباب سنين مجري غسلين، قال: [الوافر]
١١ وكان لنا أبو حسن عليٌّ أبا برٍّ، ونحن له بنينُ٣
_________________
(١) ١ من العرب من يلزم هذا النوع الواو ويلزمه مع ذلك فتح النون في مختلف الأحول، ذكر ذلك السيرافي، وزعم أن ذلك صحيح من كلام العرب، وجعل النحاة هذه اللغة نظير اللغة التي تُلزِم المثنى الألف وكسر النون في الأحوال كلها، وعلى ذلك يكون رفع جمع المذكر السالم ونصبه وجره بضمة أو فتحة أو كسرة مقدرة على الواو، منع من ظهورها الثقل في الرفع والجر، معاملة المنصوب معاملة المرفوع والمجرور في حالة النصب، وقد اعتُرِض على ذلك باعتراضين، أحدهما: أنه يلزم على ذلك تقدير الإعراب في وسط الكلمة، وثانيهما: أن يكون في الأسماء ما آخره واو -قبلها ضمة- تقدر عليها حركات الإعراب، ولا نظير لذلك في العربية. التصريح: ١/ ٧٦، وضياء السالك: ٦٥. ٣ القائل هو سعيد بن قيس: أحد بني زيد بن قريب من همدان، فارس من الدهاة الأجواد، ومن سلالة ملوك همدان، كان خاصا بعلي بن أبي طالب ﵁، وقاتل معه يوم صفين، وكان إليه أمر همدان بالعراق، وإليه نسبة السعيديين باليمن، مات سنة ٥٠هـ. الأعلام: ٣/ ١٠٠، الإكليل: ١٠/ ٤٦-٥٠.
[ ١ / ٧٧ ]
_________________
(١) = تخريج الشاهد: نسب بعض النحاة البيت إلى أحد أبناء علي بن أبي طالب، ولم يعينوه، والأرجح ما ذكرناه فالشاهد ضمن أبيات، يقولها سعيد لمعاوية بن أبي سفيان، وقبله قوله: ألا أبلغ معاوية بن حرب ورجم الغيب يكشفه اليقينُ بأنا لا نزال لكم عدوا طوال الدهر ما سمع الحنينُ والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٧٧، وخزانة الأدب: ٣/ ٤١٨، وشرح العيني: ١/ ١٥٦. المفردات الغريبة: أبو حسن: كنية سيدنا علي، كني بابنه الحسن من السيدة فاطمة بنت الرسول ﵊. برا: محسنا عطوفا. المعنى: يبين الشاعر ولاءهم لعلي -كرم الله وجهه- وأنهم ما زالوا على العهد بعد وفاته، ويندد بمعاوية حيث يقول: كان علي -كرم الله وجهه- برا بهم محسنا إليهم، وأنه كان يعاملهم معاملة الآباء الرحماء، فقابلوا ذلك بالطاعة والعرفان؛ لأنهم لا يزالوان على العهد. الإعراب: كان: فعل ماضٍ ناقص. "لنا" متعلق بمحذوف حال من قوله: "أبًا برًا"؛ لأنه متقدم عليه، ويمكن أن يتعلق بـ "كان". أبو: اسم كان مرفوع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة. حسن: مضاف إليه. علي: بدل أو عطف بيان من "أبو حسن". أبًا: خبر كان منصوب. برًا: صفة لقوله: أبًا. ونحن: الواو حالية، نحن: ضمير منفصل مبتدأ. "له" متعلق بمحذوف حال، من قوله: "بنين" الآتي. بنين: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه -هنا- الضمة الظاهرة، وجملة المبتدأ، والخبر في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "بنين". وجه الاستشهاد: مجيء "بنين" بالياء، على الرغم من كونها في محل رفع؛ لأنها خبر، وجعل علامة الإعراب الضمة الظاهرة على لغة بعض العرب، وإن لم تكن علما، كما يقال في "غسلين"، و"يقطين" ونحوهما من الأسماء المفردة التي آخرها نون قبلها باء. وحكى الفراء هذه اللغة عن بني عامر وبني تميم، إلا أن بني عامر ينونون الحركات الثلاث فيقولون: هؤلاء بنين بررة، وما رأيت بنينا بررة، ولقد أعجبت ببنين بررة، وذكر أن بني تميم، لا ينونون، وذكر في شرح التسهيل: أن الظاهر من كلام ابن مالك، أن بني تميم يجرون هذا النوع بالكسرة الظاهرة من غير تنوين، والذي يفهم من كلام الفراء السابق، أنهم يجرونه بالفتحة نيابة عن الكسرة، ويعاملونه معاملة الإسم الذي لا ينصرف. التصريح: ١/ ٧٧.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال١: [الطويل]
١٢- دعاني من نجد فإن سِنِينَهُ٢
_________________
(١) ١ القائل هو: الصمة بن عبد الله بن الطفيل بن مرة بن هبيرة القشيري، من هوازن، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وجده ابن هبيرة، له صحبة بالنبي ﷺ - مات الصمة عندما كان مع المسلمين في غزو الديلم بطبرستان. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: لعبن بنا شيبا وشيبنا مردا وهو من كلمة للصمة، وكان قد خطب ابنة عمه، فاشتط عليه عمه في المهر، وبخل عليه أبوه، فخرج مغاضبا لأبيه وعمه، وارتحل إلى طبرستان فأقام بها حياته، فهو تارة يحن إلى نجد؛ لأن بها أحباءه، وتارة يذم نجدا، لما لاقى فيها من عمه وبخل أبيه، وأول هذه القصيدة، قوله: خليلي إن قابلتما الهضب أو بدا لكم سند الوركاء أن تبكيا جهدا سلا عبد لَعلَى حيث أوفى عشية خُزَازى ومَدَّ الطرف هل أُنسِيَ النجدا فما عن قلىً للنجد أصبحت ههنا إلى جبل الأوشال مستخبيا بَردا والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٧٧، وابن عقيل "٧/ ١/ ٦٥"، والأشموني "٢٦/ ١/ ٣٧"، وأمالي ابن الشجري: "٢/ ٥٣"، وشرح المفصل: "٥/ ١١"، وشرح العيني: "١/ ١٦٩"، واللسان مادة "سنه". المفردات الغريبة: دعاني: أمر للاثنين من ودع يدع ودعا، أي: ترك: سنين: جمع سنة، ولعل المراد بها هنا الجدب وانقطاع المطر: الشيب: جمع أشيب. مردا: جمع أمرد، وهو من لم ينبت الشعر بوجهه. المعنى: يتحدث الشاعر عن أعوام الجدب والقحط التي مرت عليه وعلى قومه في نجد، وما لقوه من الجهد والإرهاق، ويطلب إلى صاحبيه أن يتركا ذكرى نجد، قائلا: دعاني من نجد وذكراها؛ فإن سني القحط فيه قد لعبت بشيبنا، وشيبت شبابنا الذين لم ينبت شعر ذقونهم بعد. الإعراب: دعاني: فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعل، والنون للوقاية، والياء: معفول به. اسم "إن" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والهاء: في محل جر بالإضافة. لعبن: فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر "إن" شيبا: حال من "نا" في "بنا" مردًا. حال من "نا" في "شيبننا". موطن الشاهد: "سنينه". وجه الاستشهاد: انتصاب "سنينه"؛ لأنه اسم "إن" وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على النون؛ لأن النون عُدت كأنها من أصل الكلمة، نحو: غسلين، ولهذا لم تحذف للإضافة. وجاء في الحديث الشريف: "اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف"، في رواية تنوين "سنينا"، ومعلوم أن مجيء النون في "سنين" من غير تنوين لإضافتها إلى الهاء. انظر حاشية الصبان على الأشموني: ١/ ٨٧.
[ ١ / ٧٩ ]
وبعضهم يطرد هذه اللغة في جمع المذكر السالم وكل ما حمل عليه١، ويخرج عليها قوله٢: [الخفيف]
١٣- لا يزالون ضاربين القباب٣
_________________
(١) ١ والصحيح عدم الاطراد، والاقتصار فيه على السماع. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: رب حي عرندس ذي طلالٍ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٧٧، والأشموني "٢٧/ ١/ ٣٧"، وهمع الهوامع: ١/ ٤٧، والدرر اللوامع: ١/ ٢٠ وشرح العيني: ١/ ١٧٦ ومغني اللبيب "١٠٩٧/ ٨٤٣". المفردات الغريبة: عرندس: قوي، ذو منعة وعزة، طلال: حسن وجمال هيئة، وهو اسم جنس جمعي لطلالة. القباب: الخيام، جمع قبة، وهي البيت من الأديم، وهذا كناية عن إقامتهم وثباتهم في بلادهم ويروى: لا يزالون ضاربين الرقاب وهو كناية عن الشجاعة. المعنى: إن كثيرا من الأقوياء، والوجهاء ذوي النفوذ والمنعة، لا يزالون مقيمين في مواطنهم الأولى، ويسكنون الخيام التي ألفوها واعتادوا السكنى فيها، ولم تُغْرِهم الحضارة ودعة العيش، أو تدفع بهم إلى ترك مساكنهم الأولى. الإعراب: رُبَّ: حرف جر شبيه بالزائد، حي: اسم مجرور لفظا، مرفوع محلا على أنه مبتدأ مرفوع، أو نقول: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. عرندس: صفة لـ "حي" مجرور مثله على اللفظ. ذي: صفة ثانية مجرورة بالياء بدل الكسرة؛ لأن "ذي" من الأسماء الستة. طلال: مضاف إليه: لا يزالون: "لا" نافية، يزالون: فعل مضارع =
[ ١ / ٨٠ ]
وقوله١: [الوافر]
_________________
(١) = ناقص، مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو: في محل رفع اسم "يزال". ضاربين. خبر منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على النون. القباب: مضاف إليه: وجملة: "لا يزالون ضاربين القباب": في محل رفع خبر المبتدأ المجرور لفظا "حي". موطن الشاهد: "ضاربين". وجه الاستشهاد: مجيء "ضاربين" منصوبا؛ لأنه خبر "لا يزالون" وقد أعرب بالحركة، وهي الفتحة الظاهرة على النون، والذي يدل على ذلك، عدم حذف النون للإضافة، أو عدم نصب القباب على أنه مفعول به لـ "ضاربين". وانظر حاشية الصبان: ١/ ٧٨. فائدة: للعرب خمس لغات في جمع المذكر السالم وما لحق به، هي: أ- أن يكون إعرابه بالواو في حالة الرفع، وبالياء المكسور ما قبلها في حالتي النصب والجر، وزيادة نون مفتوحة بعد الواو أو الياء عوضا عن التنوين في الاسم المفرد، وهذه هي اللغة الشائعة على ألسنة العرب، وأقواها. ب- أن يؤتى به بالواو في الأحوال الثلاثة، الرفع والنصب والجر، وإلحاق النون المفتوحة من غير تنوين، ويكون إعرابه بحركات مقدرة على الواو. ج- أن يؤتى به بالواو في الأحوال كلها، ويجعل إعرابه بحركات ظاهرة على النون مع التنوين، فتضم النون في حال الرفع، وتكسر في حال الجر، وتفتح في حال النصب. د أن يؤتى به بالواو في الأحوال جميعها، وبعدها نون غير منونة، فيكون إعرابه بحركات ظاهرة على النون غير المنونة. هـ- أن يؤتى به بالياء في الأحوال كلها، وتحرك النون منونة بحركات الإعراب، وكأنه اسم مفرد مختوم بياء ونون. أوضح المسالك "تحقيق: عبد الحميد": ١/ ٦٠-٦١. ١ هو: سحيم بن وثيل الرياحي: شاعر مخضرم معروف، عَده الجمحي في الطبقة الثالثة من الإسلاميين، وقال: "هو شاعر خنذيذ، وسحيم شاعر شريف مشهور الذكر في الجاهلية والإسلام جيد الموضع في قوله، عاش في الجاهلية أربعين سنة وفي الإسلام ستين، وهو صاحب البيت المشهور: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضعِ العمامةَ تعرفوني مات سنة ٦٠هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٤٣، والاشتقاق: ١٣٨، والجمحي: ١/ ١٢٩، والإصابة: ١/ ١٦٤، والخزانة: ١/ ١٢٣.
[ ١ / ٨١ ]
١٤- وقد جاوزت حد الأربعينِ١
[حركة نون المثنى وما ألحق به]:
نون المثنى وما حمل٢ عليه مكسورة، وفتحها بعد الياء لغة، كقوله٣: [الطويل]:
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وماذا تبتغي الشعراء مني وهو من شواهد التصريح: ١/ ٧٧، ٧٩، وابن عقيل "٩/ ١/ ٦٨"، والأشموني "٢٨/ ١/ ٣٨" وهمع الهوامع: ١/ ٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ٢٢، والمقتضب: ٣/ ٣٣٢، ٤/ ٧٧، وشرح المفصل: ٥/ ١١، ١٣، وخزانة الأدب: ٣/ ٤١٤، وشرح العيني: ١/ ١٩١، والجمحي: ١/ ٥٩، والأصمعيات: ١٩. المفردات الغريبة: تبتغي الشعراء، ويروى في مكانه "يدَّري الشعراء" بتشديد الدال، وهو مضارع ادَّراه، ومعناه: ختله وخدعه. المعنى: يتسائل الشاعر متعجبا: ما الذي يريده الشعراء مني حال كوني تجاوزت سن الأربعين، فجربت الأمور وخبرت الدهر، فلم أعد أُخدع، ولا يستطيع أحد أن ينال مني؟! الإعراب: ماذا: اسم استفهام في محل نصب مفعول به لـ "تبتغي"، أو ما: اسم استفهام مبتدأ، و"إذا": اسم موصول خبر، وعلى هذا فجملة "تبتغي": صلة للموصول، لا محل لها. الشعراء: فاعل تبتغي. حد: مفعول به. الأربعين: مضاف إليه مجرور وعلامة جره -هنا- الكسرة الظاهرة على النون. موطن الشاهد: "الأربعين". وجه الاستشهاد: مجيء "الأربعين" وهو من ألفاظ العقود معربا مجرورا وعلامة جره الكسرة الظاهرة على النون، مع لزوم الياء فيه، وقيل إنه معرب بالحروف، وهو مجرور بالياء -هنا- نيابة عن الكسرة؛ لأنها ملحق بجمع المذكر السالم -على أصله- وكسر النون فيه لغة. ٢ يدخل في ذلك: ما سُمي به، وما ثُنِي على سبيل التغليب، واثنان واثنتان وغيرهما إلخ. ٣ القائل هو: حميد بن ثور الهلالي، أبو المثنَّى، أحد بني عامر بن صعصعة، شاعر مخضرم مجيد فصيح، قال عنه صاحب الإصابة: "كان أحد الشعراء الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه، وفد على النبي ﷺ، ومات في خلافة عثمان ﵁ =
[ ١ / ٨٢ ]
١٥- على أحوذيين استقلت عشية١
_________________
(١) الشعر والشعراء: ١/ ٣٩٠، والاستيعاب: ١٤١، وأسد الغابة: "٢/ ٥٣، والإصابة: ٢/ ٣٩. تخريج الشاهد: هذا صدر بيت للشاعر يصف فيه القطاة، وعجزه قوله: فما هي إلا لمحة وتغيب. والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٧٨، وابن عقيل "١/ ١/ ٦٩"، والأشموني: "٣/ ١/ ٣٩" وهمع الهوامع: "١/ ٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ٢١، وشرح المفصل: ٤/ ١٣١، والمقرب: ١٥٩، وشرح العيني: ١/ ١٧٧، وديوان حميد بن ثور: ٥٥. المفردات الغريبة: الأحوذيان: مثنى أحوذي، وأصله: الخفيف في المشي، والمراد هنا جناحا القطاة. استقلت: ارتفعت في الجو. عشية: ما بين الزوال إلى الغروب، لمحة: نظرة سريعة. المعنى: يصف الشاعر سرعة القطاة وخفتها، فهي قد ارتفعت في الجو بوساطة جناحين خفيفين سريعين في الحركة وقت العشية، فما يكاد الناظر إليها يشاهدها لحظة، حتى تغيب عنه. الإعراب: "على أحوذيين": متعلق به "استقلت". "عشية": ظرف زمان، متعلق بـ "استقلَّت". فما: الفاء عاطفة. ما: نافية: هي: مبتدأ. إلا: أداة حصر، لمحة: خبر هي" وتغيب: الواو حرف عطف، تغيب: فعل مضارع والفاعل: هي، والجملة من الفعل والفاعل معطوفة على الجملة الاسمية على مذهب من يجوزون عطف الجمل الفعلية على الاسمية. فائدة: للنحاة في عطف الجمل الفعلية على الاسمية ثلاثة آراء: الأول: لا يجوز مطلقا. الثاني: يجوز العطف مطلقا. الثالث: يجوز شرط أن يكون العاطف هو الواو. شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ٩٠. موطن الشاهد: "على أحوذيين". وجه الاستشهاد: مجيء "أحوذيين" على هذه الرواية مفتوح النون، ولا يمكن بحال يجعل إعرابها بحركة ظاهرة على النون؛ لأنها جاءت في محل جر، والنون مفتوحة، كما هو معلوم، ولذا فيتعين إعرابها بالياء نيابة عن الكسرة. أما بالنسبة إلى فتح النون، فبعضهم يرى أنها ضرورة، وهذا بعيد؛ لأنه يجوز أن يكسر النون ولا يختل الوزن أو القافية، وبعضهم يرى أنها لغة من لغات العرب، وقد نقلها الفراء عن بني أسد، وهذا الرأي أولى من الأول، وبه أخذ العيني في شرح للشواهد. شرح الشواهد بذيل حاشية الصبان: ١/ ٩٠.
[ ١ / ٨٣ ]
وقيل: لا يختص بالياء١، كقوله٢: [مشطور الرجز] .
١٦- أعرف منها الجيد والعينانا٣
_________________
(١) ١ بل يكون مع الألف أيضا، وذلك في لغة من يُلزِم المثنى الألف في كل حال. ٢ قيل هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخرجه الشاهد: أنشده أبو زيد في نوادره "من ١٥" ضمن أبيات. عن المفضَّل الضبي ونسبها إلى رجل من بني ضبة. وقبله: إن لسعدى عندنا ديوانا يخزي فلانا وابنه فلانا كانت عجوزا عمرت زمانا وهي ترى سيِّئَها إحسانا أعرف منها الأنف والعينانا ومنخران أشبها ظبيانا شرح الشاهد: ١/ ٩٠. والشاهد من شواهد: ابن عقيل "١١/ ١/ ٧١"، والتصريح: ١/ ٨٧، والأشموني "٣١/ ١/ ٣٩"، وهمع الهوامع: ١/ ٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ٢١، وشرح المفصل: ٣/ ١٢٩/ ٤/ ٦٧، ١٤٣، والمقرب: ٨٠، والخزانة: ٣/ ٣٣٦، وشرح العيني: ١/ ١٨٤، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ١٥ وملحقات ديوان رؤبة: ١٩٧. المفردات الغريبة: "أعرف منها الجيد"، ويروى في مكانه: "أعرف منها الأنف"، الجيد: العنق، وجمعه أجياد، ظبيان "بفتح الظاء": اسم رجل. المعنى: يبين الشاعر، أنه يعرف من تلك الفتاة جيدها، وعينيها، ومنخرين لها، يشبهان منخري رجل اسمه ظبيان. الإعراب: أعرف: فعل مضارع،، والفاعل أنا. "منها": متعلق بأعرف. الجيد: مفعول به. والعينانا معطوف على الجيد منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ومنخران: معطوف على الجيد، منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، كما في "العينانا". أشبها: فعل ماضٍ وفاعل. ظبيانا: مفعول به منصوب والألف للإطلاق. موطن الشاهد: "العينانا". وجه الاستشهاد: فتح نون المثنى بعد الألف، كما فتحت بعد الياء، وفي البيت شاهد آخر على مجيء المثنى بالألف في حالة النصب، كما تقدم، وهذه لغة جماعة من العرب، منهم: كنانة وبنو الحارث بن كعب، وبنو العنبر، وبنو الهجيم، وبطون من ربيعة، وورد عليها قول النبي -ﷺ: "لا وتران في ليلة"، وبهذه اللغة، قرأ نافع، وابن عامر والكوفيون إلا حفصا: "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ". شرح الشواهد: ١/ ٩١.
[ ١ / ٨٤ ]
[حركة نون جمع المذكر السالم]:
وقيل: البيت مصنوع١، ونون الجمع مفتوحة، وكسرها جائز في الشعر بعد الياء، كقوله٢: [الوافر]
١٧- وأنكرنا زعانف آخرين٣
_________________
(١) ١ أي غير عربي، فلا يصح شاهدًا. ٢ القائل: هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: عرفنا جعفرا وبني أبيه وهو أحد أبيات أربعة لجرير، يخاطب بها فضالة العرني، وقبله قوله: عرين من عرينة ليس منا برئت إلى عرينة من عرين والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٧٩، وابن عقيل "٨ ١/ ٦٧" والأشموني "٢٩/ ١/ ٣٩" وهمع الهوامع: ١/ ٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ٢١، والخزانة: ٣/ ٢٩٠، وشرح العيني: ١/ ١٧٧ وابن سلام: ٥٩، وديوان جرير: ٥٧٧. المفردات الغريبة: جعفر، هو جعفر بن ثعلبة؛ أخو عرين بن ثعلبة بن يربوع، وعرين أحد آباء فضالة. زعائف: جمع زعنفة: وهو طرف الأديم أو هدب الثوب، ويقال للئام الناس وأراذلهم. المعنى: يمدح الشاعر رجلا -اسمه جعفر- وإخوته، فيقول: عرفنا جعفرا وإخوته؛ لأنهم مشهورون بكريم نسبهم ورفعة منزلتهم، على حين أنكرنا غيرهم؛ لِكونهم أدعياء، وليس لهم أصل معروف يفخرون به، ولا مكانة مرموقة في المجتمع الذي يعيشون فيه. الإعراب: عرفنا: فعل ماضٍ وفاعل. جعفرا: مفعول به. وبني: معطوف على جعفر منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. أبيه: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، والهاء: مضاف إليه. وأنكرنا: الواو عاطفة، أنكرنا: فعل ماضٍ وفاعل. زعانف: مفعول به منصوب. آخرين: صفة لـ "زعانف"، منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. موطن الشاهد: "آخرين". وجه الاستشهاد: مجيء "آخرين" معربا بالياء إعراب جمع المذكر السالم، غير أنه كسرت نونه -كما هو واضح- وهو مفتوحة في لغة العرب، وابن مالك يرى في كسر نون جمع المذكر السالم، وما يلحق به أنها لغة من لغات العرب، وبعضهم يرى أن كسرها؛ لضرورة الشعر، فهو جائز في الشعر فحسب، غير أن الأول هو الراجح.
[ ١ / ٨٥ ]
وقوله:
وقد جاوزتُ حدَّ الأربعين١
_________________
(١) ١ من تخريج الشاهد والتعليق عليه، وأعيد هنا للاستشهاد على كسر النون في جمع المذكر وما ألحق به للضرورة، أو على لغة كما بينا. موطن الشاهد: "الأربعين". وجه الاستشهاد: مجيء "الأربعين" ملحقا بجمع المذكر السالم، مكسور النون على لغة كما في المثال السابق.
[ ١ / ٨٦ ]
[الباب الرابع: إعراب الجمع بالألف والتاء الزائدتين]:
الباب الرابع: الجمع بألف وتاء مزيدتين، كهندات ومسلمات١؛ فإن نصب بالكسرة٢ نحو: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ﴾ ٣، وربما نصب بالفتحة إن كان محذوف
_________________
(١) ١ يجمع بالألف والتاء المزيدتين ستة أنواع: كل اسم مؤنث بالمعنى فقط، نحو: هند، وكل اسم مؤنث بالتاء دون المعنى، نحو: طلحة، إلا ثلاث كلمات: شفة وأمة وشامة، وكل اسم مؤنث بالتاء والمعنى جميعا، نحو: مسلمة، وكل اسم مؤنث بألف التأنيث المقصورة، نحو حبلى، وكل اسم مؤنث بألف التأنيث الممدودة، نحو: عذراء، وكل اسم لغير عاقل، نحو: إصطبل، ولا يمنع من تسميته سالما تغير بناء مفرده في حال الجمع كسجدات، وزفرات -بفتح ثانيهما- في جمع سجدة وزفرة بسكون ثانيهما، ونحو ظلمات -بضم الثاني في جمع ظلمة بسكون الثاني الخ نحو صحراوات، بقلب همزة مفرديهما واوا. التصريح: ١/ ٧٩. حاشية الصبان: ١/ ٩٢. ٢ ذهب الأخفش إلى أنه مبني على الكسر في محل نصب، ولا وجه لهذا الكلام ٣ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية ٤٤. موطن الشاهد: ﴿السَّمَوَات﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "السموات" جمعا مزيدا بالألف والتاء "جمع المؤنث السالم"، وجاء منصوبا؛ لِوقوعه مفعولا به، لـ "خلق" وعلامة نصبه الكسرة بدون الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وعلامة نصب جمع المؤنث الكسرة، كما هو معلوم
[ ١ / ٨٦ ]
اللام كسمعت١ لغاتهم؛ فإن كانت التاء أصلية كأبيات وأموات أو الألف أصلية كقضاةٍ وغزاةٍ نصب بالفتحة.
[ما حمل على الجمع بالألف والتاء]:
وحمل على هذا الجمع شيئان: "أولات"٢ نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل﴾ ٣، وما سُمِّي به من ذلك٤، نحو: "رأيت عرفات" و"سكنت أذرعات"، وهي قرية بالشام، فبعضهم يعربه على ما كان عليه قبل التسمية٥، وبعضهم يترك
_________________
(١) ١ إذا كان المفرد معتل اللام، فإما أن ترد له هذه اللام في جمعه بالألف والتاء، نحو سنة وسنوات وسنهات، وأخت، وأخوات، وإما ألا تردد، نحو: لغة ولغات وبنت وبنات، فإن كانت اللام المحذوفة من المفرد، قد ردت إليه في الجمع المذكور، أعرب بالكسرة نيابة عن الفتحة في جميع لغات العرب، ولم يختلفِ النحاة في ذلك، وإن كانت اللام المحذوفة من المفرد لم ترد إليه في جمعه، فقد حكى أحمد بن يحيى "ثعلب": أن من العرب من ينصبه بالفتحة الظاهرة، نحو: "سمعت لغاتهم" ونحو: "رأيت بناتك"، ووافقه على ذلك الكسائي وابن سيده، ورووا على هذه اللغة قول أبي ذؤيب الهذلي: فلما جلاها بالأيام تحيزت ثُباتًا عليها ذُلها واكتئابها التصريح: ١/ ٨٠، الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٩٢-٩٣. ٢ هي اسم جمع بمعنى "ذوات" لا واحد لها من لفظها، ومفردها من معناها "ذات" بمعنى صاحبة. ٣ "٦٥" سورة الطلاق، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿أُولَاتِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أولات" خبر "كان" منصوبا بالكسرة؛ لأنه اسم جمع بمعنى ذوات لا واحد له من لفظه، وواحده في المعنى ذات، بمعنى صاحبة، وهو محمول على جمع المؤنث، فيعرب إعرابه. ٤ أي الثاني مما حمل على هذا الجمع: ما سمي به منه ومما ألحق به، وصار علما لمذكر أو لمؤنث. ٥ أي بالضمة رفعا، وبالكسرة نصبا وجرا؛ إعراب جمع المؤنث السالم، ولا يحذف التنوين في الحالات جميعها؛ لأنه تنوين المقابلة؛ لا تنوين الصرف التصريح: ١/ ٨٣.
[ ١ / ٨٧ ]
تنوين ذلك، وبعضهم يعربه إعراب ما لا ينصرف، ورووا بالأوجه الثلاثة قوله١: [الطويل]
١٨- تنوَّرتها من أذرعات وأهلها بيثربَ أدنى دارها نظرٌ عالي٦
_________________
(١) ١ القائل هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، من أهل نجد، من الطبقة الأولى، وأحد أصحاب المعلقات، أشعر الناس وأوصفهم، سبق الشعراء إلى الوصف الكثير، يسمى بالملك الضليل وبذي القروح، غيَّر مقتلُ أبيه حياتَه من المجون واللهو إلى طلب الثأر، فسار في الأرض حتى أتى قيصر طالبا المعونة، فقتله بحُلَّة مسومة، قال فيه الرسول ﷺ: "هو قائد الشعراء إلى النار". الشعراء والشعراء: ١/ ١٠٥-١٣٦. ٢ تخريج الشاهد: الشاهد من قصيدة مشهورة، لامرئ القيس ومطلعها قوله: ألا عم صباحا أيها الطَلَل البالِي وهل يَعِمَنْ مَن كان في العُصُر الخالِي والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٨٣، وابن عقيل "١٢/ ١/ ٧٦"، والأشموني "٣٣/ ١/ ٤١" وهمع الهوامع: ١/ ٢٢، والدرر: ١/ ٥، وكتاب سيبويه: ٢/ ١٨، والمقتضب للمبرد: ٣/ ٣٣٣و ٤/ ٣٨ وشرح المفصل: ١/ ٤٧و ٩/ ٣٤، وخزانة الأدب: ١/ ٢٦، وشرح العيني: ١/ ١٩٦، وديوان الشاعر: ٣١. المفردات الغريبة: تنوَّرْتها: نظرت إلى نارها بقلبي لشدة تعلقي بها. أذرعات: بلد بالشام. يثرب: اسم المدينة المنورة قبل أن يهاجر إليها النبي ﷺ. المعنى: نظرت إلى نار المحبوبة التي يشبها أهلها؛ للقِرى، وليهتدي الضيفان بها إليهم، وأنا بأذرعات، وهي بيثرب، مع أن أقرب مكان من دارها، يحتاج الناظر منه -إذا ما أراد رؤية دارها- إلى نظر عالٍ بعيد فكيف وبيننا هذه المسافات البعيدة؟ ومن هنا نرى أن الشاعر لم ير النار حقيقة، وإنما بالغ هذه المبالغة من شدة شوقه وهيامه بمن أحب، والمحب يرى ويحس بوجدانه وخياله أكثر من حواسه. الإعراب: تنوَّرْتها: فعل ماضٍ، وفاعل، ومفعول به، "من أذرعات": متعلق بمحذوف حال من التاء في تنورتها. وأهلها: الواو حالية، أهل: مبتدأ، و"ها" مضاف إليه. "يثرب" متعلق بمحذوف خبر، ويثرب: ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. أدنى: مبتدأ. دارها: مضاف إليه و"ها" مضاف إليه. نظر: خبر مرفوع. عالي: صفة لـ "نظر". موطن الشاهد: "أذرعات". وجه الاستشهاد: مجيء "أذرعات" على ثلاث روايات في البيت: الأولى: "أذرعات" مكسورة النون المنونة، وهذه أرجح الروايات، وعلى هذا الوجه =
[ ١ / ٨٨ ]
_________________
(١) = اعتبر الاسم قبل التسمية به، فهو جمع مؤنث سالم، وهو يُجر بالكسرة الظاهرة، ويُنوَّن تنوين المقابلة، لا تنوين التنكير. الثانية: "أذرعات" مكسورة النون من غير تنوين، وهذا على رأي بعض النحاة، وهذا الوجه جوَّزه المبرد والزجاج مراعاة للحالتين الأصلية، وهي كونه جمع مؤنث، والحالية، وهو كونه علما لمؤنث، فأعطوه حكما من أحكام الجمع؟ وهو جره بالكسرة، وحكما من أحكام العلم، فمنعوا تنوينه، كما يمنع تنوين العلم المفرد. الثالثة: "أذرعات" مفتوحة التاء غير منونة، وهذا رأي جوَّزه بعض النحاة، منهم سيبويه وابن جني، مراعاة لحاله الطارئة، حيث إنه علم مؤنث، ومعلوم أن العلم المؤنث يجر بالفتحة ويمتنع تنوينه؛ لأنه ممنوع من الصرف. ابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ٦٣، وانظر شرح التصريح: ١/ ٨٢-٨٣، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٩٤.
[ ١ / ٨٩ ]
[الباب الخامس: إعراب الاسم الذي لا ينصرف]:
الباب الخامس: ما لا ينصرف١، وهو ما فيه علتان٢ من تسع٣ كأحسن٤، أو واحدة منها تقوم مقامهما كمساجد٥ وصحراء٦، فإن جره بالفتحة نحو:
_________________
(١) ١ أي: الاسم الذي لا ينوَّن، ولا يجر بالكسرة، وإنما علامة رفعه الضمة. وعلامة جره ونصبه الفتحة، ومن دون تنوين في الحالات الثلاث. ٢ في قول النحاة: كل من العلمية والتأنيث -مثلا- "علة" واشتراطهم وجود علتين مبنيّ على التساهل والمجاز؛ لأن كل واحد بين الاثنين الذين يجتمعان في الاسم فيقتضيان منعه من الصرف جزء علة، وليس علة كاملة، وباجتماع الاثنين، يحصل الحكم والدليل على ذلك أن العلمية وحدها لا تقتضي منع الصرف، فمحمد وعلي مصروفان مع أنهما علمان، وزيادة الألف والنون وحدها لا تمنع من الصرف، فصنوان، وقنوان، وسلطان ورمان مصروفة مع زيادة الألف والنون، وبهذا يتقرر أن العلة التامة هي وجود علتين أو وجود واحدة تقوم مقام اثنتين مع ملاحظة شروط كل واحدة منهما. حاشية الشيخ يس على شرح التصريح: ١/ ٨٤. ٣ أي: العلل التي تسبب منع اسم من التنوين، وسيأتي الحديث عنها، وقد جمعها ابن النحاس في قوله: اجمع وزن، عادلا، أنِّثْ، بمعرفةٍ ركِّب، وزِدْ، عجمةً، فالوصفُ قد كملا ٤ العلتان في "أحسن" هما: الصفة ووزن الفعل. ٥ العلة في "مساجد" هي: صيغة منتهى الجموع. ٦ العلة في "صحراء" هي: ألف التأنيث الساكنة.
[ ١ / ٨٩ ]
﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ ١، إلا أن أضيف نحو: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ ٢، أو دخلته "أل" معرِّفة نحو: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٣، أو موصولة نحو: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَم﴾ ٤، أو زائدة كقوله٥: [الطويل]
١٩- رأيت الوليد بن اليزيد مُباركا٤
_________________
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ٨٦. موطن الشاهد: ﴿بِأَحْسَنَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أحسن" اسما ممنوعا من الصرف؛ لِلوصف، ووزن الفعل، مجرورا وعلامة جره الفتحة بدل الكسرة؛ لِكونه ممنوعا من الصرف. ٢ "٩٥" سورة التين، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أحسن" مجرورا بالباء، وعلامة جره الكسرة؛ لأنه أضيف إلى تقويم، ومتى أضيف الممنوع من الصرف صرف. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٨٧. موطن الشاهد: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "المساجد" مجرورا بـ "في" وعلامة جره الكسرة؛ لأنه عرف بـ "أل"، ومعلوم أنه متى عرف الممنوع من الصرف، أو أضيف صرف. ٤ "١١" سورة هود، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد بهذه الآية على صرف الممنوع من الصرف، إذا كان صفة مشبهة ودخلته "أل" الموصولة، غير أن ابن هشام في المغني ذكر: أن "أل" الداخلة على الصفة المشبهة، كالأعمى والأصم، واليقظان حرف تعريف لا موصولة، وتابعه صاحب شرح التصريح. انظر شرح التصريح: ١/ ٨٤-٨٥". ٥ القائل: هو الرماح بن أبرد بن ثوبان، أحد بني غطفان، يعرف بنسبته إلى أمه ميادة، فيقال: ابن ميادة، وهو شاعر مخضرم عاش في الدولتين الأموية والعباسية، مدح خلفاء بني أمية، وبني العباس، له شعر جيد في الغزل والهجاء، مات في خلافة المنصور، له ديوان شعر مطبوع. تجريد الأغاني: ١/ ٢٥٦-٢٥٧. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت للشاعر، وعجزه قوله: شديدا بأعباء الخلافة كاهِلُهْ وهو من قصيدة يمدح فيها أبا العباس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقبل الشاهد قوله: =
[ ١ / ٩٠ ]
_________________
(١) = هممت بقول صادق أن أقولَهُ وإني على رغم العداة لقائِلُهْ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٨٥، والأشموني "٣٥/ ١/ ٤٢"، والإنصاف لابن الأنباري: ١/ ٣١٧، وشرح المفصل: ١/ ٤٤، والخزانة: ١/ ٣٢٧، ٣/ ٢٥٢، وشرح العيني: ١/ ٢١٨، ٥٠٩، ومغني اللبيب: "٧٣/ ٧٥"، وشرح شواهد المغني للسيوطي: ٦٠، وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ١٢. المفردات الغريبة: أعباء: جمع عبء "بكسر العين المهملة وسكون الباء" وهو ما يثقل حمله، والمراد بأعباء الخلافة: مصاعبها وأمورها الشاقة. كاهله، الكاهل: اسم لما بين الكتفين ويعبر بشدة الكاهل عن القوة. وقد روي: بأحناء الخلافة، وهو جمع حِنْو -بكسر الحاء المهملة وسكون النون- وأحناء الأمور: جوانبها ونواحيها. والأصل فيه "حنو العين" لطرفها. ويقال: أحناء الأمور؛ لما تشابه منها وأشكل المخرج منه. المعنى: يمدح الشاعر الوليد بن يزيد، ويصفه بأنه مبارك ومحظوظ، وهو في الوقت نفسه قوي قادر على تحمل تبعات المسئولية، ويحسن التخلص مما يعرض له من مشاكلها. الإعراب: رأيت: فعل ماضٍ وفاعل. الوليد: مفعول به. ابن: صفة للوليد. اليزيد: مضاف إليه، مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. مباركا: حال من الوليد، على اعتبار "رأيت" بصرية أو مفعولا ثانيا، إذا عددنا "رأيت" علمية قلبية. شديدا: اسم معطوف على "مبارك" بحرف عطف محذوف. "بأعباء: متعلق بـ "شديدا" الخلافة: مضاف إليه. كاهله: فاعل لـ "شديد" مرفوع؛ لأن "شديد" صفة مشبهة تعمل عمل الفعل وكاهل: مضاف، والهاء: مضاف إليه. موطن الشاهد: "اليزيد". وجه الاستشهاد: دخول "أل" على "يزيد" وهو اسم علم على وزن الفعل وقع في محل جر بإضافة "ابن" إليه، غير أن الشاعر جره بالكسرة الظاهرة مع وجود العلتين اللتين تقتضيان منعه من الصرف؛ العلمية ووزن الفعل، وفي هذا دلالة على أن الاسم الممنوع من الصرف، إذا دخلت عليه الألف واللام كان جرُّه بالكسرة الظاهرة، ولا فرق بين أن تكون "أل" معرفة، أو موصولة، أو زائدة؛ لأن "أل" بمختلف أنواعها من خواصِّ الأسماء، وهو إنما منع الصرف؛ لِشبهه بالفعل، فإذا وجد معه ما هو من خصائص الأسماء كـ "أل" أو الإضافة، فقد بعد شبهه بالفعل، الذي اقتضى منع صرفه فعاد اسما خالصا من شائبة الشبه بالفعل، فأخذ حكم الأسماء المتأصلة في الاسمية، هذا وفي شرح قطر الندى تفسير وتأويل آخر في البيت الشاهد يفضل الرجوع إليه. انظر شرح قطر الندى. وشرح التصريح: ١/ ٨٥.
[ ١ / ٩١ ]
[الباب السادس: إعراب الأفعال الخمسة]:
الباب السادس: الأمثلة الخمسة١، وهي: كل فعل مضارع اتصل به ألف اثنين نحو تفعلان ويفعلان، أو واو جمع نحو تفعلون ويفعلون، أو ياء مخاطبة نحو تفعلين، فإن رفعها بثبوت النون، وجزمها ونصبها بحذفها نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ٢، وأما: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُون﴾ ٣، فالواو لام الكلمة٤، والنون ضمير النسوة،
_________________
(١) ١ سميت بذلك؛ لأنها ليست ألفاظ أفعال معلومة، وإنما يكنى بها عن كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين، أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، وقالوا: الأسماء الستة؛ لأنها ألفاظ معلومة وهي الأب والأخ إلخ، وسميت خمسة على إدراج المخاطبتين تحت المخاطبين فالمضارع المسند إلى ألف الاثنين يتنوع إلى نوعين: الأول أن يكون الاثنان مذكرين نحو: "أنتما تكتبان يا زيدان" ونحو "الزيدان يكتبان"، والثاني، أن يكون الاثنان مؤنثين نحو: "أنتما يا هندان تكتبان" ونحو "الهندان تكتبان"، أو واو جمع بالتاء للمخاطبين، نحو: أنتم تفعلون، وبالياء للغائبين نحو: هم يفعلون، أو ياء مخاطبة، نحو: أنت تفعلين، فالأمثلة ستة على التفصيل، وخمسة على الإجمال؛ لِلذي يجعل الاثنين نوعا واحدا. شرح التصريح: ١/ ٨٥، ٨٦ حاشية الصبان، ١/ ٩٨، ابن عقيل: ١/ ٦٦. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تفعلوا" الأول مجزوما بـ "لم" وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، ومجيء فعل "تفعلوا" الثاني منصوبا بـ "لن" وعلامة نصبه حذف النون أيضا. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٣٧. ٤ أي لام الفعل؛ لأن أصله: عفا يعفو، فإذا قلنا: النساء يعفون، فـ "يعفون" مضارع مبني على سكون الواو؛ لِاتصاله بنون النسوة، والنون: في محل رفع فاعل: وفي حالتي الجزم والنصب، نقول: النساء لم يعفون، ولن يعفون، ويكون الفعل مبنيا على السكون في محل جزم، أو نصب؛ لِاتصاله بنون النسوة. وأما في قولنا: الرجال يعفون، فالواو ضمير الجمع، وهي الفاعل، أما لام الفعل فمحذوفة، وأصله: يعفوون، فاستثقلت الضمة على الواو الأولى التي هي لام الفعل، فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى منهما؛ لأنها حرف علة، ولم تحذف الثانية؛ لأنها ضمير الفاعل، فصار يعفون على وزن "يفعون" فإذا دخل ناصب أو =
[ ١ / ٩٢ ]
والفعل مبني مثل: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ١، ووزنه يفعلن، بخلاف قولك: "الرجال يعفون"، فالواو ضمير المذكرين، والنون علامة رفع فتحذف نحو: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢ ووزنه تفعوا، وأصله تعفووا.
_________________
(١) = جازم، تحذف النون، فنقول: الرجال لن ولم يعفوا، وخلاصة الفرق بين "النساء يعفون، والرجال يعفون" مع اتحاد الصورة اللفظية ما يلي:
(٢) لام الفعل غير محذوفة في النساء يعفون، ومحذوفة في الثانية؛ لِعلة تصريفية، وهي التقاء الساكنين.
(٣) نون جمع الإناث في محل رفع فاعل أو نائب فاعل، وهي لا تحذف لناصب أو جازم، وهي علامة رفع في الثانية؛ ولذا تحذف.
(٤) الواو جزء من الكلمة، وهي لامها في العبارة الأولى، ووزنه: "يفعلن"، وأما في الثانية، فالواو ضمير جمع الذكور، وليست جزءا من الكلمة، ووزنه "يعفون". انظر شرح التصريح: ١/ ٨٦، وضياء السالك: ١/ ٧٦-٧٧" وحاشية الصبان: ١/ ٩٨-٩٩. ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٢٨. موطن الشاهد: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يتربص" مبنيا على السكون؛ لِاتصاله بنون النسوة، في محل رفع؛ لِتجرده عن الناصب والجازم، والنون في محل رفع فاعل. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٣٧. موطن الشاهد: ﴿أَنْ تَعْفُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تعفوا" منصوبا بـ "أن" وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعل، والألف للتفريق.
[ ١ / ٩٣ ]
[الباب السابع: إعراب الفعل المضارع المعتل الآخر]:
الباب السابع: الفعل المضارع المعتل الآخر، وهو: ما آخره ألف كيخشى١، أو ياء كيرمي، أو واو كيدعو، فإن جزمهن بحذف الآخر، فأما قوله٢: [الوافر]
_________________
(١) ١ اعتبار آخره آلفا أو ياء، في النطق أما كتابة الألف ياء في يخشى؛ فلكونها رابعة. ٢ القائل: هو قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، أبو هند، أمير عبس وداهيتها، كان يلقب بقيس الرأي؛ لِجودة رأيه، ويضرب المثل بدهائه وشجاعته، وله شعر وكلام مأثور. الأعلام: ٥/ ٦، والخزانة: ٣/ ٥٣٦، وسمط اللآلي: ٥٨٢، والأغاني: ٩/ ١٩٨.
[ ١ / ٩٣ ]
٢٠- ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبونُ بني زياد١
فضرورة
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت أول مقطوعة للشاعر، يقولها في الربيع بن زياد العبسي وذلك أن قيسا كان عنده درع، فساومه فيها الربيعي، ثم اهتبل فرصة، وأخذ الدرع ثم انطلق يعدو به فرسه فتعرض قيس لأم الربيع، وأراد أن يأسرها، ثم عدل عن ذلك، واستاق نَعَم بني زياد، فقدم مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان التيمي معاوضة بأدراع وأسياف، وبعد الشاهد قوله: ومحبسها على القرشي تشرى بأدراع وأسياف حدادِ كما لاقيت من حمل بن در وإخوته على ذات الإصادِ همُ فخروا عليَّ بغير فخر وردوا دون غايته جوادي وكنت إذا منيت بخصم سوء دلفت له بداهية نآدِ والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٨٧، والأشموني في "٤٣/ ١/ ٤٦"، وهمع الهوامع: ١/ ٥٢، الدرر اللوامع: ١/ ٢٨، وسيبويه: ١/ ٢١٥/ ٥٩، ونوادر أبي زيد: ٢٠٣، وجمل الزجاجي: ٣٧٣، والخصائص لابن جني: ١/ ٣٣٣، ٣٣٧، المحتسب: ١/ ٦٧، ١٩٦، ٢١٥، والمنصف: ٢/ ٨١، ١١٤ وأمالي ابن الشجري: ١/ ٨٤، ٢١٥ والإنصاف: ٣٠ والمقرب: ٤، ٤٣، والخزانة: ٣/ ٥٣٤ وشرح المفصل: ٨/ ٢٤. ١٠/ ١٠٤، وشرح العيني: ١/ ٢٣٠، ومغني اللبيب "١٦٣/ ١٤٦، ٧١٥/ ٥٠٦" وشرح شواهد المغني للسيوطي: "١١٣، ١٧٣". المفردات الغريبة: الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وقيل: الخبر أعم منه؛ لأن النبأ خاص بما كان ذا شأن من الأخبار. تنمي: تزيد وتكثر. لبون -بفتح اللام، وضم الباء مخففة: وهي الإبل ذات اللبن. بنو زياد: هم: الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان بن عبد الله العبسي، وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية. المعنى: ألم يبلغك -والأخبار سرعان ما تنشر وتشيع بين الناس- ما حدث لنياق بني زياد، حيث أخذتها رغما عنهم، وهم الأبطاء الذين يخافهم الناس ويرهبونهم؟! الإعراب: يأتيك: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه حذف الضمة المقدرة -هنا- أو بحذف حرف العلة، والياء المذكورة للإشباع. بما: الباء زائدة، وما اسم موصول في محل رفع فاعل لـ "يأتيك" وجملة "الأنباء تنمي" الاسمية معترضة بين الفعل، وفاعله، لا محل لها. موطن الشاهد: "يأتيك" وجه الاستشهاد: مجيء "يأتي" مجزوما بـ "لم" غير أن ياءه ثبتت، ولم تحذف لدخول الجازم عليه، واكتفى بحذف الحركة المقدرة التي كان عليها الفعل قبل دخول الجازم عليه، واكتفى بحذف الحركة المقدرة التي كان عليها الفعل قبل دخول الجازم، وقيل: إن الياء المذكورة، ليست لام الفعل، التي تحذف للجازم، فتلك حذفت؛ لِدخول الجازم على الفعل، وأما الياء المذكورة، فأتت من إشباع كسرة التاء؛ لِضرورة الشعر، وهذا الوجه هو الصواب.
[ ١ / ٩٤ ]
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِر﴾ ١، في قراءة قُنبُل٣ فقيل "من" موصولة٣ وتسكين "يصبر" إما لتولي حركات الباء والراء والفاء والهمزة، أو على أنه وصل بنية الوقف٤، وإما على العطف على المعنى؛ لأن من الموصولة بمعنى.
_________________
(١) ١ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٩٠. أوجه القراءات: روى قنبل عن ابن كثير، أنه قرأ "يتقي" بياء وقرأ الباقون ﴿يَتَّقِ﴾ من غير ياء. توجيه القراءات: قراءة الجزم واضحة، وأما قراءة قنبل عن ابن كثير، فتوجيهها: أن "من" بمعنى الذي، ورفع يتقي؛ لأنه صلة لـ "من" وعطف "يصبر" على معنى الكلام؛ لأن "من" وإن كانت بمعنى الذي، ففيها معنى الشرط، وقيل غير ذلك. الإتحاف: ٢٦٧، وتفسير القرطبي: ٩/ ٢٥٦ والمشكل: ١/ ٤٣٥. موطن الشاهد: "من يتقي". وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يتقي" على قراءة قنبل بالياء؛ وذلك لِكون "من" بمعنى الذي ويتقي مرفوع، ويمكن أن تكون "من" للشرط، والضمة المقدرة على الياء في "يتقي" حذفت للجزم، وبقيت الياء، وهذا الوجه ضعيف. انظر البيان: ٢/ ٤٥. ٢ قنبل: هو أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن المخزومي، كان إمامًا في القراءات وضابطا متقنا، انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز، ورحل الناس إليه من سائر الأقطار، وهو من أصحاب ابن كثير "القارئ"، وقد أخذ عنه، مات بمكة سنة ٢٩١هـ. وَفَيات الأعيان: ٣/ ٤٢، وسير أعلام النبلاء: ١٤/ ٨٤، وطبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ١٦٥. ٣ أي: ليست شرطية جازمة، ويتقي مرفوع لا مجزوم. ٤ أي أن قنبلا وصل بنية الوقف، كقراءة الحسن البصري: "ولا تمنن تستكثرْ" بتسكين تستكثر مع أنه مرفوع بإجماع السبعة، وكقراءة نافع: "محيايْ ومماتيْ" بسكون ياء محياي وصلا. انظر: مشكل إعراب القرآن: ٣/ ٤٣٤، والتصريح: ١/ ٨٨.
[ ١ / ٩٥ ]
الشرطية لعمومها وإبهامها١.
تنبيه: إذا كان حرف العلة بدلا من همزة كيقرأ ويقرئ ويوضؤُ، فإن كان الإبدال بعد دخول الجازم فهو إبدال قياسي٢، ويمتنع حينئذ الحذف لاستيفاء الجازم مقتضاه، وإن كان قبله فهو إبدال شاذ٣، ويجوز مع الجازم الإثبات والحذف، بناء على الاعتداد بالعارض وعدمه وهو الأكثر.
[ما تقدر فيه الحركات من الأسماء والأفعال]:
وتقدر الحركات الثلاث في الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمة نحو: الفتى والمصطفى، ويسمى معتلا مقصورا.
والضمة والكسرة في الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة مكسورة ما قبلها نحو: المرتقى والقاضي، ويسمى منقوصا.
وخرج يذكر الاسم نحو: يخشى، ويرمى، وبذكر اللزوم نحو: "رأيت أخاك" و"مررت بأخيك"، وباشتراط، نحو: ظبي وكرسي.
وتقدر الضمة والفتحة في الفعل المعتل بالألف نحو: "هو يخشاها" و"لن يخشاها".
_________________
(١) ١ وأيضا، فمدخولها مستقبل، وتدخل الفاء في خبرها، كما تدخل في جواب الشرطية؛ ولهذا صح العطف بالجزم على الصلة، كما يعطف على الشرط، وقيل: إن "من" شرطية والياء في "يتقي" للإشباع، ولام الفعل، حذفت للجازم، وهنالك لغة تجيز إبقاء حرف العلة في آخر المضارع المجزوم، ويكون الجزم بالسكون المقدر على حرف العلة أصليا في مكانه، لا بدلا من همزة. التصريح: ١/ ٨٨، وضياء السالك: ١/ ٧٨. ٢ لأنك حينئذ تقلب الهمزة الساكنة حرف علة من جنس حركة ما قبلها، ونظيره "فأر، ورأل" فإن العرب تسهلهما، فتقول: فار، ورال. ٣ لأن الهمزة المتحركة، المتحرك ما قبلها لا تبدل.
[ ١ / ٩٦ ]
والضمة فقط في الفعل المعتل بالواو أو الياء١، نحو: "هو يدعو" و"هو يرمي".
وتظهر الفتحة في الواو والياء، نحو: "إن القاضي لن يرمي ولن يغزو"٢.
_________________
(١) ١ قد أظهر بعض الشعراء الضمة على الواو في الفعل المعتل، كما أظهروها عليهما في الاسم. ٢ قد ورد في الشعر العربي الذي يحتج به حذف الفتحة من الفعل المعتل بالياء اضطرارا، نحو قول حندج المري: ما أقدر الله أن يدني على شحط من داره الحزن ممن داره صوفل وكقول عامر بن الطفيل: فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ففي البيت الأول، أتى فعل "يدني" منصوبا بـ "أن" غير أن الشاعر سكن الياء، ولم يظهر الفتحة عليها، وفي البيت الثاني: جاء فعل "أسمو" منصوبا بـ "أن"، غير أن الشاعر، لم يظهر الفتحة على الواو. - وكذلك حذفوا فتحة الاسم المعتل بالياء اضطرارا، كقول الشاعر: لا تفسد القوس أعط القوس باريها وكذا في قول الراجز: كأن أيديهن بالقاع القرق أيدي جوار يتعاطين الورق ففي: "أعط القوس باريها" جاء "باريها" مفعولا به، ومن حقه أن تظهر الفتحة على يائه غير، أن الشاعر اضطر لإقامة الوزن، فحذف الفتحة. وفي "كأن أيديهن" جاء "أيديهن" اسم "كأن" ومن حقه، أن ينصب، وأن تظهر الفتحة على يائه؛ لِخفتها، لكن الشاعر، لما اضطر لإقامة الوزن، سكن الياء. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ١٠٠-١٠١.
[ ١ / ٩٧ ]
[النكرة والمعرفة]:
هذا باب النكرة والمعرفة:
[نوعا النكرة]:
الاسم نكرة، وهي الأصل١، وهي عبارة عن نوعين:
أحدهما: ما يقبل "أل" المؤثرة للتعريف٢، كرجل، وفرس، ودار، وكتاب.
والثاني: ما يقع موقع ما يقبل "أل" المؤثرة للتعريف، نحو: "ذي، ومن، وما". في قولك: "مررت برجل ذي مال، وبمن معجِب لك، وبما معجِب لك" فإنها واقعة موقع "صاحب، وإنسان، وشيء"٣ وكذلك نحو: صه، منونا، فإنه واقع موقع قولك: "سكوتا"٤.
_________________
(١) ١ لأنها، لا تحتاج في دلالتها على المعنى الذي وضعت له إلى قرينة، بخلاف المعرفة، وما يحتاج إلى شيء فرع عما لا يحتاج. التصريح: ١/ ٩١. ٢ احترز بذلك من نحو: الحسن والعباس، فإن "أل" لا تؤثِّر فيهما التعريف؛ لأنهما معرفتان بالعلمية قبل دخول "أل". ٣ صاحب" راجع لذي، وهو يقبل "أل" المؤثِّرة للتعريف؛ لأنه صار بالاستعمال صفة مشبهة فأشبه الأسماء الجامدة بخلاف "صاحب" اسم فاعل بمعنى مصاحب، فإن "أل" الداخلة عليه موصولة، لا تؤثر فيه تعريفا و"إنسان" راجع إلى "من" النكرة الموصوفة للعاقل، وهو يقبل "أل" فتقول: الإنسان، و"شيء" راجع إلى "ما" التي لغير العاقل، وهو يقبل "أل" تقول: الشيء. ومثلهما "ما" و"من" الموصوفتان الشرطيتان والاستفهاميتان، وكذلك "أين" و"كيف". التصريح: ١/ ٩٢. ٤ أي: وسكوتا يقبل "أل" لأنه مصدر، تقول: السكوت، ومذهب الجمهور أن أسماء الأفعال واقعة موقع الأفعال.
[ ١ / ٩٨ ]
[نوعا المعرفة]:
ومعرفة، وهي الفرع، وهي عبارة عن نوعين:
أحدهما: ما لا يقبل "أل" ألبتة١ ولا يقع موقع ما يقبلها، نحو: زيد، وعمرو
والثاني: ما يقبل "أل" ولكنها غير مؤثرة للتعريف، نحو: حارث، وعباس، وضحاك" فإن "أل" الداخلة عليها لِلَمْحِ الأصل بها.
[أقسام المعرفة]:
وأقسام المعارف سبعة: المضمر كأنا وهم، والعلم كزيد وهند، والإشارة كذا وذي، والموصول٢ كالذي والتي، وذو الأداة٣ كالغلام والمرأة، والمضاف لواحد منها كابني وغلامي، والمنادي نحو: "يا رجل" لمعين.
[المضمر والضمير]:
فصل في المضمر:
المضمر والضمير، اسمان لما وضع لمتكلم كأنا، أو لمخاطب كأنت، أو لغائب كهو، أو لمخاطب تارة ولغائب أخرى، وهو الألف والواو والنون، كقوما وقاما، وقوموا وقاموا، وقمن.
[الضمير قسمان: بارز ومستتر]:
وينقسم إلى: بارز، وهو ما له صورة في اللفظ كتاء "قمت"، وإلى: مستتر، وهو بخلافه كالمقدر في "قم".
_________________
(١) ١ أي: قطعا. قال سيبويه: ولا يستعمل "البتة" إلا بالألف واللام، وأجاز الفراء تنكيره، فيقال: لا أفعله البتة وبتة؛ لكل أمر لا رجعة فيه، وهو منصوب على المصدر المؤكد وهمزته للقطع سماعا، والتاء فيه للوحدة. ٢ قيل: إن تعريف الموصول بالعهد الذي في الصلة، وقيل بأل، ملفوظة في نحو: الذي والتي، أو غير ملفوظة بل يكون الموصول معنى ما فيه "أل" كـ "من" و"ما". ٣ أي: الذي تدخل عليه أداة التعريف، وهي "أل" المعرفة، سواء كان مذكرا أو مؤنثا.
[ ١ / ٩٩ ]
[الضمير البارز قسمان]:
وينقسم البارز: إلى متصل وهو: ما لا يفتتح به النطق ولا يقع بعد "إلا" كياء "ابني" وكاف "أكرمك" وهاء "سلنية" ويائه، وأما قوله١: [البسيط]
٢١- وما علينا إذا ما كنت جارتنا أن لا يجاورنا إلاك دَيَّار٢
فضرورة.
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت لا يعرف له سوابق أو لواحق، ويروى شطره الأول: "وما نبالي إذا ما". والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٩٨، وابن عقيل "١٤/ ١/ ٩٠"، والأشموني "٤٥/ ١/ ٤٨" وهمع الهوامع: ١/ ٥٧، والدرر اللوامع: ١/ ٣٢، والخصائص: ١/ ٣٠٧، ٢/ ١٥٩ وشرح المفصل: ٣/ ١٠١، ١٠٣، والخزانة. ٢/ ٤٠٥، وشرح العيني: ١/ ٢٥٣. المفردات الغريبة: وما علينا: يروى مكانه: وما نبالي: المبالاة بمعنى الاكتراث بالأمر، والاهتمام له والعناية به، دَيَّار: معناه أحد، ولا يستعمل إلا في النفي العام، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ أي: أستأصلهم جميعا. المعنى: يخاطب الشاعر إحدى جاراته قائلا: ما دمت لنا جارة، فلا يهمنا، ولا يعنينا إذا لم يجاورنا أحد غيرك. الإعراب: ما: نافية، لا عمل لها. نبالي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء، والفاعل: نحن. والمفعول محذوف، والتقدير: لا نبالي شيئا، ويمكن أن تكون "ما" اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، والجملة بعدها خبر، والتقدير: أي شيء نباليه؟. إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط، وما: زائدة. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء اسمها. جارتنا: خبر كان، ومضاف إليه. ألا: أن مصدرية، و"لا" نافية يجاورنا. مضارع منصوب بـ "أن" و"نا" مفعول به مقدم، إلاك: "إلا" أداة استثناء من "ديار" الواقع فاعلا مؤخرا، والكاف في محل نصب على الاستثناء؛ لِتقدمه على المستثنى منه. موطن الشاهد: "إلاك". وجه الاستشهاد: وقع الضمير المتصل بعد "إلا"؛ لِضرورة الشعر، وهو غير سائغ في الاستعمال؛ لأن القياس، أن يؤتى بعد "إلا" بالضمير المنفصل، وقد كان على الشاعر أن يقول: "ألا يجاورنا إلا إياك ديار". وعلى رواية "سواك"، أو "حاشاك" فلا ضرورة، في البيت الشاهد، على تلك الرواية، لكون الضمير متصلا بعامله المؤثر فيه، حيث إن "سوى"، وحاشا" عاملان، و"إلا" ليست عاملة، وإنما تدل على العاملة أو تقوّي العامل المقدر. انظر شرح التصريح: ١/ ٩٨.
[ ١ / ١٠٠ ]
وإلى منفصل، وهو: ما يبتدأ به ويقع بعد "إلا" نحو: "أنا" تقول: "أنا مؤمن" و"ما قام إلا أنا".
[أقسام الضمير المتصل بحسب مواقع الإعراب]:
وينقسم المتصل، بحسب مواقع الإعراب، إلى ثلاثة أقسام:
١- ما يختص بمحل الرفع، وهو خمسة: التاء كقمت، والألف كقاما، والواو كقامو، والنون كقمن، وياء المخاطبة كقومي.
٢- وما هو مشترك بين محل النصب والجر فقط، وهو ثلاثة: ياء المتكلم نحو: ﴿رَبِّيْ أَكْرَمَنِ﴾ ١، وكاف المخاطب نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّك﴾ ٢، وهاء الغائب نحو: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُه﴾ ٣.
٣ وما هو مشترك بين الثلاثة، وهو "نا" خاصة نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ "٨٩" سورة الفجر، الآية: ١٥. موطن الشاهد: الشاهد: "ربي أكرمني". وجه الاستشهاد: مجيء ضمير المتكلم "الياء" مع المنادي في محل جر بالإضافة؛ لأنه اتصل بالاسم، وفي "أكرمني" جاء في محل نصب مفعولا به؛ لأنه اتصل بالفعل، ومن هنا ندرك أنه مشترك بين محل النصب والجر. ٢ "٩٣" سورة الضحى، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿وَدَّعَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "كاف" المخاطب في محل نصب مفعول به؛ لِاتصالها بالفعل، وهي من الضمائر المشتركة. ٣ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٣٧. موطن الشاهد: "له، صاحبه، يحاوره". وجه الاستشهاد: مجيء "هاء" الغائب في محل جر بحرف الجر في الأول، وفي محل جر بالإضافة في الثاني، وفي محل نصب مفعول به في فعل "يحاوره". ٤ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٩٣. موطن الشاهد: ﴿رَبَّنَا﴾، ﴿إِنَّنَا﴾، ﴿سَمِعْنَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء ضمير "نا" في محل جر بالإضافة مع المنادى؛ لِاتصالها بالاسم، وفي محل نصب اسم "إن" في "إننا"، وفي محل رفع فاعل في "سمعنا"، وهنا لا بد من الانتباه إلى أمر هام، وهو أن "نا" عندما تتصل بالفعل، فإذا بني الفعل معها على السكون، كما في "سمعنا"، وهنا لا بد من الانتباه إلى أمر هام، وهو أن "نا" عندما تتصل بالفعل، فإذا بني الفعل معها على السكون، كما في "سمعنا" تكون "نا" في محل رفع فاعل، وإذا بني الفعل معها على الفتح، كما في "سلبنا، وسرقنا" تكون في محل نصب مفعول به.
[ ١ / ١٠١ ]
وقال بعضهم١: لا يختص ذلك بكلمة "نا" بل الياء، وكلمة "هم" كذلك؛ لأنك تقول: "قومي" و"أكرمني" و"غلامي" و"هم فعلوا" و"إنهم" و"لهم مال" وهذا غير سديد؛ لأن ياء المخاطبة غير ياء المتكلم، والمنفصل غير المتصل.
وألفاظ الضمائر كلها مبنية٢، ويختص الاستتار بضمير الرفع٣.
_________________
(١) ١ قائل ذلك: أبو حيان؛ وقد نظر إلى الضمير من غير اعتبار لمعناه، ولا لكونه متصلا أو منفصلا ورد المؤلف بأنه لا بد من النظر إلى معنى الضمير وإلى نوعه، فإن اتحد اللفظ والمعنى والنوع، كان ضميرا واحدا، وإن اتحد اللفظ واختلف المعنى كياء المتكلم وياء المخاطبة، أو اتحد اللفظ، واختلف النوع، ككلمة "هم" فإنها، في قولك "لهم" وقولك "إنهم" ضمير متصل، وفي قولك "هم يفعلون" ضمير منفصل. فهما متغايران، بخلاف "نا" فإن لفظها واحد، ومعناها واحد أيضا، ونوعها واحد وهو المتصل، وهي مع هذا من الاتفاق واقعة في مواقع الإعراب الثلاثة الرفع والنصب والجر. التصريح. ١/ ٩٩. ٢ اتفق النحاة على أن الضمائر كلها مبنية، واختلف في سبب بنائها، فقيل شبه الحرف في المعنى؛ لأن كل مضمر مضمَّن معنى التكلم أو الخطاب أو الغيبة، وهي من معاني الحروف، وقيل شبه الحرف في الوضع؛ لأن أكثر المضمرت على حرف واحد أو حرفين، وحمل الأقل على الأكثر وقيل شبه الحرف في الافتقار؛ لأن المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميمة مشاهدة أو غيرها، وقيل شبه الحرف في الجمود، وقيل اختلاف صيغه لاختلاف معانيه، وقيل غير ذلك، ولا يختص الإبراز بضمير بعينه، بل يكون في ضمير الرفع والنصب والجر. التصريح ١/ ١٠٠، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ١١٠. ٣ فإن قلت: فإني أجد ضمير النصب مقدرا في نحو: "إني أكرم الذي تكرم" أي الذي تكرمه، وفي ضمير الجر نحو قوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون﴾ أي: منه، فكيف تقولون: إن الاستتار لا يكون إلا لضمير الرفع؟. فالجواب: أن ما ذكرت من باب الحذف، أي أن الضمير كان مذكورا في الكلام، ثم حذف، ولا كذلك المستتر، فقد التبس عليك الحذف بالاستتار. أوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٨٧، حا: ٢.
[ ١ / ١٠٢ ]
[الضمير المستتر قسمان]:
وينقسم المستتر إلى مستتر وجوبا، وهو: ما لا يخلفه ظاهر ولا ضمير منفصل، وهو: المرفوع بأمر الواحد، كـ "قم" أو بمضارع مبدوء بتاء خطاب الواحد، كـ "تقوم" أو بمضارع مبدوء بالهمزة، كـ "أقوم" أو بالنون، كـ "نقوم" أو بفعل استثناء، كـ "خلا، وعدا، ولا يكون" في نحو قولك: "قاموا ما خلا زيدا، وما عدا عمرا، ولا يكون زيدا" أو بأفعل في التعجب أو بأفعل التفضيل١، كـ "ما أحسن الزيدين"، و: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًَا﴾ ٢، أو باسم فعل غير ماضٍ، كـ "أوه، ونزال"٣.
وإلى مستتر جوازا، وهو: ما يخلفه ذلك، وهو المرفوع بفعل الغائب أو الغائبة، أو الصفات المحضة٤، أو اسم الفعل الماضي نحو: "زيد قام، وهند
_________________
(١) ١ أي في غير مسألة "الكحل" المشهورة، فإنه يرفع فيها الظاهر باطراد، وكذلك يرفع الضمير البارز على لغة، في نحو: مررت برجل أفضل منه أنت، إذا لم يعرب "أنت": مبتدأً. ٢ "١٩" سورة مريم، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿أَحْسَنُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء: "أحسن" اسم تفضيل، وفيه ضمير مستتر وجوبا مرفوع على الفاعلية، وأثاثا: تمييز منصوب. ٣ بقي مما استتر وجوبا؛ الضمير المرفوع بالمصدر النائب عن فعله، نحو قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ وأيضا الضمير المستتر في "نعم وبئس" المفسر بنكرة نحو: "نعم قوما معشره" وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ فقد نصوا على أن هذا الضمير لا يجوز إظهاره. التصريح: ١/ ١٠١، وحاشية الصبان: ١/ ١١٢. ٤ أي: الخالصة من شائبة الاسمية، كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة. وقد مثل لذلك المصنف، وبقيت أمثلة المبالغة، نحو: محمد ضراب أو مضراب إلخ؛ أما الصفات غير المحضة وهي التي غلبت عليها الاسمية فلا تحتمل ضميرا، مثل: الأبطح، والأجرع، والأبيض، والأرحب.
[ ١ / ١٠٣ ]
قامت، وزيد قائم، أو مضروب، أو حسن، وهيهات"، ألا ترى أنه يجوز "زيد قام أبوه" أو "ما قام إلا هو" وكذا الباقي.
تنبيه: هذا التقسيم تقسيم ابن مالك١ وابن يعيش٢ وغيرهما، وفيه نظر٣ إذ الاستتار في نحو: "زيد قام" واجب؛ فإنه لايقال: "قام هو" على الفاعلية، وأما "زيد قام أبوه" أو "ما قام إلا هو" فتركيب آخر، والتحقيق أن يقال: ينقسم العامل إلى ما لا يرفع إلا الضمير المستتر كأقوم، وإلى ما يرفعه وغيره كقام.
[انقسام الضمير المنفصل بحسب مواقع الإعراب إلى قسمين]:
وينقسم المنفصل، بحسب مواقع الإعراب، إلى قسمين:
١ ما يختص بمحل الرفع، وهو: "أنا، وأنت، وهو" وفروعهن، ففرع أنا نحن١، وفرع أنتَ: أنتِ، وأنتما، وأنتم، وأنت، وفرع هو: هي، وهما، وهم وهن.
٢ وما يختص بمحل النصب، وهو: "إيا" مردفا بما يدل على المعنى المراد
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ ابن يعيش: أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش الحلبي النحوي، ولد بحلب سنة ٥٥٣ هـ، وأخذ عن علمائها، ورحل إلى بغداد، ودمشق إلى أن صار من كبار أئمة العربية. ولا سيما النحو والصرف، وقد غالب فضلاء حلب وتصدر للإقراء بها زمانا، له كتاب شرح المفصل، وشرح تصريف ابن جني، مات بحلب سنة ٦٤٣هـ. البلغة: ٢٨٩، بغية الوعاة: ٢/ ٣٥١، وفيات الأعيان: ٢/ ٤٥٠، ومعجم المؤلفين: ١٣/ ٢٥٦، والأعلام: ٩/ ٢٧٢. ٣ ذلك أن المؤلف فهم من قول ابن مالك وابن يعيش في تعريف الضمير المستتر: "المستتر جوازا: هو ما يخلفه الظاهر أو الضمير المنفصل" أن أحدهما يخلفه في تأدية معناه، وليس هذا بمرادهما، بل مرادهما يخلف المستتر جوازا في رفع العامل إياه، وإن لم يكن المعنى واحدا وبهذا، ينحل اعتراضه ويصير موافقا لما ذكر هو أنه التحقيق. التصريح: ١/ ١٠٢ الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ١١٣. ٤ إنما كان نحن فرعا لـ "أنا" لأن "أنا" دالٌّ على الواحد المتكلم، و"نحن" دال على المتكلم المتعدد أو المنزل منزلته. ولا شك أن التعدد فرع عن الواحد.
[ ١ / ١٠٤ ]
نحو: "إياي" للمتكلم، و"إياك" للمخاطب، و"إياه" للغائب، وفروعها: "إيانا، وإياك، وإياكما، وإياكم، وإياكن، وإياها، وإياهما، وإياهم، وإياهن.
تنبيه: المختار أن الضمير نفس "إيَّا" وأن اللواحق لها حروف تكلم، وخطاب، وغيبة٢.
فصل:
القاعدة أنه متى تأتي اتصال الضمير لم يعدل إلى انفصاله٢، فنحو: "قمت" و"أكرمتك" لا يقال فيهما: "قام أنا" ولا "أكرمت إياك"، فأما قوله٣: [البسيط]
٢٢- إلا يزيدهم حبا إليَّ همُ٤
_________________
(١) ١ ما ذكر مذهب سيبويه، وذهب الخليل إلى أن اللواحق ضمائر، و"إيا" ضمير مضاف إليها، واختار هذا ابن مالك، وهو رأي ضعيف؛ لأنه لم تعهد إضافة الضمائر، وأما قولهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب" فشاد، وذهب بعض البصريين وجمع من الكوفيين، إلى أن اللواحق، هي الضمائر، وكلمة "إيا" عماد، أي: زيادة تعتمد عليها اللواحق؛ لِيتميز المنفصل من المتصل، ويرى الزجاج أن "إيا" اسم ظاهر مضاف إلى ما بعده، وما بعده، هو الضمير. وأما "أنا وأنت"، وفروعه من ضمائر الرفع، فقيل: إن الضمير، هو الهمزة والنون، أما الألف فزائدة، والتاء حرف خطاب، واللواحق الأخر؛ لِبيان المراد، من إفراد وتثنية وجمع، وقيل -وهو الصواب- إن الضمير مجموع "أنا، وأنت" وكذا في "هو" وفروعه فالمجموع هو الضمير. انظر شرح التصريح: ١/ ١٠٣-١٠٤. حاشية الصبان: ١/ ١١٥. إنما استعمل العرب الضمائر لقصد الاختصار، والضمير المتصل أشد اختصارا من الضمير المنفصل، وبالتالي كان أبلغ في بلوغ القصد؛ لِهذا لم يعدلوا عن استعمال المتصل إلا عند الضرورة. التصريح: ١/ ١٠٤. ٣ القائل: هو زياد بن منقذ العدوي التميمي المعروف بالمرار الحنظلي العدوي، أحد شعراء الدولة الأموية، عاصر "جريرا" وهاجاه، فرد عليه جرير. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٩٧، واللآلي: ٨٣٢، والخزانة: ٢/ ٣٩١، والمؤتلف: ١٧٦. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وما أصاحب من قوم فأذكرهم وهو من قصيدة لزياد، يقولها في تذكر أهله والحنين إلى وطنه، وكان قد نزل =
[ ١ / ١٠٥ ]
وقوله١: [البسيط] .
٢٣- إياهم الأرض في دهر الدهارير٢
فضرورة
_________________
(١) = بصنعاء، وكانت منازل أهله بنجد، وأول هذه الكلمة، فيما رواه أبو تمام في الحماسة: لا حبذا أنت يا صنعاء من بلدٍ ولا شعوب هوى مني ولا نُقُمُ وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أُشَيٍّ وفتيان به هُضُمُ والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: ١/ ١٠٤، والأشموني "٤٦/ ١/ ٥١"، والمغني "٢٥٦/ ١٩٥" وشرح شواهد المغني للسيوطي" ١٤٧، وشرح المفصل: ٧/ ٢٦، والخزانة: ٢/ ٣٩٣،وشرح العيني: ١/ ٢٥٦، والشعر والشعراء: ٢/ ٦٩٧. المعني: يبين الشاعر أنه ما اتصل بقوم، صحبهم وذكر قومه أمامه أمامهم، إلا زادوه حبا وثقة بقومه لما يسبغونه عليهم من المدح والثناء. الإعراب: ما: نافية، من قوم: من زائدة، قوم، اسم مجرور لفظا، منصوب محلا على أنه مفعول به لـ "أصاحب". فأذكرهم الفاء سببية، أذكر: مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة جوابا للنفي، ويجوز الرفع عطفا على أصاحب، والفاعل: أنا، و"هم" في محصل نصب مفعولا به. إلا أداة استثناء ملغاة، أو أداة حصر. يزيدهم: فعل مضارع مرفوع، و"هم" في محل نصب مفعولا به أول منصوبا. حبا: مفعول به ثانٍ منصوب. "إلى" متعلق بـ "يزيد". "هم" الثانية: في محل رفع فاعل لـ "يزيد". موطن الشاهد: "هم" في آخر البيت. وجه الاستشهاد: مجيء هذا الضمير منفصلا للضرورة، والقياس أن يؤتى به متصلا بالفعل، فالأصل فيه: يزيدونهم. ١ هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٢ تخرج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت وهو من قصيدة للفرزدق، يمدح فيها يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقبله قوله: يا خير حي وَقَتْ نعل له قدما وميت بعد رسل الله مقبور وهو من شواهد همع الهوامع: ١/ ٦٢، والدرر اللوامع: ١/ ٣٨، والخصائص: ١/ ٣٠٧ و٢/ ١٩٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٤٠، والإنصاف: ٦٩٨، والخزانة: ٢/ ٤٠٩، وشرح شواهد الألفية للعيني: ١/ ٢٧٤، وديوان الفرزدق: ٢٦٦. المفردات الغريبة: الباعث: الذي يبعث الأموات ويحييهم، الوارث: الذي ترجع إليه =
[ ١ / ١٠٦ ]
ومثال١ ما لم يتأتَّ فيه الاتصال أن يتقدم الضمير على عامله، نحو: ﴿إِيَّاكَ
_________________
(١) = الأملاك بعد الفناء، وهما اسمان لله تعالى: ضمن: اشتملت عليهم. الدهارير: جمع لا واحد له من لفظه، وهو الشدائد. المعنى: يقسم الشاعر بباعث الأموات، ووارثهم بعد موتهم، وقد اشتملت عليهم الأرض، وضمتهم في أزمان الشدائد والمحن؛ والمقسم عليهم في البيت الذي يليه. الإعراب: "بالباعث": متعلق بـ "حلفت" في البيت السابق. الوارث: صفة للباعث، الأموات: مضاف إليه مجرور، أو منصوب على أنه مفعول به، تنازعه الوصفان قبله: "الباعث والوارث"، فأعمل فيه الثاني، ولم يعمل الأول في ضميره، بل حذفه؛ لِكونه فضلة. قد: حرف تحقيق. ضمنت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث. إياهم: ضمير منفصل في محل نصب مفعول به لـ "ضمن". الأرض: فاعل مرفوع. "في دهر": متعلق بـ "ضمن". الدهارير: مضاف إليه. موطن الشاهد: "ضمنت إياهم". وجه الاستشهاد: مجيء الضمير منفصلا؛ لِاضطرار الشاعر إلى إقامة الوزن، ولم يأتِ به متصلا، على ما يقتضيه القياس؛ إذ لو أتى به متصلا على ما يقتضيه القياس، لقال: "ضمنتهم الأرض"، وحكم هذا الإتيان به منفصلا مع التمكن من الإتيان به منفصلا، لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. ١ تتميما للبحث نقول: بقي اثنا عشر موضعا، لا يتأتى فيهما المجيء بالضمير المتصل، ويتعين في كل واحد منهما الإتيان بالضمير منفصلا: الأول: أن يكون الضمير فاعلا لمصدر، أضيف إلى مفعوله، نحو قوال الشاعر: بنصركم نحن كنتم ظافرين، وقد أغرى العدى بكمُ استسلامكم فشلا وعلى هذا تقول: عجبت من ضرب زيد أنت، فتكون إضافة ضرب لزيد من إضافة المصدر لمفعوله. الثاني: أن يكون الضمير مفعولا لمصدر أضيف إلى فاعله الظاهر، نحو قولك: عجبت من ضرب زيد إياك، فإن كان فاعل المصدر ضميرا أيضا، كانت من المسألة الأولى، التي يجوز فيه أمران. الثالث: أن يكون الضمير مرفوعا بصفة جارية على غير من هي له، مطلقا عند البصريين، ومع خوف اللبس عند الكوفيين، على ما تعرفه مفصلا في باب المبتدأ والخبر إن شاء الله، نحو زيد وعمر ضاربه هو. الرابع: أن يكون عامل الضمير محذوفا، نحو قول لبيد بين ربيعة العمري: فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل الخامس: أن يكون عامل الضمير حرفا من حروف النفي، نحو قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِم﴾ وقوله ﷻ: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . =
[ ١ / ١٠٧ ]
نَعْبُدُ﴾ ١، أو يلي "إلا"، نحو: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه﴾ ٢، ومنه قوله٣:
٢٤- وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي٤
_________________
(١) = السادس: أن يقع الضمير بعد واو المعية، نحو قول الشاعر: فآليت لا أنفك أحذو قصيرة تكون وإياها بها مثلا بعدي السابع: أن يكون الضمير تابعا لمعمول آخر لعامله، كالضمير المعطوف في قول الله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُم﴾ . الثامن: أن يقع الضمير بعد "إما" نحو قولك: "يتولى الأمر إما أنا وإما أنت". التاسع: أن يكون عامل الضمير معنويا، وهو الابتداء أي أن يكون الضمير مبتدأ نحو: "أنا مؤمن". العاشر: أن يقع الضمير بعد اللام الفارقة، الداخلة في خبر إن المخففة، كقول الشاعر: إن وجدت الصديق حقا لإياك فمرني فلن أزال مُطيعا. الحادي عشر: أن يكون الضمير منادىً به، نحو: "يا أنت"، ونحو: "يا إياك"، ومنه قول الشاعر: يا أبجر بن أبجر يا أنتا أنت الذي طلقت عام جُعْتَا الثاني عشر: أن يكون الضمير ثاني متحدي الرتبة، معمولين لعامل واحد، وليس مرفوعًا، نحو: "ظننتني إياي" و"ظننتك إياك". التصريح: ١/ ١٠٥و ١٠٦. حاشية الصبان: ١/ ١١٥. ١ "١" سورة الفاتحة: الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ . وجه الاستشهاد: أتى بالضمير منفصلا في الآية الكريمة؛ لِتقدم الضمير على عامله "نعبد" وحكم مجيئه منفصلا في هذه الحالة الوجوب. ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: ﴿تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الضمير "إياه" منفصلا، على الرغم من تأخره عن عامله؛ لأنه وَلِيَ "إلا" لفظا"، ومى وَلِيَ الضمير "إلا" لا يتأتى المجيء به متصلا، كما هو معلوم. ٣ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذه قطعة من بيت وتمامه: أنا الذائد الحامي الذمار، وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي =
[ ١ / ١٠٨ ]
لأن المعنى ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا.
_________________
(١) = وهو من قصيدة للفرزدق، يعارض فيها جريرا، ويفخر عليه، وبعد الشاهد قوله: فمهما أَعِشْ لا يضمنوني ولا أضع لهم حسبا ما حركت قدمي نعلي والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٠٦، والأشموني "٤٨/ ١/ ٥٢" وهمع الهوامع: ١/ ٦٢ والدرر اللوامع: ١/ ٣٩، والمحتسب: ٢/ ١٩٥، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ٢١٤، ٢٢٣، وشرح المفصل: ٢/ ٩٥، ٨/ ٥٦، والعيني: ١/ ٢٧٧، ومعاهد التنصيص: ١/ ٨٩، ومغنى اللبيب: "٥٧٤/ ٤٠٧"، وشرح شواهد المغني للسيوطي: ٢٤٥، وديوان الفرزدق: ٧١٢. المفردات الغريبة: الذائد: اسم فاعل من ذاد الشيء، يذوده، إذا دفعه، وتقول: فلان يذود عن قومه، إذا كان يدفع عنهم كل ما ينزل بهم. الذمار، كل ما لزم الإنسان أن يحافظ عليه، ويحميه. أحساب: جمع حسب، ما يعد من مفاخر الآباء، وقيل: المال، والأول أفضل وأشهر. لا يضمنوني: لا يرتكب جريمة، ولا يجني جناية تجعل قومه يكلفونه، أو يغرمون عنه. لا أضع: لا أضيع، وهو مجزوم؛ لأنه معطوف على جواب الشرط، وحذفت الياء؛ لِالتقاء الساكنين. "ما حركت قدمي نعلي": "ما" هنا مصدرية ظرفية، والمعنى: مدة تحريك قدمي نعلي، وقصد بذلك، مدة بقائه في الحياة؛ لأنه ما دام حيا، فلا بد أن يحرك قدمه، فتتحرك نعله لحركتها. معنى الشاهد: يفخر الشاعر بأنه هو، المدافع عن قومه، والحامي لكل ما تجب حمايته لهم من مال وأعراض وغيرها، ولا يدافع عن أحسابهم ومفاخرهم إلا هو أو من ماثله في الشجاعة والغيرة وصفات الكمال. الإعراب: أنا: مبتدأ. الذائد: خبر مرفوع. الحامي: صفة للذائد، أو خبر ثانٍ. الذمار: مضاف إليه، أو مفعول به لاسم الفاعل "الحامي". إنما كافة ومكفوفة، تفيد القصر، لا محل لها، يدافع. فعل مضارع مرفوع. "عن أحسابهم": متعلق به "يدافع" و"هم" مضاف إليه. أنا: ضمير منفصل، في محل رفع فاعل يدافع. أو: حرف عطف. مثلي: "مثل" معطوف على الضمير المنفصل، والياء: مضاف إليه. موطن الشاهد: "إنما يدافع عن أحسابهم أنا". وجه الاستشهاد: مجيء "أنا" ضميرا منفصلا بعد "إلا" في المعنى والتأويل؛ لأنه لا يتأتى الضمير المنفصل في هذه الحالة، وكان الضمير هنا واقعا بعد "إلا" في المعنى والتأويل لأن معنى قوله: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي، هو عينه معنى قوله: لا يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي.
[ ١ / ١٠٩ ]
[ما يستثنى من هذا القاعدة]:
ويستثنى من هذه القاعدة مسألتان:
إحداهما: أن يكون عامل الضمير عاملا في ضمير آخر أعرف منه١ مقدم عليه وليس مرفوعا٢، فيجوز حينئذ في الضمير الثاني الوجهان، ثم إن كان العامل فعلا غير ناسخ، فالوصل أرجح كالهاء من "سلنيه" قال الله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ٣، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ٤، ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ ٥، ومن الفصل: "إن الله ملككم إياهم" ٦، وإن كان اسما فالفصل أرجح، نحو: "عجبت من حبي إياه" ومن الوصل
_________________
(١) ١ تبين لنا فيما مضى، أن ضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب، وهذا أعرف من ضمير الغيبة. ٢ أي ليس الضمير المقدم مرفوعا، وهذا يستلزم أن يكون العامل من الأفعال التي تنصب مفعولين. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٣٧. موطن الشاهد: ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يكفي" غير ناسخ، واتصل به ضميران، الكاف، وهُم، ولما كان الضمير الأول أعرف من الثاني، ومتقدما عليه، أتى بالضمير الثاني موصولا، وحكم هذا الوصل الجواز مع الترجيح. ٤ "١١" سورة هود، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ها" الضمير الثاني بعد الكاف، ولذا جاء موصولا؛ لأن عامله عامل في ضمير أعرف منه، وهو الكاف، وحكم هذا الوصل الترجيح، والواو في "أنلزمكموها" للإشباع، لا محل لها. ٥ "٤٧" سورة محمد الآية: ٣٧. موطن الشاهد: ﴿يَسْأَلْكُمُوهَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء ضمير "ها" موصولا، كما في الآية السابقة، وحكم وصله الجواز مع الترجيح. ٦ حديث نبوي شريف وتمامه: "ولو شاء الله لملكهم إياكم". والمراد الأرقاء. موطن الشاهد: "ملككم إياهم ". وجه الاستشهاد: مجيء ضمير "إياهم" مفصولا؛ لأنه لو وصل، لقال: ملَّكَكُمُوهُم، ولكنه فر من الثقل الحاصل من اجتماع الواو مع ثلاث ضمات، وحكم هذا الفصل الجواز.
[ ١ / ١١٠ ]
قوله١: [المتقارب] .
٢٥- لقد كان حبِّيك حقا يقينا٢.
_________________
(١) ١ هذا البيت ذكره أبو تمام في ديوان الحماسة من شعر اختاره ولم ينسبه إلى قائل معين. تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لئن كان حبك لي كاذبا وقيل الشاهد قوله: لئن كنت أوطأتني عشوة لقد كنت أصفيتك الود حينا وما كنت إلا كذي نهزة تَبَدَّلَ غثًّا وأعطى سمينا. والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٠٧، والأشموني "٤٩/ ١/ ٥٢"، وشرح العيني: ١/ ٢٨٣. المعني: يخطاب الشاعر حبيبته قائلا: والله إن كنت كاذبة في حبك لي، فإن محبتي لك صادقة لا شك فيها. الإعراب: لئن: اللام موطئة للقسم، إن: شرطية جازمة. كان: فعل الشرط. حبك: اسم كان وهو مضاف إلى الكاف، من إضافة المصدر إلى فاعله، كاذبا: خبر كان لقد: اللام واقعة في جواب القسم. حبيك: اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه الضمة على ما قبل الياء، والياء: مضاف إليه، وهي فاعل المصدر، والكاف: مفعول به للمصدر. حقا: خبر كان. يقينا: صفة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. موطن الشاهد: "حبيك". وجه الاستشهاد: مجيء الضمير الثاني "الكاف" متصلا، وذاك شائع مرجوح، ولو أتى به منفصلا، لقال: حبي إياك، وهو الأرجح؛ لأن العامل فيه المصدر وليس الفعل. فائدة: في قول المؤلف: "وإن كان اسما فالفصل أرجح"؛ لأن الاسم إنما يعمل لمشابهته الفعل، فهو أقل اتصالا بالمفعول من الفعل. والمراد بالاسم هنا المصدر كما في الشاهد السابق، واسم الفاعل، كما في قول الشاعر: لا تَرْجُ أو تَخْشَ غير الله إن أذى واقيكه الله لا ينفكُّ مأمونا فـ "واقيكه": اسم فاعل وصل الضميرين، الأول منهما كاف الخطاب، والثاني هاء الغائب العائدة إلى أذى. ويشترط أن يكون أول الضميرين مجرورا، كما مثل في الشاهد، سواء كان فاعلا كالمثال المذكور، أو مفعولا، نحو: الدرهم إعطاؤك إياه تفضل عليك. ونظير البيت الشاهد قول قيس بن الملوّح: تضعَّفَني حبِّيكِ حتى كأنني من الأهل والمال التلاد خليعُ وانظر شرح التصريح: ١/ ١٠٧، وحاشية الصبان: ١/ ١١٧-١١٨.
[ ١ / ١١١ ]
وإن كان فعلا ناسخا نحو: "خلتنيه"، فالأرجح عند الجمهور الفصل١ كقوله٢: [البسيط]
٢٦- أخي حسبتك إياه٣
_________________
(١) ١ لأن الضمير خبر في الأصل، وحق الخبر الانفصال. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: الشاهد بتمامه: أخي حسبتك إياه، وقد ملئت أرجاء صدرك بالأضغان والإحنِ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٠٧، والأشموني "٥٤/ ١/ ٥٣"، وشرح شواهد العيني: ١/ ٢٧٦. المفردات الغريبة: حسبتك إياه: ظننت أنك أخي. أرجاء: نواحٍ، جمع رجا، كعصا، وهو الناحية. الأضغان: الأحقاد، جمع ضغن، وهو الحقد. الإحن: جمع إحنة، وهي الحقد أيضا. فالعطف للتفسير والترادف. المعنى: يصور الشاعر خيبة أمله بمن اتخذه أخا، وهو يظن بأنه سيشد من أزره، ويدفع عنه عوادي الدهر، ولكنه تكشف عن صدر ملؤه الأحقاد والضغائن عليه. الإعراب: أخي: مبتدأ، ومضاف إليه. حسبتك: فعل مضارع وفاعل مفعول أول. إياه: مفعول ثانٍ، والجملة خبر المبتدأ، ويمكن أن يكون "أخي" منادى بحرف نداء محذوف، أو مفعولا محذوف يفسره المذكور بعده "حسبتك"، ويكون من باب الاشتغال، كما سيأتي. وقد: الواو حالية، قد: حرف تحقيق. ملئت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: للتأنيث. أرجاء: نائب فاعل مرفوع. صدرك: مضاف إليه، وجملة "ملئت أضغان صدرك" في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "حسبتك إياه". وجه الاستشهاد: مجيء الضمير "إياه" منفصلا، وهو مفعول به ثانٍ لفعل ناسخ، وهو "حسب"، وحكم هذا الفصل الرجحان عند الجمهور، ويجوز الوصل: حسبتكه، غير أنه مرجوح كما بينا سابقا.
[ ١ / ١١٢ ]
وعند الناظم١، والرماني٢، وابن الطراوة٣ الوصل، كقوله٤:
٢٧- بُلِّغْتُ صنع امرئ بر إخالكه٥.
_________________
(١) ١ أي: ناظم الألفية: محمد بن مالك، وقد مرت ترجمته. ٢ الرماني: هو أبو الحسن علي بن عيسى، ولد سنة ٣٢٦هـ، أخذ عن ابن السراج والزجاج وابن دريد إلى أن صار إماما في العربية، ولا سيما النحو، حتى قيل: لم يُرَ مثله علما بالنحو، وكان يمزج النحو بالمنطق، حتى قال عنه الفارسيّ: "إن كان النحو ما يقوله الرماني، فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله، فليس معه منه شيء"، له كتب قيمة، منها: شرح كتاب سيبويه، وكتاب الحدود، وكتاب معاني الحروف، مات سنة: ٣٨٤هـ. البلغة: ١٥٩، وإنباه الرواة: ٢/ ٢٩٤، وبغية الوعاة: ٢/ ١٧٠، ووفيات الأعيان: ١/ ٣٣١. ٣ ابن الطراوة: أبو الحسن، سليمان بن محمد بن عبد الله السبائي النحوي، من أهل مالقة "مدينة بالأندلس" إمام عالم، وأديب ماهر، أخذ عن أبي الحجاج الأعلم كتاب سيبويه، وروى عنه القاضي عياض، له مصنفات قيمة، منها: الإفصاح على الإيضاح، وترشيح المقدمات على كتاب سيبويه، مات بمالقة سنة: ٥٢٨هـ. البلغة: ٩١، بغية الوعاة: ١/ ٦٢، معجم المؤلفين: ٤/ ٢٧٤، الأعلام: ٣/ ١٩٦. ٤ لم ينسب إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إذ لم تزل لاكتساب الحمد مبتدرا والبيت من شواهد التصريح: ١/ ١٠٨، والأشموني "٥٢/ ١/ ٥٣"، وشرح شواهد العيني: ١/ ٢٨٧. المفردات الغريبة: بر "بفتح الباء، وتشديد الراء": الصادق، وبر فلان في يمينه، إذا صدق. إخالكه: أظنكه. مبتدرا: مسرعا، من ابتداء فلان الأمر: إذا أسرع إليه. المعنى: يخاطب الشاعر أحدهم: بأني لما أعلمت بما صنعه امرؤ محسن صادق، من الكرم والبر، ظننتك إياه، لما أعلمه من أنك السباق المسارع إلى عمل الخير، المبادر لاكتساب الحمد والثناء. الإعراب: بلغت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل، وفي الأصل، هو مفعوله الأول. صنع: مفعول به ثانٍ. امرئ: مضاف إليه. بر: صفة لـ "امرئ". إخالكه: فعل مضارع، والفاعل: أنا، والكاف: مفعول به أول، والهاء: مفعول ثانٍ. إذا حرف تعليل، لا محل له من الإعراب، ويمكن أن يكون ظرفا متعلقا، بـ "إخال" الوجه الأول هنا أفضل. لاكتساب: متعلق بقوله: "مبتدرا" الواقع خبرا "نزل". موطن الشاهد: "إخالكه". وجه الاستشهاد: مجيء الضمير الثاني "الهاء" متصلا، وهو مفعول ثانٍ لفعل "إخال" لناسخ، وحكم هذا الوصل الجواز مع الترجيح عند من ذكرهم المؤلف واختاره ابن مالك، ويجوز الفصل، فتقول: إخالك إياه. فائدة: الأصل في الضمير الاتصال، والأصل في الخبر الانفصال، وكل من هذين الأصلين مؤيد بالسماع، فلما دخل الفعل الناسخ "إخال" على المبتدأ والخبر، كان للنحاة مذهبان: منهم من رجح اعتبار الأصل الأول، فقضى أن اتصال الضمير في هذه الحالة أرجح، ومنهم من رجح اعتبار الأصل الثاني، فقضى بأن انفصال الضمير في هذه الحالة أرجح، وكلاهما جائز باتفاق.
[ ١ / ١١٣ ]
الثانية: أن يكون منصوبا بكان أو إحدى أخواتها، نحو: "الصديق كنته" أو "كانه زيد" وفي الأرجح من الوجهين الخلاف المذكور، ومن ورود الوصل الحديث: "إن يكنه فلن تسلط عليه" ١، ومن ورود الفصل قوله٢: [الطويل]
٢٨- لئن كان إياه لقد حال بعدنا٣.
_________________
(١) ١ هذه قطعة من حديث شريف وتتمته: "وإلا يكنه فلا خير لك في قتله". الحديث موجَّه إلى عمر بن الخطاب، حين أراد أن يقتل ابن صياد لما ظهر له أن يشبه المسيح الدجال، وكان النبي ﷺ قد حدث أصحابه عن المسيح الدجال. وقد روى الحديثَ البخاريُّ في باب: كيف يُعرَض الإسلام على الصبي من كتاب الجهاد في صحيحه عن ابن عمر، البخاري ٢/ ٨٢، ٤/ ٥٦، ٨/ ٣٤، ١٠٧، لكن روايته في الموضعين الأخيرين مغايرة لما عندنا، ورواه مسلم في باب: ذكر ابن الصياد من كتاب الفتن وأشراط الساعة من صحيحه. مسلم: ٤/ ٢٩٣٠، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده برقم: ٦٢٦ بلفظ: "إن يكن هو" والحديث في شرح التسهيل: ١/ ١٧١. ٢ القائل: هو عمر بن أبي ربيعة، أبو الخطاب القرشي المخزومي، شاعر الغزل المشهور. وُلِد ليلة مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كان فاسقا يتعرض للنساء الحواجِّ، فسيره عمر بن عبد العزيز إلى الدهلك، ومات بينما كان في سفينة حرقًا سنة ٩٣ هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٥٥٣، الأغاني: ١/ ٢٨، الخزانة: ١/ ٢٣٨، ابن خلكان: ١/ ٤٤٧. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: عن العهد، والإنسان قد يتغير
[ ١ / ١١٤ ]
ولو كان الضمير السابق في المسألة الأولى مرفوعا وجب الوصل، نحو: ضربته" ولو كان غير أعرف وجب الفصل، نحو "أعطاه إياك" أو "إياك" أو "أعطاك إياي"١، ومن وجب الفصل إذا اتحدت الرتبة، نحو: "ملكتني إياي" و"ملكت
_________________
(١) = وهو من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة، وأولها قوله: أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٠٨، والأشموني "٥٣/ ١/ ٥٤"، وشرح المفصل: ٣/ ١٠٧. والمقرب: ١٦، والخزانة: ٢/ ٤٢، وشرح العيني: ١/ ٣١٤، وديوان عمر بن أبي ربيعة: ٨٦. المفردات الغريبة: حال: تغير، وتحولت حالته. عن العهد: عما عهدناه فيه من الشباب والنضرة. المعنى: يتحدث الشاعر بلسان حال حبيبته التي عجبت؛ لِتغير هيئته وحالته، حيث تقول: إن كان حقا الذي نراه عمر، فقد تحولت حاله عما كنا نعهده فيه من القوة والشباب والحسن، ثم يسليها قائلا: غير أن الإنسان يغيره مرور الزمان، وتقلبات الدهر، وتتالي الأيام. الإعراب: لئن: اللام موطئة للقسم، إن شرطية، كان: فعل ماضٍ ناقص، وهو فعل الشرط، واسمه "هو" يعود على عمر المعبر عنه بـ "المغيري" في الأبيات السابقة. إياه: خبر كان لقد: اللام واقعة في جواب القسم، قد: حرف تحقيق. حال: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. "بعدنا". متعلق بـ "حال" و"نا"، مضاف إليه. وجملة "حال بعدنا" جواب القسم، لا محل لها، وجملة جواب الشرط محذوفة؛ لِدلالة جواب القسم عليها. "عن العهد": متعلق بـ "حال". والإنسان: الواو حالية، الإنسان: مبتدأ. قد: حرف تقليل. يتغير: فعل مضارع، والفاعل: هو، وجملة "يتغير": في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة "الإنسان قد يتغير": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "كان إياه". وجه الاستشهاد: مجيء الضمير "إياه" خبرا لـ "كان" الناقصة الناسخة للمبتدأ والخبر، وقد أتى به منفصلا، ومجيئه على هذا الوجه جائز باتفاق من غير ضرورة ولا شذوذ، ولو وصل، لقال: "كانه"، وهو وجه جائز باتفاق أيضا، غير أن ابن مالك يختار الاتصال، وغيره يختار الانفصال. ١ نسب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁- أنه قال: "أراهمني الباطل شيطانا" بوصل الضميرين، وأولهما ليس أعرف من الثاني؛ لأن الأول ضمير غيبة. والثاني ضمير متكلم، ومعنى العبارة: أن الباطل أراهم إياي شيطانا: أي جعلهم يرونني شيطانا، وحكم هذا الاتصال نادر، والأصل: أراهم الباطل إياي شيطانا، وأجاز المبرد وكثير من القدماء تقدم غير الأخص مع الاتصال، نحو: أعطيتهموك، ولكن الانفصال عندهم راجح. اشطر شرح التصريح: ١/ ١٠٨-١٠٩.
[ ١ / ١١٥ ]
إياك" و"ملكته إياه"، وقد يباح الوصل إن كان الاتحاد في الغيبة، واختلفت لفظ الضميرين، كقوله١: [الطويل]
٢٩- أنالَهُماهُ قَفْوُ أكرمِ والد٢
_________________
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لوجهك في الإحسان بسط وبهجة وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٠٩، والأشموني "٥٥/ ١/ ٥٤"، وهمع الهوامع: ١/ ٦٣، والدرر اللوامع: ١/ ٤١، وشرح شواهد العيني: ١/ ٣٤٢. المفردات الغريبة: بسط: بشاشة وطلاقة. بهجة: حسن، وسرور. أنالهماه: المراد: عوَّد وجهك البسط والبهجة. قفو: اتباع، أصله كان من مكانه في جهة قفاه، ثم قيل لمن يتبع واحدا ويسير على إثره. المعنى: يمدح الشاعر أحدهم: بأن البشاشة والطلاقة والحسن تملأ وجهه عند الإحسان والعطاء، وليس هذا بغريب؛ لأن هذه الصفات ورثها عن أبيه واكتسبها باقتدائه به؛ إذ هو المعروف بأنه أكرم والد. الإعراب: "لوجهك": متعلق بخبر مقدم. بسط: مبتدأ مؤخر "في الإحسان": متعلق بـ "بسط" وبهجة: الواو عاطفة. بهجة: معطوف على بسط. "أنا لهماه": "أنال" فعل ماضٍ مبني على الفتح، و"هما" في محل نصب مفعول به أول لـ "أنال"، والهاء "الضمير العائد إلى الوجه": في محل نصب مفعولا به ثانيا، ويمكن أن يكون المفعول الأول، وضمير الغائب العائد إلى المثنى المفعول الثاني. قفو: فاعل: "أنال" مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف: أكرم: مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى مفعوله، وأكرم: مضاف. والد: مضاف. موطن الشاهد: "أنالهماه". وجه الاستشهاد: مجيء الضمير الثاني "هاء" الغائب المفرد متصلا، غير أن الأكثر في مثل هذه الحال الانفصال "أنا لهما إياه" غير أن الوجهين جائزان باتفاق، وإنما خص جواز الاتصال والانفصال عند اتحاد الرتبة بضميري الغيبة؛ لِصحة اختلاف لفظهما، واختلاف مدلولهما، فنزل ذلك منزلة اختلاف الضميرين.
[ ١ / ١١٦ ]
[لزوم نون الوقاية قبل ياء المتكلم]:
مضى أن ياء المتكلم من الضمائر المشتركة بين محلَيْ النصب والخفض.
فإن نصبها فعل أو اسم فعل أو "ليت" وجب قبلها نون الوقاية١، فأما الفعل فنحو: "دعاني"٢ و"يكرمني" و"أعطني" وتقول: "قام القوم ما خلاني" و"ما عداني" و"حاشاني" إن قدرتهن أفعالا، قال٣: [الطويل]
٣٠- تُمَلُّ الندامى ما عداني؛ فإنني٤
_________________
(١) ١ هي نون مكسورة، سميت بذلك؛ لأنها في الغالب تقي الفعل، وتصونه من وجود كسرة في آخره عند إسناده إلى ياء المتكلم، وتمنع اللبس في مثل: أكرمني، في الأمر، فلولاها لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة، وأمر المذكر، بأمر المؤنثة، كما تقي غير الفعل من تغيير آخر يلحق به، وتسمى كذلك "ياء النفس" وقد تحذف ياء المتكلم وتبقى النون المكسورة للدلالة عليها، نحو قوله تعالى: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون﴾ أي: فبم تبشرونني؟. انظر: الجنى الداني: ١٥٠-١٥١، ومغني اللبيب: ٤٥٠-٤٥١، وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٠٩-١١٠. ٢ من ذلك قول الشاعر: دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بقُعدُدِ الشاهد: دعاني، في المرتين، فإنه فعل ماضٍ عمل في ياء المتكلم، وقد أتى قبل ياء المتكلم بنون الوقاية، وفي قوله: لم يجدني، فإنه فعل مضارع عمل في ياء المتكلم أيضا، وقد أتى بنون الوقاية قبلها ومن: خليلي من عليا هلال بن عامر بعفراء عوجا اليوم وانتظرانِ أصله: انتظراني، فحذف الياء اجتزاء بكسرة نون الوقاية دالة عليها. أوضح المسالك: ١/ ١٠٦-١٠٧. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: بكل الذي يهوى نديمي مولَعُ وهو من شواهد التصريح: ١/ ١١٠، ١/ ٣٦٤، وشذور الذهب "١٢٣/ ٣٤٢"، وهمع الهوامع: "١/ ٣٣٢"، والدرر اللوامع: "١/ ١٩٧".
[ ١ / ١١٧ ]
وتقول: "ما أفقرني إلى عفو الله"، و"ما أحسنني إنِ اتقيتُ الله"، وقال بعضهم: "عليه رجلا ليسَنِي"١ أي: لِيلزمْ رجلا غيري، وأما تجويز الكوفي "ما أحسنني" فمبني على قوله إن "أحسن" ونحوه اسم، وأما قوله٢: [مشطور الرجز]:
٣١- إذ ذهب القوم الكرام ليسي
فضرورة
_________________
(١) = المفردات الغريبة: تمل: من الملل: وهو السأم. الندامى: جمع ندمان: وهو نديم الرجل في الشرب. مولع "بفتح اللام" بمعنى مغرى، وهو من أفعال ملازمة للبناء للمجهول. المعنى: يتباهى الشاعر بأن الناس يملون نداماهم وسمارهم؛ إلا هو؛ فلا يُمَلُّ ولا يستغنى عنه؛ لأن همه وأدبه أن يقضي كل ما يحبه منه نديمه. الإعراب: تمل: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع. الندامى: نائب فاعل. ما عداني: ما: مصدرية، عدا: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر فيه وجوبا، ويعود على البعض المفهوم من الكل السابق، والنون للوقاية، والياء: مفعول به، و"ما" وما دخلت عليه: في تأويل مصدر مجرور بإضافة ظرف مقدر، والتقدير: تمل الندامى وقت مجاوزتهم إياي. فإنني: الفاء تعليلية إن حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب اسم "إن" "بكل" متعلق بقوله: "مولع" الآتي، وكل: مضاف، الذي: مضاف إليه. يهوى: فعل مضارع. نديمي: فاعل ومضاف إليه، والجملة صلة للموصول، لا محل لها، والعائد من جملة الصلة إلى الاسم الموصول ضمير منصوب المحل بفعل "يهواى" محذوف، والتقدير: بكل الذي يهواه نديمي. مولع: خبر "إن" مرفوع. موطن الشاهد: "ما عداني". وجه الاستشهاد: دخول نون الوقاية على "عدا" الماضي، وهو هنا فعل، بدليل تقدم ما المصدرية عليه، ونون الوقاية دخلت لِاتصال الفعل بياء المتكلم. ١ قول حكاه سيبويه، عن بعض العرب، وقد بلغه أن رجلا يهدده. ٢ نسب أبن منظور في اللسان هذا البيت إلى رؤية بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: قيل الشاهد قوله: عددت قومي كعديد الطيس ويروى: عهدي بقومي كعديد الطيس. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١١٠، وابن عقيل: "١٧/ ١/ ١٠٩"،والأشموني "٥٧/ ١/ ٥٥، وهمع الهوامع: ١/ ٦٤، والدرر اللوامع: ١/ ٤١، والجنى الداني: ١٥٠، وشرح المفصل: ٣/ ١٠٨ والخزانة: ٢/ ٤٢٥، ٤٥٤، ٤/ ٥٦، واللسان مادة =
[ ١ / ١١٨ ]
وأما نحو: ﴿تَأْمُرُونِّيْ﴾ فالصحيح أن المحذوف نون الرفع.
_________________
(١) = "طيس"، ومغني اللبيب "٣١٠/ ٢٢٧" "٦٤٤/ ٤٥٠"، وشرح السيوطي: ١٦٧، وملحقات ديوان رؤبة: ١٧٥. المفردات الغريبة: عديد: عدد، يقال: هم عديد الثرى؛ أي عدد التراب. الطيس: الكثير من الرمل، ونحوه، وقد يسمى طيسلا. ليسى: المراد غيري. المعنى: يتأسف الراجز على حال قومه؛ فعديدهم إذا عدهم وأحصاهم كعدد الرمال والحصى ولكن لا خير فيهم، فقد ذهب القوم الكرام منهم سواه. الإعراب: قومي: مفعول به لـ "عددت" "كعديد": متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، أي: عددت قومي عدا كعديد. إذ: ظرفية متعلقة بـ "عددت"، أو حرف دال على المفاجأة. ليسي: فعل ماضٍ ناقص، واسمها: ضمير يعود على البعض المفهوم مما قبله، وياء المتكلم خبره. موطن الشاهد: "ليسي". وجه الاستشهاد: حذف نون الوقاية التي تلحق الفعل عند اتصاله بياء المتكلم، وحكم هذا الحذف أنها شاذٌّ، وسهله كون "ليس" فعلا جامدا غير متصرف، فهو شبيه بالاسم، وفي "ليسي" شذوذ آخر، وهو مجيء خبر "ليس" ضمير متصلا، ومعلوم أن الأصل في الخبر الانفصال، كما علمنا سابقا. ١ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٦٤. موطن الشاهد: ﴿تَأْمُرُونِي﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تأمروني" محذوف نون الرفع، على ما يرى سيبويه، وابن مالك، ومثلها قوله تعالى: ﴿تُحَاجُّونِّي﴾ قرأ نافع "تأمروني" بالتخفيف، أراد "تأمرونني" فحذف إحدى النونين للتخفيف، وينبغي أن تكون النون الثانية محذوفة؛ لأن التكرير بها وقع، ولا تحذف الأولى التي هي علامة الرفع، وقد حذفوا هذه النون، قال حميد الأرقط: قدني من نصر الخبيبين قدي فحذف وأثبت، وقال قوم: بل حذفوا نون الإعراب كما تحذف الضمة في مثل "يأمركم" وقرأ ابن عامر "تأمرونني" بنونين على الأصل "فلم يُدغِم النونين" وحجته إجماع الجميع على إظهار النون في قوله تعالى: ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ فرد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه، وقرأ الباقون: "تأمروني" بالتشديد، والأصل "تأمرونني" النون الأولى علامة الرفع والثانية مع الياء في موضع النصب، ثم أدغموا الأولى في الثانية. وأما النحاة: فقد اختلفوا في المحذوف من النونين، فرجح المؤلف أن المحذوفة هي نون الرفع وذلك لأمرين، الأول: أن نون الرفع قد عهد حذفها اطرادا في النصب والجزم، ونادرا في غيرهما. الثاني: أن نون الوقاية مأتيٌّ بها لفرض، فلا تحذف وهذا مذهب سيبويه وابن مالك. وذهب الأخفش والمبرد والفارسي وابن جني إلى أن المحذوف نون الوقاية، محتجين بأن التكرار، إنما حصل بنون الوقاية؛ لأن نون الرفع سابقة عليها، والتكرار، هو الذي دعا إلى التخفيف، فكانت نون الوقاية أولى بالحذف عند قصد التخفيف، فضلا عن أن نون الرفع علامة للإعراب، فهي أولى بالمحافظ عليها. انظر: حجة القراءات لأبي زرعة: ٦٢٤-٦٢٥، إعراب القرآن، للنحاس: ٢/ ٢٢٨، التصريح: ١/ ١١١.
[ ١ / ١١٩ ]
وأما اسم الفعل فنحو: "دراكني" و"تراكني" و"عَلَيْكَنِي" بمعنى "أدركني" وبمعنى "اتركني" وبمعنى "الزمني".
وأما ليت١ فنحو: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ٢، وأما قوله٣: [الوافر]
٣٢- فيا ليتي إذا ما كان ذاكم٤
_________________
(١) ١ إنما وجبت معها النون -على الراجح- لقوة شبهها بالفعل في المعنى والعمل. ٢ "٨٩" سورة الفجر الآية: ٢٤. موطن الشاهد: "ليتني". وجه الاستشهاد: مجيء نون الوقاية مع "ليت" المتصلة بياء المتكلم، وحكم اتصال نون الوقاية بـ "ليت" الوجوب؛ لِقوة شبهها بالفعل؛ لِكونها تغير معنى الابتداء ولا تعلق ما بعدها بما قبلها. ٣ القائل: هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وابن عم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ﵂، كان أحد المعتزلين عبادة الأوثان في الجاهلية، وكان يقرأ الكتب فتنصر وكتب الكتاب بالعبرانية من الإنجيل، وقصته مشهورة مع النبي ﷺ عندما أتت به السيدة خديجة إليه، فبشره بالخير، وتمنى لو أنه كان جزعا يوم يخرجه قومه. تجريد الأغاني: ١/ ٣٦٦-٣٦٧. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولجت وكنت أولهم ولوجا. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١١١،وشرح العيني: ١/ ٣٦٥، وسيرة ابن هشام: ١٢٢. المفردات الغريبة: يا ليتي: أراد يا هؤلاء ليتني، فحذف المنادى. ولجت: يريد بهذا دخوله في الإسلام ونصرة الرسول ﵊. المعنى: يتمنى الشاعر، إذا حدث ذلك الأمر، أن يكون حيًّا وقتئذٍ، فيدخل في هذا الدين، ويكون من السابقين في الدخول فيه والمصدقين به. الإعراب: فيا: الفاء عاطفة، يا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قومي، أو حرف يفيد التنبيه. ليت: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمها. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط. ما: زائدة. ذا: فاعل كان التامة. "ولحت": خبر ليت، أو جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر "ليت" ولوجا: تمييز منصوب. موطن الشاهد: "ليتي". وجه الاستشهاد: مجيء "ليت" محذوفة منها نون الوقاية عند اتصالها بياء المتكلم، وحكم هذا الحذف شاذ؛ لِضرورة الوزن، والأصل في هذه الحال الاقتران، كما رأينا في المتن.
[ ١ / ١٢٠ ]
فضرورة عند سيبويه١، وقال الفراء٢: يجوز "ليتني" و"ليتي".
وإن نصبها "لعل" فالحذف نحو: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ٣ أكثر من الإثبات٤، كقوله٥: [الطويل]
_________________
(١) ١ هو: أبو بشر: عمرو بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب وسيبويه أي رائحة التفاح بالفارسية، إمام البصريين، وإمام عصره بالعربية، أخذ النحو عن الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب والأخفش "أبو الخطاب" وعيسى بن عمرو، وأخذ الفقه والحديث على حماد بن سلمة الذي كان السبب في إقباله على النحو، وسيبويه: صاحب الكتاب المشهور الذي يعد مرجع العلماء إلى اليوم. مات سنة ١٨٠هـ. البلغة: ١٧٣، بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٩، إنباه الرواة: ٢/ ٣٤٦، الأعلام: ٥/ ٢٥٢ وغيرها كثير. ٢ هو: أبو زكريا، يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، إمام مشهور، أخذ عن الكسائي، وهو من جلة أصحابه وأبرع الكوفيين، له مصنفات كبيرة ومشهورة في اللغة والنحو، ومعاني القرآن، توفى سنة ٢٠٧هـ في طريق مكة، وله ٦٧سنة. البلغة: ٢٨٠، بغية الوعاة ٢/ ٣٣٣، وفيات الأعيان: ٢/ ٢٠١، أخبار النحويين البصريين: ٥١. ٣ ٤٠ سورة غافر، الآية: ٣٦. موطن الشاهد: "لعلي". وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" متصلة بياء المتكلم الواقعة اسما لها، في محل نصب، مع حذف نون الوقاية، وحكم هذا الحذف أنه أكثر من الإثبات. ٤ وذلك؛ لأن "لعل" شبيهة بالحرف، بل إنها تستعمل أحيانا جارة. ٥ هو: حاتم الطائي: أبو عدي بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، من طيئ، مضرب المثل في الجود والكرم، وصاحب شعر جيد، كان حيث ما نزل عرف، وكان ظفيرا، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا أسر أطلق.
[ ١ / ١٢١ ]
٣٣- أريني جوادا مات هُزْلًا لعلني١
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء: ١/ ٢٤١، الأغاني: ١٦/ ٩٢، اللآلي: ٦٠٦، الخزانة: ١/ ٤٩١، شعراء الجاهلية: ٩٨. تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أرى ما ترين أو بخيلا مُخلَّدا وقد نسب هذا البيت أبو تمام في ديوان الحماسة إلى حطائط ابن أخي الأسود بن يعفر النهشلي، ونسبه آخرون إلى حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي. والبيت من شواهد التصريح: ١/ ١١١، وشرح المفصل: ٨/ ٧٨، وخزانة الأدب: ١/ ١٩٥ عرضا، وشرح العيني: ٣/ ٣٦٩، وديوان حاتم الطائي: ١٠٩. المفردات الغريبة: جوادا: الرجل الكريم الذي يجود بأمواله. هزلا: "بضم فسكون": هزالا وضعفا. بخيلا: ضنينا بماله لا ينفقه. مخلدا: دائم الحياة باقيا. المعنى: يطلب الشاعر إلى عاذلته أن تريد رجلا كريما مات من الضعف والهزال بسبب ضيق ذات يده من الكرم، أو بخيلا خلَّده ماله الذي يضن به عن الإنفاق، لعله يرى ما تراه من الإمساك والتقتير، وعدم البذل والجود. الإعراب: ذريني: فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة في محل رفع فاعل، والنون: لِلوقاية، والياء الثانية في محل نصب مفعول به أول. جوادا: مفعول به ثانٍ منصوب. مات: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، والجملة في محل نصب صفة لـ "جواد"، وهو الأجود. هزلا: مفعول لأجله. لعلني: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب اسم "لعل". أري: فعل مضارع، والفاعل: أنا ما: اسم موصول، في محل نصب مفعولٍ به، والجملة: في محل رفع خبر "لعل". ترين: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والياء: في محل رفع فاعل الجملة، والجملة: صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، والتقدير: ما ترينه. أو: حرف عطف. بخيلا: معطوف على "جوادا". مخلدا صفة لـ "بخيلا". موطن الشاهد: "لعلني". وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" متصلة بـ "ياء المتكلم" مع اقترانها بنون الوقاية، وحكم هذا الاقتران القلة؛ لأن الأشهر حذف نون الوقاية مع "لعل"، والقرآن الكريم نطق بالحذف وحده، كما في الآيات التالية: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُون﴾، وقوله جل شأنه: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَس﴾ . وكذا في الشعر، فالأشهر حذف النون، كقول العباس بن الأحنف: أسرب القطا هل من بعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير وقول الفرزدق: وإنِّي لراجٍ نظرة قِبَل التي لعلي وإن شطت نواها أزورها ونخلص من هذا، إلى أن ثبوت نون الوقاية مع "لعل" ليس شذوذا، ولا ضرورة، كما قال ابن الناظم حيث وردت منه جملة صالحة من الشواهد، ومنها: فقلت: أعيراني القدوم لعلني أخط بها قبرا لأبيض ماجدِ
[ ١ / ١٢٢ ]
وهو أكثر من "ليتي"، وغلط ابن الناظم١ فجعل "ليتي" نادرا، و"لعلني" ضرورة.
وإن نصبها بقيةُ أخوات ليت ولعل، وهي: إن، وأن، ولكن، وكأن، فالوجهان كقوله٢: [الطويل]
٣٤- وإني على ليلي لزارٍ، وإنني٣
_________________
(١) حاشية الصبان: ١/ ١٢٣-١٢٤، وشرح التصريح: ١/ ١١١، وابن عقيل: ١/ ٩١. ١ أي ابن ناظم الألفية، وهو: الإمام بدر الدين محمد بن محمد بن مالك الطائي الدمشقي، نحوي ابن نحوي وإمام ذكي حاد الخاطر، برع في علوم البلاغة والعروض، له مصنفات كثيرة منها. شرح ألفية والده "كافيته ولاميته"، وشرح التسهيل ولم يتمه، والمصباح في المعاني والبيان، وشرح غريب تصريف ابن الحاجب. تولى منصب أبيه في دمشق بعد وفاته، ومات سنة ٦٨٦هـ. بغية الوعاة: ١/ ٢٠٤. ٢ القائل هو: قيس بن الملوّح، وقيل: ابن معاذ، أحد بني جعدة "أو بني عقيل" ابن كعب بن ربيعة والملقب بمحنون ليلى، وهذا اللقب؛ لِذهاب عقله بشدة عشقه، أما الأصمعي، فينفي عنه الجنون، ويقول: إنما فيه لوثة: أي ضعف واسترخاء وحمق، وقيل في قيس: أشعر الناس. الشعر والشعراء: ٢/ ٥٦٣، الخزانة: ٢/ ١٦٩، الأغاني: ١/ ١٦١، المرزباني: ٤٧٦. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: على ذاك فيما بيننا مستديمها وهو من شواهد التصريح: ١/ ١١٢. المفردات الغريبة: زارٍ: اسم فاعل منقوص، فعله زرِيَ عليه يزري من باب ضرب زريا وزراية، ومعناه: عتب عليه يعتب. مستديمها: مستبق مودتها، طالب دوام حبها. =
[ ١ / ١٢٣ ]
وإن خفضها حرف: فإن كان "من" أو "عن" وجبت النون١، إلا في الضرورة كقوله٢: [الرمل]
٣٥- أيها السائل عنهم وعَنِي
لست من قيسٍ ولا قيسٌ مِنِي٣
_________________
(١) = المعنى: يعتب الشاعر على ليلى؛ لِهجرها وصدودها عنه، وعلى الرغم من ذلك، فهو مستبقٍ مودتها، طالب دوام حبها؛ لأن في ذلك سعادته، فلعها ترضيه وتبادله الحب والمودة. الإعراب إني: حرف مشبه بالفعل، واسمه. "على ليلى": متعلق بـ "زارٍ" الآتي. "لزار": اللام للابتداء. زار: خبر "إن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل. وإنني: الواو عاطفة. إنني: حرف مشبه، والنون: للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. "على ذاك": متعلق بـ "مستديم" الآتي، والكاف: للخطاب "فيما" متعلق بـ "مستديمها". "بيننا": متعلق بمحذوف صلة الموصول، و"نا" مضاف إليه. مستديمها: خبر "إن" و"ها" مضاف إليه. موطن الشاهد: "إني، إنني". وجه الاستشهاد: حذف نون الوقاية مع "إن" الأولى عند اتصالها بياء المتكلم، وإثباتها مع "إن" الثانية، وحذفها جائزان باتفاق في سعة الكلام، فلا شذوذ ولا علة في الإثبات أو الحذف، وكذا في "أن" و"لكن" و"كأن"، كما ذكر المؤلف. انظر حاشية الصبان: ١/ ١٢٤. ١ قيل: إن سبب ذلك المحافظة على بقاء السكون في الحرف؛ لأنه الأصل في البناء. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: نسب ابن الناظم البيت إلى بعض النحاة، ذهابا منه أنه مصنوع، وقال ابن هشام في شأنه: "وفي النفس من هذا البيت شيء؛ لأنا لا نعرف له قائلا ولا نظيرا". والبيت من شواهد التصريح: ١/ ١١٢، وابن عقيل "٢٠/ ١/ ١١٤"، والأشموني "٦١/ ١/ ٥٦" وهمع الهوامع: ١/ ٦٤، والدرر اللوامع: ١/ ٤٣، والجنى الداني: ١٥١. المفردات الغريبة: قيس: هو ابن عيلان واسم عيلان: الناس بن مضر بن نزال بن معد، أخو إلياس بن مضر. وقد يراد بقيس القبيلة فيمنع من الصرف للعلمية والتأنيث. المعنى: يتنصل الشاعر من قبيلة قيس، ويخاطب السائل عن هؤلاء القوم، وعنه أن لا صلة تربطه بهم ولا علاقة؛ وذلك لِعدم انسجامه معهم.
[ ١ / ١٢٤ ]
وإن كان غيرهما امتنعت، نحو "لي" و"بي" و"في" و"خلاي" و"عداي" و"حاشاي"١ قال٢: [الكامل]
٣٦- في فتية جعلوا الصليب إلههم حاشاي إني مسلم معذور٣
_________________
(١) = الإعراب: أيها: منادى بحرف نداء محذوف مبني على الضم في محل نصب على النداء، و"ها" للتنبيه. السائل: صفة لـ "أي" باعتبار اللفظ. "عنهم": متعلق بـ "السائل" و"عني": الواو عاطفة، وعني: معطوف على "عنهم" السابق. لست: فعل ماض ناقص واسمه. "من قيس" متعلق بخبر ليس". ولا: الواو عاطفة. لا: زائدة؛ لِتأكيد النفي. قيس: مبتدأ مرفوع. "مني": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة "المبتدأ وخبره" معطوفة على جملة ليس واسمها وخبرها. موطن الشاهد: "عني، مني". وجه الاستشهاد: مجيء "عني ومني" بالتخفيف، حيث حذفت نون الوقاية منهما، عند إضافتهما إلى ياء المتكلم للضرورة النادرة عند سيبويه، والواجب في اختيار الكلام أن يقال: مني، عني بتشديد النون في الحرفين؛ لِتكون نون الوقاية حفظا للسكون فيما يبنونن إلى هذا، أشار ابن مالك بقوله: و"ليتني" فشا، و"ليتي" ندرا ومع "لعل اعكس، وكن مخيرا في الباقيات، واضطرارا خففا "مني، وعني" بعض من قد سلفا. أي: بعض المتقدمين يحذف "نون الوقاية" من "منى وعني" تخفيفا للضرورة، كما أشرنا. ١ قيل: إن السبب في امتناع النون في "لي" و"بي" أنهما مبنيان على الكسر، وفي "في" سكونها أصلي، ولا يزول عند اتصالها بياء المتكلم، بل تدغم الياءان، وأما "خلا" و"عدا" و"حاشا" فإن الألف، لا تقبل الحركة، وقد سبق أنها إذا قدرت أفعالا لحقتها النون؛ لِيجري الفعل مجرى واحدا. التصريح: ١/ ١١٢. ٢ القائل: هو المغيرة بن عبد الله الأسدي، الملقب بالأقيشر؛ لأنه كان أحمر الوجه أقشر يكنى أبا معرض، وُلِد في الجاهلية، ونشأ في أول الإسلام، وكان خليعا ماجنا فاسقا مدمنا على الخمر، قبيح المنظر، مات سنة ٨٠هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٥٥٩، الأغاني: ١٠/ ٨٠، الخزانة: ٢/ ٢٧٩، الإصابة: ٦/ ١٨٠. ٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ١١٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٣٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٩٧ وشرح الشواهد العيني: ١/ ٣٧٧.
[ ١ / ١٢٥ ]
وإن خفضها مضاف: فإن كان "لدن" أو "قط" أو "قد" فالغالب الإثبات.
ويجوز الحذف فيه قليلا، ولا يختص بالضرورة، خلافا لسيبويه، وغلط ابن الناظم، فجعل الحذف في "قد، وقط" أعرف من الإثبات، ومثالهما: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ١، قرئ مشددا ومخففا، وفي حديث النار٢: "قَطْنِي قَطْنِي" و"قَطِي
_________________
(١) = المفردات الغريبة: معذور: مقطوع العذرة -وهي قلفة الذكر يقطعها الخاتن، ويقال له مختون من الختان. المعنى: يتبرأ الشاعر من القوم الذين يعبدون الصلبان، ويتخذونها آلهة لهم، وينزه نفسه عن ذلك، وإنما هو مسلم مختون كالمسلمين؛ ذلك لأن النصارى لا يختنون. الإعراب: "في فتية": متعلق بما قبله. جعلوا: فعل ماضٍ وفاعل. الصليب: مفعول أول و"الجملة" في محل جر صفة لـ "فتية" إلههم: مفعول ثان لـ "جعل"، و"هم" مضاف إليه. حاشاي: حرف استثناء وجر، والياء: في محل جر به. إني: حرف مشبه بالفعل والياء: اسمه "مسلم" خبر "إن" مرفوع: معذور: صفة لـ: صلة لـ "مسلم"، أو خبر ثان لـ "إن". موطن الشاهد: "حاشاي". وجه الاستشهاد: حذف نون الوقاية عند اتصال حاشا بـ "ياء المتكلم" لأن "حاشا" حرف آخره ألف، لا تقبل الحركة، وبالتالي، فلا يخشى كسر آخره؛ لِاتصاله بالياء، ومثل هذا الكلام يجوز في "خلا، وعدا" إذا كان حرفين، وأما إذا كان فعلين، فتقترن بهما نون الوقاية، كما تقترن ببقية الأفعال، حيث لا فرق بين فعل وآخر. ١ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٧٦. أوجه القراءات: قرأ نافع وأبو بكر: "من لدنِي عُذرا" بإشمام الدال، وتخفيف النون، وقرأ الباقون ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ بضم الدال وتشديد النون. توجيه القراءات: الأصل "لدنْ" بإسكان النون، فإذا أضفت إلى نفسك، زدت نونا؛ لِيسلم سكون النون الأولى، فتقول: "لدنْ زيد"، فلما تضيف إلى نفسك تقول: "لدنِّي" فتدغم النون في النون كما تقول في "عني" ومن خفف النون كره اجتماع النونين، فحذف واحدة، وهي الثانية؛ لأنها زائدة، كما حذفت في قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُوْنِّيْ﴾ . حجة القراءات ١/ ٤٢٤-٤٢٥، وإتحاف فضلاء البشر: ٢٩٣، والبحر المحيط: ٦/ ١٥١، والتيسير، للداني: ١٤٥، والحجة: ٢٢٨، والنشر: ٢/ ٣١٣. ٢ هذه قطعة من حديث شريف، عن أبي هريرة وعن أنس ﵄ أخرجهما البخاري: ٦/ ١١٥ وروايته: " يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد، حتى يضع قدمه فتقول: قط قط".
[ ١ / ١٢٦ ]
قطي" وقال١: [مشطور الرجز]
٣٧- قدني من نصر الخبيبين قدي٢.
_________________
(١) = وأخرج حديث أنس البخاري: ٨/ ١١٤، ٩/ ٩٤، وأخرج مسلم حديث أبي هريرة: ٤/ ح ٢٨٤٦ وحديث أنس: ٤/ ح ٢٨٤٨، وبين الألفاظ اختلاف، وهذا لفظ أنس في إحدى رواياته: "ولا تزال جهنم يلقي فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعزتك وكرمك". وفي فتح الباري: ٨/ ٥٩٥: "ووقع في بعض النسخ عن أبي ذر. قطي قطي بالإشباع وقطني بزيادة نون مشبعة" والمراد بوضع قدمه فيها: التجلي عليها بقهره وكبريائه. ١ القائل: هو حميد بن مالك بن ربعي، من تميم، وقيل: من ربيعة، سمي بالأرقط لآثار كانت بوجهه "الرقط: النقط السود، والأرقط: النمر" وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية عاصر الحجاج. خزانة الأدب: ٥/ ٣٩٥، وسمط اللآلي: ٦٤٩، ومعجم الأدباء: ١١/ ١٤. ٢ تخريج الشاهد: وبعد الشاهد قوله: ليس الإمام بالشحيح الملحد والبيت من أرجوزة يقولها حميد في شأن عبد الله بن الزبير المتغلب على الدولة المروانية والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١١٢، وابن عقيل "٢١/ ١/ ١١٥"، والأشموني "٦٢/ ١/ ٥٧ وهمع الهوامع: ١/ ٦٤، والدر اللوامع: ١/ ٤٢، والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٨٧، وسمط اللآلي: ٦٤٩، والإنصاف: ١/ ١٣١، واللسان "لحد". المفردات الغريبة: قدني: اسم بمعنى حسبي، أو اسم فعل بمعنى يكفيني الخبيبين: المراد بهما: عبد الله بن الزبير، الذي يكنى أبا خبيب باسم ابنه خبيب، وأخوه مصعب بن الزبير على سبيل التغليب. الشحيح: البخيل. الملحد: الذي يستحل حرمات الله. المعنى: يخاطب الشاعر عبد الملك بن مروان، ويعرض بعبد الله بن الزبير وأخيه مصعب قائلا: دعني من نصر ابن الزبير وأخيه اللذين بلغا من البخل الغاية، فإمامنا عبد الملك كريم معطاء ليس بشحيح ولا ملحد. الإعراب: قدني: "قد" اسم بمعنى "حسب" مبتدأ مبني على السكون، في محل رفع، والنون: للوقاية وقد: مضاف وياء المتكلم: مضاف إليه. "من نصر": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. الخبيبين: مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى مفعوله. قدي: توكيد لـ "قدي" الأول. ليس: فعل ماض ناقص. الإمام: اسم ليس مرفع.
[ ١ / ١٢٧ ]
وإن كان غيرهن امتنعت، نحو: "أبى" و"أخي".
_________________
(١) = "بالشحيح": الباء حرف جر زائد، الشحيح: اسم مجرور لفظا، منصوب محلا، على أنه خبر "ليس". "الملحد": صفة لـ "الشحيح" باعتبار اللفظ. موطن الشاهد: "قدني، قدي". وجه الاستشهاد: إثبات "نون التوكيد" في الأولى، وحذفها في الثانية على قلة، والوجهان جائزان عن ابن مالك قياسا، ويرى سيبويه لزوم النون مع "قد" و"قط"؛ لأنهما اسمان بمعنى "حسب" وسقوطها ضرورة، ويرى الكوفيون: أنهما إذا كانتا بمعنى "حسب" لم تقترن بهما النون، وإن اعتبرنا اسم فعل، وجبت النون، وفي حكم "لدن، وقد، وقط" بالنسبة للاقتران وعدمه، يقول ابن مالك: "وفي "لدُنِّي "قلَّ" وفي "قدني وقطني" الحذف أيضا قد يفي" والمعني: قل حذف النون من "لدنِّي"، فيقال: لدني: بالتخفيف، وكذلك يقل الحذف في "قد" و"قط" والكثير إثبات النون، فيقال: قدني، وقطني. راجع التصريح: ١/ ١١٢-١١٣، وابن عقيل: ١/ ٩٤. فائدة: إذا اجتمعت نون الوقاية مع نون الرفع -وذلك في الأفعال الخمسة، نحو: أنتم تعرفونني، أنتما تساعدانني، أنت تشاركينني- جاز بقاء التنوين على حالهما، وجاز إدغامهما، تقول: تعرفني تساعدني، وتحذف واو الجماعة وياء المخاطبة؛ لِالتقاء الساكنين، ويجوز حذف إحدى النونين تخفيفا، تقول: تعرفوني تساعداني تشاركيني والمختار أن المحذوف هو نون الوقاية إذا كان المضارع مرفوعا، فيقال في إعرابه: مرفوع بثبوت النون، ونون الأفعال الخمسة، إذا كان منصوبا أو مجزوما، فيقال في إعرابه: منصوب أو مجزوم، بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية. الأشموني: ١/ ٥٧. تنبيه: هذا، ولم يتكلم المصنف ولا الشارح عن الاسم المعرب، إذا أضيف إلى ياء المتكلم. واعلم أن الأصل في الاسم المعرب ألا تتصل به نون الوقاية، نحو ضاربي ومكرمي، وقد ألحقت نون الوقاية باسم الفاعل المضاف إلى ياء المتكلم في قوله ﷺ: "فهل أنتم صادقوني؟ " وفي قول الشاعر: وليس الموافيني ليرفد خائبا فإن له أضعاف ما كان أملا ومنه قول الآخر: ألا فتى من بني ذبيان يحملني وليس حاملني إلا ابن حمال كما لحقت أفعل التفضيل في قوله ﷺ: "غير الدجال أخوفني عليكم" لمشابهة أفعل التفضيل لفعل التعجب. ابن عقيل: ١/ ١١٧، والأشموني: ١/ ٥٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
[باب العَلَم]:
هذا باب العَلَم١:
[العَلَم نوعان: جنسي وشخصي] .
وهو نوعان: جنسي وسيأتي، وشخصي، وهو: اسم يعين مسماه تعيينا مطلقا٢، فخرج بذكر التعيين النكرات٣، وبذكر الإطلاق ما عدا العلم من المعارف، تعيينها لمسمياتها تعيين مقيد، ألا ترى أن ذا الألف واللام مثلا إنما تعين مسماه ما دامت فيه" "أل" فإذا فارقته فارقه التعيين، ونحو: "هذا" إنما يعين مسماه ما دام حاضرًا، وكذا الباقي.
[اسم العلم ومسماه]:
ومسماه نوعان: أولو العلم من المذكرين كجعفر٤، والمؤنثات
_________________
(١) ١ لفظ: "العَلَم" في اللغة مشترك لفظي بين عدة معانٍ، منها الجبل، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلام﴾ أي كالجبال، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا: وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار ومنها الراية التي تجعل شعارا للدولة والجند، ومنها العلامة، ولعل المعنى الاصطلاحي مأخوذ من الأخير. ٢ أي: غير مقيد بقرينة تكلم، أو إشارة حسية أو معنوية، أو زيادة لفظية كالصلة، أو غير ذلك من القرائن التى توضح مدلوله، وتحدد المراد منه، بل بمجرد الوضع والغلبة. ٣ لأن النكرات تدل على شيء غير معين. كما أسلفنا في أول مبحث النكرة والمعرفة. فائدة: الموصول يعين مسماه بالصلة، والضمير: يعين مسماه بالتكلم أو الخطاب، أو الغيبة، والمضاف: يعين مسماه بالمضاف إليه. ٤ أصل الجعفر: النهر عامة أو الصغير فوق الجدول أو الملآن، ثم سُمِّي به رجل معين.
[ ١ / ١٢٩ ]
كخرنِق١، وما يؤلف٢: كالقبائل كقَرَن٣، والبلاد كعَدَن، والخيل كلاحق٤ والإبل كشذقم٥، والبقر كعراء٦، والغنم كهيلة٧، والكلاب نحو واشق.
[اسم العلم مرتجل ومنقول]:
وينقسم إلى مرتجل٨، وهو: ما استعمل من أول الأمر علما، كأدد٩ لرجل، وسعاد لامرأة، ومنقول وهو الغالب، وهو: ما استعمل قبل العلمية لغيرها، ونقله إما من اسم إما لحدث كزيد وفضل، أو لعين كأسد وثور، وإما من وصف إما لفاعل كحارث وحسن، أو لمفعول كمنصور ومحمد، وإما من فعل إما ماضٍ كشمر١٠، أو مضارع كيشكر١١، وإما من جملة إما فعلية كشاب قرناها١٢، أو اسمية كزيد منطلق، وليس بمسموع" ولكنهم قاسوه، وعن سيبويه.
_________________
(١) ١ ولد الأرنب للذكر والأنثى، أو الفتي من الأرانب، ثم سميت به امرأة شاعرة هي أخت طرفه لأمه. ٢ أي النوع الثاني من قسمي العلم: الأشياء الألفية من غير أولى العلم التي يكون للواحد منها علم خاص به. ٣ اسم قبيلة من مراد؛ ينسب إليها: أويس القَرَني ﵁. ٤ علم فرس؛ كان لمعاوية بن أبي سفيان. ٥ اسم فحل من الإبل؛ كان للنعمان بن المنذر. ٦ عرار كقطام؛ اسم بقرة كانت في وسط من بني إسرائيل. ٧ علم لعنز؛ كانت لإحدى نساء العرب، ومن هذا النوع كل ما يتصل بحياة الناس وأعمالهم، وله اسم خاص به كأسماء المصانع والطائرات والكتب إلخ. ٨ من الارتجال: وهو الابتكار والبدء بالشيء من غير سابقة، وهذا التقسيم للعلم من حيث وضعه وأصالته في العملية، أو عدم أصالته. ٩ هو أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير، أبو قبيلة باليمن. ١٠ علم لفرس، أو لرجل. ١١ وقد يكون العلم منقولا عن فعل الأمر، فقد سمى العرب صحراء معينة "اصمت" وفيها يقول الراعي النميري: أشلى سلوقية باتت وبات لها بوحش "اصمِتَ" في أصلابها أوَدُ ١٢ علم على امرأة، ومثله: "فتح الله" عَلَم على رجل.
[ ١ / ١٣٠ ]
"الأعلام كلها منقولة، وعن الزجاج١: "كلها مرتجلة"٢.
[اسم العلم مفرد ومركب]:
وينقسم أيضا إلى مفرد، كزيد وهند، وإلى مركب، وهو ثلاثة أنواع:
١- مركب إسنادي٣، كـ "برق نحره" و"شاب قرناها" وهذا حكمه الحكاية، قال٤: [مشطور الرجز]
٣٨- نبئت أخوالي بني يزيد٥
_________________
(١) ١ الزجاج: أبو إسحاق، إبراهيم بن السري بن سهل، واشتهر بالزجاج؛ لِعمله في خراطة الزجاج. صاحب علم ودين، لزم المبرد، وأخذ عنه وعن ثعلب، له تصانيف كثيرة منها: مختصر في النحو، وشرح أبيات سيبويه، والنوادر، والاشتقاق، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف وغيرها. مات ببغداد سنة ٣١١هـ، له ثمانون سنة. البلغة: ٥، أخبار النحويين البصريين: ١٠٨، بغية الوعاة: ١/ ٤١١، معجم المؤلفين: ١/ ٣٣، الأعلام: ١/ ٣٣. ٢ لأن المرتجل عنده هو: ما لم يتحقق عند وضعه قصد نقله من معنى سابق، وهذا القصد غير متحقق، وموافقة بعض الأعلام وصفا أو غيره مجرد اتفاق غير مقصود. ٣ هو كل تركيب، أسندت وانضمت فيه كلمة إلى أخرى، على وجه يفيد حصول شيء أو عدم حصوله، ولا يكون ذلك إلا بجملة فعلية، أو اسمية. التصريح: ١/ ١١٦. القائل: هو رؤبة بن العجاج وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: وبعد الشاهد قوله: ظلما علينا لهُمُ فديدُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١١٧، والأشموني "٧٣/ ١/ ٦٠"، ومجالس ثعلب: ٢١٢ وشرح المفصل: ١/ ٢٨، والعيني: ١/ ٣٨٨و ٤/ ٣٧٠، وخزانة الأدب: ١/ ١٣٠ واللسان "فدد"، ومغني اللبيب "١٠٦١/ ٨١٧"، وملحقات ديوان رؤبة. المفردات الغريبة: نبئت: أخبرت وأعلمت. فديد: صياح وجلبة. المعنى: يقول الشاعر: أخبرت أن أخوالي بني يزيد، يرفعون أصواتهم في جلبة وصياح؛ لظلمنا، والنيل منا بغير حق. الإعراب: نبئت فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعل، والتاء: هي المفعول =
[ ١ / ١٣١ ]
ومركب مزجي، وهو: كل كلمتين نزلت ثانيتهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها، فحكم الأول أن يفتح آخره، كـ "بعلبك" و"حضرموت" إلا إن كان ياء فيسكن، كـ "معد يكرب" و"قالي قلا"١ وحكم الثاني أن يعرب بالضمة والفتحة، إلا إن كان كلمة "ويه" فيبنى على الكسر، كـ "سيبويه" و"عمرويه".
_________________
(١) = الأول أصلا تحولت إلى نائب فاعل لبناء الفعل للمجهول. أخوالي: مفعول ثانٍ منصوب، والياء: مضاف إليه. بني: بدل من أخوالي، أو عطف بيان عليه، يزيد مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها حركة الحكاية. ظلما: مفعول لأجله، والعامل فيه محذوف، والتقدير: "يصيحون لأجل الظلم". "علينا" متعلق بذلك المحذوف. "لهم" متعلق بخبر محذوف مقدم. فديد: مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول به ثالثا. موطن الشاهد: "يزيد". وجه الاستشهاد: مجيء "يزيد" مسمى به، مرفوعا على الحكاية؛ لأن القوافي كلها مرفوعة، وهو منقول من جملة، وفيه ضمير هو الفاعل، وإنما قدر من نقله من الفعل والفاعل، لا من الفعل وحده؛ لأننا لو قدرناه من الفعل وحده، لأعرب إعراب ما لا ينصرف للعلمية، ووزن الفعل، ولجُرَّ بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه مضاف إليه، ومن عادة العرب إذا نقلوا من الفعل وفاعله، أن يبقوا الفعل على لفظه الذي كان عليه قبل النقل، فإن كان ماضيا، ظل مبنيا على الفتح، وإن كان مضارعا ظل مرفوعا كما في الشاهد. انظر شرح التصريح: ١/ ١١٧ وما بعدها. فائدة: تسمي العرب الأشخاص بالجمل الفعلية كثيرا، كتسميتهم "تأبط شرا" و"برق نحره" و"شاب قرناها" و"يتلمظان"، و"جد ثدياها"، و"بني يشتهي" وسوى ذلك. قال الشاعر: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر وتحلب وقال آخر: إذا ما قيل: أي الناس شر؟ فشرهم بنو يتلمظانِ ومن ذلك أيضا: أعير بني يَدِبُّ إذا تعشى وعير بني يهرُّ على العشاء ولم تسم العرب بالجملة الاسمية، غير أن النحاة قاسوا الاسمية على الفعلية؛ لِاشتراكهما جميعا في الجملة، فأطلقوا القول إطلاقا بأن العلم إذا كان منقولا عن جملة حكى على ما كان قبل النقل. انظر حاشية الصبان: ١/ ١٣١. ١ اسم بلد بالشام.
[ ١ / ١٣٢ ]
٣- ومركب إضافي١، وهو الغالب، وهو: كل اسمين نزل ثانيهما منزلة التنوين مما قبله، كـ "عبد الله" و"أبي قحافة" وحكمه أن يجري الأول بحسب العوامل الثلاثة رفعا ونصبا وجرا، ويجر الثاني بالإضافة.
[انقسام اسم العلم إلى اسم وكنية ولقب]:
وينقسم أيضا إلى اسم، وكنية، ولقب٢:
فالكنية: كل مركب إضافي في صدره أب أو أم، كأبي بكر، وأم كلثوم.
واللقب: كل ما أشعر برفعة المسمى أو ضعته، كزين العابدين وأنف الناقة٣.
والاسم ما عداهما، وهو الغالب، كزيد وعمرو.
[تأخر اللقب عن الاسم]:
ويؤخر اللقب عن الاسم، كـ "زيد زين العابدين" وربما يقدم كقوله٤: [الوافر]
_________________
(١) ١ سمّي بذلك؛ لأن الأكثر فيه أن يكون بالكنى وهي مضافة. ٢ ظاهر كلام المؤلف أن هذه الأقسام، بهذه المعاني التي ذكرها متباينة، والحقيقة غير ذلك؛ فمثلا: محمد ومحمود ومرتضى تدل على المدح مع أنها أسماء، وأبو الخير، وأم بركة تدل على المدح مع أنها كنى حسب تعريفه، والأحسن من هذا، أن نقول: ما سمَّى الوالدان ولدهما به أول الأمر، فهو اسم، سواء أكان دالا على مدح، أو ذم أو كان مصدرا بأب أو بأم أو لا، فقد يسمِّي الوالدان ولدهما ساعة يولد بأبي اليسر، فهو اسم وإن صدر بأب، ومثله زين العابدين، فهو اسم، وإن أشعر بمدح، ثم ما يطلق بعد ذلك على صاحب الاسم، إن صدر بأب، أو أم، فهو كنية، وإلا فهو لقب، ولا بد في هذه الحال من أن يشعر بمدح أو بذم. أوضح المسالك: ١/ ٢٦، حا: ١. ٣ هو لقب جعفر بن قريع: وهو أبو بطن من سعد بن زيد بن مناة. ٤ القائل هو: أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم، أخو الصحابي الجليل عبادة بن الصامت ﵄، شاعر خزرجي أنصاري، له صحبة، شهد بدرا، والمشاهد كلها، وقد كان منه أول ظهار في الإسلام.
[ ١ / ١٣٣ ]
٣٩- أنا ابن مُزَيْقِيَا عمرٍو، وجدِّي١
[لا ترتيب بين الكنية وغيرها]:
ولا ترتيب بين الكنية وغيرها، قال٢: [مشطور الرجز] .
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: أبوهُ منذرٌ ماءُ السماءِ وهو من شواهد التصريح ١/ ١٢١، والأشموني "٦٦/ ١/ ٥٨"، والعيني: ١/ ٣٩١ خزانة الأدب ١/ ٢٢٩ عرضًا. المفردات الغريبة: مزيقيا: لقب عمرو بن مالك، أحد ملوك اليمن، ومن أجداد أوس، وجد الأنصار قيل لقب بذلك؛ لأنه كان يلبس كل يوم حلتين، فإذا أمسى مزقهما كراهية أن يلبسهما ثانية وأن يلبسهما غيره. منذر ماء السماء: هو منذر بن امرئ القيس بن النعمان مالك الحيرة، أحد أجداد أوس لأمه، ولقب بماء السماء؛ لحسنه، أو هو لقب لأمه فاشتهر به. شرح التصريح: ١/ ١٢١، وحاشية الصبان: ١/ ١٢٨. المعنى: يفخر الشاعر بأنه كريم الطرفين، نسيب الجهتين، لأبيه، وأمه. فائدة: ذكر أهل النقل أن أم المنذر، كان يقال لها: ماء السماء؛ لِحسنها، واشتهر المنذر بأمه، فقيل له: المنذر ابن ماء السماء، واسم أمه: مارية بنت عوف بن جشم. شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ١٢٨. الإعراب: أنا: مبتدأ. ابن: خبر. مزيقيا: مضاف إليه. عمرو: بدل منه، أو عطف بيان. وجدي: الواو: عاطفة، جدي: مبتدأ أول ومضاف إليه. أبوه: مبتدأ ثان أو مضاف إليه منذر: خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني والخبر" في محل رفع خبر المبتدأ الأول "جدي" ماء: بدل أو عطف بيان على منذر" السماء: مضاف إليه، ويمكن أن نعرب: "أبوه" بدلا من المبتدأ الذي هو قوله "جدي"، الضمير مضاف إليه، ولا يعود الضمير على الجد وإنما على مزيقيا، وهذا أفضل من الأول، ويكون المعنى: إن أبي، هو عمرو الملقب بمزيقيا، وإن جدي -أبا عمرو هذا- هو عامر بن ماء السماء. موطن الشاهد: "مزيقيا عمرو". وجه الاستشهاد: تقدم اللقب "مزيقيا" على الاسم، وحكم تقدم اللقب" على الاسم جائز، غير أنه خلاف القياس المطرد. ٢ هو عبد الله بن كيبسة: نسبة إلى أمه وقيل اسمه عمرو، وهو أحد المخضرمين الذين أدركوا النبي ﷺ ولم يروه، له قصة مع أبي موسى الأشعري، في فتح تستر. خزانة الأدب: ٥/ ١٥٦-١٥٧.
[ ١ / ١٣٤ ]
٤٠- أقسم بالله أبو حفص عمر١
وقال حسان٢: [الطويل]
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز المشطور وبعده قوله: ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر وهو لهذا الأعرابي الذي وفد على سيدنا عمر بن الخطاب ومعه ناقة عجفاء دبراء نقباء، وطلب منه أن يحمله على ناقة تبلغه أهله، فرده وقال له: ما أرى بناقتك من نقب ولا دبر. فمضى إلى ناقته، وهو يقول هذه الأبيات، فناداه سيدنا عمر، وأعطاه ما طلب. والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٢١، وابن عقيل "٢٩٢/ ٣/ ٢١٩"، والأشموني "٦٨/ ١/ ٥٩" وشرح المفصل: ٣/ ٧١، وخزانة الأدب: ٢/ ١٥١، ١٦٢، ٢٨٣، وشرح العيني: ١/ ٣٩٢و ٤/ ١١٥ ومعاهد التنصيص: ١/ ٩٤، وشذور الذهب "٢٢٩/ ٥٦٤، ٤٣٥"، والمخصص لابن سيده: ١/ ١١٣. المفردات الغريبة: أبو حفص: كنية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، والحفص: الأسد، وكني بذلك؛ لشجاعته وجرأته، وقيل: بحفصة أم المؤمنين وزوج الرسول ﷺ. نقب -بفتح النون والقاف: هو رقة أخفاف البعير. دبر -بفتح الدال والباء: هو الجرح الذي يكون في ظهر البعير. المعنى: يبين هذا الأعرابي أن سيدنا عمر، حلف بالله، أن ناقته لم يصبها حقي، ولا حدثت بها قروح في ظهرها، ثم يطلب إلى الله له المغفرة والعفو، إن كان قد حنث في يمينه؛ لأنه على ثقة، من أن ناقته دبراء نقباء. الإعراب: أقسم: فعل ماضٍ. "بالله" متعلق بـ "أقسم". أبو: فاعل أقسم مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة. حفص: مضاف إليه. عمر: بدل، أو عطف بيان من "أبي حفص" مرفوع، وسكن؛ لِضرورة الوقف. موطن الشاهد: "أبو حفص عمر". وجه الاستشهاد: تقدم الكنية "أبو حفص" على "عمر" وحكم تقدم الكنية على الاسم، جائز باتفاق، كما يجوز تقدم الاسم عليها، وتقدم الكنية على اللقب أولى، فتقول: هذا أبو حفص الفاروق، هذا الفاروق أبو حفص باتفاق. ٢ هو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري، أبو الوليد، شاعر فحل جاهلي إسلامي، عاش في الجاهلية ٦٠ عاما وفي الإسلام مثلها، صاحب النبي ﷺ وشاعره، سقط شعره في الإسلام بعد أن كان فحلا من فحول الجاهلية؛ وذلك لأن الشعر نكد بابه الشر. مات في خلافة معاوية بعد أن عمى في آخر حياته. وذلك سنة ٥٤هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٣٠٥-٣٠٨، الخزانة: ١/ ١٠٨، الأغاني: ٤/ ٢، اللآلي: ١٧١، الجمحي: ١/ ٥٢.
[ ١ / ١٣٥ ]
٤١- وما اهتز عرش الله من أجل هالكٍ سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو١
[تأخر اللقب عن الكنية]:
وفي نسخة من الخلاصة٢ ما يقتضي أن اللقب يجب تأخيره عن الكنية، كـ "أبى عبد الله أنف الناقة" وليس كذلك.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: قال صاحب الاستيعاب؛ أبو عمر يوسف بن عبد البر، في ترجمة الصحابي سعد بن معاذ: هذا بيت لرجل من الأنصار، غير معين "ويظهر لي أن الكلام في نسبة البيت كان: قال الأنصاري، فزاد المتأخرون اسم حسان لاشتهاره بهذه النسبة" أوضح المسالك: ١/ ١٢٩. والبيت في رثاء سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس ﵁. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٢١، والأشموني "٦٩/ ١/ ٥٩"، والعيني: ١/ ٣٩٣ وليس في ديوان حسان بن ثابت الأنصاري. المفردات الغريبة: اهتز: تحرك، عرش الله: هذه الكلمة مأخوذة من قول النبي ﷺ: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" وهو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس سيد الخزرج، وكان قد أصيب يوم الخندق بسهم في أكحله، فكان سببا في وفاته، ﵀. المعنى: لقد بلغ سعد من السمو والدرجة الرفيعة، أن عرش الرحمن اهتز لموته؛ وهذا لم نسمعه لهالكٍ غيره. الإعراب: ما: نافية. اهتز: فعل ماضٍ. عرش: فاعل الله: مضاف إليه. "من أجل": متعلق بـ "اهتز" هالك: مضاف إليه. سمعنا: فعل وفاعل. "به" متعلق بـ "سمع": و"الجملة" في محل جر صفة، لهالك إلا: أداة حصر. "لسعد": متعلق بـ "اهتز" أبي: بدل أو أو عطف بيان لـ "سعد" عمرو: مضاف إليه. موطن الشاهد: "لسعد أبي عمرو". وجه الاستشهاد: تقدم الاسم "سعد" على الكنية "أبي عمرو"، وحكم هذا التقدم جائز باتفاق، كما أسلفنا. ٢ فقد روت هذه النسخة بيت ابن مالك، كما قدمناه "وأخِّرَنْ ذا إن سواه صحبا" والمراد بـ "ذا" اللقب، والضمير في سواه، يعود إلى اللقب أيضا، ويراد بما سواه: الاسم والكنية، وهذا ما يعترض عليه المصنف. أما النسخة الأخرى، ففيها "وأخران ذا إن سواها صحبا"، وهذا يتماشى مع رأي المصنف، وهو المشهور الذي عليه الجمهور. التصريح: ١/ ١٢١-١٢٢.
[ ١ / ١٣٦ ]
ثم إن كان اللقب وما قبله مضافين، كـ "عبد الله زين العابدين" أو كان الأول مفردا والثاني مضافا، كـ "زيد زين العابدين" أو كانا بالعكس، كـ "عبد الله كرز". أتبعت الثاني للأول: إما بَدَلا، أو عطف بيان، أو قطعته عن التبعية: إما برفعه خبرا لمبتدأ محذوف، أو بنصبه مفعولا لفعل محذوف، وإن كانا مفردين، كـ "سعيد كرز" جاز ذلك ووجه آخر، وهو إضافة الأول إلى الثاني١، وجمهور البصريين يوجب هذا الوجه، ويرده النظر، وقولهم: "هذا بَحْيَى عينان"٢.
[العَلَم الجنسي اسم يعين مسماه بغير قيد]:
والعلم الجنسي اسم يعين مسماه بغير قيد تعيين ذي الأداة الجنسية أو الحضورية، تقول: "أسامة أجرأ من ثعالة"، فيكون بمنزلة قولك: "الأسد أجرأ من
_________________
(١) ١ تجويز الإضافة مع انتفاء المانع، هو قول الكوفيين والزجاج، وهو الصحيح بشرط ألا يوجد ما يمنعها، كأن يكون الاسم مقرونا بأل، نحو: "الحارث قفة" و"الفضل كنزة" أو أن يكون اللقب مقرونا بأل، نحو: "هارون الرشيد" و"محمد الأمين" والثاني: أن الإتْباع أقيس، والإضافة أكثر في الاستعمال. التصريح: ١/ ٢٢-١٢٣. ٢ قيل: هذا الرجل اسمه يحيى ولقبه عينان؛ لِضخامة عينيه، وعلى هذا، فـ "يحيى": خبر المبتدأ: هذا؟ و"عينان": بدل، ولو أضيف، لقيل: "عينيه"، والبصريون يجيبون عن هذا: بأنه أي عينان على لغة من يُلزمون المثنى الألف. وقد رد المصنف هذا الوجه مع إجازته، وقد اختاره الناظم، حيث قال مبينا الإعراب في المركب الإضافي: وإن يكونا مفردين فأضف حتما، وإلا أتبع الذي ردف ومعنى هذا، أن اللقب وما قبله، إذا كانا مفردين، وجب إعرابهما إعراب المتضايفين، فيكون الأول منهما معربا بحسب العوامل، والثاني مضافا إليه، وأما إن كانا غير مفردين، أي: إن جاءا مركبين تركيب إضافة، أو كان الأول مركبا، والثاني مفردا، أو العكس، فيعرب الأول بحسب حاجة العامل، ويعرب الثاني الذي ردفه جاء بعده تابعا له في حركة إعرابه، فيكون بدلا، أو عطف بيان كما في المتن. انظر شرح التصريح: ١/ ١٢٣، وحاشية الصبان: ١/ ١٣٠.
[ ١ / ١٣٧ ]
الثعلب" و"أل" في هذين للجنس، وتقول: "هذا أسامة مقبلا"، فيكون بمنزلة قولك: "هذا الأسد مقبلا" و"أل" في هذا لتعريف الحضور، وهذا العلم يشبه علم الشخص من جهة الأحكام اللفظية، فإنه يمتنع من "أل" ومن الإضافة، ومن الصرف إن كان ذا سبب آخر، كالتأنيث في: "أسامة" و"ثعالة"، وكوزن الفعل في: "بنات أوبر" و"ابن آوى" ويبتدأ به، ويأتي الحال منه، كما تقدم في المثالين١، ويشبه النكرة من جهة المعنى؛ لأنه شائع في أمته لا يختص به واحد دون آخر.
[مسمى علم الجنس ثلاثة أنواع]:
ومسمى علم الجنس ثلاثة أنواع:
أحدها: وهو الغالب: أعيان لا تؤلف، كالسباع والحشرات كأسامة، وثعالة، وأبي جعدة للذئب، وأم عريط للعقرب.
والثاني: أعيان تؤلف، كهيان بن بيان للمجهول العين والنسب، وأبي المضاء للفرس، وأبي الدغفاء للأحمق.
والثالث: أعيان تؤلف، كهيان بن بيان للمجهول العين والنسب، وأبي المضاء للفرس، وأبي الدغفاء للأحمق.
والثالث: أمور معنوية، كسبحان للتسبيح، وكيسان للغدر٢، ويسار للميسرة٣، وفجار للفجرة، وبرة للمبرة٤.
_________________
(١) ١ المثالان المتقدمان، أحدهما: "أسامة أجرأ من ثعالة" وقد وقع فيه علم الجنس مبتدأ والثاني: "هذا أسامة مقبلا" وقد جاء فيه الحال من علم الجنس. ٢ ومن ذلك قول ضمرة بن ضمرة: إذا ما دعوا كيسان كانت كهولُهم إلى الغدر أسعى من شبابهم المُرْدِ ٣ ومن ذلك قول الشاعر: فقلت امكثي حتى يسار لعلنا نحج معا، قالت: وعاما وقابله ٤ قد ورد برة وفجار معا في قول النابغة الذبياني: إنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت بُرةَ واحتملت فَجَارِ انظر حاشية الصبان: ١/ ١٣٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
[باب اسم الإشارة]:
هذا باب أسماء الإشارة:
[ألفاظ الإشارة]:
والمشار إليه إما واحد، أو اثنان، أو جماعة، وكل واحد منها إما مذكر وإما مؤنث، فللمفرد المذكر "ذا"١، وللمفرد المؤنث عشرة، وهي: ذي، وتي، وذه، وته، وذه، وته، وذه، وته وذات، وتا، وللمثنى ذان، وتان رفعا، وذين وتين جرا ونصبا، ونحو: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ ٢، مؤول٣، ولجمعهما: "أولاء" ممدودا
_________________
(١) ١ ويضاف: إلى "ذا" "ذاء" بهمزة مكسورة بعد الألف "وذانه" بهاء مكسورة بعد الهمزة المكسورة و"ذاؤه" بهاء مضمومة بعد همزة مضمومة، قال الراجز: هذاؤه الدفتر خير دفتر في كف قرم ماجد مصور يروي بكسر الهاء وضمها، وفي كتاب أبي الحسن الهيثم، إنما حركت الهاء فيهما للضرورة، والأصل فيهما ذاء وألفه أصلية عند البصريين لا زائدة، خلافا للكوفيين، وهو ثلاثي الأصل، حذفت لامه على الأصح، لا عينه، وعينه مفتوحة لا ساكنة على الأصح، و"آلك" بهمزة ممدودة بعدها لام ثم كاف. شرح التصريح: ١/ ١٢٦، وحاشية الصبان: ١/ ١٣٨. ٢ "٢٠" سورة، طه، الآية: ٦٣. موطن الشاهد: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "هذان" على هيئة الرفع، والظاهر يقتضي أن تكون "هذين" غير أن للنحاة آراء في هذه المسألة، كما أوضحنا في التأويل التالي. ٣ وتأويله إما على حذف اسم إن ضمير شأن على حد إن يك زيد مأخوذ واللام داخلة على مبتدأ محذوف، والأصل: إنه هذان لهما ساحران، أو على أن، "إن" بمعنى: نعم، وهي لا تعمل شيئا؛ لأنها حرف تصديق، فلا اسم لها ولا خيرا، أو على أنه جاء على لغة خثعم، فإنهم لا يقلبون ألف المثنى ياء في حالتي النصب والجر وعلى أن الألف الموجودة ألف المفرد، وألف التثنية، حذفت؛ لِاجتماع الألفين، وألف المفرد، لا تقلب ياء، أو على أنه جيء به على أول أحواله، وهو الرفع، كما في "اثنان" قبل التركيب، أو على أن "إن" نافية بمعنى ما واللام بمعنى إلا الإيجابية كما يقول به الكوفيون، أو على أنه مبني؛ لِدلالته على معنى الإشارة، واختاره ابن الحاجب. شرح التصريح: ١/ ١٢٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
عند الحجازيين ومقصورا عند تميم١ ويقل مجيئه لغير العقلاء كقوله: [الكامل]
٤٢- والعيش بعد أولئك الأيام٢
_________________
(١) ١ وقيس، وربيعة، وأسد، ذكر ذلك الفراء في لغات القرآن، ولم يخصه بتميم. ٢ القائل هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته. تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ذم المنازل بعد منزلة اللوى وهو من قصيدة مطلعها: سرت الهموم فبتن غير نيامِ وأخو الهموم يروم كل مرامِ والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٢٨، وابن عقيل: "٢٣/ ١/ ١٣٢" والأشموني: "٧٧/ ١/ ٦٣"، والمقتضب للمبرد: ١/ ١٨٥، وشرح المفصل: ٣/ ١٢٦، ٣٣٣، ٤/ ٣٦، وخزانة الأدب: ٢/ ٤٦٧، والعيني: ١/ ٤٠٨، وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ١٦٧، وديوان جرير برواية الأقوام. المفردات الغريبة: المنازل: جمع منزل أول منزلة وهي مكان النزول. اللوى مكان في بني سليم، كان معدا للحكومة، وكانت فيه موقعة، كان الظفر فيها لبني ثعلبة، على بني يربوع. المعنى: يطلب الشاعر إلى مخاطبه، أن يذم جميع الأماكن بعد مفارقة هذا المكان، وأن يذم كذلك الحياة بعد تلك الأيام الماضية، التي قضاها في ذلك الموضع. الإعراب: ذم: فعل أمر، ويجوز تحريكه بالحركات الثلاث، فإن حُرك بالفتح، فطلبا للتخفيف، وإن حرك بالضم، فلاتِّباع آخره لأوله، وإن حرك بالكسر، فعلى ما هو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين. والفاعل: أنت، المنازل: مفعول به. اللوى: مضاف إليه. والعيش: الواو عاطفة. العيش: اسم معطوف على المنازل منصوب مثله. "بعد" متعلق بـ "ذم"، أو بمحذوف حال من "المنازل" أولئك: مضاف إليه، مبني على الكسر، في محل جر؛ لأن اسم إشارة، والكاف للخطاب، الأيام: بدل أو عطف بيان، أو صفة لاسم الإشارة، والمشهور أن الاسم المعرف بعد الإشارة، يعرب بدلا من اسم الإشارة، وهو الأفضل. موطن الشاهد: "أولئك الأيام".
[ ١ / ١٤٠ ]
[الإشارة إلى البعيد]:
وإذا كان المشار إليه بعيدا لحقته كاف حرفية تتصرف تصرف الكاف الاسمية غالبا، ومن غير الغالب: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُم﴾ ١، ولك أن تزيد قبلها لاما٢،
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: أشير إلى الأيام بـ "أولئك" على هذه الرواية والأيام: جمع لغير العقلاء، فدل ذلك، على أنه، يجوز الإشارة بـ "أولئك" لغير العقلاء، وحكم ذلك قليل ونادر، غير أنه جاء في التنزيل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ . وأما بالنسبة إلى الشاهد، ففيه رواية أخرى، ذكرها ابن هشام، وهي: "والعيش بعد أولئك الأقوام" وحينئذ، فلا شاهد في البيت، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب، وأن الطبري غلط إذ أنشده الأيام وأن الزجاج اتبعه في هذا الغلط". ورواية "النقائض" لمحمد بن حبيب "الأقوام"، وهذا، ما يؤيد كلام ابن عطية. انظر حاشية الصبان على الأشموني: ١/ ١٣٩، وشرح التصريح: ١/ ١٢٨. ١ ٥٨ سورة المجادلة، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: التحاق "الكاف" في "ذا" لكون المشار إليه بعيدا؛ لأن أسماء الإشارة، لا تضاف، وهذه الكاف، تتصرف تصرف الكاف الاسمية؛ لِيتبين بها أحوال المخاطب من الإفراد، والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث، كما يتبين بها، لو كانت اسما، فتفتح للمخاطب، وتكسر للمخاطبة انظر شرح التصريح: ١/ ١٢٨. ٢ قالوا في المفرد المذكر: "ذلك" وشاهده، قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ وفي المفردة المؤنثة: تلك، وشاهده قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم﴾، وقالوا: "تالك" بزيادة لام وكاف اسم الإشارة الموضوع لكل منهما، وشاهده قول القطامي: تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لتالك الغمر انقشاعا وأصل لام البعد هذه أن تكون ساكنة، فلما قالوا: "ذلك" التقى ساكنان، الألف اسم الإشارة واللام، فكسروا اللام للتخلص من التقاء الساكنين، وكانت الحركة هي الكسرة؛ لأنها الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ولما قالوا "تيلك" اجتمع الساكنان" فحذفوا الياء؛ للتخلص منهما، ولأن الكسرة التي قبلها تدل عليها شرح التصريح: ١/ ١٢٨.
[ ١ / ١٤١ ]
إلا في التثنية مطلقا، وفي الجمع في لغة من مده١، وفيما سبقته "ها" وبنو تميم لا يأتون باللام مطلقا٢.
[الإشارة إلى المكان]:
ويشار إلى المكان القريب٣ بهنا أو هاهنا، نحو: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٤، وللبعيد بهناك أو ههناك أو هنالك أو هنا أو هنا أو هنت أو ثم، نحو: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِين﴾ ٥.
_________________
(١) ١ وهم الحجازيون، وفي لغة بعض من قصره، وهم التميميّون. ٢ لا في مفرد، ولا في مثنى، ولا في جمع، حكاه الفراء عنهم، وتقيد الجمع بلغة من مده احترازا من لغة من يقصره غير التميميين، كقيس وربيعة، وأسعد، وأسد، فإنهم يأتون باللام، قال شاعرهم: أولالك قومي لم يكونوا أُشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكا والأشابة بضم الهمزة: الأخلاط من الناس، يريد أن قومه من أب واحد. شرح التصريح: ١/ ١٢٩، وانظر حاشية الصبان: ١/ ١٤٠-١٤٢. ٣ هذا يعني أن هذه الألفاظ لا يشار بها إلا إلى المكان، في حين أن الألفاظ السابقة، يشار بها إلى المكان، وإلى غير المكان، تقول: هذا المكان طيب الهواء، وهذه الأمكنة فسيحة الأرجاء. ٤ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: "ههنا". وجه الاستشهاد: مجيء اسم الإشارة "هنا" دالا على المكان القريب، و"الهاء" للتنبيه. ٥ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ٦٤. موطن الشاهد: "ثم". وجه الاستشهاد: مجيء "ثم" اسم إشارة دالا على البعيد.
[ ١ / ١٤٢ ]
[باب الموصول]:
هذا باب الموصول:
الموصول ضربان:
وهو ضربان: حرفي، واسمي:
فالحرفي: كل حرف أُوِّل مع صلته بمصدر، وهو ستة: أن، وأن، وما، وكي، ولو، والذي١، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ٢، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم﴾ ٣، ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب﴾ ٤، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ ٥، ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
_________________
(١) ١ هذا رأي، ليونس بن حبيب، كما ذكره الفارسي في الشيرازيات والصحيح: أن "الذي" موصول اسمي؛ لِدخول "أل" عليه. شرح التصريح: ١/ ١٣٠. ٢ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية: ٥١. موطن الشاهد: ﴿أَنَّا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" حرفا مصدريا، وهو مشبه بالفعل، و"نا" اسمه، وجملة "أنزلنا" خبره، و"هو وما دخل عليه": مؤول بمصدر في محل رفع فاعل لـ "يكفي"؛ لأن الحرف المصدري يؤول مع صلته بمصدر. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٨٤. موطن الشاهد: ﴿أَنْ تَصُومُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع، وأن وما دخل عليه، يؤول بمصدر مرفوع، والتقدير: وصيامكم خير لكم. ٤ "٣٨" سورة ص، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿بِمَا نَسُوْا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" حرفا مصدريا، وهو يؤول مع صلته بمصدر مجرور، والتقدير بنسيانكم يوم الحساب. ٥ "٣٣" سورة الأحزاب، الآية: ٣٧. موطن الشاهد: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ﴾ .
[ ١ / ١٤٣ ]
لَوْ يُعَمَّر﴾ ١، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ٢.
[الموصول الاسمى ضربان]:
والاسمى٣ ضربان: نص، ومشترك٤.
فالنص ثمانية: منها للمفرد المذكر "الذي" للعالم وغيره، نحوه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٩٦. موطن الشاهد: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الذي" موصولا حرفيا على ما حكاه الفارسي عن يونس بن حبيب، وهو على هذا يؤوَّل مع ما بعده بمصدر مجرور بـ "الكاف، والتقدير: كالخوص، ودليل يونس ومن معه على هذا، هو كون "الذي" مفردا، وما بعده جمعا، فلو كان موصولا اسميا، لقيل، كالذي خاض، أو لقيل: كالذين خاضوا. وأجيب عن ذلك، بأن "الذي" اسم موصول صفة لموصوف محذوف، والتقدير: خضتم خوضا كالخوص الذي خاضوا، وحذف العائد، الضمير المنصوب بـ "خاضوا"؛ لأن التقدير: خاضوه، أو أن "الذي" اسم موصول للجمع، وأصله "الذين" لحذفت النون، كما حذفت في قول الأشهب بن رميلة: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد فأراد الذين حانت، فحذف النون. أو أن "الذي" مشترك بين المفرد والجمع على قول الأخفش. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٠-١٣١. ٣ الموصول الاسمى: هو الاسم المبهم، الذي يحتاج في توضيحه، وتعين المراد منه إلى شيء يتصل به، يسمى الصلة وهي مشتملة على ضمير أو شبهة يربطها به، يسمى العائد ٤ النص: هو ما كان نصا في الدلالة على بعض الأنواع، ومقصورا عليها، لا يتعداها. والمشترك: هو الذي، لا يقتصر على بعض الأنواع، بل يصلح لها جميعا.
[ ١ / ١٤٤ ]
الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَه﴾ ١، ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٢، وللمفرد المؤنث: "التي" للعاقلة وغيرها، نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٣، ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٦، ولتثنيتهما: "اللذان" و"اللتان" رفعا، و"اللذين" و"اللتين" جرا ونصبا، وكان القياس في تثنيتهما وتثنية: "ذا" و"تا" أن يقال: اللذيان واللتيان وذيان وتيان، كما يقال القاضيان، بإثبات الياء، وفتيان، بقلب الألف ياء، ولكنهم فرقوا بين تثنية المبني والمعرب، فحذفوا الآخر، كما فرقوا في التصغير، إذ قالوا: اللذيان واللتيا وذيا وتيا، فأبقوا الأول على فتحه، وزادوا ألفا في الآخر عوضا عن ضمة التصغير، وتميم وقيس تشدد النون فيهما تعويضا من المحذوف أو تأكيدا للفرق، ولا يختص ذلك بحالة الرفع خلافا للبصريين؛ لأنه قد قريء في السبع: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْن﴾ ٥،
_________________
(١) ١ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿الَّذِيْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الذي" اسما موصولا دالا على العاقل. ٢ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ١٠٣. موطن الشاهد: ﴿يَوْمُكُمُ الَّذِيْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الذي" اسما موصولا دالا على غير العاقل، وحكم مجيئه دالا على غير العاقل الجواز بكثرة. ٣ "٥٨" سورة المجادلة، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "التي" اسما موصولا، دالا على المفرد المؤنث العاقل، وحكم مجيئه دالا على المفرد المؤنث العاقل الجواز بكثرة. ٤ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٤٢. موطن الشاهد: ﴿قِبْلَتَهُمُ الَّتِيْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "التي" اسما موصولا، دالا على المفرد المؤنث غير العاقل الجواز بكثرة. ٥ "٤١" سورة فصلت، الآية: ٢٩. موطن الشاهد: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللذين" مشددة النون -على لغة تميم وقيس- تعويضا من المحذوف عنهما، وهو الياء، في الذي والتي والألف في ذواتا، أو تأكيدا للفرق بين تثنية المبني والمعرب. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
"إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِّ"١، بالتشديد، كما قرئ: ﴿وَاللَّذَانِّ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ٢. ﴿فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ﴾ ٣، وبلحرث بن كعب وبعض ربيعة يحذفون نون اللذان واللتان، قال٤: [الكامل]
٤٣- أبني كليب إن عمي اللذا٥
_________________
(١) ١ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٢٧. موطن الشاهد: ﴿ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "هاتين" اسما موصولا على لغة تميم وقيس، كما في الآية السابقة، وفي مجيء التشديد في حالة النصب مع "اللذين وهاتين" دليل على صحة مذهب الكوفيين، الذين جوزوا التشديد، في الحالات كلها، خلافا للبصريين، كما في المتن. ٢ "٤" سورة النساء، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿وَاللَّذَانِّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللذان" اسما موصولا مشددا في حالة الرفع، وهذا جائز باتفاق. ٣ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٣٢. موطن الشاهد: ﴿فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ذانك" اسم إشارة مشددا على تلك القراءة يرجع مجيء "اللذان" مشددا؛ لأن تجويز أحدهما، ومنع الآخر تحكم. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٢. ٤ الأخطل التغلبي: وهو أبو مالك، غياث بن غوث التغلبي، والأخطل لقبه، ويعني السفيه، وهو نصراني، ومن المتقدمين في الشعر مع جرير والفرزدق، وأشبههم بالنابغة، وأنعتهم للحمر والخمر، قدمه الكثير على صاحبيه، وكان بينه وبينهما مفاخرة وهجاء، مات سنة ٩٠هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٤٨٣، وتجريد الأغاني: ٣/ ٣٧٨- ٣٨٩. ٥ تخريج الشاهد: البيت من كلمة للأخطل، يهجو فيها جريرا، وهذا صدر بيت وعجزه قوله: قتلا الملوك وفككا الأغلالا هذا، وقد نسب بعضهم هذا البيت إلى الفرزدق، والصواب ما ذكرنا. والبيت من شواهد التصريح: ١/ ١٣٢، وكتاب سيبويه: ١/ ٩٥، والمقتضب: ٤/ ١٤٦ والمحتسب: ١/ ١٨٥، والمصنف لابن جني: ١/ ٦٧، وأمالي ابن الشجري: =
[ ١ / ١٤٦ ]
وقال١: [مشطور الرجز] .
٤٤- هما اللتا لو ولدت تميم٢
_________________
(١) = ٢/ ٣٠٦، وشرح المفصل: ٣/ ١٥٤، ١٥٥ والعيني: ١/ ٣٢٤، والخزانة: ٢/ ٤٩٩، ٣/ ٤٧٣. المفردات الغريبة: بني كليب: يراد بهم قوم جرير، وكليب أبو القبيلة، وهو كليب بن يربوع. عمي: مثنى، والمراد بهما: أبو حنش بن النعمان، قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو، المعروف بآكل المرار "والمرار" شجر مر إذا أكلته الإبل قلصت عنه مشافرها"، وعمرو بن كلثوم التغلبي، قاتل عمرو بن هند. الأغلال: جمع غل وهو حديدة، تجعل في عنق الأسير. المعنى: يفخر الشاعر على جرير بقومه، ويقول: إن قومه ذوو بأس وشجاعة وإن عميه قتلا ملكين عظيمين، وخلصا الأسرى من أغلالهم. الإعراب: أبني: الهمزة حرف نداء. بني: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. كليب: مضاف إليه. إن: حرف مشبه بالفعل. عمي: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وياء المتكلم المدغمة فيها، في محل جر بالإضافة. اللذان خبر "إن" مبني على الألف في محل رفع. قتلا: فعل ماضٍ، والألف: فاعل. الملوك: مفعول به. وجملة "قتلا الملوك": صلة الموصول، لا محل لها. وفكَّكا. الواو عاطفة. فككا: فعل ماضٍ، والألف: في محل رفع فاعل. الأغلالا: مفعول به، والألف: للإطلاق، والجملة معطوفة على جملة؛ لا محل لها. موطن الشاهد: "اللذا". وجه الاستشهاد: حذف نون المثنى المرفوع؛ لأن "اللذا" وقع في محل رفع خبر. وبنو بلحارث بن كعب جميعا، وبعض بني ربيعة، أجازوا حذف نون "اللذان" ونون "اللتان" لأن الموصول، لما طال بالصلة والعائد، أرادوا تقصيره، لكون الصلة والموصول كالشيء الواحد. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٢. فائدة: جاء عن بعض العرب حذف نون "اللذين" في لغة من جاء بالياء، كما مر في قول أحدهم: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد وفي لغة من جاء به بالواو، كقول أحدهم: نحن الَّذُو بعكاظ طيروا شررا من روس قومك ضربا بالمصاقيل وانظر الدرر اللوامع: ١/ ٢٤. ١ القائل: هو الأخطل التغلبي، وقد مرت ترجمته في الشاهد السابق. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز المشطور، وبعده قوله: لقيل فخر لهم صميم =
[ ١ / ١٤٧ ]
ولا يجوز ذلك في ذان وتان للإلباس.
وتلخص أن في نون الموصول ثلاث لغات١، وفي نون الإشارة لغتان٢.
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٢، وهمع الهوامع: ١/ ٤٩، والدرر اللوامع ١/ ٢٣، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٠٨، وخزانة الأدب: ٢/ ٥٠٣، والعيني ١/ ٤٥٥، وليس في ديوان الأخطل. المفردات الغريبة: تميم: قبيلة أبوها تميم بن مر. فخر: شرف ومنزلة عظيمة. صميم: خالص لا شائبة فيه. المعنى: يمدح الشاعر امرأتين، بأنه لو ولدتهما تميم، لكان لتميم بهذه الولادة وهذا النسب؛ الفخر الذي لا يشوبه شيء. الإعراب: هما: مبتدأ. اللتا: خبر مبني على الألف. لو: حرف شرط غير جازم، لو: حرف امتناع لامتناع. ولدت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. تميم: فاعل مرفوع. لقيل: اللام واقعة في جواب الشرط، قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول. فخر: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذا فخر. "لهم": متعلق بـ "فخر"، أبو بحذوف صفة له. صحيح: صفة لـ "فخر"، ويجوز أن نعرب: "فخر" مبتدأ، "ولهم" متعلق بمحذوف خبر؛ لأن "فخر" وإن كان نكرة، فقد وصف بصحيح، فأفاده الوصف التخصيص، ولكونه أتى في معنى الفعل، نحو: "سلام على آل ياسين"، وعلى كل فالجملة الاسمية، في محل رفع نائب فاعل لـ "قيل" على رأي من يجيزون وقوع الجملة في محل رفع فاعل أو نائب فاعل والأفضل، أن نقدر له مصدرا مشتقا من الفعل، فنقول: لقيل القول، وجملة الشرط وجوابه، صلة للموصول، لا محل لها. موطن الشاهد: "اللتا". وجه الاستشهاد: حذف النون من "اللتان" الواقعة في محل رفع خبر المبتدأ، وحكم هذا الحذف جائز في لغة بلحارث بن كعب جميعا، وبعض بني ربيعة، والمعروف عنهم، أنهم يحذفون "النون" من المثنى المرفوع، ولم يحفظ عنهم حذف النون من المثنى المنصوب والمخفوض، والذي جعلهم يجيزون حذف نون المثنى في الرفع، من دون النصب والجر، هو امتناع التباس المثنى بالمفرد في حالة الرفع، كما في المثال السابق، وأما في حالتي النصب والجر، فيمكن أن يقع الالتباس بين المفرد والمثنى، وإن قال قائل: فالعائد "الضمير الذي يربط الصلة بموصولها"، يجب أن يطابق الموصول في الإفراد والتثنية والجمع، فهذا صحيح، غير أن العائد يكون محذوفا لفظا في كثير من الأحيان، ولهذا، امتنع الحذف في حالتي النصب والجر. ١ الإثبات من دون تشديد وهو الأكثر، وبالتشديد، وهو كثير، وبالحذف وهو لغة لبعض العرب، وهذا خاص بـ "اللذان واللتان". ٢ هما الإثبات من دون تشديد وهو الكثير، وبالتشديد على القلة.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولجمع المذر كثيرا ولغيره قليلا "الألى" مقصوران وقد يمد، و"الذين" بالياء مطلقا، وقد يقال بالواو رفعا، وهو لغة هذيل أو عقيل، قال١: [مشطور الرجز]
٤٥- نحن الَّذُون صبحوا الصباحا
_________________
(١) ١ اختلف النحاة في نسبة هذا البيت إلى قائله اختلافا كثيرا، فقد نسبه أبو زيد في "نوادره: ٤٧" إلى رجل جاهلي من بني عقيل، سماه أبا حرب الأعلم، ونسبه الصاغاني في "العباب" إلى ليلى الأخيلية، ونسبه جماعة إلى رؤبة بن العجاج، وهو غير موجود في ديوانه. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، وبعده قوله: يوم النخيل غارة ملحاحا وروى أبو زيد بعده: نحن قتلنا الملك الجحجاحا ولم ندع لسارح مراحا إلا ديارا أو دما مفاحا نحن بنو خويلد صراحا لا كذب اليوم ولا مزاحا والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٣، وابن عقيل: "٢٧/ ١/ ١٤٤"، والأشموني. "٨٧/ ١/ ٦٨"، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٤٧، والخزانة: ٢/ ٥٠٦ عرضا، والعيني: ١/ ٤٢٦ وهمع الهوامع: ١/ ٦١، ١/ ٨٣، والدرر اللوامع: ١/ ٣٦، ١/ ٥٦، ومغني اللبيب: "٧٥٩/ ٥٣٥" وشرح السيوطي: ٢٨١. المفردات الغريبة: صبحوا الصباحا: باغتوا العدو في الصباح. النخيل: موضع بالشام. غارة: اسم مصدر من أغار على العدو. ملحاحا: شديدة متتابعة من ألح السحاب دام مطره وسحاب ملحاح: دائم. المعنى: يفخر الشاعر بقومه الذين باغتوا أعداءهم، وأغاروا عليهم يوم النخيل، غارات متتابعة. الإعراب: نحن: مبتدأ. الذون: اسم موصول في محل رفع خبر. صبحوا: فعل ماضٍ، وفاعل، و"الجملة": صلة، لا محل لها. "الصباحا" متعلق بـ "صبحوا" "يوم" متعلق بـ "صبحوا" النخيل: مضاف إليه. غارة: مفعول لأجله، أو حال بتأويل المشتق، أي: مغيرين. ملحاحا: صفة لـ "غارة". موطن الشاهد: "الذون". وجه الاستشهاد: مجيء "الذون" بالواو في حالة الرفع، كما لو كان جمع مذكر سالما، وبعض العلماء، قد توهم من مجيء "الذون" في حالة الرفع، و"الذين" في =
[ ١ / ١٤٩ ]
ولجميع المؤنث: "اللاتي" و"اللائي"، وقد تحذف ياؤهما، وقد يتقارض١ الألى واللائي، قال٢: [الطويل]
٤٦- محا حبها حب الألى كن قبلها٣
_________________
(١) = حالتي النصب، والجر، بأن هذه الكلمة معربة، وأنها جمع مذكر سالم حقيقة، والصواب أنها مبنية، جيء بها على صورة المعرب، فهي مبنية على الواو الياء ومجيء "الذين" على "الذون" لغة هذيل، أو عقيل، وأو للشك. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٢- ١٣٣. فائدة: عد المؤلف "اللذان، واللذين، واللتان، واللتين، والذين، والذون" مبنيات وكان قرر في باب المعرب والمبني أن "اللذان واللتان" معربان؛ لأن التثنية التي هي من خصائص الأسماء عارضت شبههما بالحرف، والأرجح: أنها مبنيات. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ١٤٦- ١٤٧. ١ أي: يقع كل منهما مكان الآخر، ويستعمل استعماله. ٢ القائل: هو قيس بن الملوح العامري، مجنون ليلى، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وحلت مكانا لم يكن حل من قبل وأورد صاحب تزيين الأسواق: ١/ ٦٥ بيتين قبله، وهما: أظن هواها تاركي بمضلة من الأرض لا مال لديَّ ولا أهلُ ولا أحد أفضي إليه وصيَّتي ولا صاحب إلا المطية والرحلُ والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٣، والأشموني: "٨٦/ ١/ ٦٨"، والعيني: ١/ ٤٣٠، والأغاني: ١/ ١٧٧، وديوان قيس بن الملوح: ٢١٦. المفردات الغريبة: محا: أزال. الألى كن قبلها: النساء اللاتي أحبهن قبل ليلى. المعنى: يصف الشاعر حبه لليلى بأنه قد ملك قلبه، وأزال عنه حب كل امرأة قبلها، وحل حبها من القلب مكانا خاليا، لم يحله أحد من قبل. الإعراب: محا: فعل ماضٍ. حبها: فاعل، ومضاف إليه. حب: مفعول به: الألى: مضاف إليه. كنَّ: فعل ماضٍ ناقص، ونون النسوة اسمه. "قبلها" متعلق بمحذوف خبر "كان"، و"ها": مضاف إليه، وجملة "كان واسمها وخبرها": صلة للموصول، لا محل لها. وحلت: الواو عاطفة، حل: فعل ماض، والتاء: علامة التأنيث، والفاعل: هي. مكانا: معفول به لـ "حل". لم: نافية جازمة: يكن: فعل مضارع ناقص، واسمه: هو. حُل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر.
[ ١ / ١٥٠ ]
أي حب اللاتي وقال١: [الوافر]
٤٧- فما آباؤنا بِأَمَنَّ منه علينا اللاء قد مهدوا الحجورا٢
أي الذين.
_________________
(١) = جوازا، تقديره: هو، وجملة "الفعل ونائبه": في محل نصب خبر يكن، وجملة "يكن واسمه وخبره": في محل نصب صفة لـ "مكان". من: حرف جر، قبل: ظرف زمان مبني على الضم، في محل جر بـ "من" و"من قبل": متعلق بـ "حل". موطن الشاهد: "الأُلَى كُنَّ قبلها". وجه الاستشهاد: استعمال "الألى" لجماعة الإناث بدلا من "اللاتي"، بدليل عود الضمير من "كن" عليه بصيغة المؤنث، والمعنى أيضا يؤكد ذلك؛ لأنه يريد أن حب هذه المرأة، قد أزال حب النساء الألى كن قبلها، ومعلوم أن الأصل في "الألى" أن يستعمل في جمع الذكور، نحو: قول الشاعر: رأيت بني عمي الأُلَى يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب بقي أن نعلم أن "الألى" اسم جمع لا جمع، فإطلاق الجمع عليه مجاز، وأن "الذين" خاص بالعقلاء، و"الذي" عام في العاقل وغيره، فهما كالعالم والعالمين. انظر حاشية الصبان: ١/ ١٥٠. ١ القائل: رجل من بني سليم لم يعينه العلماء. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٣، وابن عقيل: "٢٨/ ١/ ١٤٥"، والأشموني: "٨٨/ ١/ ٦٩" وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٠٨، والعيني: ١/ ٤٢٩، وهمع الهوامع: ١/ ٨٣، والدرر اللوامع: ١/ ٥٧. المفردات الغريبة: أَمَنَّ: أفعل تفضيل أي أكثر منه وإنعاما. مهدوا: بسطوا وهيؤوا ومنه المهد وهو الفراش المهيأ للصبي وتمهيد الأمور: تسويتها الحجور: جمع حجر، وهو ما بين يدي المرء من ثوبه وحضنه. المعنى: يقول الشاعر: ليس آباؤنا الذين قاموا بتربيتنا ورعايتنا وإصلاح أمرنا، وبسطو حجورهم فراشا لنا كالمهد، بأكثر إنعاما وتفضلا علينا من هذا الممدوح. الإعراب: ما: نافية بمعنى "ليس". آباؤنا: اسم "ما" ومضاف إليه. "بأمن": الباء زائدة، أمنَّ: خبر "ما". "منه" و"علينا": متعلقان بـ "أمن". اللاء: اسم موصول، صفة لـ "آباء". قد: حرف تحقيق: مهدوا: فعل ماضٍ، وفاعل، والجملة: صلة الموصول، لا محل لها الحجورا: مفعول به لـ "مهدوا"، والألف: للإطلاق. موطن الشاهد: "اللاء". وجه الاستشهاد: إطلاق "اللاء" على جماعة الذكور موضع الذين، والأكثر كونها لجماعة الإناث، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْن﴾، وكذا فيها شاهد على حذف الياء أيضا؛ لأن الأصل "اللائي"، وقد قرئ بهما جميعا. انظر حاشية الصبان: ١/ ١٥.
[ ١ / ١٥١ ]
[الموصول المشترك]:
والمشترك ستة: مَن، وما، وأي، وأل، وذو، وذا.
فأما "مَن" فإنها تكون للعالم، نحو: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَاب﴾ ١.
[من لغير العاقل] ولغيره في ثلاث مسائل:
إحداها: أن ينزل منزلته٢ نحو: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَه﴾ ٣ وقوله:٤: [الطويل]
٤٨- أسرب القطا هل من يعير جناحه٥
_________________
(١) ١ "٣" سورة الرعد، الآية: ٤٣. موطن الشاهد: ﴿مَنْ عِنْدَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مَن" اسما موصولا دالا على العالم العاقل، واستعمالها بهذا المعنى كثير شائع، وهو جائز باتفاق. ٢ أي أن ينسب إلى المسمى شيء من شأنه ألا يكون إلا من العقلاء، فيشبه بهم، وينزل منزلتهم في استعمال "من" سواء كان هذا التنزيل من المتكلم أو من غيره. ٣ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "من" لغير العاقل، على سبيل التطفّل؛ وذلك لأنه أنزل ما وقعت عليه منزلة العاقل؛ لأن الذي يدعونه من دون الله، لا يعقل شيئا، ولكن لما اتخذه المشتركون إلها لهم، فقد أنزل منزلة العاقل. ٤ القائل: هو العباس بن الأحنف، أبو الفضل بن الأسود الحنفي، شاعر غزل، لم يخرج إلى غيره من أغراض الشعر، وكان يشبه عمر بن أبي ربيعة، أصله من اليمامة، ونشأ ببغداد ومات بالبصرة، والعباس شاعر مولد، لا يحتج بشعره، وإنما أتى بهما للتمثيل. الشعر والشعراء: ٢/ ٨٢٧، الأغاني: ٨/ ١٤، اللآلي: ٣١٣، ابن خلكان: ١/ ٣٠٧. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه مع بيت سابق عليه هكذا: بكيت على سرب القطا إذ مررن بي فقلت ومثلي بالبكاء جديرُ أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطيرُ وينسب البيت الشاهد إلى المجنون، وهو في ديوانه وديوان العباس أيضا وذلك من خلط الرواة وقد استشهد به في: التصريح: ١/ ١٣٣، ١/ ١٣٤، وابن عقيل =
[ ١ / ١٥٢ ]
وقوله١: [الطويل]
٤٩- ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي٢
_________________
(١) = "٢٩/ ١/ ١٤٨"، والأشموني: "٨٩/ ١/ ٦٩" والعيني: ١/ ٤٣١، وهمع الهوامع: ١/ ٩١ والدرر اللوامع: ١/ ٦٩، وديوان العباس. ١٤٣. المفردات الغريبة: سرب: هو القطيع من الظباء والقطا ونحوهما. القطا: جمع قطاة، وهي طائر معروف. هويت أحببت. المعنى: ينادي الشاعر جماعة القطا، ويقول: هل من يعيرني جناحه، لعلي أطير إلى من هويت وأحببت؟ الإعراب: أَسِرْبَ: الهمزة حرف نداء، سرب: منادى مضاف منصوب. القطا: مضاف إليه، هل: حرف استفهام، من: مبتدأ يعير: فعل مضارع، والفاعل: هو، والجملة صلة للموصول، لا محل لها، والخبر محذوف، والتقدير: هل من يعير جناحه موجود؟ جناحه: مفعول به، ومضاف إليه. لعلي: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمها "إلى من" متعلق بـ "أطير" الآتي قد: حرف تحقيق. هويت: فعل ماضٍ، وفاعل. والجملة لا محل لها؛ لأنها صلة الموصول، والعائد إلى الاسم الموصول محذوف، والتقدير: هويته. أطير: فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: أنا، والجملة في محل رفع خبر "لعل". موطن الشاهد: "من يعير". وجه الاستشهاد: استعمال "من" في غير العاقل، وهو "القطا" وإنما جاز ذلك؛ لأنه نزل القطا منزلة العاقل، فناداها، وطلب منها الجناح، ومعلوم أنه لا يتصور النداء والإقبال، إلا من العاقل الذي يفهم الطلب. ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا الشاهد هو مطلع قصيدة طويلة للشاعر. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٣، والأشموني: "٩٠/ ١/ ٦٩"، وسيبويه: ٢/ ٢٢٧ وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٧٤، وشرح المفصل: ٧/ ١٥٣، والعيني: ١/ ٤٣٣، وهمع الهوامع: ٢/ ٨٣، والدرر اللوامع: ٢/ ١٧، ومغني اللبيب "٣٠٦/ ٢٢٥" وشرح السيوطي: ١٦٦. المفردات الغريبة: عم صباحا: إحدى تحيات العرب الجاهليين في الصباح، وفي المساء: عم مساء، وعم ظلاما. وعم: فعل أمر أصله أنعم، حذفت الهمزة والنون تخفيفا. الطلل: كل ما بقي شاخصا من آثار الديار. الخالي: السالف. المعنى يحيى الشاعر أطلالا فيقول: أنعم الله صباحك أيها الأثر الذي أشرف على =
[ ١ / ١٥٣ ]
فدعاء الأصنام ونداء القطا والطلل سوَّغ ذلك.
الثانية: أن يجتمع مع العاقل فيما وقعت عليه "من"١ نحو: ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ ٢ لشموله الآدميين والملائكة والأصنام، ونحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ٣، ونحو: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْن﴾، فإنه
_________________
(١) = الزوال والفناء، وبقي من آثار الأحبة، ثم ثاب إلى رشده، وأنكر أن يجيبه أحد؛ لهلاك من كان بهذه الديار، فقال: وهل ينعمن بشيء من هلك في الزمان الماضي؟! الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه. عم: فعل أمر، والفاعل: أنت: "صباحا": متعلق بـ "عم" أيها: منادى بحرف نداء محذوف، مبني على الضم، في محل نصب، و"ها" حرف تنبيه، لا محل له. الطلل: صفة لـ "أي" على اعتبار اللفظ. وهل: هل حرف استفهام. يعمن: فعل مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة. من: اسم موصول، فاعل لـ "يعم". كان: فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو "في العصر": متعلق بـ "خبر كان المحذوف". الخالي: صفة لـ "العصر"، وجملة "كان في العصر الخالي": صلة للموصول، لا محل لها. موطن الشاهد: "يعمن من". وجه الاستشهاد: استعمال "من" الموصولة للمفرد غير العاقل، وهو الطلل البالي، والذي جوز ذلك الاستعمال مناداة الطلل، وتنزيله منزلة من يجيب الداعي؛ لأنه لا ينادى إلا العاقل، كما هو معلوم. ١ أي: أن يكون مضمون الكلام، متجها إلى شيء يشمل العاقل، وغيره، ولكنك تراعي العاقل فتغلبه على غيره. ٢ "١٦" سورة النحل، الآية: ١٧. موطن الشاهد: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "من" على من لا يعقل، والذي سوَّغ ذلك اجتماع العاقل مع غير العاقل فيما دخلت عليه "من" الموصولة؛ لأن من لا يعقل عامٌّ يشمل الآدميين والملائكة والأصنام، فالجميع لا يخلقون شيئا. ٣ "٢٢" سورة الحج، الآية: ١٨. موطن الشاهد: ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنِ فِي الْأَرْضِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "من" على من لا يعقل، والذي سوغ ذلك اجتماع العاقل مع غير العاقل فيما دخلت عليه من؛ لأن من في السموات يشمل الملائكة والشمس والقمر والنجوم وغيرها، ومن في الأرض يشمل الآدميين، والجبال والشجر وسوى ذلك.
[ ١ / ١٥٤ ]
يشمل الآدمي والطائر.
الثالثة: أن يقترن به في عموم فصل بمن، نحو: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِه﴾ ١ و: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع﴾ ١ لاقترانهما بالعاقل في عموم ﴿كُلِّ دَابَّة﴾ ١
[ما لما لا يعقل]:
وأما "ما" فإنها لما لا يعقل وحده، نحو: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَد﴾ ٢، وله مع العاقل، نحو: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ٣، ولأنواع من يقعل، نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ ٤، وللمبهم٥ أمره كقولك؛ وقد رأيت شبحا: "انظر إلى ما ظهر"
_________________
(١) ١ "٢٤" سورة النور، الآية: ٤٥. موطن الشاهد: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾، ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ وجه الاستشهاد: وقوع من على غير العاقل، والذي جوز ذلك اقتران غير العاقل به أي بالعاقل، في عموم فصل بـ "من" الموصولة؛ لاقترانهما بالعاقل في عموم "كل دابة" التي تشمل العاقل وغيره. وانظر شرح التصريح: ١/ ١٣٤. ٢ "١٦" سورة النحل، الآية: ٩٦. موطن الشاهد: ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "ما" اسما موصولا دالا على ما لا يعقل، وهو الأصل في استعماله. ٣ "٥٩" سورة الحشر، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ . وجه الاستشهاد: استعمال "ما" في العاقل، وجواز استعمال "ما" في العاقل عن طريق الاستعارة، أو المجاز المرسل، وإلى الثاني أشار المؤلف بقوله: "إذا اختلط به". أي: بأن غلب غير العاقل على العاقل. ٤ "٤" سورة النساء، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿مَا طَابَ﴾ . وجه الاستشهاد: استعمال "ما" اسما موصولا في أفراد العاقل وصفاته؛ لأن المراد ما طاب لكم من النساء، الصفات غير المفهومة من الصلة كالبكارة والثيوبة وسوى ذلك، وفي هذه المسألة نظر، ويجب العودة إلى شرح التصريح: ١/ ١٣٤-١٣٥، وحاشية الصبان: ١/ ١٥٣-١٥٤. ٥ أي: الذي لا يدرى أهو إنسان أم غير إنسان، وكذلك، إذا علمت إنسانيته، ولكنك لا تدري أمؤنث هو أم مذكر؟ نحو قوله تعالى على لسان امرأة عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ .
[ ١ / ١٥٥ ]
والأربعة الباقية للعاقل وغيره، فأما "أي" فخالف في موصوليتها ثعلب١. ويرده قوله٢: [المتقارب]
٥٠- فسلِّمْ عَلَى أيُّهُمْ أفضلُ٣
_________________
(١) ١ هو أبو العباس: أحمد بن يحيى الشيباني، إمام الكوفيين، والبصريين، في النحو والفقه في زمانه، وعالم بالقرآن والقراءات، ولد سنة ٢٠٠هـ، ولازم ابن الأعرابي وحفظ على الفراء والكسائي، وأخذ عنه الأخفش الأصغر، ونفطويه، وابن الأنباري: له مصنفات قيمة منها: المصون في النحو، اختلاف النحويين، والفصيح، وغريب القرآن مات سنة ٢٩١هـ ببغداد. البلغة: ٣٤، إنباه الرواة: ١/ ١٣٨، بغية الوعاة: ١/ ٣٩٦، طبقات القراء: ١/ ١٤٨، الأعلام: ١/ ٢٥٢. ٢ هو: غسان بن وعلة، أحد الشعراء المخضرمين من بني مرة بن عباد. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: إذا ما لقيت بني مالك والشاهد: أنشده أبو عمرو الشيباني في كتاب الحروف وابن الأنباري في الإنصاف: ٢/ ٧١٥، وقال "حكى أبو عمرو الشيباني عن غسان، وهو أحد من تؤخذ عنهم اللغة من العرب". وأنشد البيت. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٥، وابن عقيل: "٣٣/ ١/ ١٦٢، والأشموني: "١١٠/ ١/ ٧٧"، وشرح المفصل: ٣/ ١٤٧، ٤ / ١٢، ٧/ ٨٨، والخزانة: ٢/ ٥٢٢. وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٣٦، ومغني اللبيب: "١٢٤/ ١٠٨"، "٧٥٧/ ٥٣٥ "٩٥٣/ ٧١٧"، وشرح السيوطي: ٨٣/ ٢٨١. المعنى واضح، لا لبس فيه ولا غموض. الإعراب: إذا: ظرف تضمن معنى الشرط مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية. ما: زائدة: لقيت فعل ماضٍ، وفاعل، و"الجملة" في محل جر بالإضافة. بني: مفعول به لفعل "لقي"، وحذفت النون للإضافة. مالك: مضاف إليه فسلم: الفاء رابطة لجواب الشرط. سلم: فعل أمر، والفاعل: أنت. على: حرف جر. أيهم: يروى بضم أي وبجره؛ فعلى رواية الضم، فهو مبني، وعلى الجر، فهو معرب مجرور بالكسرة الظاهرة، و"هم"، مضاف إليه. أفضل: خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: سلم على الذي هو أفضل، والجملة الاسمية: صلة للموصولة لا محل لها. موطن الشاهد: "أيهم أفضل". وجه الاستشهاد: مجيء "أي" مبنية على الضم في الرواية المشهورة؛ لأنها مضافة، حذف صدر صلتها، وفي هذا دلالة على أنها موصولة؛ لأن غير الموصولة، لا تبنى ولا تصلح هنا والمحذوف هو المبتدأ المقدر، وهذا مذهب سيبويه وجماعة من البصريين في هذه الكلمة؛ أنها تأتي موصولة، وتكون مبنية باجتماع أمرين؛ أحدهما: أن تكون مضافة لفظا، والثاني: أن يكون صدر صلتها محذوفا، وذهب الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب -وهما شيخان من شيوخ سيبويه- إلى أن "أي" لا تأتي موصولة، وإنما هي شرطية أو استفهامية، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها تأتي موصولة على قلة؛ غير أنها معربة في مختلف الأحوال، أضيفت أو لم تضف، وسواء أحذف صدرها أم ذكر. وانظر: شرح التصريح: ١/ ١٣٥-١٣٦، وحاشية الصبان: ١/ ١٦٦-١٦٧.
[ ١ / ١٥٦ ]
ولا تضاف لنكرة خلافا لابن عصفور١، ولا يعمل فيها إلا مستقبل متقدم٢ نحو: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ٣، خلافا للبصريين، وسئل الكسائي٤: لم
_________________
(١) ١ ابن عصفور: أبو الحسن عليُّ بن مؤمن بن عصفور، النحوي الحضرمي الإشبيلي، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، أخذ عن الدباح وعن الشلوبين، أعد نفسه للنحو، ولم ينبغْ في غيره وكان أصبر الناس على المطالعة، له مصنفات قيمة، منها: الممتع في التصريف، وكان أبو حيان لا يفارقه، وله شروح على الجمل، والمقرب، وشرح الجزولية، مات سنة ٦٦٩هـ. البلغة: ١٦٩، بغية الوعاة: ٢/ ٢١٠، شذرات الذهب: ٥/ ٣٣٠، فوات الوَفَيات: ٢/ ٩٣، الأعلام: ٥/ ١٧٩. وأما السبب في أنها لا تضاف إلى نكرة؛ لأن الموصول مراد تعيينه، وإضافته إلى النكرة تقتضي إبهامه، وفي ذلك تدافع ظاهر، غير أن بعضهم -سوى ابن عصفور- يرى جواز إضافتها للنكرة غير أن إضافتها للمعرفة أقوى. انظر حاشية الصبان: ١/ ١٦٧، وشرح التصريح: ١/ ١٣٥. ٢ وشرط الاستقبال؛ لأن "أي" موضوعة للدلالة على الإبهام، وذلك يناسبه المضارع المستقبل الزمان، الذي لا يدرى ما فيه. وأما الماضي والحال فمعلومان؛ وأما شرط تقديم العامل؛ فللفرق بينها وبين "أي" الشرطية، والاستفهامية؛ لأنه لا يعمل فيهما إلا متأخر لصدارتهما. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٥- ١٣٦. ٣ "١٩" سورة مريم، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أي" موصولة مبنية، وتقدم عليها عامل مستقبل "لننزعن"، وحكم تقدم العامل المستقبل شرط عند الكوفيين، خلافا للبصريين، انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٥. ٤ مرت ترجمته.
[ ١ / ١٥٧ ]
لا يجوز: "أعجبني أيهم قام"؟ فقال: أي كذا خُلقَت١، وقد تؤنث وتثنى وتجمع، وهي معربة، فقيل مطلقا، وقال سيبويه: تبنى على الضم إذا أضيفت لفظا وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا، نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدّ﴾ ٢ وقوله:
على أيِّهمْ أفضلُ١
وقد تعرب حينئذ كما رويت الآية بالنصب والبيت بالجر.
[أل]:
وأما "أل"٢، فنحو: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ ٤، ونحو: ﴿وَالسَّقْفِ
_________________
(١) ١ معلوم أن الكسائي كوفي، والكوفيون، يقولون بلزوم استقبال عامل "أي"، فلما سئل في حلقة يونس بن حبيب عن السبب في عدم جواز: "أعجبني أيهم قام"، لم يجد وجهًا للمنع. فقال: "أي كذا خلقت"، أي: هكذا وضعت قال ابن السراج موجها قول الكسائي بالمنع ما معناه: إن أيا وضعت على العموم والإبهام، فإذا قلت: يعجبني أيهم يقوم، قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنا من كان، ولو قلت: أعجبني أيهم قام، لم يقع إلا على الشخص الَّذي قام فأخرجهما ذلك عما وضعت له من العموم: انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٦. ٢ مر تخريج البيت والتعليق عليه. ٣ وتكون للعاقل، وغيره، مفردا وغير مفرد، ويراعى في الضمير العائد إليها المعنى فقط، خوفا من اللبس، وهي لا تكون موصولة إلا إذا دخلت على اسم الفاعل واسم المفعول "أي الصفة الصريحة"، وإعرابها يظهر على الصفة الصريحة المتصلة بها، وأما الداخلة على الصفة المشبهة ففيها خلاف، والأغلب: أنها حرف تعريف. حاشية الصبان: ١/ ١٦٤. ٤ "٥٧" سورة الحديد، الآية: ١٨. موطن الشاهد: ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" موصولا اسميا، لدخولها على اسم الفاعل، وهو صفة صريحة، كما بينا.
[ ١ / ١٥٨ ]
الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ ١، وليست موصولا حرفيا خلافا للمازني٢ ومن وافقه، ولا حرف تعريف خلافا لأبي الحسن٣.
[ذو الطائية]:
وأما "ذو" فخاصة بطيئ، والمشهور بناؤها، وقد تعرب، كقوله:
فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا٤
_________________
(١) ١ ٥٢ سورة الطور، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿الْمَسْجُورْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" موصولا اسميا؛ لدخولها على اسم المفعول، وهو صفة صريحة. ٢ هو: أبو عثمان، بكر بن محمد بن بقية المازني، من بني مازن بن شيبان، كان إماما في العربية ثقة واسع الرواية، لا يناظره أحد إلا قطعه؛ لقدرته على الكلام، وهو بصري أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأبي زيد، وروى عن المبرد، قيل فيه: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان، له تفسير كتاب سيبويه، وعلل النحو، والتصريف. مات سنة ٢٤٩هـ بالبصرة. البلغة: ٤١، بغية الوعاة: ١/ ٤٦٣، إنباه الرواة: ١/ ٢٤٦، الأعلام: ٢/ ٤٤، معجم المؤلفين: ٣/ ٧١. ٣ حجة أبي الحسن أن العامل يتخطَّاها، نحو: جاء الكتاب، كما يتخطاها مع الجامد، نحو: جاء الرجل، وهي مع الجامد معرفة اتفاقا، فتكون كذلك مع المشتق، ورُدَّ بأن سبب ذلك أنها على صورة الحرف. التصريح: ١/ ١٣٧. وأبو الحسن: هو سعيد بن مسعدة المعروف بالأخفش البصري، وهو الأخفش الأوسط، أحد أئمة النحاة البصريين، قرأ النحو على سيبويه، وكان أكبر منه، وصحب الخليل، ولم يأخذ منه، وقرأ كتابه سيبويه على الكسائي، وكان أعلم الناس بالكلام، وأحذقهم بالجدل، له مصنفات عديدة، منها: المقاييس في النحو، والأوسط، والاشتقاق. مات سنة: ٢١٥هـ. البلغة: ٨٦، إنباه الرواة: ٢/ ٣٦، بغية الوعاة: ١/ ٥٩، مراتب النحويين: ١٠٩، الأعلام: ٣/ ١٥٤. ٤ مر هذا الشاهد والتعليق عليه. موطن الشاهد: "من ذي". وجه الاستشهاد: مجيء "ذي" -على هذه الرواية- يدل على أن "ذو" الموصولة، قد تكون معرفة إعراب "ذي"، التي بمعنى "صاحب"، أي: التي من الأسماء الستة، والذي رواه "بالياء" أبو الفتح بن جني، في كتابه "المحتسب"، وهو مشكل؛ لأن سبب البناء قائم، ولم يعارضه معارض مما يختص بالاسم، حتى يراعي المعارض فتعرب. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٧.
[ ١ / ١٥٩ ]
فيمن رواه بالياء، والمشهور أيضا إفرادها وتذكيرها، كقوله١: [الوافر]
٥١- وبئري ذو حفرت وذو طويت٢
_________________
(١) ١ القائل هو: سنان بن الفحل الطائي: شاعر إسلامي من شعراء الدولة المروانية. خزان الأدب: ٦/ ٤٠. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من كلمة أوردها أبو تمام: حبيب بن أوس الطائي في حماسته. "وكان بنو جرم من طيئ، وبنو هرم بن العشراء من فزارة قد لَجَّ بهم الخصام في شأن ماء من مياههم، فترافعوا إلى عبد الرحمن بن الضحاك والي المدينة، وكان صهرا للفزاريين، فخشي الطائيون أن يميل في حكومته إلى أصهاره، فبرك سنان بن الفحل أمامه وأنشد بين يديه الكلمة التي منها الشاهد المذكور. انظر: شرح الحماسة للمرزوقي: ٥٩٠. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٧، والأشموني: "١٠١/ ١/ ٧٢"، وهمع الهوامع: ١/ ٨٤ والدرر اللوامع: ١/ ٩٥، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٠٦، والإنصاف: ١/ ٣٨٤، وشرح المفصل: ٣/ ١٤٧، ٨/ ٤٥، والخزانة: ٢/ ٥١١، واللسان "ذا"، وقطر الندى: "٣١/ ١٠٢. المفردات الغريبة: ذو حفرت: يريد التي حفرتها، ذو طويت، أي التي طويتها، وطي البئر: بناؤها بالحجارة. المعنى: يقول الشاعر: إن هذا الماء من عهد أبي وجدي، وأنا الذي حرفت هذه البئر وبنيتها بالحجارة. الإعراب: الفاء: للتعليل. إن حرف مشبه بالفعل. الماء: اسمه. ماء: خبر. أبي: مضاف إليه، والياء: مضاف إليه. وجدي: الواو عاطفة، جدي: معطوف على أبي، والياء: مضاف إليه. وبئري: الواو استئنافية، بئري: مبتدأ، ومضاف إليه. ذو: خبر المبتدأ. حفرت: فعل ماضٍ وفاعل، والجملة صلة للموصول، لا محل لها. وذو: الواو عاطفة، ذو: معطوف على "ذو" السابقة" طويت فعل وفاعل، والجملة: صلة للموصول، لا محل لها، وحذف العائد على الموصولين، من جملتي الصلة، والأصل: وبئري ذو حفرتها وذو طويتها، ويجوز إعراب الواو في "وبئري" عاطفة =
[ ١ / ١٦٠ ]
وقد تؤنث وتثنى وتجمع١، حكاه ابن السراج، ونازع في ثبوت ذلك ابن مالك، وكلهم حكى "ذات" للمفردة، و"ذوات" لجمعها، مضمومتين، كقوله:
_________________
(١) = جملة، على جملة، أو عاطفة "بئري" على اسم "إن" و"ذو حفرت" على خبر إن، فيكون من باب العطف على معمولي عامل واحد، وهو مما لا خلاف فيه. موطن الشاهد: "ذو حفرت وذو طويت". وجه الاستشهاد: استعمال "ذو" في الجملتين اسما موصولا لمؤنث، بمعنى "التي"؛ لأنها واقعة على البئر، وهي مؤنثة، على الرغم من أن لفظها مفرد مذكر، ومعلوم أن البئر غير عاقلة، فيكون استعمل "ذو" للدلالة على المفرد المؤنث غير العاقل. ومن استعمال "ذو" في المفرد المذكر العاقل، قول الطائي: فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا هلمَّ فإن المشرفيَّ الفرائض أي: قولا لهذا المرء الذي جاء ساعيا. ومن استعمال "ذو" في المفرد المذكر غير العاقل، قوله أيضا: أظنك دون المال ذو جئت طالبا ستلقاك بيض للنفوس قوابض والمراد: دون المال الذي جئت. أوضح المسالك "تحقيق عبد الحميد": ١/ ١٥٤، حا: ١. ١ عند بعض بني طيئ، فتقول في المذكر: "ذو قام"، وفي المؤنث "ذات قامت"، وفي مثنى المذكر "ذوا قاما" وفي مثنى المؤنث "ذواتا قامتا"، وفي جمع المذكر "ذو قاموا" وفي جمع المؤنث "ذوات قمن"، وفي الأصول، لابن السراج، أن ذلك عن جميع طيئ، وتبعه ابن عصفور في المقرب. التصريح: ١/ ١٣٧، ١٣٨، وابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ١٢٢. ٢ ابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري البغدادي النحوي، صاحب الكتب الممتعة في النحو، كان أحدث أصحاب المبرد سنا مع ذكاء وفطنة، قرأ كتاب سيبويه على المبرد، وقيل: ما زال النحو مجنونا، حتى عقله ابن السراج بأصوله، أخذ عنه أبو القاسم الزجاجي، والسيرافي، والفارسي، والرماني، له مصنفات هامة، فيها: شرح كتاب سيبويه، ومختصر في النحو، واحتجاج القراءة، والجمل وغيرها، مات شابا سنة ٣١٦ هـ. البلغة: ٢٢٢، إنباه الرواة: ٣/ ١٤٥، وبغية الوعاة: ١/ ١٠٩، ومعجم المؤلفين: ١٠/ ١٩، والأعلام: ٧/ ٦.
[ ١ / ١٦١ ]
"بالفضل ذو فضلكم الله بِهْ، والكرامة ذات أكرمكم الله بَهْ"١، وقوله٢: [مشطور الرجز]
٥٢- ذواتُ ينهضن بغير سائق٣
_________________
(١) ١ قائل هذه العبارة، رجل من طيئ، كما قال الفراء في لغات القرآن: "سمعنا أعرابيا من طيئ يسأل ويقول: بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله بَهْ" فبنى ذات على الضم، ونقل حركة الهاء الأخيرة إلى ما قبلها، وحذف الألف، فسكنت الهاء، وبالفضل متعلق بمحذوف، أي أسألكم بالفضل، أو نحوه، والكرامة بالخفض معطوفة على الفضل، وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْق﴾ . التصريح: ١/ ١٣٨، والكواكب الدرية: ١/ ١٣٧. ٢ هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: أنشد الفراء هذا البيت، ولم ينسبه إلى قائل معين، وحكاه في اللسان غير منسوب، وقبل الشاهد قوله: جمعتها من أنيق موارق وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٦، والأشموني: "١٠٢/ ١/ ٧٣"، والمقرب: ٦، وملحقات ديوان رؤبة: ١٨٠. المفردات الغريبة: جمعتها: الضمير للنوق المختارة في الأبيات قبله. أينق: جمع ناقة وأصله أنؤق، قدمت الواو على النون؛ لتسلم من الضمة، ثم قلبت ياء للتخفيف، فوزنه "أعفل". موارق: سريعات في السير، جمع مارقة، من مرق السهم من الرمية، إذا نفذ سريعا. المعنى: يقصد الراجز: أنه اختار هذه النوق، وجمعها من نياق سريعة. ينهضن ويسرعن في السير بغير سائق، ينبهها، ويستحثها على السير، كالسهام التي تمرق من الرمايا. الإعراب: جمعتها: فعل وفاعل ومفعول به. "من أينق" متعلق بـ "جَمَع"، موارق: صفة لـ "أنيق" ذوات: صفة ثانية لـ "أينق" وهذا على مذهب الكوفيين، الذين يجوزون تخالف النعت والمنعوت في التعريف والتنكير إذا كانت الصفة للمدح أو الذم، وعلى مذهب البصريين، الذين لا يجوزون اختلاف الصفة والموصوف فيهما، فإما أن يكون "ذوات" بدلا من أينق"، أو خبرا مبتدأ محذوف. ينهضن: فعل مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون: فاعل، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. "بغير" متعلق بـ "ينهض". سائق: مضاف إليه.
[ ١ / ١٦٢ ]
وحكى إعرابهما إعراب ذات وذوات بمعنى صاحبة وصاحبات١.
[ذا وشرط موصوليتها]:
وأما "ذا" فشرط موصولياتها ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا تكون للإشارة، نحو: "من ذا الذاهب"؟ و"ماذا التَّواني"؟ ٢.
والثاني: ألا تكون ملغاة، وذلك بتقديرها مركبة مع "ما" في نحو: "ماذا صنعت"٣، كما قدرها كذلك من "قال عمَّاذا تسأل" فأثبت الألف.
_________________
(١) موطن الشاهد: "ذواتُ". وجه الاستشهاد: مجيء "ذوات" اسما موصولا بمعنى اللواتي، مبنية على الضم، وصلته جملة "ينهض بغير سائق"، وأنكر بعض النحاة أن تكون "ذوات" بمعنى "اللواتي"، وعدوها بمعنى "صاحبات" وأضيفت إلى الفعل، بتأويله بالمصدر، وكأنه قال: ذوات نهوض بغير سائق، كما قالوا: "اذهب بذي تسلم" وهم يريدون: اذهب بذي سلامة، وعلى هذا، فـ "ذوات" على رواية الرفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هن ذوات نهوض، أي: صاحبات سبق. وانظر حاشية الصبان: ١/ ١٥٨- ١٥٩، وشرح التصريح: ١/ ١٣٨. ١ حكى أبو حيان في الارتشاف إعراب "ذات" بالضمة، في حالة الرفع وبالفتحة في حالة النصب، والكسرة في الجر، مع التنوين في الأحوال الثلاثة: إذ لا إضافة، وأما "ذوات" فحكى إعرابها بالحركات أبو جعفر النحاسي الحلبي، وعليه ترفع بالضمة وتجر بالكسرة وتنصب بالكسرة نيابة عن الفتحة كجمع المؤنث، وتنون في الأحوال الثلاثة أيضا. التصريح: ١/ ١٣٨. ٢ إنما كانت "ذا" في هذين المثالين موصولة؛ لأن ما بعدها، فيهما اسم مفرد، والاسم المفرد لا يصلح أن يكون صلة لغير "أل" ومتى لم تصلح؛ لأن تكون موصولة، كانت اسم إشارة إذا هي لا تكون إلا على أحد هذين الوجهين، فإذا انتفى أحدهما، ثبت الآخر. التصريح: ١/ ١٣٨. ٣ حيث جعلت "ماذا" كلمة واحدة، وأعربت اسم استفهام، في محل نصب مفعول مقدم لفعل صنعت- أي: أيّ شيء صنعت؟ وحينئذ يجوز تقدم العامل عليها، ولا تلزم الصدارة، فقد ورد أن عمرو بن العاص قال للنبي ﷺ عند إسلامه: أريد أن أشترط. فقال النبي ﷺ: "تشترط ماذا؟ ". ومثل المصنف بـ "ما" وترك التمثيل بـ "من"؛ لأن بعض النحويين كـ "ثعلب" يمنع أن تكون "من" و"ذا" مركبتين، والصحيح الجواز، كما يشير الناظم. انظر شرح التصريح: ١/ ١٣٩ والأشموني مع الصبان: ١/ ١٥٩.
[ ١ / ١٦٣ ]
لتوسطها١، ويجوز الإلغاء عند الكوفيين وابن مالك على وجه آخر، وهو تقديرها زائدة٢.
والثالث: أن يتقدمها استفهام بما باتفاق، أو بمن على الأصح، كقول لبيد٣: [الطويل]
_________________
(١) ١ أي: لأنها بعد التركيب مع "ذا" أصبحت متوسطة في اسم الاستفهام، ولو جعلها اسمين، لحذفت الألف من "ما"؛ لتطرفها، على قاعدة "ما" الاستفهامية، إذا دخل عليها حرف الجر، كما يقول ابن مالك في موضعه: و"ما" في الاستفهام إن جرت حذفْ ألفُها، وأَوْلِهَا "الها" إن تقفْ انظر ضياء السالك: ١/ ١٥٠. ٢ أي: بين "ما" ومدخولها، ففي قولك: ماذا صنعت؟، كأنك قلت: ما صنعت؟، والبصريون يمنعون ذلك، والكوفيون يجيزونه. ولم يذكر المؤلف تركب "ذا" مع "من" ولم يصرح بأن "ذا" تزاد مع "من" والذي وجدناه أن أبا البقاء، وأحمد بن يحيى ثعلب"، لا يجيزان تركب "ذا"مع "من"، ونقل عنهما، أن التركيب خاص بـ "ذا" مع "ما" وعللا ذلك بأن "ما" أكثر إبهاما من "من"، ولذا فيحسن بها أن تجعل مع غيرها كالاسم الواحد؛ ليكون ذلك أظهر لمعناها، وانظر تفصيل ذلك في شرح التصريح: ١/ ١٣٩، والأشموني مع الصبان: ١/ ١٦٠. ٣ لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري، أبو عقيل، أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم، أمره الحارث الغساني على مئة فارس، جاءوا المنذر بن ماء السماء، فقتلوه، ولم ينجُ منهم إلا هو، أدرك الإسلام وأسلم، ولم يقل شعرا أبدا بعد إسلامه إلا بيتا واحدا، وهو: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى كساني من الإسلام سربالا عاش طويلا ومات في خلافة معاوية وذلك عن عُمْرٍ بلغ ١٥٧ سنة كما قيل. الشعر والشعراء: ١/ ٢٧٤، طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٠، أسد الغابة: ٤/ ٢٦٠، الإصابة ٦/ ٤.
[ ١ / ١٦٤ ]
ألا تسألان المرء ماذا يحاول١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: أنحب فيقضى أم ضلال وباطل؟ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٩، والأشموني: "١٠٣/ ١/ ٧٣"، وكتاب سيبويه: ١/ ٤٠٥ ومعاني الفراء: ١/ ١٣٩، والجمل للزجاجي: ٣٣١، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٧١، ٣٠٥ وشرح المفصل: ٣/ ١٤٩، ٤/ ٢٣، والعيني: ١/ ٧، ٤٤٠، والمخصص لابن سيده: ٤/ ١٠٣ وخزانة الأدب: ١/ ٣٣٩، ٢/ ٥٥٦، واللسان "ذو، ذوات، حول"، ومغني اللبيب: "٥٥٧/ ٣٩٥" وشرح السيوطي لأبيات المغني: ٥٥. المفردات الغريبة: يحاول: تعنى -هنا- يريد ويطلب من المحاولة، وهي استعمال الحيلة والحذق، وإعمال الفكر للوصول إلى المقصود. نحب: يطلق النحب على المدة والوقت، والنذر، والأقرب: أن المراد هنا هو النذر. المعنى: على عادة القدماء، يطلب الشاعر من صاحبيه أن يسألا هذا الحريص على الدنيا: والذي يبغيه من تهالكه عليها، ومحاولته الوصول إلى أقصى غاياته بشتى الوسائل؟ أهو نذر قطعه على نفسه، فهو يدأب لإنفاذه، ويسعى جهده لقضائه؟ أم هو ضلال وباطل من أمره؟. الأعراب: ألا: للتنبيه. ما: اسم استفهام، مبتدأ. ذا: اسم موصول، خبر، وجملة "يحاول": صلة، والعائد إلى الاسم الموصول محذوف، والتقدير: ما الذي يحاوله وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب مفعول ثانيا لـ "تسألان"، و"المرء": المفعول الأول. أنحب: الهمزة حرف استفهام. نحب: خبر لمبتدأ محذوف، أو بدل من "ما" الواقعة مبتدأ. أم: حرف عطف، ضلال: معطوف على نحب، وباطل: معطوف على ضلال. موطن الشاهد: "ماذا". وجه الاستشهاد: استعمال: "ذا" موصولا بمعنى الذي، ودليل ذلك إتيانه بعده بجملة الصلة، وتقدمه "ما" الاستفهامية، ولا يجوز جعل "ذا" ملغاة مركبة مع "ما" مفعولا مقدما لـ "يحاول"؛ لأنه جاء بالبدل مرفوعا، فدل ذلك، على أن المبدل منه كذلك. ويضعف جعل "ماذا" مبتدأ، وجملة يحاول خبرا لعدم وجود رابط بين جملة الخبر والمبتدأ، وحذف الرابط في مثل هذا قليل، ومنعه سيبويه، وجوز الدماميني ذلك؛ لجواز مثل هذا في الشعر، أو "ماذا" مفعول لـ "يحاول" و"نحب" خبر مبتدأ محذوف. انظر في هذه المسألة، حاشية الصبان: ١/ ١٥٩-١٦٠.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقوله١: [المتقارب]
٥٤- فمن ذا يعزي الحزينا٢
والكوفي لا يشترط ما ولا من، واحتج بقوله٣: [الطويل]
_________________
(١) ١ هو أمية بن أبي عائذ الهذلي، أحد بني عمرو بن الحارث من هذيل، شاعر أدرك الجاهلية وعاش في الإسلام، كان من مُدَّاح بن أمية، وله قصائد في عبد الملك بن مروان، ثم رحل إلى مصر، فأكرمه عبد العزيز بن مروان. الشعر والشعراء: ٢/ ٢٦٧، الخزانة: ١/ ٤١٧، الأغاني: ٢٠/ ١١٥. ٢ تخريج البيت: تمام البيت: إلا إن قلبي لدى الطاعنين حزين فمن ذا يعزي الحزينا؟ وهو مطلع قصيدة عدتها ٥١ بيتا، في مدح عبد العزيز بن مروان، وهي موجودة في شرح أشعار الهذليين، صنعة أبي سعيد السكري. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٣٩، وشرح ديوان الهذليين للسكري: ٥١٥، وديوان أمية بن أبي عائذ: ٦٣. المفردات الغريبة: الظاعنين: جمع ظاعن، وهو اسم فاعل من ظعن، أي سار، ضد أقام وقصد أحبابه الذين فارقوه. حزين: وصف من الحزن، وهو انقباض النفس وانصرافها عما يسر. يعزي: يسلي ويبعث الصبر إلى نفسه. المعنى: يصف الشاعر نفسه، وما فعل به فراق الأحبة، حين غادروه، كئيبا متألما بلا قلب، ثم يسأل عمن يعزيه ويسري عنه، ويبعث الصبر إلى نفسه، علها تخف آلامه وتذهب أحزانه. الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه. حزين: خبر "إن" فمن: من اسم استفهام مبتدأ. ذا: اسم موصول بمعنى الذي، خبر المبتدأ. يعزي: فعل مضارع، والفاعل هو. الحزينا: مفعول به، والألف للإطلاق، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. موطن الشاهد: "من ذا". وجه الاستشهاد: مجيء "ذا" اسما موصولا، مع تقدم "من" الاستفهامية، ورأي مذاهب النحويين في ذلك، والدلالة على موصوليتها، مجيئه بجملة الصلة بعدها وهي قوله: "يعزي الحزين". ٣ هو: يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، حليف لقريش، وكان عبدا للضحاك بن عبد عوف الهلالي، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية توفي سنة ٦٩هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٣٦٠،والجمحي: ١/ ١٤٣، والأغاني: ١٧/ ٥١، والخزانة: ٢/ ٢١٠.
[ ١ / ١٦٦ ]
٥٥- أمنت وهذا تحملين طليق١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة ليزيد، قالها بعدما أطلقه معاوية بن أبي سفيان من سجن واليه على سجستان وتمام الشاهد مع بيتين بعده هكذا: عَدَسْ؛ ما لعباد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليقُ طليق الذي نجَّى من الحبس بعدما تلاحم في درب عليك مضيقُ ذَرِي أو تناسَيْ ما لقيت؛ فإنه لكل أناس خبطةٌ وخريقُ والشاهد من شواهد التصريح: ١/ ١٣٩، وهمع الهوامع: ١/ ٨٤، والدرر اللوامع: ١/ ٥٩ والشعر والشعراء: ٢/ ٧١٧، وشرح المفصل، ٢/ ١٦، ٤/ ٢٣، ٧٩، والخزانة: ٢/ ٥١٤، ٣/ ٨٩ والعيني: ١/ ٤٤٢، ٣/ ٣١٦، ٤/ ٣١٤ واللسان "عدس" ومغني اللبيب: "٨٣٤/ ٦٠٢" وشرح السيوطي: ٢٩١، والأغاني: ١٨/ ٢٩٦، وقطر الندى: "٣٣/ ١٤٣" وشذور الذهب "٦٩/ ١٩٨" والأشموني: "١٠٤/ ١/ ٧٤". المفردات الغريبة: عَدَسْ: اسم صوت لزجر البغل، واسم للبغل أيضا. عباد: هو ابن زياد بن أبي سفيان والي سجستان. إمارة: حكم وتسلط. طليق: اسم مفعول ومعناه: السراح من السجن، لا سلطان لأحد عليه. المعنى: يخاطب الشاعر بغلته أن تقف، ولا تخاف؛ فهي الآن في آمان، وليس لعباد عليها من سلطان ولا حكم، والذي تحملينه قد خرج من سجنه؛ فهو حر طليق. الإعراب: عدس: اسم صوت مبني على السكون، لا محل له. ما: نافية مهملة. لعباد: متعلق بمحذوف خبر مقدم. إمارة: مبتدأ مؤخر. وهذا: الواو حالية، و"ها": حرف للتنبيه، وذا: اسم موصول، مبتدأ. تحملين: فعل وفاعل، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، والتقدير: تحملينه. طليق: خبر لمبتدأ مرفوع. موطن الشاهد: "ذا" وجه الاستشهاد: استعمال "ذا" اسما موصولا، من دون أن يتقدم عليه استفهام بـ "ما" أو "من" على رأي الكوفيين، ولم يمنعهم اتصال حرف التنبيه به من موصوليته؛ لأنهم يرون أن جميع ما يكون اسم إشارة، قد يكون اسم موصول، وهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُم﴾؛ يقدِّرون: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم، وفي قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقدرون: ها أنتم الذين جادلتم عنهم، والبصريون، يردون ذلك، ويقولون: إن "هؤلاء" منادى بحذف حرف النداء. وانظر شرح التصريح: ١/ ١٣٩-١٤٠.
[ ١ / ١٦٧ ]
أي: والذي تحملينه طليق، وعندنا أن "هذا طليق" جملة اسمية١ و"تحملين" حال، أي: وهذا طليق محمولا.
[افتقار الموصولات إلى صلة]:
وتفتقر كل الموصولات إلى صلة٢ متأخرة عنها٣ مشتملة على ضمير مطابق لها٤ يسمى العائد٥.
[شروط الصلة]:
والصلة: إما جملة، وشرطها: أن تكون خبرية، معهودة، إلا في مقام التهويل والتفخيم، فيحسن إبهامها، فالمعهودة كـ "جاء الذي قام أبوه"، والمبهمة نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٦، ولا يجوز أن تكون إنشائية كـ "بعتكه" ولا طلبية
_________________
(١) ١ أي: هذا اسم إشارة على أصله، وليس اسما موصولا؛ لأن "ها" للتنبيه، ولا تدخل على الموصولات. ٢ تفتقر إلى صلة؛ لأنها مبهمة المعنى، غامضة المدلول، لا تدل على شيء معين، فلا بد لها من شيء يعرفها، ويزيل إبهامها وغموضها. شرح التصريح: ١/ ١٤٠. ٢ متأخرة عنها؛ لأنها مكملة للموصول، فهي منه بمثابة جزئه المتأخر؛ ولهذا لا يجوز تقديمها، ولا تقديم شيء منها عليه. المصدر نفسه. ٤ مطابق لها؛ ليربطها بالموصول، وهذا المطابقة تكون في اللفظ والمعنى إذا كان الموصول مختصا؛ حيث يطابق في الإفراد والتأنيث وفروعهما، فإذا كان الموصول عاما؛ أي مشتركا نحو: "من" و"ما" وأخواتهما، فيجوز مراعاة اللفظ، وهو الأكثر؛ إذ أمن اللبس، وفي غير "أل" وإلا وجب مراعاة المعنى، وهذا في الموصولات الإسمية؛ أما الموصولات الحرفية فصلتها لا تحتاج إلى رابط كما تبين لنا. "المصدر نفسه". ٥ سمي العائد بذلك؛ لعوده على الموصول، وقد يغني عن الضمير في الربط -لسبب بلاغي، أو نحوه- اسم ظاهر بمعنى الموصول، كما في قولهم في خطاب الله تعالى: "أنت الذي في رحمة الله أطمع"، أي: في رحمته. وقد تستغني جملة الصلة عن الرابط إذا عطفت عليها جملة مشتملة عليه شرط أن يكون العطف بالفاء أو الواو، ثم. "المصدر نفسه". ٦ "٢٠" سورة طه، الآية: ٧٨. موطن الشاهد: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" اسما موصولا، وجملة "غشيهم"، صلة للموصول، وهي مبهمة، وليست معهودة، وجاءت مبهمة؛ لأنها في مقام التهويل؛ لأن المقصود: الذي غشيهم أمر عظيم، والمرجع في معرفة ذلك الاسم الموصول، فإن أريد به معهود فصِلَتُه معهودة، نحو: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، وإن أريد به الجنس فصلته كذلك، نحو: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾، وإن أريد به التعظيم، أبهمت صلته، نحو: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ . انظر شرح التصريح: ١/ ١٤١.
[ ١ / ١٦٨ ]
كـ "اضربه" و"لا تضربه"١، وإما شبهها، وهي ثلاثة: الظرف المكاني، والجار والمجرور، التامان، نحو: الذي عندك" و"الذي في الدار" وتعلقهما باستقر محذوفا، والصفة الصريحة، أي الخالصة للوصفية، وتختص بالألف واللام، كـ "ضارب" و"مضروب" و"حسن" بخلاف ما غلبت عليها الاسمية، كأبطح وأجرع وصاحب وراكب٢، وقد توصل بمضارع، كقوله:
_________________
(١) ١ فلا تقل: جاء الذي أضربه، أو لا تضربه؛ لأن كلا من الإنشاء والطلب، لا خارجي له؛ فضلا عن أن يكون معهودا، فلا يصلح لبيان الموصول، ومن ثم امتنع الوصل بالتعجبية. وإن كانت خبرية، فلا يقال: جاء الذي ما أحسنه!، لما في التعجب من الإبهام المنافي للبيان فتكون مستثناة من الخبرية كما أن جملة القسم مستثناة من الإنشائية فيجوز الوصل بها نحو: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَن﴾ وقيل: لا استثناء فيهما، أما التعجبية، فلأنها إنشائية؛ نظرا إلى حالة الاستعمال، وأما القسمية؛ فلأن الوصل إنما هو بجملة الجواب، وهو خبري، وجملة القسم إنما جيء بها؛ لمجرد التأكيد، ولا يجوز الوصل بجملة مستدعية كلاما قبلها، فلا يقال: جاء الذي لكنه قائم أو حتى أبوه قائم؛ لأن فيه استعمال لكن من غير تقدم مستدرك، واستعمال حتى من غير تقدم مغيًّا، وأجاز الكسائي الوصل بالأمر، والنهي، والمازني بالدعاء بما لفظه الخبر، نحو: جاء الذي يغفر الله له، وصاحب الإفصاح "بنعم وبئس"، وهشام "بليت ولعل وعسى" هذا حكم الجملة، وصفوة القول: امتنع وقوع الإنشائية والطلبية صلة؛ لأن مضمونهما لا يعلم إلا بعد ذكرهما، فلا تكونان معهودتين للمخاطب. الأشموني: ١/ ١٦٣- ١٦٤، التصريح: ١/ ١٤١، ابن عقيل تحقيق البقاعي": ١/ ١٢٥. ٢ أما "أبطح": فهو مذكر بطحاء، وهو في الأصل: وصف لكل مكان مستوٍ، ثم غلب عليه الاسمية، فصار مختصا بالأرض المستوية ذات الرمل، التي لا تنبت شيئا، وأما "صاحب" فإنه في الأصل: وصف للفاعل، ثم غلب على صاحب الملك، وأما "راكب" فإنه في الأصل: وصف للفاعل، ثم غلب على صاحب الملك، وأما "راكب" فإنه في الأصل وصف لفاعل، ثم غلب على صاحب الملك، وأما "راكب" فإنه في الأصل: وصف للفاعل، ثم غلب على راكب الإبل، دون غيره، وعلى رأس الجبل، قال الشاطبي، والدليل، على أن هذه الأسماء، انسلخ منها معنى الوصفية، أنها لا تجري صفات على موصوف، ولا تعمل على الصفات، ولا تتحمل ضميرا، فلا توصل بها "أل"؛ لعدم شبهها بالفعل. التصريح: ١/ ١٤٢.
[ ١ / ١٦٩ ]
ما أنت بالحكم الترضى حكومته١
ولا يختص ذلك عند ابن مالك بالضرورة.
_________________
(١) ١ تقدم تخريج وشرح هذا البيت والتعليق عليه. موطن الشاهد: "الترضى". وجه الاستشهاد: دخول "أل" الموصولة على الفعل المضارع، ودخولها على المضارع، قليل؛ لأن صلة "أل" لا تكون إلا صفة صريحة، أي: اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو صيغة مبالغة. فوائد: - ينبغي أن تقع الصلة بعد الموصول مباشرة، وألا يفصل بينهما أجنبي ليس من جملة الصلة نفسها، ويجوز الفصل بالنداء، إذا تقدم ضمير المخاطب، نحو: أنت الذي -يا أحمد- تستحق المكافأة، ويجوز الفصل بالقسم، نحو: ظفر الذي -والله- يتقي مولاه. - ويجوز الفصل بالجملة المعترضة، نحو: والدي الذي -حفظه الله- يرعى شؤوني. حاشية الصبان: ١/ ١٦٠. ضياء السالك: ١/ ١٥٥. - يجوز حذف الصلة إن دلت عليها قرينة لفظية، كأن تقول: من رأيته في الحديقة؟ فتجيب: محمد؛ أو قرينة معنوية، يدل عليها المقام كالفخر والتهويل والتعظيم، نحو: نحن الألى؛ فاجمع جمو عك ثم وجِّهْهُمْ إِلينا أي: نحن الأُلى عرفوا بالشجاعة، كما يُفهم مما بعده. - لا يجوز حذف الموصول الحرفي؛ لضعف الحرف عن أن يؤثر، وهو محذوف، وأما الموصول الاسمي، فإن الكوفيين، ومعهم الأخفش، يجيزون حذفه مطلقا، ومن العلماء من يجيز حذفه بشرط أن يكون معطوفا على موصول آخر، نحو قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُم﴾ أي بالذي أنزل إلينا والذي أنزل إليكم؛ لأن المنزل إلى الفريقين، ليس واحدا، ومن ذلك قول حسان بن ثابت: أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء؟ أفمن يهجو رسول الله ﷺ ومن يمدحه وينصره سواء؟ لأن الذي يهجوه وينصره ليس واحدا. انظر همع الهوامع: ١/ ٨٩، وحاشية الصبان: ١/ ١٦١-١٦٢.
[ ١ / ١٧٠ ]
[حذف العائد من الصلة وأحواله]:
ويجوز حذف العائد المرفوع إذا كان مبتدأ مخبرا عنه بمفرد، فلا يحذف في نحو: "جاء اللذان قاما" أو "ضربا"؛ لأنه غير مبتدأ، ولا في نحو: "جاء الذي هو يقوم" أو "هو في الدار" لأن الخبر غير مفرد، فإذا حذف الضمير لم يدل دليل على حذفه؛ إذ الباقي بعد الحذف صالح لأن يكون صلة كاملة، بخلاف الخبر المفرد، نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدّ﴾ ١ ونحو: ﴿وَهُوَ الَّذَِّي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ ٢، أي: هو إله في السماء، أي: معبود فيها، ولا يكثر الحذف في صلة غير "أي" إلا إن طالت"٣ الصلة، وشذَّت قراءة بعضهم٤: "تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ"٥،
_________________
(١) ١ "١٩" سورة مريم، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿أَيَّهُمْ أَشَدّ﴾ . وجه الإستشهاد: مجيء "أشد" خبرا مفردا محذوف، تقديره: هو؛ لأن تقدير الكلام: أيهم هو أشد، وذلك المبتدأ المحذوف هو العائد. ٢ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ٨٤. موطن الشاهد: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إله" خبرا لـ "مبتدأ" محذوف، تقديره: هو إله، وذلك المبتدأ هو العائد، وأتى خبره مفردا، كما ذكرنا. ٣ معلوم أن "أي الموصولة ملازمة للإضافة، إما لفظا، نحو "أيهم أشد"، وإما تقديرا، نحو: "أي أشد، ولما كان "لا بد لها من المضاف إليه في اللفظ أو التقدير، جعلوا ذلك بمنزلة طول الصلة، فلم يشترطوا شيئا في جواز حذف العائد المرفوع من صلتها، واشترطوا ذلك في صلة غير "أي"؛ لأن غيرها من الموصولات لا يلزم الإضافة، بل يقبلها. ويستثنى من اشتراط طول الصلة صلة "ما" في قولهم: "لا سيما زيد" إذا رفعت زيدًا، فإن رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجملة المبتدأ والخبر، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها صلة "ما"، والتقدير: "ولا سي الذي هو زيد، فحذف المبتدأ، وهو العائد، وليست الصلة طويلة، والحذف في هذا الموضع مقيس، وليس شاذًّا. شرح التصريح: ١/ ١٤٣-١٤٤، وابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ١٢٩، والأشموني مع الصبان: ١/ ١٦٦. ٤ هو يحيى بن يعمر بن أبي إسحاق. ٥ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٥٤.
[ ١ / ١٧١ ]
وقوله١:
٥٦- من يُعنَ بالحمد لم ينطق بما سَفَهٌ٢
_________________
(١) أوجه القراءات: قرأ برفع "أحسن" يحيى بن يعمر وابن أبي إسحق، وهي قراءة محكية عن الحسن والأعمش انظر تفسير القرطبي: ٧/ ١٣٧، والبحر المحيط: ٤/ ٢٥٥، والإتحاف: ٢٢٠. موطن الشاهد: "أحسن". وجه الاستشهاد: مجيء "أحسن" على هذه القراءة خبرًا لمبتدأ محذوف، وهذا المبتدأ المحذوف، هو العائد إلى "الذي" و"الجملة": صلة للاسم الموصول. وأما من فتح "أحسن" على اعتبار كونه فعلا ماضيا، صلة لـ "الذي"، وفيه ضمير يعود على الذي. انظر مشكلة إعراب القرآن: ١/ ٢٩٩. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولا يحد عن سبيل المجد والكرم وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٤٤، والأشموني: "١١٣/ ١/ ٧٨"، والعيني: ١/ ٤٤٦، وهمع الهوامع: ١/ ٩٠، والدرر اللوامع: ١/ ٦٩ وفيه برواية: "الحلم" بدل "المجد". المفردات الغريبة: يعن -بالبناء للمجهول؛ لزوما على المشهور: يعتني ويهتم. الحمد: الثناء. سَفَهٌ: السفة رقة العقل وضعفه، والمراد: لازمه وهو قول السوء والفحش. لا يحد: لا يمل ولا ينحرف. المعنى: يبين الشاعر: أن من همه أن يكون محمود السيرة يحمده الناس ويثنون عليه لا ينطق بالسوء من القول، ولا ينحرف عن الطريق؛ طريق الحلم والكرم وفضائل الأخلاق ومكارمها. الإعراب: من" اسم شرط، مبتدأ. يعن: مضارع مبني للمجهول، وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف الألف، ونائب الفعل: هو "بالحمد" متعلق بـ "يعن". لم: حرف جازم. ينطق: مضارع مجزوم والفاعل: هو، و"الجملة" في محل جزم جواب الشرط. بما": متعلق بـ "ينطق". سفه "بالرفع": خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو سفه، و"الجملة": صلة، لا محل لها. ولا: الواو عاطفة لا: حرف زائد لتأكيد النفي. يحد: مضارع معطوف على "ينطق". "عن سبيل": متعلق بـ "يحد". المجد: مضاف إليه. والكرم: الواو عاطفة، الكرم: اسم معطوف على المجد. موطن الشاهد: "بما سفه". وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى الاسم الموصول من جملة الصلة، وهو مرفوع، ولم تطل الصلة، وحكم حذف العائد في هذه الحال الشذوذ عند البصريين، والجواز من دون شذوذ عند الكوفيين.
[ ١ / ١٧٢ ]
والكوفيون يقيسون على ذلك١.
ويجوز حذف المنصوب إن كان متصلا، وناصبه فعل أو وصف غير صلة الألف واللام٢، ونحو: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُون﴾ ٣، وقوله٤: [البسيط]
٥٧- ما الله موليك فضلٌ فاحمدنه به٥.
_________________
(١) ١ خلاصة ما تقدم: أن الكوفيين، يجيزون حذف العائد المرفوع بالابتداء مطلقا، طالت الصلة أم قصرت، سواء كان الموصول "أيا" أم غيرها ويوافقهم البصريون في "أي" أما غيرها فيشترطون طول الصلة، فالخلاف بينهما فيما إذا لم تطل الصلة، وكان الموصول غير "أي" وحجة الكوفيين السماع، وعند البصريين شاذ شرح التصريح: ١٤٤. ٢ لا يجوز حذف منصوب صلة الألف واللام، إذا عاد إليها؛ لأنه دليل على اسميتها الخفية، فلو حذف ضاع هذا الفرض، أما إذا عاد على غيرها فيجوز حذفه، نحو: جاء الذي أنا المكرم. ٣ "٦٤" سورة التغابن، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف العائد المنصوب المتصل؛ لأن الأصل: يعلم ما يسرونه وما يعلنونه، وحكم حذف العائد في هذه الحال الجواز؛ لأن ناصبه فعل. ٤ لم ينسب إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فما لدي غيره نفع ولا ضرر. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٥، وابن عقيل "٣٤/ ١/ ١٦٩"، وهمع الهوامع: ١/ ٨٩. المفردات الغريبة: موليك: مانحك ومعطيك، وهو اسم فاعل من أولى يولى أي أعطى. فضل: منة وعطاء تفضلا منه. المعنى: يخاطب الشاعر الإنسان العاقل، بأن ما وهبه الله لك من النعم هو تفضل منه وإحسان، وليس جزاءًا لعمل عملته، أو حقا لك عليه سبحانه، فاحمد الله واشكره على ذلك، فهو وحده النافع الضار، ومن بيده مقاليد الأمور، ولا يملك غيره من الأمر شيئا. =
[ ١ / ١٧٣ ]
بخلاف "جاء الذي إياه أكرمت" و"جاء الذي إنه فاضل" أو "كأنه أسد" أو "أنا الضاربة"١، وشذ قوله٢: [البسيط]
٥٨- ما المستفِزُّ الهوى محمودُ عاقِبَةٍ٣
_________________
(١) = الإعراب: ما: اسم موصول، مبتدأ. الله: "لفظ الجلالة" مبتدأ ثانٍ. موليك: خبر المبتدأ الثاني، مضاف إلى "الكاف" من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله الأول، وجملة: "الله موليك": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد إلى "ما" محذوف، التقدير: ما الله موليكه"، وهذا المحذوف، هو المفعول الثاني لاسم الفاعل "موليك" فضل: خبر "ما" فاحمدنه: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي: إذا كان كذلك فاحمدنه، احمدنه: فعل أمر مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والهاء: مفعول به. فما: الفاء تعليلية. ما نافية مهملة. لدى: متعلق بخبر مقدم. غيره: مضاف إليه، والهاء: مضاف إليه ثانٍ. نفع: مبتدأ مؤخر، ويجوز أن تكون "ما" عاملة عمل "ليس" و"لدى" خبرها مقدم، و"نفع" اسمها مؤخر. موطن الشاهد: "ما الله موليك". وجه الاستشهاد: حذف الضمير العائد إلى الاسم الموصول، من جملة الصلة؛ لأن التقدير "موليكه" وهذا العائد منصوب بوصف، وهو مولٍ، ويمكن هنا أن يكون التقدير موليك إياه، وهذا التقدير أرجح؛ لأن الانفصال في ثاني الضميرين المعمولين "اسم" أرجح من الاتصال، كما مر سابقا، ولكن قدر متصلا تمشيا مع قول المصنف، وتقييد المصنف بالمتصل، احترازا من المنفصل، يقصد به الحصر ليس غير. ١ في المثال الأول: لم يجز حذف العائد فيه؛ لأن هذا العائد ضمير منفصل لغرض الحصر، ففات فيه شرط اتصال الضمير، أما المثال الثاني: فلم يجز حذف العائد؛ لأن العامل في العائد هو "إن" ففات فيه شرط كون العامل فيه فعلا، أو وصفا، وأما المثل الثالث: فلم يجز حذف العائد فيه المثال السبب في المثال الثاني، وإنما جاء بمثالين للعائد المعمول لحرف؛ لأن الحرف العامل، إما أن يغير معنى الجملة مثل كأن، وإما ألا يغيرها مثل إن، وأما المثال الرابع: فلم يجز حذف العائد فيه؛ لكون العامل فيه وصفا واقعا صلة "أل". التصريح: ١/ ١٤٦. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولو أتيح له صفو بلا كدر. وهو من شواهد التصريح: "١/ ١٤٦، ٢/ ٢٦٧، والأشموني: "١١٥/ ١/ ٧٩"، والعيني: =
[ ١ / ١٧٤ ]
وحذف منصوب الفعل كثير، ومنصوب الوصف قليل١
_________________
(١) = ١/ ٤٤٧، ٤/ ٤٧٩، وهمع الهوامع: ١، ٨٩، والدرر اللوامع: ١/ ٦٨. المفردات الغريبة: المستفزّ: اسم فاعل من استفزه: أزعجه واستخفه. الهوى: ميل النفس إلى ما تشتهي. أتيح: هيئ وقدر. المعنى: يرى الشاعر أن الإنسان الذي يستخفه الهوى وتزعجه صبوة النفس ويتبع شهوات نفسه، وينقاد لها، ليس محمود العواقب. الإعراب: "ما" نافية مهملة. "المستفز: مبتدأ. الهوى: فاعل المستفز، ومفعوله محذوف عائد إلى "أل" أي: المستفزه. محمود: خبر المبتدأ، ويمكن أن تكون "ما" عاملة عمل "ليس" والمستفز: اسمها، ومحمود: خبرها. ولا: الواو عاطفة على محذوف. لو شرط غير جازم أتيح: فعل ماضٍ مبني للمجهول، "له: "متعلق بـ "أتيح". صفو: نائب فاعل. بلا: الباء حرف جر. لا: اسم بمعنى "غير" ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، وهو مضاف، كدر مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية و"بلا كدر": متعلق بمحذوف صفة لـ "صفو". موطن الشاهد: "ما المستفز". وجه الاستشهاد: حذف العائد من صلة "أل"، وهو منصوب بالوصف "المستفز"، وحكم هذا الحذف أنه شاذّ، ويرى بعضهم أنه قليل، وليس شاذا، والأصل في العبارة: ما المستفزه الهوى محمود العاقبة. ١ كان حذف منصوب الفعل كثيرا؛ لأن الأصل في العمل للفعل، فكثر تصرفهم في معموله بالحذف تارة، وبالتقديم تارة وبالفصل بين الفعل ومعموله تارة أخرى وكان حذف منصوب الوصف قليلا جدا، بل قال الفارسي: لا يكاد يسمع من العرب، وقال ابن السراج أجازوه على قبح، وقال المبرد: رديء جدا؛ لأن الوصف فرع في العمل ومن شأن الفرع أن يكون ضعيفا، فلا يتصرف في معموله، ومن التصرف في المعمول الحذف، غير أن ابن مالك في نظمه، يقول: والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب بفعل او وصف فسوَّى بين منصوب الفعل والوصف في كثرة الحذف، والأفضل ما ذهب إليه المتقدمون.
[ ١ / ١٧٥ ]
ويجوز حذف المجرور بالإضافة إن كان المضاف وصفا غير ماضٍ١، نحو: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٢، بخلاف: "جاء الذي قام أبوه" و"أنا أمس ضاربه"٣.
والمجرور بالحرف٤ إن كان الموصول أو الموصوف بالموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف معنى ومتعلقا، نحو: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّاْ تَشْرَبُوْنَ﴾ ٥، أي: منه،
_________________
(١) وانظر شرح التصريح: ١/ ١٤٦، وحاشية الصبان: ١/ ١٧٠-١٧١ ١ بأن يكون اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، أو اسم مفعول كذلك، بشرط أن يكون فعله متعديا لاثنين؛ ليكون أحدهما: نائب فاعل، والثاني: هو المضاف إليه لفظه. شرح التصريح: ١/ ١٤٧. ٢ "٢٠" سورة طه، الآية: ٧٢. موطن الشاهد: ﴿مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى "ما" الموصول الاسمى؛ لأن الأصل: فاقض الذي أنت قاضيه، والعامل في العائد اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال هنا، ومعلوم أن اسم الفاعل المضاف إلى العائد ناصب له تقديرا. ويجوز أن تكون "ما" موصولا حرفيا، يسبك بما بعده بمصدر، التقدير: فاقض قضاءك. ٣ لأن المضاف في الأول، ليس بوصف، وفي الثاني وصف ماضٍ، وهو لا يعمل. ٤ إن كان العائد مجرورا بحرف فلا يحذف؛ إلا إن دخل على الموصول حرف مثله، لفظا ومعنى، واتَّفق العامل فيهما مادة، نحو: مررت بالذي مررت به، أو أنت مار به، فيجوز حذف الهاء، فتقول: "مررت بالذي مررت"، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون﴾ أي: منه، وتقول: مررت بالذي أنت مارٌّ، أي: به. فإن اختلف الحرفان، لم يجز الحذف، نحو: مررت بالذي غضبت عليه، فلا يجوز حذف "عليه" وكذلك، مررت بالذي مررت به على زيد، فلا يجوز حذف "به" منه؛ لاختلاف معنى الحرفين؛ لأن الباء الداخلة على الموصول للإلصاق، والداخلة على الضمير للسببية، وكذا إن اختلف العاملان، لم يجز الحذف أيضا، نحو: "مررت بالذي فرحت به" فلا يجوز حذف "به". انظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ١/ ١٣٩-١٤٠. ٥ "٢٣" سورة المؤمنون، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الهاء من "تشربون" لأن الأصل: تشربون منه، والذي جوز حذف العائد هنا دخول الجار نفسه على "ما" الموصولة، مع اتحاد العامل مادة، وهو: "تشرب".
[ ١ / ١٧٦ ]
قوله١: [البسيط]
٥٩- لا تركنن إلى الأمر الذي ركنت أبناء يعصر حين اضطرها القدر٢
وشذ قوله٣: [الوافر]
_________________
(١) ١ هو: كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر فحل مجيد، أسلم، بعد أخيه بجير، وكان قد نهى أخاه عن الإسلام، وهجا المسلمين، فتوعده الرسول ﷺ ثم جاءه مسلما وأنشده قصيدته المشهورة، التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول فعفا عنه، وكساه بردته، فسميت هذه القصيدة بالبردة. الشعر والشعراء: ١/ ١٥٤، الأغاني: ١٥/ ١٤٢، الإصابة: ١/ ١٤٣، أسد الغابة: ١/ ١٦٤. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٧، والأشموني: "١١٩/ ١/ ٨١" والعيني: ١/ ١٤٤٩. المفردات الغريبة: لا تركنن: لا تميلن، من ركن إليه: مال وسكن. الأمر: المراد به هنا: الفرار من القتال. يعصر: أبو قبيلة من باهلة. المعنى: يحرض الشاعر على الثبات في القتال قائلا: لا تجنح إلى الهزيمة، والفرار من القتال، وعدم الصمود أمام الأعداء، كما فعلت أبناء يعصر حين اضطرت إلى ذلك. الإعراب: لا: ناهية. تركنن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، في محل جزم بـ "لا" والفاعل: أنت. "إلى الأمر": متعلقان بـ "ترك". الذي: صفة لـ "الأمر" ركنت: فعل ماضٍ والتاء: للتأنيث. أبناء: فاعل مرفوع. يعصر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. "حين": متعلق بـ ركنت" اضطرها: فعل ماضٍ، و"ها" مفعول به. القدر: فاعل، و"الجملة" في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "تركنن إلى الأمر الذي ركنت أبناء يعصر". وجه الاستشهاد: حذف العائد من جملة الصلة إلى الموصول، والسبب الذي جوز حذفه، مجيء ذلك العائد مجرورا بحرف جر مماثل للحرف الذي جر الموصوف بالموصول في اللفظ، والمعنى، ومجيء، متعلق الحرفين متحدا في اللفظ، والمعنى أيضا؛ لأن المادة واحدة، وإن اختلفت الصيغتان. ٣ هو حاتم الطائي، وقد مرت ترجمته.
[ ١ / ١٧٧ ]
٦٠- وأي الدهر ذو لم يحسدوني١
أي: فيه، وقوله٢: [الطويل]
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ومن حسد يجور علي قومي وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٧، والأشموني: "١٢١/ ١/ ٨١"، والعيني: ١/ ٤٥١ وليس في ديوان حاتم الطائي. المفردات الغريبة: من حسد: من: للتعليل، والحسد: تمني زوال نعمة الغير. يجور علي قومي: يظلمونني. المعنى: يقول الشاعر: أن قومي يظلمونني، ويجاوزون حد الاعتدال معي، حسدا منهم علي وبغضا. وحسدهم هذا دائم متواصل، فأي وقت من الأوقات لم يحسدوني فيه؟! الإعراب: "مِن حسد: متعلق بـ "يجور". يجور: فعل مضارع مرفوع. "علي: متعلق بـ "يجوز". قومي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء: مضاف إليه وأي: الواو استئنافية، أي: اسم استفهام، مبتدأ، وهو مضاف. الدهر: مضاف إليه. ذو: اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر المبتدأ "أي". لم حرف نفي وجزم وقلب. يحسدوني: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد إلى الموصول، من هذه الجملة محذوف، كما سنرى. موطن الشاهد: "ذو لم يحسدوني". وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى الموصول من جملة الصلة، فجملة الصلة: "لم يحسدوني" والاسم الموصول: "ذو" الذي بمعنى "الذي"، والعائد المحذوف: ضمير مجرور بحرف جر محذوف، وتقدير الكلام: لم يحسدوني فيه. وأما حكم هذا الحذف، فشاذ عند جمهور العلماء، والذي سهل الحذف، كون الموصوف بالموصول اسما مرادا به زمان، والضمير العائد إليه مجرورا بـ "في" التي بها ينصرف الذهن إلى المحذوف، ولذا قال بعضهم: إن الحذف في مثل هذا قياسي. انظر شرح التصريح: ١/ ١٤٧. ٢ ينسب هذا الشاهد إلى رجل من همدان، ولم يعين اسمه أحد من النحاة.
[ ١ / ١٧٨ ]
٦١- وهوَّ على من صبه الله علقم١
أي: عليه، فحذف العائد المجرور مع انتفاء خفض الموصول في الأول، ومع اختلاف المتعلق في الثاني وهما: "صب" و"علقم"٢.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: وإن لساني شهدة يُشتفَى بها وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٤٨، والأشموني: "١٢٢/ ١/ ٨١، والعيني: ١/ ٤٥١ وشرح المفصل: ٣/ ٩٦، وخزانة الأدب: ٢/ ٤٠٠،ومغني اللبيب: "٧٩٧/ ٥٦٧" وشرح السيوطي: ٢٨٥. المفردات الغريبة: شهدة "بضم الشين وسكون الهاء" أصله العسل، ما دام في شمعه. علقم: هو الحنظل، وهو شجر له ثمر مر كريه الطعم. المعنى: يدَّعي الشاعر أن لسانه مثل الشهد والعسل، فيه شفاء للناس الذين أحبهم وأثنى عليهم، وهو مثل الحنظل في المرارة، على من سلطه الله عليه. الإعراب: هو: "بالتشديد على لغة همدان" مبتدأ. علقم: خبر "على من": متعلق بـ "علقم"؛ لأنه بمعنى. مر"، وجملة "صبه الله". صلة للموصول؛ لأن "من" اسم موصول بمعنى الذي، والعائد إلى الاسم الموصول محذوف مجرور بـ "على" و"الجار والمجرور": متعلق بـ "صب". موطن الشاهد: "على من صبه الله". وجه الاستشهاد: حذف العائد إلى "من" وهو مجرور، بحرف جر محذوف، مع اختلاف المتعلقين، "صب" و"علقم"، وحكم هذا الحذف شاذ، وتقدير الكلام: "وهو علقم على من صبه الله عليه". ٢ ويمتنع حذف العائد المجرور في مواضع أخرى منها:
(٢) إذاكان العائد المجرور محصورا، نحو مررت بالذي ما مررت إلا به، أو إنما مررت به.
(٣) إذا كان نائبا عن الفاعل، نحو: مررت بالذي مُرَّ به.
(٤) إذا كان لا يتعين للربط نحو: مررت بالذي مررت به في داره.
(٥) إذا كان حذفه ملبسا نحو: رغبت فيما رغبت فيه؛ لأنه لا يعلم أن الأصل فيه أو عنه، وقيل يجوز؛ لأن الحذف يدل على اتفاق الحرفين، ولو كانا متباينين لم يجز الحذف؛ لأنه مشروط فيه اتفاق الحرفين وهذا أوفق. التصريح: ١/ ١٤٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
[باب المعرفة بالأداة]:
[أداة التعريف وبيان أنواعها]:
وهي: "أل" لا اللام وحدها، وِفاقا للخليل١ وسيبويه، وليست الهمزة زائدة، خلافا لسيبويه٢.
وهي: إما جنسية٣، فإن لم تخلفها "كل" فهي لبيان الحقيقة٤، نحو:
_________________
(١) ١ الخليل: هو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري الفراهيدي الأزدي النحوي اللغوي الزاهد، صاحب علم العروض وضبط اللغة، لم يكن بعد الصحابة أذكى ولا أجمع لعلم العربية منه، كان يحج عاما ويغزو عاما، عفيف النفس لا يقبل عطايا الملوك، ولا يحب مصاحبتهم، له مؤلفات كثيرة منها: كتاب العين في اللغة، وكتاب الجمل، والشواهد والعروض، مات سنة ١٧٥هـ. وقد نيف على السبعين. البلغة: ٧٩، إنباه الرواة: ١/ ٣٤١، بغية الوعاة: ١/ ٥٥٧، طبقات القراء: ١/ ٢٧٥، والأعلام ١/ ٣٦٣. ٢ للعلماء في تعيين المعرف أربعة مذاهب، الأول: أن المعرف هو "أل" برمتها، والألف أصلية، لا زائدة، والثاني: أن المعرف هو "أل" برمتها، والألف زائدة، والثالث: أن المعرف هو اللام وحدها، الرابع: أن المعرف، هو الألف وحدها واللام زائدة فرقا بين همزة الاستفهام والهمزة المعرفة، والأول هو مذهب الخليل بن أحمد، والثاني: هو مذهب سيبويه، والثالث: هو مذهب كثير من النحاة، والرابع: هو مذهب المبرد ولكل واحد من هذه الأقوال حجته. انظر التصريح: ١/ ١٤٨-١٤٩، وتعليق الفرائد على تسهيل الفوائد: ٢/ ٣٥١-٣٥٥. ٣ هي الداخلة على نكرة، تفيد معنى الجنس المحض. ٤ أي الحقيقة الذهنية التي تتكون في العقل -من غير نظر إلى ما تنطبق عليه من أفراد، والفرق بين المعرف بأل هذه، وبين النكرة أن هذا المعرف يدل على الحقيقة بقيد حضورها في الذهن، أما النكرة فتدل عليها بدون قيد" شرح التصريح: ١/ ١٤٩.
[ ١ / ١٨٠ ]
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي﴾ ١، وإن خلفتها "كل" فهي لشمول أفراد الجنس، نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢، وإن خلفتها مجازا فلشمول خصائص الجنس مبالغة، نحو: "أنت الرجل علما".
وإما عهدية٣، والعهد إما ذكرى نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ٤، أو علمى نحو: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ ٥. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ٦، أو حضوري نحو: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٧
_________________
(١) ١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة لبيان الحقيقة والماهية من حيث هي، والتقدير: جعلنا من حقيقة الماء المعروف وقيل "المنى" التصريح: ١/ ١٤٩. ٢ "٤" سورة النساء، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة لشمول أفراد الجنس؛ لأننا نستطيع أن نقول: خُلِق كل إنسان ضعيفا. ٣ أي: للعهد، وهي التي تدخل على النكرة، فتفيدها نوعا من التعريف، يجعل مدلولها معينا بعد أن كان مبهما؛ لما يأتي من أسباب. ٤ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿الرَّسُوْلَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد الذكرى؛ لأن الرسول الثاني، هو الرسول الأول المذكور سابقا. ٥ "٢٠" سورة طه، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿الْوَادِي الْمُقَدَّسِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد العلمي؛ لأن المعلوم لدينا أن الوادي المقصود، هو الكائن تحت الشجرة. ٦ "٩" سورة التوبة، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: ﴿الْغَّارِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد العلمي؛ لأن الغار المقصود معروف لدينا. ٧ "٥" سورة المائدة، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿الْيَوْمَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أل" مفيدة العهد الحضوري؛ لأن مصحوبها حاضر، أي اليوم الحاضر، وهو يوم عرفة.
[ ١ / ١٨١ ]
[مجيء "أل" زائدة]:
وقد ترد "أل" زائدة، أي غيرمعرفة، وهي إما لازمة كالتي في علم قارنت وضعه كالسموأل واليسع واللات والعزى، أو في إشارة وهو "الآن" وفاقا للزجاج والناظم، أو في موصول وهو "الذي" و"التي" وفروعهما؛ لأنه لا يجتمع تعريفان، وهذه معارف بالعلمية والإشارة، والصلة، وإما عارضة: إما خاصة بالضرورة، كقوله١: [الكامل]
٦٢- ولقد نهيتك عن بنات الأوبر٢.
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥١، وابن عقيل: "٣٦/ ١/ ١٨١"، والأشموني: "١٢٧/ ١/ ٨٥" ومجالس ثعلب: ٦٢٤، والمقتضب: ٤م ٤٨، والخصائص: ٣/ ٥٨، والمنصف: ٣/ ١٣٤ والمحتسب: ٢/ ٢٢٤، والإنصاف: ١/ ٣١٩، ٢/ ٧٢٦، وشرح المفصل: ٥/ ٢٧١، والعيني: ٤٩٨ ومغني اللبيب: "٧٥/ ٧٥"، "٢٠٤/ ٢٩١"، وشرح السيوطي: ٦١. المفردات الغريبة: جنيتك: جنيت لك، حذف الجار توسعا، فاتصل الضمير. أكمؤا: جمع "كمء" ويجمع على كمأة، وهو نبات في البادية معروف، له ثمر كالقلقاس، يقال له: شحم الأرض. عساقلا. جمع عسقول، وهو الكبير الأبيض من الكمأة: صغير رديء الطعم، له زغب، لونه كالتراب. المعنى: يقول الشاعر: لقد جنيت لك النوع الجيد من الكمأة، ونهيتك عن جني الرديء الخبيث منه. الإعراب: ولقد: الواو للقسم، واللام: للتأكيد، واقعة في جواب القسم، قد: حرف تحقيق. نهيتك: فعل وفاعل ومفعول به. "عن بنات الأوبر" متعلق بـ "نهيتك". الأوبر: مضاف إليه. موطن الشاهد: "بنات الأوبر". وجه الاستشهاد: زيادة "أل" في العلم اضطرارا؛ لأن بنات أوبر علم على نوع من الكمأة رديء، ومعلوم أن العلم لا تدخله "أل"؛ لأنه لا تجتمع معرفتان، العَلَمية و"أل"، ومثل هذا قول الشاعر: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي مكان من أشتى على الركائب.
[ ١ / ١٨٢ ]
وقوله١: [الطويل] .
٦٣- صددت وطبت النفس يا قيسُ عن عمرو٢
_________________
(١) ١ هو رشيد بن شهاب اليشكري، يخاطب قيس بن مسعود اليشكري، ولم أعثر له على ترجمة وافية ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: رأيتك لما أن عرفت وجوهنا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥١، ١/ ٣٩٤، وابن عقيل: "٣٧/ ١/ ١٨٢"، والأشموني: "١٢٨/ ١/ ٨٥" والعيني: ١/ ٥٠٢، ٣/ ٢٢٥"، وهمع الهوامع: ١/ ٨٠، ١/ ٢٥٢، والدرر اللوامع: ١/ ٥٣، ١/ ٢٠٩، والمفضليات، للمفضل الضبي: ٣١٠. المفردات الغريبة: وجوهنا: ذواتنا، أو عظمائنا وزعمائنا. صددت: أعرضت وابتعدت. طبت النفس: طابت نفسك ورضيت. المعنى: يخاطب الشاعر قيسا ويندد به، فيقول: لما رأيتنا ورأيت أكابرنا وعظماءنا، رضيت نفسك، وامتنعت عن الأخذ بثأر صديقك عمرو الذي قتلناه. وكان قوم الشاعر قد قتلوا عمرا؛ وهو صديق لقيس. الإعراب: رأيتك: فعل وفاعل ومفعول به. لما: ظرفية حينية متعلقة بـ "رأى" أن زائدة. عرفت: فعل وفاعل، وجوهنا: مفعول به، ومضاف إليه. صددت: فعل وفاعل، وهو جواب "لما" وطبت: فعل وفاعل، و"الجملة" معطوفة على جملة "صددت"، النفس: تمييز منصوب، ويمكن أن تكون مفعولا به لـ "صددت" والتمييز محذوف، والتقدير: صددت النفس وطبت نفسا. يا قيس: حرف نداء، ومنادى مبني على الضم في محل نصب، و"جملة النداء": اعتراضية، لا محل لها. "عن عمرو": متعلق بـ "صددت"؟ أو متعلق بـ "طبت" على أنه مضمن معنى تسليت. موطن الشاهد: "طبت النفس". وجه الاستشهاد: دخول "أل" على التمييز الذي يجب تنكيره، وحكم دخول "أل" على التمييز أنه ضرورة عند جمهور البصريين؛ وأما الكوفيون، فإنهم لا يوجبون تنكير التمييز، بل يجوز أن يكون معرفة، وعلى مذهبهم فـ "أل" معرفة، وليست زائدة. وبعض النحويين أعرب النفس مفعولا به. ولا شاهد حينئذ في البيت فائدة: تزاد "أن" بعد لما إذا أعقبت بفعل ماضٍ كما في قول الشاعر: "رأيتك لما أن عرفت وجوهنا".
[ ١ / ١٨٣ ]
لأن "بنات أوبر" علم، و"النفس" تمييز، فلا يقبلان التعريف، ويلتحق بذلك ما زيد شذوذا نحو: ادخلوا الأول فالأول"١.
وإما مجوَّزة لِلمْح الأصل٢، وذلك أن العلم المنقول مما يقبل "أل" قد يلمح أصله فتدخل عليه أل، وأكثر وقوع ذلك في المنقول عن صفة كحارث وقاسم وحسن وحسين وعباس وضحاك، وقد يقع في٣ المنقول عن مصدر كفضل، أو اسم عين كنعمان٤، فإن في الأصل اسم للدم، والباب كله
_________________
(١) ١ السابق منهما حال، واللاحق معطوف، و"أل" زائدة؛ لأن الحال واجبة التنكير، والأصل: ادخلوا أول فأول، وفائدة العطف بالفاء الدلالة على الترتيب التعقيبي، والمعنى: دخلوا مترتبين الأسبق فالأسبق، وأصل أول على الأصح: أو أل على وزن: "أفعل" قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت الواو في الواو؛ لاجتماع المثلين، وله استعمالان، أحدهما: أن يكون اسما بمعنى قبل، فحينئذ يكون منصرفا منونا، ومنه قولهم: أولا وآخرا، والثاني: أن يكون صفة، فيكون أفعل تفضيل ومعناه: الأسبق، فيكون غير منصرف، لوزن الفعل والوصف. شرح التصريح: ١/ ١٥٢. ٢ لمح الأصل: أن ينظر ويلمح أصله المنقول عنه، قبل أن يكون علما، لتكون هنالك صلة معنوية بين المعنى القديم والجديد، فإن كان يقبل "أل" بأن لم يكن فعلا- دخلت "أل" عليه. ٢ صرح ابن مالك أن المنقول عن اسم "عين" في درجة متأخرة عن المنقول عن "المصدر" وهما جميعا يقعان مرتبين، بعد درجة المنقول عن الصفة، قال في شرح التسهيل: "وأكثر وقوعها على منقول من صفة، ويليه دخولها على منقول من مصدر، ويليه دخولها على منقول من اسم "عين"، ولكن المؤلف جمع بين المنقول عن مصدر والمنقول عن اسم عين، وجعلهما في درجة واحدة. شرح التصريح: ١/ ١٥٢. ٤ يمثل العلماء تارة بالنعمان، للعلم الذي قارنت "أل" وضعه، فتكون لازمة، وتارة يمثلون به للعلم الذي زيدت فيه "أل" للمح الأصل، فتكون غير لازمة؛ وذلك لأن العرب سموا "النعمان" مصاحبا "لأل"، وسموا "نعمان" غير مقترن بأل، فتمثيل كل جماعة باعتبار، ومن تسميتهم بالمجرد قوله: أيا جبلي نعمان بالله خليا نسيم الصبا يخلص إليَّ هبوبها وقول الآخر: زيادتنا نعمان لا تحسبنها تق الله فينا والكتاب الذي تتلو شرح التصريح: ١/ ١٥٢، وابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ١٤٧- ١٤٨، وحاشية الصبان: ١/ ١٨٣.
[ ١ / ١٨٤ ]
سماعي١، فلا يجوز في نحو محمد وصالح ومعروف، ولم تقع في نحو: "يزيد" و"يشكر"؛ لأن أصله الفعل وهو لا يقبل أل، وأما قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا٢. فضرورة سهَّلها تقدم ذكر الوليد.
فصل:
من المعروف بالإضافة أو الأداة ما غلب على بعض من يستحقه حتى التحق بالأعلام، فالأول كابن عباس، وابن عمر بن الخطاب، وابن عمرو بن العاص، وابن مسعود، غلبت على العبادلة٣ دون من عداهم من إخوتهم، والثاني كالنجم للثريا، والعقبة والبيت والمدينة والأعشى، و"أل" هذه زائدة لازمة، إلا في نداء أو إضافة فيجب حذفها، نحو: "يا أعشى باهلة"، و"أعشى تغلب"، وقد يحذف في غير ذلك، سمع: هذا عَيُّوق طالعا، و"هذا يوم اثنين مباركا فيه"٤.
_________________
(١) ١ يرى بعض المحدثين أن من الخير أن يقاس على ذلك؛ لأن الغرض الذي من أجله زيدت اللام مستجد في كل العصور، فلا يصح قصره على ما سمع قديما. ٢ تقدم تخريج الشاهد والتعليق عليه. ٣ قيل: الصواب ذكر ابن الزبير، مكان ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود، مات قبل إطلاق اسم العبادلة، وهذه الكلمة منحوتة من "عبد الله" مثل بسملة، وحمدلة إلخ. وقصد المؤلف: أن لفظ "ابن عمر" غلب على عبد الله بن عمر من دون إخوته، وابن مسعود غلب على عبد الله بن مسعود، من بين إخواته، وآية ذلك: أن كلامه في المعرف بالإضافة، فأما لفظ العبادلة، فقد جمع به "عبد الله" بطريق النحت. ٤ حكاه سيبويه، ومجيء الحال منه في الفصيح، يوضح فساد قول المبرد في جعله "أل" في الاثنين وسائر الأيام للتعريف، فإذا زالت، صارت نكرات، والصحيح عند الجمهور: أن أسماء الأيام أعلام توهمت فيها الصفة، فدخلت عليها "أل" كالحارث، ثم غلبت، فصارت كالدبران. شرح التصريح: ١/ ١٥٤.
[ ١ / ١٨٥ ]
[باب المبتدأ والخبر]:
هذا باب المبتدأ والخبر:
[تعريف المبتدأ وهو نوعان]:
المبتدأ: اسم أو بمنزلته، مجرد عن العوامل اللفظية أو بمنزلته، مخبر عنه، أو وصف رافع لمكتفىً به.
فالاسم، نحو: "الله ربنا" و"محمد نبينا" والذي بمنزلته، نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم﴾، و: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم﴾ ٢، و"تسمع بالمعيديِّ خير من أن تراه٣.
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٨٤. موطن الشاهد: ﴿أَنْ تَصُومُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء المبتدأ مصدرا مؤولا من "أن وما دخلت عليه" والتقدير: وصومكم خير لكم، وهذا جائز باتفاق؛ لأنه بمنزلة الاسم الصريح. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء المبتدأ مصدرا متصدرا من الفعل، والتقدير: إنذارك وعدمه سواء عليهم، "وسواء": خبر مقدم، وإنذارك: مبتدأ مؤخرا، وعدمه: معطوف عليه. ٣ هذا مثل قاله العرب: يضرب لمن يكون خبره والحديث عنه أفضل من مرآه ومنظره، وأول من قاله، هو: المنذر بن ماء السماء، وانظر قصته في مجمع الأمثال للميداني: ١/ ١٢٩ برقم: ٦٥٥. وقد أورد الجاحظ في البيان والتبيين: ١/ ١٧٧، ٢٣٧، والخزانة: ١/ ١٥١، ٢/ ٤٤٢، ٣/ ٦١٤، ٤/ ٤٠٨، ٤٩٩، وأورده ابن برهان في باب "إن". ولهذا المثل ثلاث روايات، هي: أ- "لأن تسمع بالمعيديّ خير" فاللام للابتداء، وأن المصدرية، ولا إشكال في هذه الرواية: لأن المصدر المنسبك من "أن وما بعدها" في تأويل المبتدأ، والحرف موجود في الكلام.
[ ١ / ١٨٦ ]
والمجرد كما مثلنا، والذي بمنزلة المجرد، نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه﴾ ١، و"بحسبك درهم" لأن وجود الزائد كلا وجود، ومنه عند سيبويه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ٢، وعند بعضهم: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" ٣.
_________________
(١) ب- "تسمعَ بالمعيديّ خير" بنصب المضارع بـ "أن" محذوفة، وفي هذه الرواية شذوذ؛ لأن الحرف المصدري ضعيف؛ ومع هذا فقد بقي عمله بعد حذفه. جـ- "تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه" برفع المضارع "تسمع" بعد حذف "أن"، وهذه الرواية جاءت على الأصل، حيث حذف الحرف الناصب، وزال عمله، وهنا اختلف العلماء في توجيه هذه الرواية، فذهب بعضهم إلى أن الحرف المصدري مقدَّر؛ ليسبك بالفعل، ويؤول بمصدر يقع مبتدأ؛ لأن المبتدأ لا يكون إلا اسما، وذهب آخرون إلى أن الفعل، إذا أريد به مجرد الحدث صح أن يسند إليه، ويضاف إليه، ولا حاجة عند هؤلاء إلى تقدير الحرف المصدري، ويكون من باب استعمال اللفظ في جزء معناه؛ لأن الفعل يدل على الحدث الذي هو مدلول المصدر وعلى الزمان، وقد جرد هنا من الدلالة على الزمان، واقتصر فيه على الجزء الأول الذي هو الحدث. ١ "٣٥" سورة فاطر، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" حرف جر زائد، أي: اسم استفهام مبتدأ، و"كم" مضاف إليه. المفتون: خبر، وهذا -على رأي سيبويه وأما الأخفش، فيرى أن: "بأيكم": خبر مقدم، والباء بمعنى "في" وليست زائدة، والمفتون: "بمعنى الفتنة" مبتدأ مؤخر، وهو مصدر جاء على وزن اسم المفعول، ومنع ذلك سيبويه؛ لأن صيغة "مفعول" لم تثبت عنده بمعنى المصدر، ولأن سياق الآية يقتضي أن الاستفهام عن تعيين الشخص الذي وقعت عليه الفتنة من المخاطبين؛ لا عن مكان المفتون. انظر شرح التصريح: ١/ ١٥٦. ٣ هذه قطعة من حديث نبوي روي في صحيح مسلم، من حديث ابن مسعود، وهو =
[ ١ / ١٨٧ ]
والوصف نحو: "أقائم هذان"، وخرج نحو: "نزال"، فإنه لا مخبر عنه ولا وصف، ونحو: "أقائم أبواه زيد"، فإن المرفوع بالوصف غير مكتفىً به، فزيد: مبتدأ، والوصف خبر.
[يشترط في المبتدأ الوصف تقدم نفي أو استفهام]:
ولا بد لوصف المذكور من تقدم نفي أو استفهام١، نحو٢: [الطويل]
_________________
(١) = بتمامه: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فأنه له وجاء"، البخاري: ٤/ ١١٩، ٩/ ١١٢، ومسلم: ٢/ ١٠١٨-١٠١٩. لغة الحديث: الباءة: النكاح، وقيل القدرة على تبعات الزواج. وجاء: مصدر وجأ يجأ، والوجاء: رض عروق البيضتين، حتى تنفضخ، أي: تنفتح وتنعصر، من غير إنزال، فيكون شبيها بالخصاء؛ لكونه يكسر الشهوة. الإعراب: فعليه: الفاء واقعة في جواب الشرط. "عليه" خبر مقدم. بالصوم: الباء زائدة، الصوم: مبتدأ مؤخر، والتقدير: الصوم واجب عليه، وهذا قول ابن عصفور، وقيل: "عليه": اسم فعل أمر بمعنى "ليلزم" وفاعله مستتر فيه وجوبا. بالصوم: الباء زائدة، الصوم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول اسم الفعل، غير أن هذا الوجه ضعيف لأمرين، الأول: من جهة الصناعة؛ لأن فعل الأمر، يكون عادة للمخاطب، لا للغائب. الثاني: لأن زيادة الباء مع المفعول غير ثابتة، في غير هذا الموضع، حتى يحمل عليها. وانظر شرح التصريح: ١/ ١٥٦. ١ مذهب البصريين إلا الأخفش أن الوصف، لا يكون مبتدأ إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام، كما في المبتدأ، وذهب الأخفش والكوفيون إلى عدم اشتراط ذلك فأجازوا: "قائم" الزيدان، فقائم: مبتدأ، والزيدان: فاعل سد مسد الخبر، والشرط المذكور لاكتفاء الوصف بالفاعل عن الخبر على الأرجح، لا شرط العمل، ومعلوم أن النفي يشمل النفي بالحرف، أو بالاسم، أو بالفعل. وكذا الاستفهام، يشمل الاستفهام بالحرف، أو بالاسم. انظر شرح التصريح: ١/ ١٥٧، وابن عقيل: ١/ ١٩٢، وابن عقيل "ط. دار الفكر": ١/ ١٥٤، ومغني اللبيب "ط. دار الفكر" ٧٢٣. ٢ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.
[ ١ / ١٨٨ ]
٦٤- خليليَّ ما وافٍ بعهدِّيَ أنتما١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إذا لم تكونا لي على من أقاطعُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٧، والأشموني: "١٣٦/ ١/ ١٨٩"، ومغني اللبيب "٩٥٨/ ٧٢٣" وشذور الذهب "٨٤/ ٢٣٧"، وقطر الندى "٣٨/ ١٥٩"، وشرح شواهد المغني: ٣٠٣ والعيني: ١/ ٥١٦، وهمع الهوامع: ١/ ٩٤، والدرر اللوامع: ١/ ٧١". المفردات الغريبة: واف: اسم فاعل، من وفى بالعهد، أنجزه ولم يخلفه. عهدي. هو ما بين الرَّجُلَيْن من صداقة وأخوة. أقاطع: أخاصم وأهجر. المعنى: يخاطب الشاعر صديقيه: إنكما إذا لم تكونا لي على من أعاديه، وإذا لم تقاطعا من أقاطع من الناس؛ من أجلي؛ فإنكما لم تفيا بما بيننا من عهد الصداقة والوداد. الإعراب: خليلي: منادى مضاف بحرف نداء محذوف، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والياء الثانية: مضاف إليه. ما: نافية. واف: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين. "بعهدي": متعلق بـ "واف" ومضاف إليه. أنتما: فاعل "واف" سد مسد الخبر: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. لم: جازمة نافية. تكونا: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ "لم" والألف: اسمه. "لي": متعلق بـ "تكونا". "على من": متعلق بمحذوف خبر "تكونا" الناقص. أقاطع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، و"الجملة": صلة الموصول "من" لا محل لها، والعائد إلى الاسم الموصول ضمير نصب محذوف، والتقدير على من أقاطعه، وجملة: "لم تكونا لي على من أقاطع": في محل جر بالإضافة بعد إذا، وجواب إذا محذوف، لدلالة الكلام السابق عليه، وتقدير الكلام، إذا لم تكونا لي على من أقاطع فما واف بعهدي أنتما. موطن الشاهد: "ما واف أنتما". وجه الاستشهاد: مجيء "أنتما" فاعلا سادا مسد الخبر بعد المبتدأ الوصف "واف" المسبوق بالنفي، فهو اسم فاعل من فعل "وفى". وفي البيت شاهد آخر على أن الضمير البارز الواقع فاعلا بعد الوصف، يسد مسد الخبر كالاسم الصريح تماما، خلافا لبعض النحويين الذين لا يجوزون وقوع الضمير سادا مسدا الخبر، ومن هؤلاء الزمخشري، وابن الحاجب، حيث شرط أن يكون المرفوع اسما ظاهرا. انظر شرح التصريح: ١/ ١٥٧.
[ ١ / ١٨٩ ]
ونحو١: [البسيط]
٦٥- أقاطنٌ قوم سلمى أم نَوَوْا ظَعَنَا٢
_________________
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٧، والأشموني: "١٣٤/ ١/ ٨٩" والعيني: ١/ ٥١٢، وشذور الذهب: "٨٥/ ٢٣٨"، وقطر الندى: "٣٩/ ١٦٠". المفردات الغريبة: قاطن: "اسم فاعل من قطن بالمكان" إذا أقام فيه، ظعنا "بفتح العين": الاسم من ظعن، ومعناه: ارتحل، والظعن "بسكون العين": هو مصدر الفعل، ويقال: الساكن والمتحرك كلاهما مصدر، ويجوز أن يكون أصله السكون، وفتحت العين؛ لأنها حرف حلق، كما في البحر والشعر. المعنى: يتساءل الشاعر: أمقيم وباقٍ قوم سلمى في مكانهم الذي أعهده؟ أم عزموا السفر والرحيل؟ ثم قال: إن يسافروا ويتركوا ديارهم ومنازلهم، فستكون حياة من يبقى ويتخلف عنهم عجيبة غريبة. الإعراب: أقاطن: الهمزة حرف استفهام، قاطن: مبتدأ مرفوع. قوم: فاعل سد مسد الخبر. سلمى: مضاف إليه. أم: حرف عطف. نووا: فعل ماضٍ وفاعل. ظعنا: مفعول به لـ "نوى" إن: حرف شرط جازم. يظعنوا: فعل مضارع مجزوم، وهو فعل الشرط، والواو: فاعل: فعجيب: الفاء رابطة لجواب الشرط. عجيب: خبر مقدم. عيش: مبتدأ مؤخر. من: اسم موصول، مضاف إليه. قطنا: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل هو. و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها، وجملة "المبتدأ والخبر" في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "أقاطن قوم". وجه الاستشهاد: مجيء اسم الفاعل "قاطن" مبتدأ؛ لاعتماده على الاستفهام بالهمزة، فاستغنى بمرفوعه "قوم" عن الخبر، وهذا جائز بالإجماع. فائدة: لا يجوز إعراب "قاطن" خبرا مقدما، و"قوم" مبتدأ مؤخرا؛ لأن لفظة "قوم" تدل على معنى الجمع، بسبب كونه اسم جمع، و"قاطن"، مفرد، ولا يجوز أن يأتي المفرد خبرا عن الجمع، ولا عما يدل عليه.
[ ١ / ١٩٠ ]
خلافا للأخفش والكوفيين١، ولا حجة لهم في نحو:١ [الطويل]
٦٦- خبيرٌ بنو لهب فلا تك ملغيا٣
_________________
(١) ١ ذهب الكوفيون، والأخفش، وابن مالك في الألفية إلى أنه يجوز أن يرفع الوصف فاعلا أو نائب فاعل مكتفىً به، وإن لم يعتمد هذا الوصف على نفي أو استفهام، وعبارة الناظم: وقدْ يجوز نحو: فائز أولو الرَّشَدْ لكن المؤلف، لم يشر إلى ذلك، وقد أشرنا إلى هذا سابقا. التصريح: ١/ ١٥٧. ٢ ينسب هذا البيت إلى رجل من طيئ، ولم يعينه أحد من النحاة. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: مقالة لِهبيٍّ إذا الطير مرَّتِ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٥٧، وابن عقيل: "٤١/ ١/ ١٩٥"، والأشموني: "١٣٩/ ١/ ٩٠. المفردات الغريبة: خبير: من الخبرة. وهي العلم بالشيء. بنو لهب: جماعة من بني نصر من الأزد، يقال: إنهم أزجر قوم، وأعيفهم وأعرفهم، بما تدور عليه حركات الطير. ملغيا: من الإلغاء، يقال: ألغيت كلامه إذا عددته ساقطا. المعنى: إن بني لهب يعلمون زجر الطير، ويعرفون مهابطه، وما تدل عليه أصواته وحركاته حين يمر، فإذا أخبرك لهبي بشيء من ذلك فصدقه، ولا تلغِ قوله. الإعراب: خبير: مبتدأ، وقد سوغ الابتداء به، وهو نكرة، أنه عامل فيما بعده. بنو: فاعل "خبير" سد مسد الخبر، وبنو ملحق بجمع المذكر السالم. لهب: مضاف إليه. فلا: الفاء عاطفة، لا: ناهية. تكُ: مضارع ناقص مجزوم بـ "لا" وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا، واسمه: أنت. ملغيا: خبر "تك" منصوب، وفيه فاعل مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل. مقالة: مفعول به لـ "ملغيا" لهبي: مضاف إليه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط. الطير: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. والجملة من "الفعل المحذوف والفاعل": في محل جر بالإضافة، وهي جملة الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة السياق عليه، والتقدير، إذا مرَّتِ الطير فلا تك ملغيا. مرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي، والجملة مفسرة، لا محل لها. موطن الشاهد: "خبير بنو لهب". وجه الاستشهاد: استدل الكوفيون والأخفش بهذا الشاهد على مجيء "خبير" مبتدأ، لكونه وصفا عاملا فيما بعده، من دون أن يعتمد على نفي أو استفهام؛ لأنهم لا يشترطون ذلك، وعليه فـ "بنو" فاعل سدَّ مسدَّ الخبر، غير أن البصريين عدا =
[ ١ / ١٩١ ]
خلافا للناظم وابنه، لجواز كون الوصف خبرا مقدما، وإنما صح الإخبار به عن الجمع لأنه على فعيل، فهو على حد: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ١.
وإذا لم يطابق الوصف ما بعده تعيَّنت ابتدائيته، نحو: "أقائم أخواك"، وإن طابقه في غير الإفراد تعينت خبريته، نحو: "أقائمان أخواك"، و"أقائمون إخوتك"، وأن طابقه في الإفراد احتملهما، نحو: "أقائم أخوك"٢.
_________________
(١) = الأخفش يرون أن "خبير": خبر مقدم، و"بنو": مبتدأ مؤخر، وهذا الراجح لدى جمهور العلماء، ورد البصريون على من قال: إنه يشترط أن يتطابق المبتدأ والخبر في الإفراد والتثنية والجمع، وهنا لا تطابق بين "خبير" و"بنو" فالجواب: أن "خبير" جاءت على زنة المصدر، والمصدر: يخبر به عن الواحد، والمثنى، والجمع بلفظ واحد، وقد وردت صيغة "فعيل" مخبرا بها عن الجماعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ وقول الشاعر: هن صديق للذي لم يشب وفي هذا، إبطال لحجة الكوفيين والأخفش، انظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ١٥٨، وحاشية الصبان: ١/ ١٩٢. ١ "٦٦" سورة التحريم، الآية: ٤. موطن الشاهدَّ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ظهير" خبرا لـ "الملائكة" وجاز الإخبار بـ "ظهير" لأنه على وزن فعيل" الذي على زنة المصدر، وكما يجوز الإخبار بالمصدر، يجوز الإخبار بما يوازنه. ٢ يتضح مما سبق أن للوصف مع مرفوعه ثلاثة أحوال هي: أ- أن يتعين كون الوصف خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ مؤخرا؛ وذلك إذا كان الوصف والمرفوع، إما مثنيين، نحو: "أقائمان أخواك"؟، وإما مجموعين، نحو: "أقائمون إخوانك"، والسبب في عدم مجيء الوصف مبتدأ في هذه الحال، والمرفوع فاعلا له أغنى عن الخبر؛ لأن العامل في الفاعل لا تتصل به علامة تثنية ولا جمع على الفصيح من لغات العرب. ب- أن يتعين كون الوصف مبتدأ، والمرفوع فاعلا، وذلك إذا كان الوصف مفردا، والمرفوع مثنى، أو جمعا، نحو: أقادم صديقاك؟ و: أذاهب أعمامك؟ والسبب في عدم جعل الوصف خبرا في هذه الحال، أنه لا يجوز الإخبار بالمفرد عن المثني والجمع. ج- جواز الأمرين، وذلك إذا كان الوصف مفردا، والمرفوع مفردا أيضا، فيجوز اعتبار الوصف مبتدأ، ومرفوعه سد مسد الخبر، أو يكون خبرا مقدما، والمرفوع مبتدأ مؤخرا. راجع التصريح. ١/ ١٥٨، وابن عقيل: ١/ ١٥٧- ١٥٨.
[ ١ / ١٩٢ ]
وارتفاع المبتدأ بالابتداء، وهو التجرد للإسناد، وارتفاع الخبر بالمبتدأ، لا بالابتداء، ولا بهما، وعن الكوفيين أنهما ترافعا١.
[تعريف الخبر وأنواعه]:
والخبر الجزء الذي حصلت به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور، فخرج فاعل الفعل، فإنه ليس مع المبتدأ، وفاعل الوصف٢.
وهو: إما مفرد٣، وإما جملة. والمفرد: إما جامد٤ فلا يتحمل ضمير
_________________
(١) ١ مذهب سيبويه، وجمهور البصريين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالابتداء، فالعامل في المبتدأ معنوي وهو كون الاسم مجردا عن العوامل اللفظية غير الزائدة، وما أشبهها واحترز بغير الزائدة، من مثل: "بحسبك درهم" فـ "حسبك": مبتدأ، وهو مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة، ولم يتجرد عن الزائدة؛ لأن "الباء" الداخلة عليه زائدة، واحترز "بشبهها" من مثل: "رب رجل قائم"، لأن رب حرف جر شبيه بالزائد، فـ "رجل: مبتدأ"، وقائم: خبره"، ويدل على ذلك رفع المعطوف عليه، نحو: "رب رجل قائم وامرأة". - والعامل في الخبر لفظي، وهو المبتدأ. وهذا مذهب سيبويه ﵀. - وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء، فالعامل فيهما معنوي. - وقيل: المبتدأ مرفوع بالابتداء، والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدأ. - وقيل: ترافعا، ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ، وأن المبتدأ رفع الخبر. وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه، وهو الأول، وهذا الخلاف مما لا طائل فيه. انظر ابن عقيل: ١/ ١٥٩. وشرح التصريح: ١/ ١٥٨- ١٥٩. ٢ أي: فلا يسمى خبرا وإن حصلت به فائدة مع المبتدأ؛ لأن هذا المبتدأ هو الوصف المذكور، وإنما يسمى فاعلا سد مسد الخبر. ٣ المراد بالمفرد: ما ليس جملة ولا شبه جملة، فيشمل المثنى والجمع، والمركب بأنواعه المعروفة. ٤ أي: غير مشتق، وهو ما لم يُصَغْ من مصدر للدلالة على متصف به، ولا يشعر بمعنى الفعل الموافق له في مادته، فيشمل أسماء الزمان، والمكان، والآلة.
[ ١ / ١٩٣ ]
المبتدأ، نحو: "هذا زيد"، إلا إن أُوِّل بالمشتق، نحو: "زيد أسد"، إذا أريد به شجاع٢، وإما مشتق فيتحمل ضميره، نحو: "زيد قائم"، إلا أن رفع الظاهر، نحو: "زيد قائم أبواه"٣، ويبرز الضمير المتحمل إذا جرى الوصف على غير من هو له، سواء ألبس، نحو: غلام زيد ضاربه هو"٤ إذا كانت الهاء للغلام٥، أم لم يلبس، نحو: "غلام هند ضاربته هي"٦، والكوفي إنما يلتزم الإبراز عند الإلباس، تمسكا بنحو قوله٧: [البسيط]
_________________
(١) ١ ولا يرفع كذلك ضميرا بارزا، ولا اسما ظاهرا بعده. ٢ أو: قَلْب السفَّاح حَجَر، أي: قاسٍ، لا رحمة فيه، وهكذا. ٣ أو رفع كذلك ضميرا بارزا، نحو: الخير أنت مقدم عليه. وفي الخبر المفرد، يقول ابن مالك: والمفرد الجامد فارغ، وإن يشتق فهو ذو ضمير مستكن أي: الخبر المفرد نوعان، جامد ومشتق، فالجامد: فارغ من الضمير، ومشتق: فيه ضمير مستكن، أي: مستتر. ٤ أي: إذا كان الوصف الواقع خبرا صفة لغير مبتدئه. ٥ ضاربه: وصف في المعنى لـ "زيد"؛ لأنه هو الضارب للغلام، وقد جرى على الغلام؛ لأنه خبر عنه، فلو لم يبرز الضمير المستتر في "ضاربه" لتوهم أن الغلام، هو الضارب لـ "زيد"، فينقلب المعنى، وفي هذه الحالة، يتعين أن يكون الضمير البارز فاعلا أو نائب فاعل بحسب نوع الوصف؛ لأن جريانه على غير صاحبه، يمنع استتاره، فترجع إليه حالته الأولى، ولا يعرب توكيدا للضمير المستتر. شرح التصريح: ١/ ١٦١- ١٦٢. ٦ جرى الوصف "ضاربته" على غير ما هو له، وهو الغلام، ولكن تاء التأنيث، تدل على أن الوصف في المعنى لـ "هند" وفي هذا، يقول الناظم: وأبرِزَنْه مطلقا حيث تلا ما ليس معناه له محصلا أي: أبرز الضمير الرابط مطلقا سواء أمن اللبس أم لم يؤمن إذا وقع الخبر بعد مبتدأ، لا يكون معنى هذا الخبر محصلا أي حاويا لمعناه، وذلك إذا كان الخبر جاريا على غير ما هو له، ويستوي في توقع الإلباس عند عدم القرينة: الوصف والفعل ماضيا أو مضارعا، نحو: محمد علي أكرمه، أو يكرمه، ففي كل من الفعلين ضمير مستتر، وآخر بارز، يصح عودهما إلى الاسمين، ومن القرائن هنا حروف المضارعة، وضمائر الرفع البارزة راجع شرح التصريح: ١/ ١٦٢، وابن عقيل، ١/ ١٦٤. ٧٧ لم يعرف قائله.
[ ١ / ١٩٤ ]
٦٧- قومي ذرا المجد بانوها ١
والجملة إما نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، نحو: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ٢ إذا قُدِّر "هو" ضمير شأن، ونحو: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: تمام البيت هو: قومي ذرا المجد بانوها، وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٦٢، وابن عقيل: "٤٢/ ١/ ٢٠٨" والأشموني: "١٤٣/ ١/ ٩٣"، والعيني: ١/ ١٥٧. المفردات الغريبة: ذرا: جمع ذروة، وذروة الشيء: أعلاه. المجد: الكرم. بانوها: اسم فاعل من البناء، وبانون أصله بانيون أعلَّ إعلال قاضيون. كنه: حقيقة ونهاية الشيء، عدنان: أبو معد. قحطان: أبو اليمن. المعنى: يفخر الشاعر بأن قومه هم الذين أسسوا أعالى المجد والشرف، وقد علمت بحقيقة ذلك قبيلتا عدنان وقحطان، ويريد العرب جميعا. الإعراب: قومي: مبتدأ أول، ومضاف إليه. ذرا: مبتدأ ثانٍ، وهو مضاف. المجد: مضاف إليه بانوها: خبر المبتدأ الثاني، و"ها" مضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. قد: حرف تحقيق. علمت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث "بكنه": متعلق بـ "علمت"، وكنه مضاف. ذلك: مضاف إليه واللام للبعد، والكاف للخطاب. عدنان: فاعل علمت. وقحطان: معطوف عليه مرفوع مثله. موطن الشاهد: "قومي ذرا المجد بانوها". وجه الاستشهاد: وقوع "بانوها" خبرا لـ "ذرا"، وهو في المعنى عائد إلى "قومي"؛ لأنهم هم البانون، ولم يبرز الضمير؛ لأمن اللبس؛ لأن "الذرا" مبنية لا بانية، ولو أبرزه، لقال: بانيها هم، حيث إن الوصف كالفعل يفرد إذا أسند إلى المثنى والجمع، ويجوز على غير الفصحى: بانوها هم، والكوفيون يجيزون عدم إبراز الضمير عند أمن اللبس فقط، كما في هذا المثال، وأما البصريون، فيوجبون إبراز الضمير في كل حال، ويعدون هذا الشاهد غير موافق لقياس، فهو شاذٌّ، ومعلوم أن الشاذَّ، يحفظ، ولا يقاس عليه، وقد أعرب بعضهم "ذرا المجد" منصوبا بوصف محذوف، يفسره الوصف المذكور، والتقدير: بانوا ذرا المجد بانوها. انظر شرح التصريح: ١/ ١٦٢. ٢ "١١٢" سورة الإخلاص، الآية: ١. موطن الشاهد: "هو الله أحد". وجه الاستشهاد: مجيء "الله أحد" خبرا لـ "هو" وهي عينه في المعنى؛ لأنها مفسرة له، والمفسر عن المفسر، أي الشأن الله أحد، ولما كانت الجملة نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج إلى رابط، وهذا، على اعتبار "هو" ضمير الشأن، وأما إذا قدر ضمير المسؤول عنه، فخبره مفرد وهو "الله" وأحد خبر ثان، أو بدل.
[ ١ / ١٩٥ ]
كَفَرُوا﴾ ١، ومنه "نطقي: الله حسبي" لأن المراد بالنطق المنطوق به.
وإما غيره فلا بد من احتوائها على معنى المبتدأ الذي هي مسوقة له٢، وذلك بأن تشمل على اسم بمعناه، وهو إما ضميره مذكورا نحو: "زيد قائم أبوه"، أو مقدرا نحو: "السمن منوان بدرهم"، أي: منه، وقراءة ابن عامر٣: "وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٩٧. موطن الشاهد: ﴿هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وجه الاستشهاد: "هي" ضمير قصة "الشَّأْن" مبتدأ. وشاخصة: خبر مقدم، وأبصار الذين كفروا: مبتدأ مؤخر، وجملة "أبصار الذين كفروا شاخصة" في محل رفع خبر "هي" ومعلوم أنها عين "هي" في المعنى، والتقدير: فإذا القصة أبصار الذين كفروا شاخصة، ولذا فهي لا تحتاج إلى رابط. ٢ يشترط في الجملة الواقعة خبرا ثلاثة شروط: الأول: أن تكون مشتملة على رابط، يربطها بالمبتدأ، وقد فصل المؤلف الكلام فيه. الثاني: ألا تكون الجملة ندائية، فلا يجوز أن تقول: محمد يا أعدلَ الناس، على أن تكون جملة "يا أعدل الناس": خبرا عن محمد. الثالث: ألا تكون مصدَّرة بأحد الحروف: "لكن، وبل، وحتى". وقد أجمع النحاة على ضرورة استكمال جملة الخبر لهذه الشروط الثلاثة، وزاد ثعلب شرطا رابعا، وهو ألا تكون جملة الخبر قسمية، وزاد ابن الأنباري، ألا تكون إنشائية، والصحيح عند الجمهور صحة وقوع القسمية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد والله إن قصدته ليعطينك، كما أن الصحيح عند الجمهور جواز وقع الإنشائية خبرا للمبتدأ كأن تقول: زيد اضربه. وذهب ابن السراج إلى أنه إن وقع خبر المبتدأ جملة طلبية، فهو على تقدير "قول" فالتقدير عنده في المثال الذي ذكرناه: زيد مقول فيه: اضربه، تشبيها للخبر، بالنعت، وهو غير لازم عند الجمهور في الخبر، وإن لزم في النعت، وفرقوا بين الخبر والنعت بأن النعت يقصد منه التمييز، فيجب أن يكون معلوما قبل الكلام، والخبر يقصد منه الحكم، فلا يلزم أن يكون معلوما قبل الكلام. أوضح المسالك: ١/ ١٩٧ حا: ٣. ٣ ابن عامر: هو أبو عمران، عبد الله بن عامر الدمشقي، أمام أهل الشام في القراءة، وأسن القراء السبعة، قرأ على جماعة من الصحابة، وقيل: إنه قرأ على عثمان بن عفان ﵁، ولد سنة ٢١هـ، وتوفى بدمشق سنة ١١٨هـ. طبقات القراء لابن الجوزي: ١/ ٤٢٣، والعبر: ١/ ١٤٩.
[ ١ / ١٩٦ ]
الْحُسْنَى"١، أي: وعده، أو إشارة إليه نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ ٢، إذا قدر "ذلك" مبتدأ ثانيا، لا تابعا للِبَاس.
قال الأخفش: أو غيرهما٣، نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ ٤، أو على اسم بلفظه ومعناه، نحو: ﴿الْحَاقَّةُ،
_________________
(١) ١ "٥٧" سورة الحديد، الآية: ١٠. قرأ ابن عمر "كل" بالرفع، وقرأ الباقون "كلا" بالنصب. تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٤١، والبحر المحيط: ٨/ ٢١٩. موطن الشاهد: "وكُلٌ وَعَد اللهُ الحُسنَى". وجه الاستشهاد: مجيء "كل" مبتدأ على قراءة ابن عامر وجملة "وعد الله الحسنى": في محل رفع الخبر، والرابط بينهما الضمير المقدر المنصوب بـ "وعد" على أنه مفعول الأول، أي: وعده الله، وأما على قراءة النصب فلا شاهد فيها. ٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٢٦. قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر والكسائي "ولباس" بالنصب عطفا على "لباس" المنصوب بـ "أنزلنا" وقرأ الباقون "ولباس" بالرفع على الابتداء والقطع مما قبله، وذلك: صفة أو بدل منه، أو عطف بيان عليه، و"خبره" خبره، النشر: ٢٥٩، والاتحاف: ٢٢٣، والمشكل: ١/ ٣٠٩-٣١٠. موطن الشاهد: ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ذلك" مبتدأ ثانيا، و"خير" خبره، والجملة خبر المبتدأ "لباس" الرابط بينهما الإشارة إلى المبتدأ بـ "ذلك". ٣ أي: غير الضمير والإشارة، كإعادة المبتدأ بمعناه، كما في الآية التالية. ٤ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٧٠. موطن الشاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الذين" مبتدأ، وجملة "يمسكون بالكتاب": صلة، وأقاموا الصلاة، معطوفة على الصلة، والخبر: جملة "إنا لا نضيع أجر المصلحين"، ومعلوم أن "المصلحين" في المعنى، هم الذين يمسكون بالكتاب، ويقيمون الصلاة فأعاد المبتدأ بمعناه، وهذا هو الرابط المشار إليه، وقيل: إن الرابط محذوف، والتقدير: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، وحذف الرابط المجرور جائز باتفاق، أو الرابط العموم؛ لأن المصلحين أعم من الذين يمسكون بالكتاب، وقيل: إن الذين يمسكون في موضع جر بالعطف على "للذين يتقون". انظر شرح التصريح: ١/ ١٦٥.
[ ١ / ١٩٧ ]
مَا الْحَاقَّةُ﴾ ١، أو على اسم أعم منه، نحو: "زيد نعم الرجل"٢ وقوله٣: [الطويل]
٦٨- فأما الصبر عنها فلا صبرا٤.
_________________
(١) ١ "٦٩" سورة الحاقة، الآية: ١-٢. موطن الشاهد: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الحاقة" مبتدأ، و"ما" مبتدأ ثانيا، والحاقة "الثانية" خبرا لـ "ما"، الجملة" في محل رفع خبر "الحاقة" الأولى، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بلفظه ومعناه. ٢ ففي الرجل عموم يشمل زيدا وغيره. ٣ القائل هو: ابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذه قطعة من بيت، وهو بكماله: ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبرا وهو من شواهد، التصريح: ١/ ١٦٥، وهمع الهوامع: ١/ ٩٨، والدرر اللوامع: ١/ ٧٤ والكتاب لسيبويه: ١/ ١٩٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٨٦، ٢/ ٣٤٩، والعيني: ١/ ٥٢٣ ومغني اللبيب "٨٨٤/ ٦٥٠" وشرح شواهد المغني: ٢٩٦، والأغاني: ٢/ ٨٩، وزهر الآداب: ٧١٧. المفردات الغريبة: ليت شعري: الشعر مصدر شعر بمعنى علم وفطن، والشعر: العلم، والمعنى، ليتني أشعر، أي: أعلم أم جحدر: كنية محبوبته. المعنى: يتمنى الشاعر أن يجد جوابا لسؤاله، أهناك سبيل لوصول إلى أم جحدر ولقائها؟؛ لأن شوقه إليها شديد، ولا يستطيع الصبر على فراقها، والبعد عنها. الإعراب: شعري: اسم "ليت" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر ليت محذوف، والتقدير: ليت شعري حاصل. "إلى أم": متعلق بمحذوف خبر مقدم. سبيل: مبتدأ مؤخر. فأما: حرف شرط وتفصيل. الصبر: مبتدأ. "عنها" متعلق بـ "الصبر". فلا الفاء واقعة في جواب "أما"، لا "نافية للجنس. صبرا: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، وخبر "لا" محذوف، والتقدير: لا صبر لي. وجملة "لا صبر لي": في محل رفع خبر المبتدأ "الصبر". موطن الشاهد: "أما الصبر فلا صبر". وجه الاستشهاد: مجيء "لا صبرا" خبرا لـ "الصبر" الواقع بعد "أما"، والرابط بينهما العموم؛ لأن النكرة الواقعة بعد النفي، تفيد العموم، فبقوله: "لا صبرا" نفي الصبر بمختلف أنواعه، ومنه الصبر" الواقع مبتدأ. وفي البيت شاهد آخر على مجيء الفاء الزائدة في خبر المبتدأ الواقع بعد "أما"، وحكم اقتران الفاء بالخبر في هذه الحالة الوجوب.
[ ١ / ١٩٨ ]
[وقوع الخبر شبه جملة]:
ويقع الخبر ظرفا١، نحو: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُم﴾ ٢، ومجرورا نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ ٣، والصحيح أن الخبر في الحقيقة متعلقهما المحذوف٤، وأن
_________________
(١) ١ معلوم أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق، وهذا المتعلق؛ إما أن يكون عاما، وإما أن يكون خاصا. فإذا كان المتعلق خاصا، فإما أن تدل عليه قرينة، وأما لا، فإن دلت عليه قرينة، نحو: متى يسافر أخوك؟ فتقول: محمد غدا، وأحمد بعد غد، فسامع الكلام، يفهم أن المراد: محمد مسافر غدا، وأحمد مسافر بعد غد، وفي هذه الحال، يجوز حذف المتعلق، وأما إن لم تدل عليه قرينة، لم يجز حذفه، نحو: خالد مسافر اليوم. وأما إن كان المتعلق عاما، سمِّي الظرف مستقرا، ووجب حذف هذا المتعلق، وسمِّي كل من الظرف، والجار والمجرور خبرا؟ ومن هذا ندرك أن "الظرف" و"الجار والمجرور". لا يقال: إنهما خبر، إلا أن يكون متعلقهما عاما، وأن هذا المتعلق العام واجب الحذف. ٢ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٤٢. موطن الشاهد: ﴿الرَّكْبُ أَسْفَلَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الركب" مبتدأ، و"أسفل" واقعا موقع الخبر؛ لأنه متعلق بالخبر المحذوف، والتقدير: والركب كائن أسفل، أو مستقر أسفل منكم. ٣ سورة الفاتحة، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الجار والمجرور" متعلقا بالخبر المحذوف، والتقدير: الحمد كائن لله. فائدة: يشترط في الظرف والجار والمجرور أن يكونا تَامَّيْن، يحصل بالإخبار بهما فائدة بمجرد ذكرهما، فلا يصح: العلم مكانا، ومحمد بك، لعدم الفائدة. ٤ قيل في هذه المسألة: إن الخبر هو نفس الظرف والجار والمجرور وحدهما؛ لأنهما يتضمنان معنى صادقا على المبتدأ وقيل: إن الخبر، هو مجموع الظرف أو الجار والمجرور مع متعلقهما والمتعلق جزء من الخبر، واختار هذا الرأي المحقق الرضي، وقيل: إن الخبر هو المتعلق المحذوف، وهو ما ارتضاه المؤلف هنا، وذكر أنه صحيح. التصريح: ١/ ١٦٦.
[ ١ / ١٩٩ ]
تقديره كائن أو مستقر، لا كان أو استقرَّ، وأن الضمير الذي كان فيه انتقل إلى الظرف والمجرور كقوله١:
٦٩- فإن فؤادي عندك الدهرَ أجمعُ٢
_________________
(١) ١ القائل هو: جميل بن عبد الله بن معمر العذري: المعروف بجميل بثينة، يكنى أبا عمرو، أحد عشاق العرب المشهورين، وأكثر أشعاره في بثينة والغزل، وله شعر في الهجاء مع ابن قطبة ابن عم بثينة، مات سنة ١٠٨هـ. تجريد الأغاني: ٣/ ٩٣٠، المؤتلف: ٧٢، الشعر والشعراء: ١/ ٤٣٤ ابن خلكان: ١/ ١٤٣. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فإن يك جثماني بأرض سواكم والبيت من قصيدة لجميل، مطلعها: أهاجك أمْ لا بالمداخل مربع ودار بأجراع الغديرين بلقع والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٦٦، والأشموني: "١٤٤/ ١/ ٩٣، وهمع الهوامع: ١/ ٩٩، والدرر اللوامع: ١/ ٧٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٥، ٣٣٠، وأمالي القالي: ١/ ٢١٧، وسمط اللآلي: ٥٠٥، والعيني: ١/ ٥٢٥، وخزانة الأدب: ١/ ١٩٠ ومغني اللبيب: "٨١٢/ ٥٧٩"، وشواهد السيوطي: ٢٨٦، وديوان جميل: ١١٨، وديوان كثير: ١/ ٣٣. المفردات الغريبة: جثماني: قال ابن منظور: "الجثمان بمنزلة "الجسمان" جامع لكل شيء، يريد به جسمه وألواحه، ويقال: ما أحسن جثمان الرجل وجسمانه، تريد ما أحسن جسده، بأرض سواكم: "يروى بالإضافة، وبتنوين أرض، في بعض الروايات": بأرض بعيدة. المعنى: يقول الشاعر لمحبوبته: إن كانت أجسامنا متباعدة وكنت مقيما في أرض غير أرضكم، فإن قلبي مقيم عندك لا يفارق أرضك ما بقي الدهر، ولا يغادرك، يعني أنه مقيم على حبها، ولا ينصرف عنها إذا ما ابتعد عنها. الإعراب: فإن: الفاء عاطفة. إن: شرطية جازمة. يك: فعل مضارع ناقص مجزوم؛ لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة. جثماني: اسم "يك" ومضاف إليه. "بأرض": متعلق بالخبر المحذوف، والتقدير: فإن يك جثماني كائنا بأرض
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويخبر بالزمان عن أسماء المعاني١، نحو: "الصوم اليوم"، و"السفر غدا" لا عن أسماء الذوات، نحو: "زيد اليوم"، فإن حصلت فائدة جاز: كأن يكون المبتدأ عاما والزمان خاصا٢، نحو: "نحن في شهر كذا"، وأما نحو: "الورد في أيار"٣، و"اليوم خمر" و"الليلة الهلال"، فالأصل: خروج الورد، وشرب خمر، ورؤية الهلال.
_________________
(١) = سواكم: مضاف إليه؛ لأن "أرض" غير منونة، وأما إذا نونت فـ "سواكم" صفة. فإن: حرف مشبه بالفعل. فؤادي: اسم "إن" ومضاف إليه "عند": متعلق بمحذوف الخبر، والكاف: مضاف إليه: الدهر: متعلق بالخبر المحذوف. أجمع: توكيد للضمير المستكن في الظرف. موطن الشاهد: "أجمع". وجه الاستشهاد: مجيء "أجمع" توكيدا مرفوعا للضمير المنتقل إلى الظرف، وهو "عندك"؛ لأنه، لا يصح أن يكون توكيدا لـ "فؤادي" ولا لـ "عند" ولا "للدهر"؛ لأن هذه الألفاظ منصوبة، و"أجمع" مرفوعة، والمرفوع، لا يكون توكيدا للمنصوب، وفي الوقت نفسه، فلا يجوز أن يكون توكيدا لمحذوف؛ لأن التوكيد، ينافي الحذف، فلم يبق إلا أن يكون توكيدا للضمير المستكن في الظرف الواقع متعلقه خبرا؛ لأن هذا الضمير مرفوع على الفاعلية. وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ١٦٦. ١ يخبر بالزمان عن أسماء المعاني؛ لأن اسم المعنى عبارة عن حركات وأفعال، وهي غير مستمرة الوجود، بل قد تحدث، وقد لا تحدث، وهي تحدث في زمان دون زمان؛ ومن أجل هذا كان الإخبار عن وجودها في زمان ما مفيدا، كقولنا: السفر غدا، ولهذا أجازوا الإخبار بالزمان عن اسم المعنى، من غير قيد؛ لأن الفائدة حاصلة دائما، وأما الإخبار بالزمان عن الذات، فاشترطوا فيه حصول الفائدة؛ وذلك لأنه لا فائدة في الإخبار بالزمان عن أسماء الذوات غالبا؛ لأن نسبتها إلى الأزمان كلها واحدة، بخلاف الأحداث التي لا بد لها من زمن. وأما المكان، فيخبر به مطلقا عن أسماء الذوات والمعاني متى حصلت الفائدة. ٢ يكون التخصص بصفة، كقولنا: نحن في يوم حار، أو بإضافة، نحو: نحن في شهر الصوم، أو بعلمية، نحو: نحن في رمضان. وتحصيل الفائدة: إذا كان المبتدأ "الذات" صالحا، لتقدير مضاف، هو اسم معنى، نحو قول امرئ القيس: اليوم خمر، أي: شرب خمر. ٣ اسم شهر رومي، من أشهر فصل الربيع، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
[ ١ / ٢٠١ ]
[لا يبدأ بالنكرة إلا إذا أفادت]:
ولا يبتدأ بنكرة١، إلا إن حصلت فائدة؛ كأن يخبر عنها بمختصٍّ مقدم ظرف أو مجرور نحو: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٢، و﴿عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ٣ ولا يجوز "رجل في الدار" ولا "عند رجل مال" أو تتلو نفيا، نحو: "ما رجل قائم" أو استفهاما نحو: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٤، أو تكون موصوفة سواء ذكرا نحو: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ ٥، أو حذف الصفة، نحو: "السمن منوان بدرهم"، ونحو: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
_________________
(١) ١ لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معلوما، ولو إلى حد ما، وإلا كان الحكم عليه لغوًا، لا فائدة فيه، وإنما يكون، إذا كان للمبتدأ خبر، فإن كان وصفا له فاعل، أو نائب فاعل، يغني عن الخبر، كان نكرة، ولا يحتاج إلى مسوغ؛ لأن المبتدأ في هذه الحالة، يكون محكوما به، بمنزلة الفعل والفعل في مرتبة التنكير كما يقال. التصريح: ١/ ١٦٨. ٢ "٥٠" سورة ق، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿لَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مزيد" مبتدأ وهو نكرة والذي جوز مجيئه مبتدأ الإخبار عنه بالظرف "لدينا" المتقدم عليه. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "غشاوة" مبتدأ مؤخرا، وهو نكرة، والذي جوز الابتداء بالنكرة الإخبار عنها بالجار والمجرور والمتقدم عليها. ٤ "٢٧" سورة النمل: الآية: ٦٠-٦٤. موطن الشاهد: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إله" مبتدأ، وهو نكرة، والذي جوز وقوع النكرة مبتدأ سبقها بهمزة الاستفهام. ٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٢١. موطن الشاهد: ﴿لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عبد" مبتدأ، وهو نكرة: والذي جوز وقوع النكرة مبتدأ وصفها بوصف مخصص، وهو "مؤمن"؛ لأن "مؤمن": صفة لـ "عبد" مرفوعة مثله.
[ ١ / ٢٠٢ ]
أَنْفُسُهُم﴾، أي منوان منه، وطائفة من غيركم، أو الموصوف٢، كالحديث: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم"٣، أي: امرأة سوداء، أو عاملة عمل الفعل، كالحديث: "أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة" ٤ ومن العاملة المضافة كالحديث: "خمس صلوات كتبهن الله" ٥.
_________________
(١) ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٥٤. موطن الشاهد: ﴿طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "طائفة" مبتدأ، وهي نكرة، والذي سوَّغ الابتداء بها، كونها موصوفة بصفة محذوفة؛ لأن التقدير، وطائفة من غيركم، كما في المتن. ٢ أي: أو حذف الموصوف وحده، وبقيت الصفة، فهذا عطف على قوله السابق: "سواء ذكرا"، أي: الموصوف والصفة معا، وقوله: "أو حذفت الصفة"، فالأقسام ثلاثة: ذكرهما معا، وحذف الموصوف وحده، وحذف الصفة وحدها. ٣ الحديث: صيغة الحديث في المصادر التي رجعنا إليها: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد". اتحاف السادة المتقين للزبيدي: ٥/ ٢٩٧-٥٩٨، وكنز العمال: ٧/ ٤٤٤٢، والأسرار المرفوعة للقاري: ٢١٨. موطن الشاهد: "سوداء". وجه الاستشهاد: مجيء "سوداء" مبتدأ، وهى نكرة، والذي سوَّغ الابتداء بها كونها صفة لموصوف محذوف. ٤ الحديث رواه مسلم. ونصه: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحية صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزي عن ذلك كله ركعتان يركعهما في الضحى". صحيح مسلم: ١/ ٤٩٩. موطن الشاهد: "أمر بمعروف، نهي عن منكر". وجه الاستشهاد: مجيء كل من "أمر" و"نهى" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ الابتداء بهما كونهما عاملين في محل المجرور بعدهما؛ لأنهما مصدران، والمصدر يعمل عمل فعله. ٥ الحديث: للحديث روايات متعددة، ومعناها واحد. صحيح البخاري: ١/ ١٠٦، وصحيح مسلم: ١/ ٤١، وسنن أبي داود: ٢/ ١٣٠، وسنن النسائي: ١/ ٢٣٠، وسنن ابن ماجة: ١/ ٤٤٨. موطن الشاهد: "خمس صلوت". وجه الاستشهاد: مجيء "خمس" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ الابتداء بالنكرة كونها عاملة في المضاف إليه.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ويقاس على هذه المواضع ما أشبهها نحو: "قصَدَك غلامُه رجلٌ" و"كم رجلا في الدار"، وقوله١: [البسيط]
٧٠- لولا اصطبار لأودَى كلُّ ذي مِقَةٍ٢
وقولك: "رجيل في الدار" لشبه٣ الجملة بالظرف والمجرور، واسم الاستفهام بالاسم المقرون بحرفه، وتالي "لولا" بتالي النفي، والمصغر بالموصوف٤.
_________________
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: كما استقلت مطاياهن للظعَنِ وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٠، وابن عقيل: "٤٧/ ١/ ٢٢٤"، والأشموني: "٥٠/ ١/ ٩٨"، والعيني: ١/ ٣٥٢. المفردات الغريبة: أودى: ماضٍ لازم بمعنى هلك. مقة: محبة، وفعله: ومق يمق بالكسر فيهما، والياء فيه عوض عن فاء الكلمة، وهي الواو. استقلت: نهضت وهمت للسفر. مطاياهن: جمع مطية، والمراد بها هنا الإبل، وسميت بذلك؛ لأنه يركب مطاها أي ظهرها. الظعن: الارتحال. المعنى: يقول الشاعر: لولا التجلد والصبر، وحمل النفس على عدم الجزع لهلك كل محب عند تهيؤ أحبابه للسفر والرحيل، ومفارقتهم له. الإعراب: لولا: حرف امتناع لوجود، أو حرف شرط غير جازم. اصطبار: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير: لولا اصطبار موجود لأودى: اللام واقعة في جواب "لولا" أودى: فعل ماضٍ. كل: فاعل "أودى". ذي: مضاف إليه. مقة. مضاف إليه. "كما": متعلق بـ "أودى". استقلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. مطاياهن: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، و"هن" في محل جر بالإضافة. "للظعن": متعلق بـ "استقلت". موطن الشاهد: "اصطبار". وجه الاستشهاد: وقوع "اصطبار" مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ وقوعه مبتدأ، وقوعه بعد "لولا" وهي تشبه "ما" النافية في الجملة؛ لأنها تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها. ٣ مواضع النكرة المفيدة كثيرة جدا. وقد أوصلها بعض النحاة إلى أربعين موضعا، والأصل الذي تقوم عليه الإفادة، وهذا الأصل هو المرجع الوحيد في صحة الابتداء بالنكرة. ٤ أي: ألحق المصغر بالمصوف في الحكم، وجواز الابتداء به إذا كان نكرة، ووجه الشبه هو اشتراكهما في المعنى؛ لأن التصغير وصف في المعنى، ومن قال: "رجيل عندنا" كأنه قال: رجل صغير عندنا، ولما جاز الابتداء بالنكرة الموصوفة، جاز قياسا عليها الابتداء بالاسم المصغر النكرة. وانظر بقية شروط الابتداء بالنكرة في شرح ابن عقيل: ١/ ١٧٠- ١٧٨. والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢٠٤ وما بعدها.
[ ١ / ٢٠٤ ]
[حالات الخبر]:
وللخبر ثلاث حالات:
[يجب تأخر الخبر في أربع مسائل]:
إحداها: التأخر، وهو الأصل كـ "زيد قائم" ويجب في أربع مسائل١:
إحداها: أن يخاف التباسه بالمبتدأ، وذلك إذا كانا معرفتين، أو متساويين ولا قرينة، نحو: "زيد أخوك" و"أفضل منك أفضل مني" بخلاف "رجل صالح حاضر". و"أبو يوسف أبو حنيفة"، وقوله: [الطويل]
٧١- بنونا بنو أبنائنا٣
_________________
(١) ١ ومن المسائل الأخرى التي يجب فيها تأخير الخبر:
(٢) أن يكون المبتدأ هو "مذ" أو "منذ"، نحو: ما رأيته "مذ يومان" إذا جعلت "مذ" اسما مبتدأ، وإعراب مذ خبرا مقدما -كما ذهب إليه الزجاج- غير مستقيم.
(٣) أن يكون المبتدأ ضمير متكلم، أو مخاطب، مخبرا عنه بالذي وفروعه، نحو: أنا الذي عرفوني، ونحو: أنت الذي تدعى ما لا تحسنه، خلافا للكسائي، في هذه المسألة.
(٤) أن يكون الخبر طلبا، نحو: زيد اضربه، وزيد لا تهنه.
(٥) أن يكون المبتدأ دعاء، نحو قولك: سلام عليكم وويل لكم.
(٦) أن يكون الخبر متعددا، وهو في قوة الخبر الواحد، نحو: الرمان حلو حامض.
(٧) أن يقع بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل، نحو: زيد هو المنطلق.
(٨) أن يكون الخبر مقترنا بالباء الزائدة، نحو قولك: ما زيد بقائم. - حاشية يس على التصريح: ١/ ١٧١، والنحو الوافي ١/ ٤٩٢-٥٠٠، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢١١-٢١٢. ٢ هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد =
[ ١ / ٢٠٥ ]
أي: بنو أبنائنا مثل بنينا.
الثانية: أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل١، نحو: "زيد قام" بخلاف "زيد قائم" أو "قام أبوه" و"أخواك قاما"٢.
_________________
(١) = وهو: من شواهد التصريح: ١/ ١٧٣، وابن عقيل "٥١/ ١/ ٢٣٣"، والأشموني: "١٥٣/ ١/ ٩٩"، ومغني اللبيب: "٨١٨/ ٥٨٩"، وهمع الهوامع: "١/ ١٠٢" والدر اللوامع: "١/ ٧٦"، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ٢٤٠، والإنصاف: ١/ ٦٦، وشرح المفصل: ١/ ٩٩، ٩/ ١٣٢، وخزانة الأدب: ١/ ٢١٣، وديوان الفرزدق: ٢١٧. المعنى: إن أولاد أبنائنا، ينتسبون إلينا؛ لأنهم كأولادنا، أما أولاد بناتنا، فينتسبوا إلى آبائهم الأجانب عنا. الإعراب: بنونا: خبر مقدم، ومضاف إليه. بنو: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. أبنائنا: مضاف إليه، و"نا": مضاف إليه ثانٍ. وبناتنا: مبتدأ أول، مضاف إليه. بنوهن مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه. أبناء: خبر للمبتدأ الثاني، الرجال: مضاف إليه. الأباعد صفة لـ "الرجال"، وجملة "بنوهن أبناء الرجال": خبر للمبتدأ الأول "بناتنا". موطن الشاهد: بنونا بنو أبنائنا. وجه الاستشهاد: تقديم الخبر "بنونا" على المبتدأ، وهو "بنو أبنائنا" مع تساويهما فـ التعريف؛ لأن كلا منهما مضاف إلى ياء المتكلم، وسوغ ذلك القرينة المعنوية التي تعين المبتدأ، وهي التشبيه الذي يقضي بأن بني الأبناء مشبهون بالأبناء، وقيل: هل من التشبيه المقلوب للمبالغة، ولا شاهد فيه، وإلى هذا، أشار الناظم: "فامنعه حين يستوي الجزآن عرفا ونكرا عادمي بيان أي: امنع التقديم، إذا استوى المبتدأ والخبر في التعريف والتنكير، وعُدِما القرينة والبيان الذي يوضح المبتدأ منهما من الخبر. انظر شرح التصريح: ١/ ١٧٢، وابن عقيل: ١/ ١٨٢-١٨٣. ١ وذلك إذا كان الخبر جملة "فعلية"، فاعلها ضمير مستتر، يعود على المبتدأ، نحو: زيد يقوم؛ ففي "يقوم" ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ يعود على زيد؛ ولهذا يجب تقديم المبتدأ في هذه الحال، ولأننا لو قدمنا الفعل؛ لانقلبت الجملة من اسمية إلى فعلية، كما هو معلوم، والفرق واضح بين الجملتين، فالجملة الاسمية، تدل على ثبوت المسند إلى المسند إليه، ودوامه، والجملة الفعلية، تدل على تجدده، وحدوثه. ٢ فالخبر في المثال الأول وصف، والفعل في المثال الثاني، رفع اسما ظاهرا، وفي المثال الثالث رفع ضميرا؛ فلهذا أمن اللبس، ولهذا فلا يجب تأخير الخبر فيهما.
[ ١ / ٢٠٦ ]
الثالثة: أن يقترن بإلا معنى، نحو: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِير﴾ ١، أو لطفا نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٢، فأما قوله٣: [الطويل]
٧٢-وهل إلَّا عليك المعوَّلُ٤
فضرورة.
_________________
(١) ١ "١١" سورة هود، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ . وجه الاستشهاد: وجوب تقديم المبتدأ، وتأخير الخبر؛ لأن الخبر محصور بـ "إلا" معنى، والتقدير: ما أنت إلا نذير. ٢ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٤٤. موطن الشاهد: ﴿مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "رسول" مؤخرا عن المبتدأ، وحكم هذا التأخير الوجوب؛ لأن الخبر، اقترن بـ "إلا" لفظا. ٣ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، أبو المستهل، شاعر متقدم، من شعراء بني أمية، عالم بلغات العرب وأخبارها، متعصب لمصر، ومعروف بالتشيع، يتكلف في شعره، ويسرق من غيره، عرف بقصائده الهاشميات، لقي الفرزدق، وعرض عليه شعره. ولد سنة ٦٠ هـ مات سنة ١٢٦هـ. تجريد الأغاني: ٤/ ١٧٩٣، والشعر والشعراء: ٢/ ٥٨١، والجمحي: ١/ ٤٥، والأغاني: ١٥/ ١٠٨. ٤ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: فيا رب، هل إلا بك النصر يرتجى عليهم؟ وهل إلا عليك المعول؟ والبيت من قصيدة من "هاشمياته"، يمدح فيها بني هاشم، وأولها قوله: ألا هل عمٍ في رأيه متأمِّلُ؟ وهل مدبرٌ بعد الإساءة مقبِلُ؟ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٣، وابن عقيل: "٥٢/ ١/ ٢٣٥"، والأشموني: "١٥٤/ ١/ ٩٩"، وهمع الهوامع: ١/ ١٠٢، والدرر اللوامع: ١/ ٧٦، والعيني: ١/ ٣٥٤" وليس في ديوان الكميت. المفردات الغريبة: يرتجى: يؤمَّل، ويطلب. المعول: مصدر بمعنى التعويل والالتجاء. المعنى: هل يطلب النصر على الأعداء، ويرتجي إلا منك وبعونك؟ وهل هنالك من سند يلجأ إليه الإنسان، ويعول عليه إلا أنت؟ والاستفهام إنكاري. الإعراب: هل: حرف استفهام، يفيد الإنكار، في هذا الشاهد. إلا أداة حصر. =
[ ١ / ٢٠٧ ]
الرابعة: أن يكون المبتدأ مستحقا للتصدير، إما بنفسه١، نحو: "ما أحسن زيدا" و"من في الدار" و"من يقم أقم معه" و"كم عبيد لزيد" أو بغيره، أما متقدما عليه، نحو: "لزيد قائم"، وأما قوله: [مشطور الرجز]
٧٣- أم الحليس لعجوز شهربة٣
_________________
(١) = بك: متعلق بـ "يرتجى". النصر: مبتدأ. يرتجى: مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل. "هو" يعود على النصر، وجملة "يرتجى": في محل رفع خبر. وهل: حرف استفهام، يفيد معنى النفي. إلا: أداة حصر، لا محل لها. "عليك": متعلق بمحذوف خبر مقدم. المعول: مبتدأ مؤخر. موطن الشاهد: "بك النصر، عليك المعوَّل". وجه الاستشهاد: تقديم الخبر المحصور بـ "إلا" في الموضع الثاني: "عليك المعول" شذوذا، وكذا في الموضع الأول: "بك النصر" إذا أعربنا "بك" خبرا مقدما، والنصر: مبتدأ مؤخرا، وأما على ما أعربناه، فلا شاهد فيه، وكان الأفصح أن يقول: "وهل النصر يرتجى إلا بك، وهل المعول إلا عليك. فائدة: أسقط المؤلف صدر البيت: "فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى"، لاحتمال إعراب "النصر" مبتدأ، وخبره: جملة "يرتجى" كما أعربنا، على هذا، فلا شاهد فيه، ولم يذكره المؤلف. فائدة: بعض البلاغيين، يرون أنه إذا كانت أداة الحصر "إنما" لم يصح تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه. وأما إن كانت أداة القصر "إلا" وقدم الخبر، وقدمت معه "إلا" كما في الشاهد، صح هذا التقديم؛ لكون المعنى المقصود لا يضيع؛ لأن تقدم "إلا" يبين المراد. ١ الأسماء المستحقة للتصدير بنفسها أربعة، كما ذكر المؤلف ومثل لها. ما التعجبية، وقد مثل لها المؤلف بالمثال الأول، وأسماء الاستفهام وقد مثل لها بالمثال الثاني، وأسماء الشرط، وقد مثل لها بالمثال الثالث، وكم الخبرية، وقد مثل لها بالمثال الرابع. والأسماء المستحقة للتصدير بغيرها أربعة أيضا، وهي: كل اسم أضيف إلى اسم استفهام، أو اسم شرط، أو أضيف إلى كم الخبرية، وكل اسم اقترن بلام الابتداء، وقد مثل المؤلف لذلك كله. ٢ هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: بعد الشاهد قوله: ترضى من اللحم بعظم الرقبة وقد اختلف في نسبة هذا الشاهد، فقد نسبه الصاغاني إلى عنترة بن عروس، أحد =
[ ١ / ٢٠٨ ]
فالتقدير: لهي عجوز، أو اللام زائدة لا لام الابتداء، أو متأخرا عنه نحو: غلام مَنْ في الدار" و"غلام مَنْ يقم أقم معه" و"مالُ كَمْ رجل عندك" أو مشبها به، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، فإن المبتدأ هنا مشبه باسم الشرط، لعمومه، واستقبال الفعل الذي بعده، وكونه سببا، ولهذا دخلت الفاء في الخبر كما تدخل في الجواب.
[وجوب تقدم الخبر في أربع مسائل]:
الحالة الثانية: التقدم، ويجب في أربع١ مسائل:
_________________
(١) = موالي بني ثقيف، ورواه الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان، ولم ينسباه. وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٤، وابن عقيل: "١٠١/ ١/ ٣٦٦"، والأشموني: "٢٦٦/ ١/ ١٤١" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٠، والدرر اللوامع: ١/ ١١٧، واللسان "شهرب"، والمغني: "٤١٣/ ٣٠٤"، "٤١٩/ ٣٠٧" ملحقات ديوان رؤبة. المفردات الغريبة: أم الحليس: كنية الأتان، وهي أنثى الحمار. والحليس: تصغير حلس، وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، وكنيت به هذه المرأة تشبيها لها بالأتان. شهربه: كبيرة طاعنة في السن. من اللحم: بدل اللحم، فـ "من" بمعنى البدل. المعنى: يصف الراجز هذه المرأة بأنها عجوز كبيرة، لا تستطيع أكل اللحم وهضمه، فترضى بدله بلحم الرقبة، لسهولة مضغه، فالمضاف هنا محذوف. الإعراب: أُمّ: مبتدأ. الحليس: مضاف إليه، لَعجوز: اللام للابتداء، تفيد التوكيد، عجوز: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: لهي عجوز: والجملة الاسمية من "المبتدأ المحذوف وخبره": في محل رفع خبر المبتدأ "أم الحليس". شهربه: صفة لـ "عجوز". وجملة "ترضى": في محل رفع صفة ثانية، وبعضهم يعرب "لعجوز": خبر المبتدأ، وفي هذه الحالة، ذهب النحاة إلى أن "اللام" المقترنة بـ "لعجوز" ليست لام الابتداء، ولكنها "زائدة" في خبر المبتدأ"، والأرجح ما ذهبنا إليه في الوجه الأول. موطن الشاهد: "لعجوز". وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذا البيت، لدلالة ظاهره على تأخير الخبر المقترن بـ "لام الابتداء" غير أن ما ذهبنا إليه في الإعراب، من اعتبار "عجوز" خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره لهي عجوز، وانتقلت اللام إلى الخبر، بعد حذف المبتدأ، يجعل البيت يخلو من الشاهد. ١ هناك مسائل أخرى، يجب تقديم الخبر على المبتدأ فيها، وهي: =
[ ١ / ٢٠٩ ]
إحداها: أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر: نحو "في الدار رجل" و"عندك مال" و"قصدك غلامه رجل" و"عندي أنك فاضل"، فإن تأخير الخبر في هذا المثال يوقع في إلباس "أن" المفتوحة بالمكسورة، و"أن" المؤكدة بالتي بمعنى لعل، ولهذا يجوز تأخيره بعد "أما"، كقوله١: [البسيط]
٧٤- وأمَّا أنني جزع يوم النوى؛ فلوجدٍ كاد يبريني٢
_________________
(١) = أ- أن يقترن المبتدأ بفاء الجزاء، بعد "أما"، نحو: أما في الصف فخالد، وأما في المسجد فسعيد. ب- أن يقع الخبر اسم إشارة إلى المكان، نحو: هنا زاهر، وهناك محمد، وثمة خليل. ج- في نحو قولهم: "في كل وادٍ أثر من ثعلبة"؛ وذلك لأن الأمثال لا تغير. د- أن تقترن بالخبر لام الابتداء خلاف الأصل فيها؛ لأن الأصل فيها اتصالها بالمبتدأ، نحو: "لقائم زيدا"، ففي هذه الحالة، لا يجوز تأخير الخبر المقترن بها، ولهذا عددنا اللام الداخلة على الخبر في قول الشعر: "أمّ الحليس لعجوز" زائدة، وأنها ليست لام الابتداء، وإن عددنها "لام الابتداء"، كما ذهبنا إليه في الإعراب، فإن "عجوز" ليست خبر "أم الحليس" بل خبر مبتدأ محذوف، والتقدير، لهي أم الحليس، وقلنا: إنْ عددنا "عجوز" خبرا عما قبلها، واعتبرنا "اللام" للابتداء، فذاك شاذٌّ، والشاذُّ يُحفظ، ولا يقاس عليه. هـ- أن يكون الخبر "مذ، أو منذ" في نحو قولك: ما لقيته "مذ يومان أو منذ يومان" وذلك على وفق ما ذهب إليه الزجاج من أنهما خبران مقدمان وجوبا، والجمهور اعتبروا أن "مذ ومند" مبتدأين واجبي التقديم. وكثيرا من العلماء، يرون أن مذ ومنذ" حرفان بمعنى "من" ولكنهما يجران الأزمنة، ويكونان اسمين، إذا ارتفع ما بعدهما، وهنا الخلاف، فذهب الجمهور إلى أنهما مبتدآن واجبا التقديم ورأى الزجاج أنهما خبران وما بعدهما مبتدآن واجبا التأخير، والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، ويستحسن العودة إلى كتاب النحو الوافي، ففيه المزيد من المسائل والإيضاحات. النحو الوافي، عباس حسن: ١/ ١٠٥- ٥٠٦. ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هكذا: عندي اصطبار، وأما أنني جزع يوم النوى فلوجدٍ كاد يبريني. وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٥، والأشموني: "١٥٧/ ١/ ١٠١"، وهمع الهوامع: =
[ ١ / ٢١٠ ]
لأن "إن المسكورة و"أن" التي بمعنى لعل لا يدخلان هنا، وتأخيره في الأمثلة الأُوَل يوقع في إلباس الخبر بالصفة، وإنما لم يجب تقديم الخبر في نحو: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ ١؛ لأن النكرة قد وصفت بمسمى، فكان الظاهر في الظرف أنه خبر لا صفة.
_________________
(١) = ١/ ١٠٣ والدرر اللوامع: ١/ ٧٧، والعيني: ١/ ٥٣٦، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٢٥٩. المفردات الغريبة: اصطبار: تصبُّر وتجلُّد. جزِع: شديد الخوف فاقد الصبر، وهو صفة مشبهة من جزع يجزع من باب علم. النوى: البعد والفرق. الوجد: شدة الحب. يبريني: ينحلني، من بَرَيت القلم إذا نحته. المعنى: يقول الشاعر: إن في طبعي التجلد والتحمل لكل ما ينزل بي من مكروه، وأما جزعي يوم فراق الأحباب، فلشدة شوق كاد ينحلني ويقضي علي. الإعراب: "عندي": متعلق بخبر مقدم محذوف، ومضاف إليه. اصطبار: مبتدأ مؤخرا. وأما: حرف شرط وتفصيل. أنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، والياء: اسمه، جزع: خبر "أن" والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع مبتدأ. "يوم": متعلق بـ "جزع". النوى: مضاف إليه. فلوجد: الفاء واقعة في جواب "أما" "لوجد": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، المؤول من "أن وما دخلت عليه" كاد: فعل ماضٍ، من أفعال المقاربة، يعمل عمل "كان" الناقصة، واسمه: هو: يعود على "وجد"، يبريني: فعل مضارع، والفاعل: هو، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، وجملة "يبريني" في محل نصب خبر "كاد"، وجملة "كاد واسمها وخبرها": في محل جر صفة لـ "وجْد". موطن الشاهد: "أما أنني جزع؛ فلوجد". وجه الاستشهاد: وقوع المصدر المؤول من "أن وما بعدها" مبتدأ متقدما على خبره الواقع جار ومجرورا "لوجد"، والذي جوز تقدم المبتدأ، وهو مصدر مؤول، أمن اللبس بين "أن المفتوحة الهمزة، وإن المكسورة الهمزة لفظا، ولأمن اللبس بين "أن المفتوحة" الهمزة المؤكدة والتي بمعنى "لعل" معنى. فائدة: لا يقع بعد "أما" التي للشرط والتفصيل "إن" المكسورة، ولا "أن" المفتوحة، التي بمعنى "لعل"، وإنما يقع بعدها "أن" المؤكدة المفتوحة الهمزة وحسب؛ لأنها تؤول مع ما تدخل عليها بمفرد، ولا يفصل بين "أما" وبين الفاء الواقعة في جوابها إلا بمفرد. وانظر في هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ١٧٤-١٧٥. ١ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿أَجَلٌ مُسَمَّىً عِنْدَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع المبتدأ متقدما، وهو نكرة؛ لأنه وصف "مسمى" فضعف طلب النكرة للظرف، وكان الظاهر في "عنده" أنه خبر لـ "أجل" لا صفة ثانية.
[ ١ / ٢١١ ]
الثانية: أن يقترن المبتدأ بإلا لفظا، نحو: ما لنا إلا اتباع أحمدا١ أو معنى، نحو: "إنما عندك زيد".
الثالثة: أن يكون لازم الصدرية، نحو: "أين زيد"؟ أو مضافا إلى ملازمها، نحو: "صبيحة أي يوم سفرك".
الرابعة: أن يعود ضمير متصل بالمبتدأ على بعض الخبر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٧٥- ولكِنْ مِلءُ عينٍ حبيبُها٥
_________________
(١) ١ هذا مثال من ألفية ابن مالك وتمامه: وخبر المحصور قدم أبدا كما لنا إلا اتباع أحمدا ٢ "٤٧" سورة محمد، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الخبر "على قلوب" متقدما على المبتدأ "أقفال" المتأخر، وحكم تقدم الخبر هنا الوجوب، لئلا يعود الضمير "ها" المتصل بالمبتدأ على "على قلوب" المتأخرة في الرتبة؛ لأنها بعض متعلق الخبر؛ لأن الخبر المتقدم هو الاستقرار، والجار والمجرور متعلق به، ومتعلق الخبر، رتبته التأخير، فيعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. ٣ هو نصيب بن رباح الأكبر، أبو محجن، قيل هو من قضاعة، وكان مولى لعبد العزيز بن مروان، وهو شاعر فحل، فصيح، مقدم في النسيب، والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفا، لم يشبب، أو ينسب بامرأة قط إلا امرأته. تجريد الأغاني: ١/ ١٠٨، الشعر والشعراء: ١/ ٤١٠، الجمحي: ١/ ١٢٥. ٤ تخريج الشاهد: والبيت بتمامه: أهابك إجلالا، وما بك قدرة عليَّ، ولكن ملء عين حبيبها وقد نسبه ابن نباتة المصري في كتابه "سرح العيون" إلى مجنون ليلى في أبيات، أولها قوله: دعا المحرمون الله يستغفرونه بمكة يوما أن تُمَحَّى ذنوبُهَا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٦، وابن عقيل: "٥٤/ ١/ ٢٤١"، والأشموني =
[ ١ / ٢١٢ ]
[الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير]:
الحالة الثالثة: جواز التقديم والتأخير، وذلك فيما فقد فيه موجبهما، كقولك: "زيد قائم" فيترجح تأخيره على الأصل، ويجوز تقديمه لعدم المانع.
[حالات حذف المبتدأ والخبر]:
وما علم من مبتدأ أو خبر جاز حذفه، وقد يجب١.
_________________
(١) = "١٥٦/ ١/ ١٠١" والعيني: ١/ ٥٣٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٣٦٣، وديوان نصيب: ٦٨. المفردات الغريبة: أهابك: من الهيبة، وهي المخافة، إجلالا: إعظاما لقدرك. المعنى: إني لأهابك وأخافك، إعظاما لقدرك، لا خوفا من بطشك، فليس لك سلطان عليَّ، ولكن العين تمتلئ بمن تحبه، فتحصل المهابة والخوف في قلب صاحبها من ذلك المرئي. الإعراب: أهابك: فعل مضارع، وفاعل، ومفعول به. إجلالا: مفعول لأجله، وما: الواو حالية، ما: نافية. "بك" خبر مقدم. قدرة: مبتدأ مؤخر. ولكن: حرف استدراك. ملء: خبر مقدم: عين مضاف إليه. حبيبها: مبتدأ مؤخر، و"ها" مضاف إليه. موطن الشاهد: "ملء عين حبيبها". وجه الاستشهاد: تقدم الخبر "ملء عين" على المبتدأ، وهو "حبيبها"، لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إليه، فلو قدم المبتدأ، لزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأن رتبة الخبر التأخير، وذلك غير جائز. وإلى هذا، أشار الناظم بقوله: كذا إذا عاد عليه مضمرُ مما به عنه مبينا يخبرُ أي: كذلك يجب تقديم الخبر، إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ الذي يخبر عنه بخبر يبين ويفسر الضمير العائد إليه، وفي عبارة الناظم مضاف محذوف، أي: عاد على ملابسه. ويرى ابن جني في المثال السابق رأيا لا غبار عليه، وهو أن "ملء عين": مبتدأ و"حبيبها": خبره، وليس في البيت تقديم ولا تأخير؛ لأن كلا منهما صالح للابتداء به، والأصل: عدم التقديم والتأخير، فيجعل أولهما مبتدأ، والثاني خبرا. ١ وقد يمتنع حذف المبتدأ أو الخبر، وذلك فيما إذا وقعت الجملة خبرا عن ضمير لشأن، فإنه يجب ذكر الجزأين. وكثر حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع: الأول: في جواب الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ وقوله جلت عظمته: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِك﴾، أي هي النار: نار حامية، وهي النار. الثاني: بعد فاء الجواب، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعمله لنفسه، وإساءته عليها. الثالث: بعد القول، نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ . حاشية يس على التصريح: ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٢١٣ ]
[حذف المبتدأ جوازا]:
فأما حذف المبتدأ جوازا فنحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ١، ويقال: كيف زيد؟ فتقول: دنف، التقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليه، وهو دنف.
[حذف المبتدأ وجوبا]:
وأما حذفه وجوبا فإذا أخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح، نحو: "الحمد لله الحميد" أو ذم نحو: "أعوذ بالله من إبليس عدو المؤمنين" أو ترحم نحو: "مررت بعبدك المسكين" أو بمصدر جيء به بدلا من اللفظ بفعله، نحو: "سمع وطاعة" وقوله٢: [الطويل]
٧٦- فقالت: حنان، ما أتى بك ههنا؟ ٣
_________________
(١) ١ "٤١" سورة فصلت، الآية: ٤٦، ٤٥ سورة الجاثية، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾، ﴿فَعَلَيْهَا﴾ . وجه الاستشهاد: حذف المبتدأ جوازا في الموضعين؛ لأن التقدير: فعمله لنفسه، وإساءته عليها، وحكم حذف المبتدأ في هذه الحالة الجواز للعلم به، وطريقة العلم به أن "عمله وإساءته" مصدران مأخوذان من فعلهما السابق، ودخول الفاء على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ قرينة دالة على حذفه. شرح التصريح: ١/ ١٧٦. ٢ هو منذر بن درهم الكلبي، ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أذو نسب أم أنت بالحي عارف؟ =
[ ١ / ٢١٤ ]
التقدير: أمري حنان وأمري سمع وطاعة.
_________________
(١) = لم ينسب النحاة هذا الشاهد إلى أحد، وفي مادة "روضة المثري" من كتاب معجم البلدان، لياقوت قطعة نسبها إلى منذر بن درهم الكلبي، وأسند روايتها إلى أبي الندي، وفيها هذا البيت، وقبله قوله: وأحدث عهدي من أميمة نظرة على جانب العلياء إذ أنا واقف تقول: حنان، ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف فقلت: أنا ذو حاجة ومسلم فضم علينا المأزق المتضايف والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: ١/ ١٧٧، والأشموني: "١٦٢/ ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٦١، ١٧٥، والمقتضب: ٣/ ٢٢٥، وخزانة الأدب: ١/ ٧٧، والعيني: ١/ ٣٥٩، وهمع الهوامع: ١/ ١٨٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٦٣. وأمالي الزجاجي ١٣١، وفيه برواية: "أذو زوجة أم ". المفردات الغريبة: حنان: عطف ورحمة وشفقة. نسب: قرابة. المعنى: أي شيء حملك هذه المشاق، وأتى بك إلى هنا؟ فإني أشفق عليك، وأخاف أن يراك قومي فيؤذوك. ثم أوحت إليه بحجة يحتج بها إذا رآه أحد، فقالت: ألك قرابة هنا؟ أم بينك وبين أحد في الحي معرفة وصحبة؟ الإعراب: فقالت: الفاء عاطفة، قالت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث. حنان: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أمري حنان. ما: اسم استفهام، مبتدأ. أتى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. "بك" متعلق بـ "أتى". ههنا: "ها": للتنبيه، "هنا": ظرف مكان متعلق بـ "أتى" وجملة "أتى وفاعله": في محل رفع خبر "ما" أذو: الهمزة حرف استفهام، ذو: خبر مبتدأ محذوف، يدل عليه السياق، والتقدير: أأنت ذو نسب؛ نسب: مضاف إليه أم: عاطفة أنت: مبتدأ. "بالحي" متعلق بـ "عارف" الآتي. عارف: خبر "أنت" مرفوع، والجملة الاسمية "أنت عارف": معطوفة على الجملة الاسمية السابقة. موطن الشاهد: حنان". وجه الاستشهاد: مجيء "حنان" خبرا لمبتدأ محذوف، وحكم حذف المبتدأ هنا الوجوب، وأصل المصدر "حنان" أن يقع منصوبا بفعل محذوف وجوبا؛ لكونه من المصادر التي جيء بها بدلا من اللفظ بأفعالها، ولكنهم ربما قصدوا للدلالة على الثبوت والدوام، فرفعوا هذه المصادر أحيانا، وجعلوها أخبارا عن مبتدآت محذوفة وجوبا، وإنما جعلوا المبتدآت محذوفة وجوبا؛ حملا لحالة الرفع على حالة النصب أي: كما أنها في حالة النصب منصوبة بعامل محذوف وجوبا، كذلك تكون في حالة الرفع مرفوعة بعامل محذوف وجوبا. انظر شرح التصريح: ١/ ١٧٧. فائدة: وجوب حذف المبتدأ في المثال السابق مشروط بقصد قيام المصدر مقام فعله، بقصد الدلالة على الثبوت والدوام، وإن لم يقصد ذلك، نحو: صبر جميل، وعيد سعيد، ونحوهما، جاز أن يكون المحذوف هو المبتدأ، أي: صبري صبر جميل، أو الخبر، أي: صبر جميل خير من غيره. انظر ضياء السالك: ١/ ١٩٩.
[ ١ / ٢١٥ ]
أو بمخصوص بمعنى نعم أو بئس مؤخر عنها، نحو: "نعم الرجل زيد" و"بئس الرجل عمرو" إذا قدِّرا خبرين، فإن كان مقدما نحو: "زيد نعم الرجل" فمبتدأ لا غير، ومن ذلك قولهم١ "من أنت زيد؟ " أي: مذكورك زيد، وهذا أولى من تقدير سيبويه: كلامك زيد.
وقولهم: "في ذمتي لأفعلن" أي: في ذمتي ميثاق أو عهد٢.
_________________
(١) ١ هذا أسلوب مسموع عن العرب، يقال، حين يتحدث شخص حقير بالسوء عن شخص عظيم، وقد ورد بغير مبتدأ، فوجب أن يحافظ عليه كما هو بغير زيادة؛ لأنه بمنزلة المثل، ويقدر له مبتدأ مناسب، نحو: مذمومك، أو مذكورك زيد، والأوَّل أفضل. ٢ هناك مواطن أخرى يحذف فيها المبتدأ وجوبا، منها: أ- بعد "لا سيما" إذا رفع الاسم الواقع بعده، نحو: "لا سيما زيد"، فالتقدير: لا سي الذي هو زيد، ففيه حذف المبتدأ وجوبا؛ لأنه لم يجر الاستعمال بذكره، وفيه حذف صدر صلة الموصول التي لم تطل مع كون الموصول غير "أي". انظر شرح التصريح: ١/ ١٧٧. فائدة: الاسم الواقع بعد "لا سيما" إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة. فإن كان الاسم بعدها نكرة، جاز فيه ثلاثة أوجه، الجر، والرفع، والنصب. فالجر يأتي على أحد وجهين، أولهما: أن "لا" نافية للجنس، و"سي" اسمها منصوب و"ما" زائدة، ويوم: مضاف إليه، وخبر "لا" محذوف، والتقدير: ولا مثل يوم بدارة جلجل موجود. ثانيها: أن تكون "سي" مضافا، و"ما" نكرة غيرة موصوفة مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر بالإضافة، ويوم: بدل من "ما". والرفع: على أحد وجهين، أحدهما: أن تكون "لا" نافية للجنس، و"سي": اسمها، و"ما" نكرة موصوفة، في محل جر بإضافة "سي" إليها، ويوم: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو يوم، والجملة من "المبتدأ والخبر": لا محل لها؛ لأنها صلة الموصول، وخبر "لا" محذوف، وهذا الوجه، هو المراد بالتمثيل على حذف المبتدأ بعد "لا سيما".
[ ١ / ٢١٦ ]
[حذف الخبر جوازا]:
وأما حذف الخبر جوازًا فنحو: "خرجت؛ فإذا الأسد" أي: حاضر، ونحو: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ ١، أي: كذلك، ويقال: من عندك؟ فتقول: زيد، أي: عندي.
[حذف الخبر وجوبا في مسائل أربع]:
وأما حذفه وجوبا ففي مسائل:
إحداها: أن يكون كونا مطلقا٢ والمبتدأ بعد لولا"٣، نحو: "لولا زيد لأكرمتك" أي: لولا زيد موجود، فلو كان كونا مقيدا، وجب ذكره إن فقد دليله، كقولك "لولا زيد سالَمَنَا ما سلِمَ" وفي الحديث: "لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" ٤، وجاز الوجهان إن وجد الدليل، نحو: "لولا أنصار
_________________
(١) = وأما النصب، فعلى أحد وجهين، أحدهما: أن "ما" نكرة غير موصوفة، في محل جر بإضافة "سي" إليها، و"يوما": مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ولا مثل لشيء أعني يوما بدارة جلجل. وثانيهما: أن تكون ما نكرة غير موصوفة أيضا، في محل جر بالإضافة. و"يوما" تمييز منصوب. وأما إذا كان الاسم الواقع بعد لا سيما معرفة، فيجوز فيه الجر والرفع بإجماع، واختلفوا في جواز النصب، فمن عده بإضمار فعل، أجازه، كما أجازه في النكرة، ومن جعل النصب على التمييز، قال: إن التمييز لا يكون إلا نكرة منع النصب في المعرفة، ومن جوز أن يكون التمييز معرفة -على مذهب جماعة من الكوفيين- جوز نصب المعرفة بعد "لا سيما". راجع النحو الوافي: ١/ ٥١٣-٥١٨. ١ "١٣" سورة الرعد، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿وَظِلُّهُا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ظلها" مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: أكلها دائم: وظلها كذلك؛ أي دائم، وحكم حذف الخبر في هذه الحالة الجواز، لدلالة ما قبله عليه. ١ أي: عاما يدل على مجرد الوجود، من غير زيادة ما. ٢ المقصود بـ "لولا" الامتناعية، التي هي حرف امتناع لوجود، ومثلها: "لوما" التي تفيد الامتناع أيضا، وأما "لولا" التخضيضية، فلا يليها المبتدأ. ٣ هذا حديث شريف يخاطب به النبي -ﷺ- السيدة عائشة﵂- والحديث، رواه البخاري في كتاب العلم: "لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة"، وله في كتاب الحج، وكتاب التمنى روايات أخرى. البخاري: ٦/ ٤٠٧، و٨/ ١٧٠، ومسلم: ٢/ ٢٦٩، والترمذي: ٣/ ٦١٤،والنسائي: ٥/ ٢١٤. موطن الشاهد: "قومك حديثو". وجه الاستشهاد: مجيء: "قومك" مبتدأ بعد "لولا" ومجيء الخبر كونا مقيدا بالحداثة، وحكم ذكر الخبر في هذه الحالة الوجوب.
[ ١ / ٢١٧ ]
زيدة حموه ما سلم"، ومنه قول أبي العلاء المعري١: [الوافر]
٧٧- فلولا الغمد يمسكه لسالا٢
_________________
(١) ١ هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، ولد سنة ٣٦٣هـ، نادرة الزمان، وأوحد الدهر حفظا وذكاء وصفاء نفس، وهو شاعر من شعراء العصر الثاني، من عصور الدولة العباسية، ولغوي، له تصانيف منها: رسالة الملائكة، ورسالة الغفران، وسقط الزند، ولزوم ما لا يلزم، وغيرها مات وله ٨٦ سنة، وذلك سنة ٤٤٩هـ. سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٣، إنباه الرواة: ١/ ٤٦، الوافي بالوفيات: ٧/ ٤٩، البداية والنهاية: ١٢/ ٧٢. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: يذيب الرعب منه كل عضب وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٩، والمقرب لابن عصفور: ١٣، وشروح سقط الزند: ١٠٤ ومغني اللبيب "٤٩٣/ ٣٦٠"، "٩٤٢/ ٧٠٢"، والأشموني: "١٥٨/ ١/ ١٠٢" وابن عقيل: "٥٧/ ١/ ٢٥١" وشذور الذهب: "١٢/ ٥٩". المفردات الغريبة: يذيب: من الإذابة، وهي إسالة الحديد، ونحوه من الجامدات. الرعب: الفزع والخوف، عضب: هو السيف القاطع. الغمد: قراب السيف وجفنه. المعنى: يقول المعري: إن كل سيف قاطع يذوب في غمده فزعا وخوفا من هذا السيف، ولولا أن الغمد يمسكه ويمنعه من السيلان، لسال وجرى على الأرض من شدة الخوف. الإعراب: يذيب: فعل مضارع. الرعب: فاعل مرفوع. كل: معفول به. عضب: مضاف إليه. لولا: حرف امتناع لوجود. الغمد: مبتدأ مرفوع. يمسكه "فعل مضارع، والفعل: هو، والهاء: مفعول به و"الجملة": في محل رفع خبر المبتدأ لسالا: اللام واقعة في جواب "لولا". سال: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل: هو: موطن التمثيل: "لولا الغمد يمسكه" وجه التمثيل: ذكر الخبر "يمسكه" بعد "لولا" لأنه كون خاص مقيد بالإمساك، وقد دل عليه دليل؛ لأن من شأن غمد السيف إمساكه، والمؤلف يرى: أن خبر المبتدأ =
[ ١ / ٢١٨ ]
وقال الجمهور: لا يذكر الخبر بعد "لولا"، وأوجبوا جعل الكون الخاص مبتدأ، فيقال: لولا مسالمة زيد إيانا، أي: موجودة، ولحنوا المعري، وقالوا: الحديث مروي بالمعنى١.
الثانية: أن يكون المبتدأ صريحا في القسم٢، نحو: "لعمرك لأفعلن" و"ايمن
_________________
(١) = الواقع بعد "لولا" يجوز ذكره، كما يجوز حذفه، إذا كان كونا خاصا، وقد دل عليه دليل. ويرى الجمهور: أن الحذف واجب، وأن خبر المبتدأ الواقع بعد "لولا" لا يكون إلا كونا عاما، وحينئذ، لا يقال: إما أن يدل عليه دليل أو لا، وهم يعدون بيت المعري لحنا، لذكره الخبر بعد لولا فيه. وخلاصة القول: يذهب الجمهور إلى أن الخبر بعد لولا لا يكون كونا خاصا، بل يجب كونه كونا عاما، ويجب مع ذلك حذفه، فإن جاء الخبر كونا خاصا في كلام ما؛ فهو لحن أو مؤول. ويرى غيرهم: يجوز أن يكون الخبر بعد لولا كونا خاصا، ولكن الأكثر أن يكون كونا عاما، فإن كان عاما وجب حذفه، كما يقول الجمهور، وإن كان كونا خاصا، فإن لم يدل عليه دليل، وجب ذكره، وإن دل عليه دليل، جاز ذكره وحذفه. ومن أمثلة مجيء الخبر كونا خاصا مذكورا بعد "لولا" قول الشاعر: لولا زهير جفاني كنت منتصرا ولم أكن جانحا للسلم إن جنحوا وقول الآخر: لولا ابن أوس نأى ما ضِيم صاحبه يوما، ولا نابه وهنٌ ولا حَذَرُ وانظر شرح التصريح: ١/ ١٧٩. ١ ذكر ابن أبي الربيع في رواية الحديث على الوجه الذي يذكره النحاة في هذه المسألة: "لم أر هذه الرواية بهذا اللفظ من طريق صحيح، والروايات المشهورة في ذلك: "لولا حدثان قومك"، و: "لولا حداثة قومك"، "لولا أن قومك حديثة عهد بجاهلية". ا. هـ. وكل هذه الروايات يجري على مذهب الجمهور، فقد جعل الكون الخاص مبتدأ وحذف خبره، وهو كون عام، أي لولا حدثان بكفر موجود. التصريح: ١/ ١٧٩. ٢ بمعنى أنه لا يستعمل إلا في القسم ويفهم منه القسم قبل ذكر المقسم عليه، وبالمقابل ما يكثر استعماله في غير القسم حتى لا يفهم منه القسم إلا بعد ذكر المقسم عليه، نحو: "عهد الله" قد كثر استعماله في غير القسم كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم﴾ ثم إنه يفهم منه القسم إذا قلت: "وعهد الله لأفعلن كذا"؛ لأنك في هذا المثال قد ذكرت المقسم عليه. التصريح: ١/ ١٧٩، ١٨٠.
[ ١ / ٢١٩ ]
الله لأفعلن" أي: لعمرك قسمي، وايمن الله يميني، فإن قلت: "عهد الله لأفعلن" جاز إثبات الخبر؛ لعدم الصراحة في القسم، وزعم ابن عصفور أنه يجوز في نحو: "لعمرك لأفعلن" أن يقدر لقسمي عمرك، فيكون من حذف المبتدأ١.
الثالثة: أن يكون المبتدأ معطوفا عليه اسم بواو هي نص في المعية، نحو: "كل رجل وضيعته" و"كل صانع وما صنع" ولو قلت: "زيد وعمرو" وأردت الإخبار باقترانهما جاز حذفه وذكره، قال٢: [الطويل]
٧٨- وكل امرئ والموت يلتقيانِ٣
_________________
(١) ١ قول ابن عصفور ضعيف؛ لأن صراحة القسم تحتم أن يكون المحذوف الخبر، وهو "قسمي" ويرجح ذلك، وجود لام الابتداء في أول الاسم، فوجودها يدل على أن مدخولها هو المبتدأ لا الخبر. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٠، وابن عقيل: ١/ ١٩٨. ٢ القائل هو: الفرزدق، همام بن غالب وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى ويروى قبله: لشتان ما أنوى وينوي بنو أبي جميعا، فما هذان مستويانِ والشاهد من شواهد التصريح: ١/ ١٨٠، والأشموني: "٥٩/ ١/ ١٠٣"، والعيني: ١/ ٥٤٣، وليس في ديوان الفرزدق. المفردات الغريبة: يشعب: يفرق، ويسمى الموت: شعوب؛ لأنه يفرق بين الناس. المعنى: تمنى خصومي لي الموت الذي يفرق بين المرء وإخوانه، وما دروا أن هذا أمرا لا مفر منه، وأن كل إنسان مصيره إلى الموت. الإعراب: تمنوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل. "لي": "تمنوا". الموت: مفعول به. الذي: اسم موصول له في محل نصب صفة لـ "الموت". يشعب: فعل مضارع، والفاعل: هو. الفتى: مفعول به و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. وكل: الواو استئنافية. كل: مبتدأ. امرئ: مضاف إليه. والموت: الواو عاطفة، الموت: اسم معطوف على المبتدأ. يلتقيان: فعل مضارع، والألف: فاعل، و"الجملة: في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وزعم الكوفيون والأخفش١ أن نحو: "كل رجل وضيعته"٢ مستغنٍ عن تقدير الخبر؛ لأن معناه مع ضيعته.
الرابعة: أن يكون المبتدأ إمَّا مصدرا عاملا في اسم مفسر لضمير ذي حال لا يصح كونها خبرًا عن المبتدأ المذكور، نحو: "ضربي زيدًا قائمًا"٣ أو مضافا.
_________________
(١) موطن الشاهد: "كل امرئ والموت يلتقيان". وجه الاستشهاد: ذكر الخبر "يلتقيان" بعد الواو؛ لكونها للعطف، وليست نصا في المصاحبة والمعية؛ لأننا لو قلنا: كل امرئ مع الموت، لكان كلامنا غير صحيح، ولو كانت الواو نصا في معنى المصاحبة والاقتران، لكان حذف الخبر واجبا، كما في قولنا: كل ثوب وقيمته، وكل امرئ ونيته. وانظر شرح التصريح: ١/ ١٨٠، وابن عقيل: ١/ ١٩٨. فائدة: الواو التي هي نص في معنى المصاحبة والاقتران، يكون ما بعدها مما لا يفارق ما قبلها، ففي قولك: كل امرئ ونيته،، فالنية لا تفارق صاحبها، فهي ملازمة له. وهذا بخلاف قولك: "كل امرئ والموت يلتقيان"؛ لأن الموت ليس ملازما للمرء، وإنما يلقاه مرة واحدة، والواو التي هي نص في معنى المصاحبة والاقتران، هي التي متى ذكرت فهم المخاطب معنى الاقتران من غير حاجة إلى النص على الاقتران، وذلك يكون ما قبل الواو وما بعدها لا ينفك أحدهما في الوجود عن صاحبه. ١ مرت ترجمته. ٢ المراد بالمعية هنا مشاركة ما بعد الواو لما قبلها، بحيث يجتمعان فيه، ولا يفترقان وعلامة الواو التي تفيد الأمرين معا: العطف والمعية، وتكون نصا في المعية، إن صح حذفها، ووضعت كلمة "مع" مكانها، ولا يتغير المعنى، بل يتضح، وهي غير التي ينصب بعدها الاسم على أنه مفعول معه. الأشموني مع الصبان: ١/ ٢١٧. ٣ فـ "ضربي": مبتدأ أو مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، زيدا: مفعول به للمصدر. قائما: حال من ضمير محذوف، يفسره زيد، والخبر: محذوف وجوبا، ولا يصح أن تكون الحال المذكورة خبرا عن "ضربي" لأن الخبر وصف للمبتدأ في المعنى، والضرب لا يوصف بالقيام. ويرى سيبويه وجمهور البصريين، وابن مالك، وابن هشام، أن الخبر محذوف، وأن الحال سدت مسد الخبر وأغنت عنه، وذهب قوم إلى أن الحال، هي الخبر نفسه، فأعطوا الحال حكم الظرف كاملا لما رأوا من أوجه الشبه بينهما، وفاتهم أن من شرط المسألة ألا يكون الحال صالحا؛ لأن يقع خبرا عن المبتدأ، وذهب آخرون إلى أن هذا الحال، أغنت عن الخبر، فلا تقدير، كما يغني الفاعل، أو نائب الفاعل عن خبر المبتدأ، إذا كان وصفا، وهذا وما قبله مذهبان ضعيفان، والصواب ما ذهب إليه سيبويه والجمهور. انظر شرح التصريح: ١٨٠-١٨١، والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢١٧- وابن عقيل "تحقيق البقاعي": ١/ ١٩٨.
[ ١ / ٢٢١ ]
للمصدر المذكور، نحو: "أكثر شربي السويق ملتويا" أو إلى مؤول بالمصدر المذكور، نحو "أخطب ما يكون الأمير قائما".
وخبر ذلك مقدر بإذ كان، أو إذا كان، عند البصريين، وبمصدر مضاف إلى صاحب الحال عند الأخفش، واختاره الناظم، فيقدر في "ضربي زيدا قائما" ضربه قائما، ولا يجوز ضربي زيدا شديدا؛ لصلاحية الحال للخبرية، فالرفع واجب، وشذ قولهم: "حكمك مسمطا"١، أي: حكمك لك مثبتا"٢.
_________________
(١) ١ هذا مثل من أمثال العرب، قيل لرجل حكموه عليهم، وأجازوا حكمه. وهو من أمثال الميداني "ط. الخيرية": ١/ ١٤٣، و"تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: ١/ ٢١٢، وفي رواية الميداني: حكمك مسمط "بالرفع"، وهذه الرواية لا شذوذ فيها؛ لأنها جارية على القياس. ورواه أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال "١/ ٢٥١" بهامش مجتمع الأمثال للميداني. وفي هذه الرواية: جاء "حكمك" بالنصب بفعل محذوف، ونصب "مسمطا" على الحال، ولا شاهد فيها. موطن الشاهد: "حكمك مسمطا". وجه الاستشهاد: مجيء "حكمك" مبتدأ ومضافا إليه، والخبر محذوفا وجوبا، أي: لك مسمطا، أي نافذا، لا يرد، وكان القياس رفعه لصلاحيته للخبرية، ولكن نصب على الحالية والخبر محذوف كما أسلفنا وحكم نصبه على الحال الشذوذ. فائدة: لعل رواية المثل برفع "حكمك ونصب مسمطا"، وهي الرواية الثالثة للمثل، وهي من تركيب النحاة. ٢ أي: نافذا، وشذوذه من وجهين: أحدهما: النصب مع صلاحية الحال للخبرية، والثاني: أن الحال ليست من ضمير المصدر، وإنما صاحب الحال ضمير المصدر المستتر في الخبر، ولا يصح أن يكون الحال من الكاف المضاف إليها في حكمك؛ لأن الذوات لا توصف بالنفوذ، وأشذ منه قراءة عليّ كرم الله وجهه: "ونَحْنُ عُصْبَةً" بالنصب مع انتفاء المصدرية بالكلية، فعصبة: حال من ضمير الخبر، والتقدير: ونحن نجتمع عصبة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
[تعدد الخبر للمبتدأ الواحد]:
والأصح١ جواز تعدد الخبر، نحو: "زيد شاعر كاتب، والمانع يدَّعي تقدير "هو" للثني، أو أنه جامع للصفتين، لا الإخبار بكل منهما.
وليس من تعدد الخبر ما ذكره ابن الناظم من قوله٢: [المتقارب]
_________________
(١) التصريح: ١/ ١٨١- ١٨٢. وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٠. ١ وذلك؛ لأن الخبر حكم على المبتدأ، وقد يحكم على الشيء الواحد بأكثر من حكم، وأما حكم التعدد، فهو: أ- إذا كان المبتدأ واحدا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى، بأن كان كل واحد مخالفا للآخر، في لفظه ومعناه، ويصح الاقتصار، عليه في الخبرية، جاز عطف الثاني، وما بعده على الأول بواو العطف أو بغيرها، نحو: المعري شاعر وحكيم ولغوي، ويسمى كل واحد معطوفا، وإن كان خبرا في المعنى، كما يجوز حذف الواو، ويسمى كل واحد خبرا. ب- إذا تعدد الخبر في اللفظ فقط، بأن كانت الألفاظ المتعددة مشتركة في تأدية المعنى الواحد المقصود والمراد، ولا يصح الإخبار بالبعض عن المبتدأ، نحو: هذا الرجل طويل قصير، تريد أنه متوسط، فلا يجوز العطف في هذه الحالة؛ لأن الخبرين في معنى خبر واحد من جهة المعنى، والعطف يقتضي المغايرة في الغالب؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، ويعرب كل منهما خبرا، ولا يصح أن يفصل بينهما بأجنبي، ولا أن يتأخر المبتدأ، أو يتوسط. وإذا كان المبتدأ متعددا حقيقة، بأنه كان مثنى أو مجموعا، وتعدد الخبر لفظا ومعنى، نحو: المحمدان: مهندس وطبيب، وجب عطف الخبر الثاني، وما بعده على الأول بوساطة حرف العطف، ويسمى كل واحد معطوفا، وإن كان خبرا في المعنى، وكما يكون التعدد في الخبر المفرد، يكون في الجملة، وزعم بعض النحويين أن الخبر لا يتعدد إلا إذا كان من جنس واحد، إفرادا، أو جملة. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٢-١٨٣ والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢٢١-٢٢٢. ٢ وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن ضبيعة بن ثعلبة، ويقال: إن اسمه عمرو وسمِّي طرفة ببيت قاله، وهو أحدث الشعراء سنا، وأقلهم عمرا، وأجودهم طويلة؛ كان في حسبٍ من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم، وكان ينادم عمرو بن هند، فقال فيه شعرا وتغزل بأخته، فبعث معه كتابا إلى عامله في البحرين، فقتله، وهو ابن عشرين عاما، وهو صاحب معلقة مشهورة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
٧٩- يداك يد خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظة١
_________________
(١) الشعر والشعراء: ١/ ١٨٥، والخزانة: ١/ ٤١٢، ومعاهد التنصيص: ١٦٤. ١ تخريج الشاهد: الشاهد كما ذكر العيني في شرح الشواهد "أنشده الخليل وما قيل: إنه لطرفة لم يثبت" وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٢، والأشموني: "١٦٦/ ١/ ١٠٦"، والعيني: ١/ ٥٧٢، وليس في ديوان طرفة. المفردات الغريبة: يداك: مثنى يد. المعنى: يمدح الشاعر رجلا بالكرم والجود، ذاكرا أن إحدى يديه يرتجى منها الخير والبر، ويصفه بالشجاعة، فيذكر أن يده الأخرى غيظ للأعداء؛ لأنها قوية عليهم. الإعراب: يداك: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، والكاف: مضاف إليه. يد: خبر المبتدأ مرفوع. خيرها "خير" مبتدأ، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه. يُرتجى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو، و"الجملة": في محل رفع خبر المبتدأ "خيرها"، و"الجملة الاسمية": "خيرها يرتجى" في محل رفع صفة لـ "يد". وأخرى: الواو عاطفة، أخرى: معطوف على "يد" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة. "لأعدائها" متعلق بـ "غائظة" الآتي، و"ها": مضاف إليه. غائظة: صفة لـ "أخرى". موطن الشاهد: "يداك يد خيرها يُرتجى". وجه الاستشهاد: أنشد ابن الناظم البيت للدلالة على تعدد الخبر لمبتدأ واحد؛ لأنه يعتقد أن "يداك" الواقع مبتدأ، هو واحد في اللفظ، وإن كان في المعنى متعددا، وعلى أن المعطوف والمعطوف عليه اثنان وأراد المؤلف أن يبين خطأه في ذلك، ووجه تخطئته: أن اختلاف العلماء في جواز تعدد الخبر إنما وقع فيما كان المبتدأ فيه واحدا في اللفظ والمعنى معا، وكان الخبر متعددا في اللفظ والمعنى أيضا، بحيث يصلح كل واحد من الخبرين؛ لأن يكون خبرا عن ذلك المبتدأ، ويصح حمله وحده عليه، ويفيد معه فائدة يحسن السكوت عليها، فأما إذا كان الخبر متعددا في اللفظ فقط، كما في قولهم: "الرمان حلو حامض"، أو عطف ثانيهما على أولهما، نحو: "إبراهيم كاتب وشاعر" فإنه لا يكون من موضع الخلاف بين العلماء، وأخيرا: بقي أن نعلم أن التعدد في الشاهد، من باب التعدد المطلق. ومثل هذا الشاهد: قول الأحوص: ثنتان لا أصبو لوصلهما عرس الخليل وجارة الجنب وقول الآخر: كفاك كف ما تليق درهما جودا، وأخرى تعطِ بالسيف الدما انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٢- ١٨٣، وأوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٢٩-٢٣٠.
[ ١ / ٢٢٤ ]
لأن "يداك" في قوة مبتدأين لكل منهما خبر، ومن نحو قولهم: "الرمان حلو حامض"؛ لأنهما بمعنى خبر واحد، أي: مُزٌّ، ولهذا يمتنع العطف على الأصح، وأن يتوسط المبتدأ بينهما١، ومن نحو: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ ٢؛ لأن الثاني تابع له٣.
_________________
(١) ١ وأن يتقدما على المبتدأ على الأصح فيهما عند الأكثرين فلا يقال: حلو الرمان حامض ولا حلو حامض الرمان، وليس الثاني بدلا؛ لأنه ليس المراد أحدهما، بل كلاهما، ولا صفة؛ لامتناع وصف الشيء بمناقضه، ونقل عن الأخفش جواز كونه وصفا للأول، على معنى حلو فيه حموضة، والصفة توصف إذا نزلت منزلة الجامد، نحو: مررت بالضارب العاقل، ورد بأن الصفة كالفعل، وهو لا يوصف، ولو صح هذا أي الرد لم يصح التصغير، وهو جائز بلا خلاف، ولا خبر مبتدأ محذوف؛ لأن المراد أنه جمع الطعمين، وهل في كل منهما ضمير، أو لا ضمير فيهما، أو في الثاني فقط أقوال: اختار أبو حيان أولها، وصاحب البديع ثانيها، والفارسي ثالثها، وتظهر ثمرة الخلاف في تحملهما، أو تحمل أحدهما، في نحو: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإن قلنا لا يتحمل الأول ضمير تعين رفع رمانه بالثاني، وإن قلنا إنه يتحمل، فيجوز أن يكون من باب التنازع في السَّبَبِيّ المرفوع على القول به. التصريح: ١/ ١٨٣. ٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ . وجه الاستشهاد: توهم ابن الناظم في الآية دليلا على تعدد الخبر "لأن الثاني تابع بالعطف بالواو على ما قبله، والأصل: والذين كذبوا بآياتنا بعضهم صم، وبعضهم بكم، فحذف المبتدآن وبقي خبراهما، فعطف أحدهما على الآخر. ٣ بينا أن كونه تابعا، لا ينافي أنه خبر في المعنى؛ لأن المعطوف على الخبر خبر. هذا؛ وقد أجاز بعض النحاة تعدد المبتدأ قياسا على تعدد الخبر، فيقال: محمد، عليّ، زينب غاضبة عليه بسببه "بتعدد المبتدآت بدون ضمائر، وجعل الروابط بعد خبر الأول"، فترتب الضمائر ترتيبا عكسيا، ويكون الضمير في "عليه" راجع إلى الثاني، وهو "على"، وفي "بسببه" راجع إلى الأول، وهو "محمد". ويقال: محمد عمه خاله خادمه مسافر "بتعدد المبتدآت وخلو الأول من الضمير وإضافة ما بعده، كلٌّ إلى ضمير ما قبله،، والمعنى: خادم خال عم محمد مسافر وفي هذا تعسف واضح. ومن الخير والصواب عدم استعمال مثل هذه التراكيب. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ١/ ٢٢٣-٢٢٤.
[ ١ / ٢٢٥ ]
باب نواسخ الابتداء: كان وأخواتها:
هذا باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر١:
فترفع المبتدأ تشبيها بالفاعل، ويسمى اسْمَها، وتنصب خبره تشبيها بالمفعول، ويسمى خبرها٢، وهي ثلاثة أقسام:
_________________
(١) ١ يشترط في الاسم الذي يراد إدخال "كان" عليه خمسة شروط، وهي: الأول: ألا يكون مما يلزم الصدارة، كأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وكم الخبرية، والمبتدأ المقرون بلام الابتداء، ما عدا ضمير الشأن، فيجوز دخولها عليها، وإن كان مما يلزم الصدارة، كقول الشاعر: إذا مت كان الناس صنفان: شامت وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع فذهب بعضهم إلى أن اسم كان ضمير شأن محذوف، والناس: مبتدأ، وصنفان: خبر المبتدأ، والجملة من "المبتدأ وخبره": في محل نصب خبر كان، وذهب الكسائي في هذا البيت، إلى أن "كان" ملغاة لا عمل لها وتبعه على هذا التخريج ابن الطراوة. الثاني: ألا يكون ذلك الاسم في حال ابتدائيته واجب الحذف، كالضمير المخبر عنه بنعت مقطوع عن منعوته لمجرد المدح. الثالث: ألا يكون ملازما لعدم التصرف، أي أن يكون ملازما للوقوع في موقع واحد من مواقع الإعراب، نحو: "طوبى"، فهذا ملازم لأن يقع مبتدأ، في نحو: "طوبى للمؤمنين" ونحو: "سبحان الله" فهذا ملازم للوقوع مصدرا. الرابع: ألا يكون مما يلزم الابتداء بنفسه. في الأساليب التي التزمت صفة واحدة، لا يجوز تغييرها، حتى صارت كالأمثال، نحو: أقل رجل يفعل ذلك إلا زيدا، وهذا الشرط مكمل لما قبله، وإن ذكره العلماء مستقلا. الخامس: ألا يكون مما يلزم الابتداء بوساطة، وذلك، كالاسم الواقع بعد لولا، وإذا الفجائية، فهما لا يدخلان إلا على المبتدأ كما هو معلوم. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٣- ١٨٤. ٢ يشترط في خبرها أن يكون متأخرا عنها، وألا يقع طلبا، ولا إنشاء، حتى عند الذين يجوزون وقوع الجملة الطلبية خبر عن المبتدأ، من غير تقدير، فلا يصحُّ: كان الفقير عاونه، ولا: كان خالد يحفظه الله، ولا جملة ماضية، ما عدا "كان"، فهي تمتاز عن أخواتها، بجوز صحة الإخبار عنها بالجملة الماضوية. فائدة: ما ذكره المؤلف، من أن هذه الأفعال الناقصة، ترفع وتنصب، هو مذهب جمهور البصريين، وأما الكوفيون، فذهبوا إلى أنها، لم تعمل في الاسم، وإنما هو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها عليه، واتفق الجميع على كونها ناصبة للخبر، لا أنهم اختلفوا في نصبه، فقال الكوفيون: نصبته على الحال؛ تشبيهًا بالفعل القاصر، نحو: "ذهب زيد مسرعا"، وقال الفرَّاء: نصبته على أنه شبيه بالحال، وقال البصريون: إنا رأينا هذا الخبر يجيء ضميرا، ويجيء معرفة، ويجيء جامدا، ورأيناه لا يُستغنى عنه، فلا يمكن أن يعد حالا، ولا مشبها بالحال؛ لأن الأصل في الحال أن يكون نكرة، وأن يكون مستغنى عنه، والصواب ما ذهب إليه البصريون. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٤، وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٦.
[ ١ / ٢٢٦ ]
[أقسام كان وأخواتها من حيث العمل]:
أحدها: ما يعمل هذا العمل مطلقا، وهو ثمانية: كان، وهي أم الباب، أمسى، وأصبح، وأضحى، وظل، وبات، وصار، وليس١، نحو: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ
_________________
(١) ١ ذهب الجمهور إلى أن "ليس" فعل، وذهب بعض النحاة إلى أنها حرف، وأول من ذهب إلى أن "ليس" حرف، هو ابن السراج وتابعه على ذلك أبو علي الفارسي -في أحد قوليه- في الحلبيات، وأبو بكر بن شقير -في أحد قوليه- وجماعة، واستدلوا على ذلك بدليلين: الدليل الأول: أنَّ "ليس" أشبه الحرف من وجهين: الوجه الأول: أنه يدل على معنى يدل عليه الحرف؛ وذلك لأنه يدل على النفي الذي تدل عليه "ما" وغيرها من حروف النفي. الوجه الثاني: أنه جامد لا يتصرف، كما أن الحرف جامد لا يتصرف. الدليل الثاني: أنه خالف سنن الأفعال العامة، وبيان ذلك أن الأفعال بوجه عام مشتقة من المصدر؛ للدلالة على الحدث دائما والزمان بحسب الصيغ المختلفة، وهذه الكلمة لا تدل على الحدث أصلا، وما فيها من الدلالة على الزمان مخالف لما في عامة الأفعال؛ فإن عامة الأفعال الماضية، تدل على الزمان الذي انقضى، وهذه الكلمة تدل على نفي الحدث الذي دل عليه خبرها في الزمان الحاضر إلى أن تقوم قرينة تصرفه إلى الماضي، أو المستقبل، فإذا قلت: "ليس الله مثله" فليس أداة نفي، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة "الفعل الماضي وفاعله" في محل نصب خبرها. =
[ ١ / ٢٢٧ ]
قَدِيرًا﴾ ١.
الثاني: ما يعمله بشرط أن يتقدمه نفي أو نهي أو دعاء، وهو أربعة٢: زال ماضي يزال، وبرح، وفتئ، وانفكَّ، مثالها بعد النفي: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ٣، ﴿لَنْ
_________________
(١) = وفي هذا المثال قرينة وهي كون الخبر ماضيا على أن المراد نفي الخلق في الماضي، وقوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم﴾، يشتمل على قرينة تدل على أن المراد نفي صرفه عنهم فيما يستقبل من الزمان، ومن أجل ذلك كله، قالوا: هي حرف. ويرد ذلك عليهم قبولُها علامات الفعل، ألا ترى أن تاء التأنيث الساكنة تدخل عليها، فتقول: ليست هذه مفلحة، وأن تاء الفاعل تدخل عليها، فتقول: لستُ، ولستَ ولستما، ولستم ولستنَّ. وأما عدم دلالتها على الحدث، كسائر الأفعال، فإنه منازع فيه؛ لأن المحقق الرضي ذهب إلى أن "ليس" دالة على حدث وهو الانتفاء، ولئن سلمنا أنها لا تدل على حدث كما هو الراجح بل الصحيح عند الجمهور، فإنا نقول: إن عدم دلالتها على حدث، ليس هو بأصل الوضع، ولكنه طارئ عليها، وعارض لها بسبب دلالتها على النفي، والمعتبر إنما هو الدلالة بحسب الوضع، وأصل اللغة، وهي من هذه الجهة دالة عليه فلا يضرها أن يطرأ عليها ذلك الطارئ فيمنعها. المغنى: ٣٨٧، وابن عقيل: ١/ ٢٦٢، وابن عقيل "ط. دار الفكر": ١/ ٢٠٥. ١ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٥٤. موطن الشاهد: ﴿كَانَ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول "كان" على الجملة الاسمية، ورفعها الاسم، ونصبها للخبر، من دون أي شرط يذكر، ومعلوم أن "كان" أم الباب. ٢ إنما اشترط في هذه الأربعة ذلك؛ لأن معناها النفي واستمرار ملازمة الخبر للمخبر عنه على حسب ما يقتضيه المقام، فإذا دخل عليها النفي، انتقلبت إثباتا. والنهي والدعاء يتضمنان في المعنى نفيا. ويشترط ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية، فلا يقال: ما زال المسافر غاب. الخ وألا يقع بعد إلا، فلا يصح: ما فتئ السائح إلا بعيدا. التصريح: ١/ ١٨٤. ٣ "١١" سورة هود، الآية: ١١٨. موطن الشاهد: ﴿لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يزال" فعلا مضارعا ناقصا، والواو: في محل رافع اسمه، و"مختلفين": خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء، وقد أعمل "يزال"؛ لتقدم النفي بـ "لا" عليه.
[ ١ / ٢٢٨ ]
نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِين﴾ ١ ومنه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ ٢ وقوله: [الطويل] ٣
٨٠- فقلت يمين الله أبرح قاعدا٤
_________________
(١) ١ "٢٠" سورة طه، الآية: ٩١. موطن الشاهد: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "نبرح" فعلا مضارعا ناقصا، واسمه "نحن" و"عاكفين": خبره، وإنما أعمل عمل كان؛ لتقدم النفي بـ "لن" عليه. ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٨٥. موطن الشاهد: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "تفتأ" مضارعا ناقصا، لتقدم النفي المصدر عليه؛ لأن تقدير الكلام: تالله لا تفتأ تذكر يوسف، واسم تفتأ "أنت"، وجملة "تذكر": في محل نصب خبر "تفتأ" والتقدير: ذاكرا. ٣ هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٥، والأشموني: "١٧٠/ ١/ ١١٠"، وكتاب سيبويه: ٢/ ١٤٧ والمقتضب: ٢/ ٣٢٦، والجمل للزجاجي: ٨٥، والخصائص: ٢/ ٢٨٤، والعيني: ٢/ ١٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٦٩، وشرح المفصل: ٧/ ١١٠، وشرح السيوطي: ١١٨ وديوان امرئ القيس: ٣٢. المفردات الغريبة: الأوصال: المفاصل جمع وصل، وهو العضو يفصل من الآخر. المعنى: أقسم بالله لأبقين معك هنا، ولا أفارق رحابك خوفا من أحد، ولو قطعوا رأسي ومزقوني إربا إربا. الإعراب: قلت: فعل ماضٍ وفاعل. يمين: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف وخبره محذوف، والتقدير: يمين الله قسمي. الله: "لفظ الجلالة": مضاف إليه. أبرح: فعل مضارع ناقص، واسمه: أنا. قاعدا: خبره منصوب. لو شرطية غير جازمة. قطعوا: فعل ماضٍ وفاعل، وهو فعل الشرط غير الجازم، وجواب "لولا" محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه. موطن الشاهد: "أبرح قاعدا". وجه الاستشهاد: إعمال "أبرح" عمل كان؛ لأنه تقدم عليه النفي تقديرا، وإن لم يظهر لفظا؛ لأن المعنى: لا أبرح قاعدا.
[ ١ / ٢٢٩ ]
إذ الأصل لا تفتأ ولا أبرح، ومثالها بعد النهي، قوله١: [الخفيف]
٨١- صاح شمر ولا نزل ذاكر الموت٢.
_________________
(١) = ونظير البيت الشاهد، قول النابغة: فقالت: يمين الله أفعل إنني رأيتك مسحورا يمينك فاجره والمراد: يمين الله قسمي لا أفعل فائدة أولى: يكثر حذف "لا" النافية من دون أخواتها، بعد القسم، إن كان الفعل المنفي مضارعا، كما في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُف﴾، وكما في بيت امرئ القيس السابق. وإن لم يتقدم القسم، كان الحذف شاذا، وذلك في نحو قول خداش بن زهير: وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقا مجيدا. فالمراد: "لا أبرح ما أدام الله قومي"، فحذف "النفي" من دون أن يتقدم عليه القسم. فائدة ثانية: قد يقع النفي قبل الأفعال المذكورة بغير "لا" كأن يكون اسما دالا على النفي، نحو قول الشاعر: غير منفكٍّ أسير هوى كل وَانٍ ليس يعتبر أو يكون بالفعل الدال على النفي، نحو قول الآخر: ليس ينفك ذا غنى واعتزاز كل ذي عفَّةٍ مقلٌّ قنوعُ أو يكون بالفعل المستعمل في النفي، وإن لم يكن موضوعا له، كما في قول الشاعر: قلما يبرح اللبيب إلى ما يورث الحمد داعيا أو مجيبا. فإن "قلما" في هذا الموضع وشبهه دالة على النفي؛ لا التقليل. وانظر شرح التصريح: ١/ ١٨٥، وابن عقيل "دار الفكر": ١/ ٢٠٥. وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٧-٢٢٨. ١ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: صاح شَمِّرْ، ولا تزال ذاكر المو ت؛ فنسيانه ضلال مبين وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٥، وابن عقيل: "٦١/ ١/ ٢٦٥"، والأشموني: "١٧٢/ ١/ ١١٠" والعيني: ٢/ ١٤، وهمع: ١/ ١١٠، والدرر اللوامع: ١/ ٨١، وقطر الندى: "٤٠/ ١٦٨". المعنى: اجتهدْ يا صاحبي، واعمل بكل ما أوتيت من قوة، وتذكر أن الموت لا بد منه، فاستعد لما بعده، وكن دائم التذكر له؛ فإن نسيانه يوقعك في الإثم والضلال. الإعراب: صاح: منادى بحرف نداء محذوف، مرخم ترخيما غير قياسي، من "صاحب" شمر: فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا "أنت". لا: ناهية. تزل: فعل مضارع ناقص، مجزوم بـ "لا" واسمه ضمير مستتر وجوبا "أنت". ذاكر: خبر "تزل" منصوب، وهو مضاف. الموت: مضاف إليه فنسيانه: الفاء: تعليلية، نسيان: مبتدأ مرفوع، و"الهاء" مضاف إليه. ضلال: خبر المبتدأ مرفوع. مبين: صفة لـ "ضلال". موطن الشاهد: "لا تزل ذاكرَ". وجه الاستشهاد: إعمال "تزل" عمل "كان"؛ لأنها سبقت بحرف النهي "لا" وهو شبيه بالنفي، فالناهي عن فعل شيء من الأشياء، إنما يقصد عدم حصول الفعل، ومعلوم أن عدم حصوله، هو معنى النفي.
[ ١ / ٢٣٠ ]
ومثالها بعد الدعاء، قوله١: [الطويل]
٨٢- ولا زال منهلا بجرعائك القطر٢
_________________
(١) ١ هو ذو الرمة: غيلان بن عقبة بن بهيش، من بني صعب، يكنى أبا الحارث، ويعرف بذي الرمة، لقوله: أشعث باقٍ رُمَّة التقليدِ وهو أحد شعراء الطبقة الثانية، قال عنه ابن سلام: "أحسن أهل الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، وأحسن أهل الإسلام ذو الرمة". مات سنة ١١٧هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٥٤٢، الجمحي: ٢/ ٥٤٩، الخزانة: ١/ ٥٠، الأغاني: ١٦/ ١٠٦. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يقوله في صاحبته مية، وصدره قوله: ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٥، وابن عقيل: "٦٢/ ١/ ٢٦٦"، والأشموني: "١١/ ١/ ١٤" وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٥١، والعيني: ٢/ ٦، وهمع الهوامع: ١/ ١١١، ٢/ ٤، ٢/ ٧٠، والدرر اللوامع: ١/ ٨١، ٢/ ٢٣، ٢/ ٨٦، ومغني اللبيب: "٤٤٠/ ٣٢٠"، وشرح السيوطي: ٢١٠ وقطر الندى: "٤١/ ١٦٩". المفردات الغريبة: اسلمى: دعاء بالسلامة من الآفات والعيوب. البلى، من بلي الثوب يبلى، أي: خلق ورَثَّ. منهلًّا: منسكبا منصبًّا. جرعائك: الجرعاء: رملة مستوية، لا تنبت شيئا. القطر: المطر. المعنى: يدعو الشاعر لدار حبيبته، فيقول: حفظك الله وسلمك يا دار ميّ على ما فيك من قدم من الفناء والزوال، ولا زال المطر ينزل بساحتك، حتى يبقى رحابك عامرا، يذكرنا بالأحبة الذين سكنوك. الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه. يا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير: يا دار مية، أو حرف تنبيه مؤكد لـ "ألا" والأول أرجح، اسلمى: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء، فاعل. يا: حرف نداء. دار: منادى مضاف منصوب. مي: =
[ ١ / ٢٣١ ]
وقيدت زال بماضي يزال احترازا من زال ماضي يزيل، فإنه فعل تام متعدٍّ إلى مفعول، ومعناه مَازَ١، تقول: "زِلْ ضأنك عن معزك" ومصدره الزيل، ومن ماضي يزول؛ فإنه فعل تام قاصر، ومعناه الانتقال، ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ ٢، ومصدره الزوال.
الثالث: ما يعمل بشرط تقدم "ما" المصدرية الظرفية، وهو دام٣، نحو: ﴿مَا
_________________
(١) = مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ولا: الواو عاطفة، لا: حرف دعاء لا محل له من الإعراب، زال: فعل ماضٍ ناقص. منهلا: خبر "زال" مقدم منصوب. "بجرعائك": متعلق بـ "منهلا" والكاف: مضاف إليه. القطر: اسم "زال" مؤخر مرفوع. موطن الشاهد: "لا زال". وجه الاستشهاد: مجيء "زال" ناقصة عاملة عمل "كان" في رفع الاسم، ونصب الخبر؛ لتقدم "لا" الدعائية عليها، وسبق لنا أن علمنا أن الدعاء شبيه بالنفي؛ لأن دعاءك بحصول الشيء دليل على كونه غير حاصل في وقت الدعاء. وفي البيت شاهد آخر على اتصال النداء بالفعل المضارع لفظا، وللنحاة في هذا مذهبان: الأول أن "يا" حرف نداء، والمنادى محذوف قيل فعل الأمر، والتقدير: يا هذه، أو يا دار مية الثاني: أن "يا" حرف تنبيه، وليست حرف نداء. والأرجح في هذه الحال الأول؛ لأن "يا" سبقت بـ "ألا" التي تفيد الاستفتاح والتنبيه، ومن القواعد المقررة، أن لا يتوالى حرفان بمعنى واحد، لغير توكيد، فعلى الرأي الثاني، تكون "يا" حرف تنبيه يفيد التوكيد؛ ليجري الإعراب وفق القواعد المقررة. ١ أي: ميز وفصل. ٢ "٣٥" سورة فاطر، الآية: ٤١. موطن الشاهد: ﴿تَزُولَا﴾، ﴿زَالَتَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء كل من "تزولا" و"زالتا" فعلا تاما غير ناقص؛ لأنه بمعنى الانتقال، فـ "أن تزولا": أن تنقلا، و"زلتا": انتقلنا، والمصدر فيهما: الزوال. ٣ قد وردت "دام" غير مسبوقة بما وبعدها اسمان أولهما مرفوع وثانيهما منصوب، في قول الشاعر: دمت الحميد، فما تنفك منتصرا على العدى في سبيل المجد والكرم وهذا البيت مشكل؛ لأنك، لو قدرت "دام" تامة غير محتاجة إلى تقدم "ما" عليها، =
[ ١ / ٢٣٢ ]
دُمْتُ حَيًّا﴾، أي: مدة دوامي حيا، وسميت "ما" هذه مصدرية لأنها تقدر بالمصدر، وهو الدوام؛ وسميت ظرفية لنيابتها عن الظرف، وهو المدة.
[كان وأخواتها ثلاثة أقسام بالنسبة إلى التصرف]:
وهذه الأفعال في التصرف ثلاثة أقسام:
١- ما لا يتصرف بحال، وهو ليس باتفاق، ودام عند الفراء وكثير من المتأخرين.
_________________
(١) = وجعلت ضمير المخاطب فاعلا و"الحميد" حالا ورد عليك بأن "الحميد" معرفة بالألف واللام، والحال: لا يكون إلا نكرة في المذهب البصري المنصور، وإن جعلت "دام" ناقصة ورد عليك بأنها "الحميد" معرفة بالألف واللام، والحال: لا يكون إلا نكرة في المذهب البصري المنصور، وإن جعلت "دام" ناقصة ورد عليك بأنه لم تتقدمها "ما" وهو شرط في عملها في الاسم والخبر، وإذا كان لا مناص من ارتكاب أحد الأمرين، فإننا نختار أن تكون "دام" في هذا البيت تامة، وندعي أن "أل في قوله "الحميد" ليست معرفة وإنما هي زائدة. حاشية يس على التصريح: ١/ ١٨٦، وحاشية الصبان: ١/ ٢٢٨-٢٢٩. ١ "٩" سورة مريم، الآية: ٣١. موطن الشاهد: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "دمت" فعلا ناقصا يعمل عمل "كان" لتقدم "ما" المصدرية الظرفية عليه، فالتقدير: مدة دوامي حيا، كما في المتن، وفي الإعراب، نقول: "ما" مصدرية ظرفية. دمت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. حيا: خبره منصوب. فائدة: إذا سبقت: "دام" بـ "ما" مصدرية غير ظرفية، لم تعمل "دام" بعدها عمل "كان" وإن ولي مرفوعها منصوب، فهو منصوب على الحال، نحو: يعجبني ما دمت صحيحا، فـ "دام" فعل تام"، والتقدير: يعجبني دوامك صحيحا، و"صحيحا" منصوب على الحال، وكذلك إذا لم تذكر "ما" أصلا، فأحرى بـ "دام" ألا تعمل، كما في: دام زيد صحيحا، فـ "دام" فعل ماضٍ تام بمعنى "بقي"، وزيد فاعله، وصحيحا حال منصوب من زيد، ولا يلزم من وجود ما المصدرية الظرفية العمل المذكور، إذ لا يلزم من وجود الشرط المشروط، ولا توجد الظرفية من دون المصدرية. انظر صرح التصريح: ١/ ١٨٦.
[ ١ / ٢٣٣ ]
٢- وما يتصرف تصرفا ناقصا، وهو "زال" وأخواتها، فإنها لا يستعمل منها أمر ولا مصدر، و"دام" عند الأقدمين، فإنهم أثبتوا لها مضارعا١.
٣- وما يتصرف تصرفا تاما، وهو الباقي.
وللتصاريف في هذين القسمين ما للماضي من العلم، فالمضارع نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ٢، والأمر نحو: ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ ٣، والمصدر، كقوله٤: [الطويل]
٨٣- وكونك إياه عليك يسير٥
_________________
(١) ١ رجح العلامة الصبان في حاشيته على شرح الأشموني، أن دام الناقصة لها مصدر، ودليله أنها تستعمل البتة لما المصدرية الظرفية، وأن العلماء جروا على تقدير ما دام في نحو قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ بقوله: مدة دوامي حيا، ولو أننا التزمنا أن هذا مصدر لدام التامة أو أن العلماء اخترعوا في هذا التقرير مصدرا، لم يرد عن العرب، لكُنَّا بذلك جائرين، مسيئين الظنَّ بمن قام على العربية وحفظها غاية الإساءة، فلزم أن يكون هذا المصدر مصدر الناقصة فتتم الدعوى. حاشية الصبان على الأشموني: ١/ ٢٢٨-٢٢٩. ٢ "١٩" سورة مريم، الآية: ٢٠. موطن الشاهد: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ . وجه الاستشهاد: إعمال "أك" المضارع عمل "كان" الناقصة، وهو مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفًا، واسمه "أنا"، و"بغيا" خبر منصوب. ٣ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٥٠. موطن الشاهد: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ . وجه الاستشهاد: إعمال "كونوا" فعل الأمر عمل "كان" الناقصة، وإعرابه: كونوا: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: اسمه، و"حجارة": خبره منصوب. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٨٧، وابن عقيل: "٦٤/ ١/ ٢٧٠، والأشموني =
[ ١ / ٢٣٤ ]
واسم الفاعل، كقوله١: [الطويل]
٨٤- وما كل من يبدي البشاشة كائنا أخاك٢
_________________
(١) = "١٨١/ ١/ ١١٢" وهمع الهوامع: ١/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ٨٣، والعيني: ٢/ ١٥. المفردات الغريبة: بذل: عطاء. ساد: من السيادة، وهي الرفعة وعظم الشأن. المعنى: إن الإنسان يسود في قومه ويرتفع ذكره بينهم بالجود وبالمال، والحلم في الخلق، وسعيك في الاتصاف بهاتين الخلتين، أمر هين عليك، إذا أردت أن يتكون مثل هذا الإنسان في المنزلة وعلو الشأن. الإعراب: وكونك: الواو عاطفة. كونك: مبتدأ، وهو مصدر "كان" الناقصة، وهو مضاف إليه اسمه. "الكاف" مبني في محل جر بالإضافة، وفي محل رفع اسم "كان"، فلها محلان من الإعراب. إياه: خبر "كونك" في محل نصب من جهة النقصان. "عليك": متعلق بـ "يسير". يسير: خبر "كونك" الواقع مبتدأ، من حيث ابتدائيته. موطن الشاهد: "كونك إياه". وجه الاستشهاد: إجراء مصدر "كان" الناقصة مجراها في رفع الاسم، ونصب الخبر، وقد بينا في الإعراب كيفية إعرابه مع خبره من جهة نقصانه، ومع خبره من جهة ابتدائيته. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو: وما كل من يبدي البشاشة كائنا أخاك، إذا لم تلفه لك منجدا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٧، وابن عقيل "٦٣/ ١/ ٢٦٩، والأشموني: "١٨٢/ ١/ ١١٢" وهمع الهوامع: ١/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ٨٤، والعيني: ٢/ ١٧. المفردات الغريبة: يبدي: يظهر. البشاشة: طلاقة الوجه. تلفه: تجده. منجدا: مساعدا. المعنى: ليس كل من يظهر لك البشر وطلاقة الوجه، أخا مخلصا لك، ما لم تجده معينا في الشدائد، مساعدا في الملمات. الإعراب: ما: نافية حجازية، تعمل عمل ليس. كل: اسم "ما" مرفوع. من: اسم موصول في محل جر بالإضافة. يبدي فعل مضارع، والفاعل: هو. البشاشة: مفعول به، وجملة "يبدي البشاشة" صلة للموصول، لا محل لها. "كائنا": خبر "ما" منصوب، و"كائنا" اسم فاعل من كان الناقصة، واسمه: ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى "من". أخاك: خبر "كائنا" منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، والكاف في محل جر بالإضافة. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط. تلفه: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه حذف حرف العلة، و"الهاء" مفعول أول. منجدا: مفعول ثانٍ منصوب، ويرى العيني: أن "منجدا" حال؛ لأن ظن وأخواتها على زعمه تنصب مفعولا واحدا، هذا مذهب ضعيف. موطن الشاهد: "كائنا أخاك". وجه الاستشهاد: إعمال اسم الفعل "كائنا" عمل كان الناقصة، فرفع اسما، ونصب خبرا، كما بينا في الإعراب.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقوله١: [الطويل]
٨٥- قضى الله يا أسماء أن لست زائلا أحبك٢
_________________
(١) ١ هو: الحسين بن مطير بن مكمل، مولى بني أسد بن خزيمة، وأحد مخضرمي الدولتين، مدح بني أمية وبني العباس، وكان شاعرا راجزا، مقدما في الشعر والرجز، وكان كلامه يشبه كلام أهل البادية. خزانة الأدب للبغدادي: ٥/ ٤٧٥-٤٨٢. ٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو: قضى الله يا أسماء أن لست زائلا أحبك حتى يُغمضَ الجفنَ مغمِضُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٧، والأشموني: "١٨٣/ ١/ ١١٢"، وهمع الهوامع: ١/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ٨٤، ومجالس ثعلب: ٢٦٥، وزهر الآدب للحصري: ٩٨، والعيني: ٢/ ١٨. المفردات الغريبة: قضى الله: حكم وقدر. أسماء: اسم محبوبته. يغمض العين: يطبق جفونها، وهو كناية عن الموت. المعنى: قدر الله يا أسماء أن أتعلق بك، وأحبك -على الرغم من حدودك وهجرك لي- حتى أفارق هذه الحياة. الإعراب: قضى الله: فعل وفاعل. يا أسماء: حرف نداء، ومنادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب. أن: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف. لست: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. زائلا: خبره منصوب، و"زائلا": اسم فاعل من "زال" الناقصة، واسمه: ضمير مستتر فيه وجوب. أحبك: فعل مضارع، والفاعل: أنا، و"الكاف": مفعول به. وجملة "أحبك": في محل نصب خبر "زائلا"، وجملة ليس واسمها وخبرها": في محل رفع خبر "أن" المخففة من الثقيلة. حتى: حرف غاية وجر. يغمض: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة بعد حتى. الجفن: مفعول به منصوب مقدم على الفاعل. مغمض: فاعل مرفوع مؤخر، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بـ "حتى"، والجار والمجرور متعلق بـ "أحبك".
[ ١ / ٢٣٦ ]
[توسط أخبار كان وأخواتها]:
وتوسط أخبارهن جائز١، خلافا لابن درستويه٢ في ليس، ولابن
_________________
(١) ١ لخبر كان وأخواتها ستة أحوال. الأول: وجوب التأخير، وذلك في مسألتين؛ إحداهما: أن يكون إعراب الاسم والخبر جميعا غير ظاهر، نحو: كان صديقي عدوي، وثانيهما: أن يكون الخبر محصورا، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَة﴾، والمكاء: التصفير، التصدية: التصفيق. الثاني: وجوب التوسط بين العامل واسمه، وذلك في نحو قولك: يعجبني أن يكون في الدار صاحبها، فلا يجوز في هذا المثال تأخير الخبر عن الاسم؛ لئلا يلزم منه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، كما لا يجوز أن يتقدم الخبر على أن المصدرية؛ لئلا يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، فلم يبقَ إلا توسط هذا الخبر على ما ذكرنا. الثالث: وجوب التقدم على الفعل، واسمه جميعا، وذلك فيما إذا كان الخبر مما له الصدارة كاسم الاستفهام، نحو: "أين كان زيد"؟ الرابع: امتناع التأخر عن الاسم، مع جواز التوسط بين الفعل واسمه، أو التقدم عليهما، وذلك فيما إذا كان الاسم متصلا بضمير يعود على بعض الخبر، ولم يكن ثمة مانع من التقدم على الفعل نحو: "كان في الدار صاحبها، وكان غلام هند بعلها". يجوز أن تقول ذلك، ويجوز أن تقول: "في الدار كان صاحبها، وغلام هند كان بعلها بنصب غلام ولا يجوز في المثالين التأخير عن الاسم. الخامس: امتناع التقدم على الفعل واسمه جميعا، مع جواز توسطه بينهما، أو تأخره عنهما جميعا، نحو: "هل كان زيد صديقك"؟ ففي هذا المثال، يجوز هذا، ويجوز "هل كان صديقك زيد" ولا يجوز تقديم الخبر على هل؛ لأن "هل" لها صدر الكلام، ولا توسيطه بين هل والفعل؛ لأن الفصل بينهما غير جائز. السادس: جواز الأمور الثلاثة: نحو "كان محمد صديقك" ويجوز فيه ذلك، كما يجوز أن تقول: صديقك كان محمد، وأن تقول: كان صديقك محمد، بنصب الصديق. ابن عقيل "دار الفكر": ١/ ٢٢١- ٢١٣، وحاشية الصبان على الأشموني: ١/ ٢٣٢، وابن عقيل "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٧٢. ٢ ابن درستويه: هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي المشهور بعلمه وتصانيفه، ولد بفارس سنة ٢٥٨هـ، وصحب المبرد، وقرأ عليه "الكتاب" وبرع فيه. لقي ابن قتيبة، وأخذ عن الدارقطني، وغيره، له تصانيف قيمة، منها: شرح الفصيح، والإرشاد في النحو، والمقصور والممدود، وأخبار النحاة، توفي سنة: ٣٤٧هـ. البلغة: ١٠٧، إنباه الرواة: ٢/ ١١٣، بغية الوعاة: ٢/ ٣٦، الفهرست: ٦٣، الإعلام: ٤/ ٢٠٤ وغيرها.
[ ١ / ٢٣٧ ]
معط١ في دام، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ ٢، وقرأ حمزة٣ حفص٤: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُم﴾ ٥ بنصب البر
_________________
(١) ١ ابن معط: أبو الحسن، زين الدين يحيى بن معط المغربي الحنفي، إمام مبرز في العربية، وشاعر محسن، قرأ على الجزولي، وأخذ عنه الكثير، وكان مدرسا في دمشق ومصر، وكان يحفظ الكثير المفيد، له تصانيف كثيرة، منها: الألفية في النحو، وشرح الجمل في النحو، وشرح أبيات سيبويه "نظم"، كما نظم كتاب الجمهرة، لابن دريد في اللغة، ونظم كتاب الصحاح للجوهري، ونظم كتابا في العروض، وقصيدة في القراءات توفي سنة ٦٢٨هـ. سير أعلام النبلاء: ٢٢/ ٣٢٤، وفيات الأعيان: ٦/ ١٩٧، البداية والنهاية: ١٣/ ١٢٩ بغية الوعاة: ٢/ ٣٤٤. ٢ "٣٠" سورة الروم، الأية: ٤٧. موطن الشاهد: ﴿كَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم خبر كان على اسمها، وحكم هذا التقدم الجواز؟ والإعراب واضح. ٣ حمزة: هو أبو عمارة، حمزة بن حبيب الكوفي الزيات، أحد أصحاب القراءات السبع، وإمام القراء بالكوفة بعد عاصم، كان ثقة عارفا بالعربية، حافظا للحديث، ورعا زاهدا، وكان يعمل بالتجارة وخاصة تجارة الزيت حتى لُقِّبَ بها، ولد سنة ٨٠هـ. وتوفي سنة ١٥٦هـ. طبقات القراء للذهبي: ١/ ٢٦١، ابن خلكان: ٢/ ٢١٦ ٤ حفص: هو أبو عمرو، حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي، من أصحاب عاصم، معروفا بضبط الحروف، وقد أقرأ الناس مدة طويلة، ولد سنة ٩٠هـ، ومات سنة ١٨٠هـ. معرفة القراء الكبار للذهبي: ١/ ١٤٠، والجرح والتعديل: ٣/ ١٧٣، وشذرات الذهب: ١/ ٢٩٣. ٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٧٧. أوجه القراءات: قرأ حمزة وحفص ﴿الْبِرَّ﴾ بالنصب، وقرأها الباقون بالرفع. توجيه القراءات: على قراءة النصب، يكون "البر" يكون "البر" خبر ليس، ويكون المصدر المؤول من "أن وما بعدها": اسم "ليس"، والتقدير: ليس توليتكم وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب البر كله، ومن رفع "البر" فعلى اعتبارها "اسما" لـ "ليس"، والمصدر المؤول في محل نصب الخبر، والتقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم؟ وحجة قراءة الرفع، قراءة أبي بأن تولوا، فأدخل الباء على الخبر، ومعلوم أن الباء، لا تدخل في اسم "ليس" وإنما تدخل في خبرها. انظر: حجة القراءات: ١٢٣، والإتحاف: ١٥٣، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٣٠، والبحر المحيط: ٢/ ٢، والكشف للقيسي، ١/ ٢٥٦، ومجمع البيان: ١/ ١٠٩.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقال الشاعر١: [البسيط]
٨٦- لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته٢
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادِّكَار الموت والهرم وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٧، وهمع الهوامع: ١/ ١١٧، والدرر اللوامع: ١/ ٨٧، والعيني: ٢/ ٢٠، وقطر الندى: "٤٣/ ١٧٢". المفردات الغريبة: منغصة: اسم مفعول من التنغيص"، وهو التكدير. بادِّكار: بتذكر، وأصله: اذتكار، قلبت تاء الافتعال دالا، ثم قلبت الذال دالا، وأدغمتا. الهرم: الكبر والضعف. المعنى: لا لذة ولا راحة في هذه الحياة ما دامت لذاتها ونعيمها ومسراتها- تتكدر بتذكر الإنسان للموت، وبالضعف بالكبر، فكلما كبر الإنسان ازداد ضعفه، وقلَّ طموحه. الإعراب: لا: نافية للجنس. طيب: اسم "لا". "للعيش": متعلق بمحذوف خبر "لا"، ويجوز أن يكون متعلقا بـ "طيب" وخبر "لا" محذوف. ما: مصدرية ظرفية، دامت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. منغصة: خبر "دامت" مقدم على الاسم. لذاته: اسم "دام" مؤخر، وهو مضاف، و"الهاء" في محل جر بالإضافة. "بادِّكار": متعلق بـ "منغصة". الموت: مضاف إليه. والهرم: الواو عاطفة، الهرم: اسم معطوف على الموت. موطن الشاهد: "ما دامت منغصة لذاته". وجه الاستشهاد: تقدم خبر "دام" على اسمها، وعلى هذا الوجه الذي أراده المؤلف وقع الفصل بين العامل وهو "منغصة" ومتعلقه "بادكار" بأجنبي عنهما، وهو لذاته ولذا، فقد أعرب بعضهم البيت كالآتي: لذاته: نائب فاعل لـ منغصة" لأن اسم مفعول، واسم "دام" مستتر فيها، ومنغصة خبرها، وعلى هذا الوجه يخلو البيت من الشاهد، وبالتالي، فليس فيه رد على ابن معط ومن يرى رأيه. وأولى من الشاهد المذكور، للرد على ابن معط قول الشاعر: ما دام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبا أبدا فقدم الخبر "حافظ سري" على اسم "ما دام"، وهو قوله: "من وثقت به". التصريح: ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
إلا أن يمنع مانع، نحو: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ ١.
[تقدير أخبار كان وأخواتها]:
وتقديم أخبارهن جائز، بدليل: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون﴾ ٢، ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُون﴾ ٣، إلا خبر دام اتفاقا٤، وليس عند جمهور
_________________
(١) ١ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿مَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾ . وجه الاستشهاد: امتناع تقدم الخبر "مكاء" على الاسم "صلاتهم"؛ لانحصار الخبر بـ "إلا" وحكم تأخر الخبر عن الاسم في هذه الحالة الوجوب لوجود المانع. ٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "هؤلاء" و"إياكم" معمولين لخبر "كان" وقد تقدما عليها، وتقديم المعمول يؤذن بجواز تقديم العامل عند كثير من النحاة، كابن مالك، وسبقه ابن جني، والفارسي وغيرهما من البصريين. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٨. ٣ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٧٧. موطن الشاهد: ﴿أَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم "أنفسهم" وهو معمول "يظلمون"، وفي هذا دليل على تقدم معمول الخبر على كان وأخواتها، ومتى تقدم معمول الخبر، جاز تقدم الخبر، كما بيَّنَّا في الآية السابقة. ٤ فلا يجوز تقديمه عليها، وعلى "ما" لأن معمول الصلة الحرف المصدري، لا يتقدم عليه، ويجوز أن يتقدم الخبر على "دام" وحدها، فيتوسط بينها وبين "ما"، تقول: "سأبقى في البيت ما مستمرة دامت الغارة"، والأرجح عدم توسطه. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٢٤٠ ]
البصريين١، قاسوها على عسى٢، واحتج المجيز٣ بنحو قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُم﴾ ٤، وأجيب بأن المعمول ظرف فيتسع فيه، وإذا نفي الفعل بما جاز توسط الخبر بين النافي والمنفيّ٥ مطلقا، نحو: "ما قائما كان زيد" ويمتنع التقديم على "ما" عند البصريين والفراء، وأجازه بقية الكوفيين، وخص ابن كيسان٦
_________________
(١) ١ وحجتهم: عدم الورود عن العرب، أو ضعفها بعدم التصرف، وقد اختار هذا ابن مالك. ٢ فإن خبرها لا يتقدم عليها اتفاقا، وهي مثلها في الجمود. ٣ من قدماء البصريين، والفراء، وابن برهان، والزمخشري، والشلوبين، وابن عصفور من المتأخرين. ٤ "١١" سورة هود، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يوم يأتيهم" معمولا لـ "مصروفا" وقد تقدم على "ليس" واسم "ليس": ضمير مستتر فيها، يعود على العذاب، ومصروفا: خبر "ليس"، وتقديم المعمول، لا يصح إلا حيث يصح تقديم عامله، فلولا أن الخبر "مصروفا" يجوز تقديمه على "ليس" لما جاز تقديم معموله عليها، وأجيب عن هذا بالمنع، كما أسلفنا، وأما على تقدير تسليمه بالتقدم في هذه الآية، فيجاب: بأن المعمول ظرف، فيتسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو بأن "يوم" معمول لمحذوف، تقديره: "يعرفون يوم يأتيهم" و"ليس مصروفا": جملة حالية مؤكدة، أو مستأنفة، أو بأن "يوم" في محل رفع الابتداء، وبني على الفتح لإضافته إلى جملة "يأتيهم"، وليس مصروفا: خبره، والأفضل ما ذهب إليه المؤلف. شرح التصريح: ١/ ١٨٨- ١٨٩ وشرح الأشموني مع الصبان: ١/ ٢٣٤. ٥ ويشمل: ما يكون النفي شرطا لعمله كـ "زال"، وما لا يكون النفي شرطا لعمله مثل "كان". ٦ ويتبع ابن كيسان في في رأيه النحاس. وابن كيسان: هو أبو الحسن، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان النحوي، جامع المذهبين، البصري والكوفي في النحو؛ لأنه أخذ عن المبرد، وثعلب، ولكنه كان إلى المذهب البصري أميل، ولم يكن مجلس أكثر فائدة، وأجمع لأصناف العلوم والتحف من مجلسه، كما قال أبو حيان التوحيدي، له تصانيف هامة، منها: المهذب في النحو، وعلل النحو -ما اختلف فيه البصريون الكوفيون، غلط أدب الكاتب إلخ. توفي سنة ٣٢٠هـ. بغية الوعاة: ١/ ١٨، طبقات النحويين البصريين، ١٧٠، الأعلام: ٥/ ٣٠٨.
[ ١ / ٢٤١ ]
المنع بغير زال وأخواتها؛ لأن نفيها إيجاب، وعمم الفراء المنع١ في حروف النفي٢، ويرده قوله: [الطويل]
٨٧- على السن خيرا لا يزال يزيد٤
_________________
(١) ١ أصل هذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو هل تستوجب "ما" أن تكون في صدر الكلام؟، ذهب جمهور البصريين إلى أنها لا تستوجب التصدير، وعلى هذا أجازوا أن يتقدم خبر الناسخ المنفي بها عليها مطلقا، ووافقهم ابن كيسان والنحاس على جواز تقديم خبر الناسخ عليها، إذا كان من النواسخ التي يشترط فيها النفي؛ لأن نفيها حينئذ إيجاب، فكأنه لم يكن، بخلاف النوع الثاني. حاشية يس على التصريح: ١/ ١٨٩، وابن عقيل "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٧٦. ٢ ذهب الفراء إلى أن "ما" و"لا" و"إن" و"لن" النافيات، لها حكم واحد، وهو أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر ولا معموله على حرف النفي، وخص المحققون هذا الحكم بحرف واحد من حروف النفي وهو "ما"، وذهب المحقق الرضي إلى أن "إن" النافية لها حكم "ما". شرح التصريح: ١/ ١٨٩. ٣ القائل: هو المعلوط القريعي ابن بدل "أو بذل" والقريعي نسبة إلى قريع بن عوف بن كعب أحد تميم، والمعلوط شاعر إسلامي. سمط اللآلي: ١/ ٤٣٤. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره، قوله: ورجِّ الفتى للخير ما إن رأيته وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٩، والأشموني: "١٨٦/ ١/ ١١٤"، والكتاب لسيبويه: ٢/ ٣٠٦ والخصائص: ١/ ١١٠، وسمط اللآلي: ٤٣٤، وشرح المفصل: ٨/ ١٣٠، والمقرب لابن عصفور: ١٧، ومغني اللبيب: ذكره عدة مرات منها: "٢٦/ ٣٨" "٥١/ ٥٧"، وشرح السيوطي: ٣٢، ٢٤٤. المفردات الغريبة: رجِّ: أمر من الترجية بمعنى الرجاء، وهو الأمل وتوقع الخير. الفتى: الشاب. على السن: أي على زيادة العمر. المعنى: انتظر الخير والنبل، وتوقعه من الشاب، إذا رأيته كلما زادت سنه وتقدم في العمر، يزداد خيرا، ويتلمس المزيد من الخلال الحميدة. الإعراب: رجِّ: فعل أمر مبني على حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره أنت. الفتى: مفعول به لـ "رجّ". "للخير": متعلق =
[ ١ / ٢٤٢ ]
إيلاء هذه الأفعال معمول خبرها:
ويجوز باتفاق أن يلي هذه الأفعال معمول خبرها إن كان ظرفا أو مجرورا، نحو: "كان عندك، أو في المسجد، زيد معتكفا"١، فإن لم يكن أحدهما جمهور البصريين يمنعون مطلقا، والكوفيون يجيزون مطلقا٢، وفصل ابن السراج
_________________
(١) = بـ "رجِّ" ما: مصدرية ظرفية "إن" حرف زائد بعد ما الظرفية المصدرية، لشبهها لفظا بـ "ما" النافية. رأيته: فعل ماضٍ، والتاء: فاعله، والهاء: مفعول به. "على السن": متعلق بـ "يزيد" الآتي. خيرا: مفعول به مقدم لـ "يزيد" الآتي. لا: حرف نفي. يزال: فعل مضارع ناقص مرفوع، واسمه: هو. يزيد: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو، والجملة في محل نصب خبر يزال. موطن الشاهد: "خيرا لا يزال يزيد". وجه الاستشهاد: تقدم معمول خبر "لا يزال" خيرا على "لا يزال" نفسها، وتقدم المعمول، يتبعه تقدم العامل؛ لأن الأصل في المعمول أن يقع بعد عامله، وفي هذا البيت رد على الفراء، ومن ذهب مذهبه، ممن يرون أن خبر الناسخ المنفي بحرف، من حروف النفي، لا يجوز أن يتقدم على ذلك الفعل. انظر شرح التصريح: ١/ ١٨٩. ومن أمثلة تقدم خبر الناسخ عليه، إن سبق بحرف نفي، قول الشاعر: مه عاذلي فهائما لن أبرحا بمثل أو أحسن من شمس الضحى نرى بأن الشاعر في هذا البيت، قدم خبر الفعل الناسخ المنفي بـ "لن" على الفعل، حيث قدم "هائما" الخبر على العامل "لن أبرح". ١ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾، فإن "له" جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿كُفُوًا﴾ إذ معناه: مكافئ، وقد ولي "يكن"، وهذا النص يرد على جمهور البصريين الذي يمنعون مطلقا، ويؤيد ابن السراج، والفارسي، وابن عصفور، الذين يجيزون إذا تقدم الخبر مع المعمول فولي "كان"، وكما ترى أن ﴿كُفُوًا﴾ الذي هو خبر يكن قد تقدم على الاسم الذي هو أحد مع أن "له" الذي هو معمول الخبر قد ولي يكن. التصريح: ١/ ١٨٩-١٩٠. شرح الأشموني مع الصبان: ١/ ٢٣٧. ٢ يمنع البصريون مطلقا؛ لما في ذلك من الفصل بينها وبين اسمها بـ "أجنبي" منها، وأما الكوفيون، فيجيزون مطلقا؛ لأن معمول معمولها في معنى معمولها.
[ ١ / ٢٤٣ ]
والفارسي١ وابن عصفور٢ فأجازوه إن تقدم الخبر معه٣، نحو: كان طعامك آكلا زيد" ومنعوه إن تقدم وحده، نحو: "كان طعامك زيد آكلا"، واحتج الكوفيون بنحو قوله٤: [الطويل]
٨٨- بما كان إياهم عطية عودا٥
_________________
(١) ١ الفارسي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، إمام النحو المشهور، وأحد علماء العربية، أخذ عن الزجاج وابن السراج، وأخذ عنه ابن جني وغيره، قيل: إنه كان أعلم من المبرد، له مصنفات كثيرة منها: الإيضاح في النحو، والتكملة في التصريف، وكتاب الحجة في التعليل لقراءات القرآن، وتعليقان على كتاب سيبويه، والمسائل، "الحلبية، البغدادية، البصرية، الشيرازية" وكتاب الأغفال إلخ توفي ببغداد، سنة ٣٧٧هـ. البلغة: ٥٣ن إنباه الرواة: ١/ ٢٧٣، بغية الوعاة: ١/ ٤٩٦، طبقات القراء: ١/ ٢٠٦. ٢ تقدمت ترجمته وترجمة ابن السراج. ٣ لأن المعمول مكمل للخبر، فهو كالجزء منه. ٤ هو الفرزدق همام بن غالب، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: قنافذ هدَّاجون حول بيوتهم وهو من كلمة للفرزدق يهجو فيها جريرا وعبد القيس، وهي من النقائض بينهما وأولها قوله: رأى عبد قيس خفقة شوَّرت بها يدا قابس ألوى بها ثم أخمدا والشاهد: من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٠، وابن عقيل "٦٧/ ١/ ٢٨١" والأشموني: "١٩٠/ ١/ ١١٦"، وهمع الهوامع: ١/ ١١٨، والدرر اللوامع: ١/ ٨٧، والمقتضب: ٤/ ١٠١، وخزانة الأدب: ٤/ ٥٧، والعيني: ٢/ ٣٤ ومغني اللبيب: "١٠٣٠/ ٧٩٥"، وديوان الفرزدق: ٢١٤. المفردات الغريبة: قنافذ: جمع قنفذ، وهو حيوان شائك معروف، يضرب به المثل في السري، فيقال: هو أسرى من قنفذ، ذلك؛ لأنه ينام نهارا، ويصحو ليلا، ليبحث عما يقتات به، وهو بالذال والدال. هداجون: جمع هداج، وهو صيغة مبالغة من الهدج أو الهدجان، وهو مشية الشيخ الضعيف، أو مشية فيها ارتعاش. عطية: أبو جرير. المعنى: هؤلاء الناس أي رهط جرير في الخسة والفجور كالقنافذ، يمشون ليلا حول البيوت؛ للدعارة والسرقة، مشية الشيخ الهرم؛ لئلا يشعر بهم أحد. وقد ورثوا هذه الصفة الذميمة عن عطية أبي جريرة، الذي عودهم ذلك. =
[ ١ / ٢٤٤ ]
_________________
(١) = الإعراب: قنافذ: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم قنافذ: هداجون: صفة لـ "قنافذ" "حول": متعلق بـ "هداجون". بيوت: مضاف إليه، و"هم" مضاف إليه ثانٍ. "بما" الباء حرف جر، و"ما" اسم موصول في محل جر بحرف الجر، أو "ما" موصول حرفي. كان: فعل ماضٍ ناقص. إياهم: مفعول أول لـ "عودا" تقدم على الفعل "عود"، والمفعول الثاني محذوف، وهو عائد الصلة. عطية. اسم "كان" مرفوع. عودا: فعل ماضٍ مبني على الفتح لا محل له، والألف: للإطلاق، والفاعل هو، والجملة من الفعل والفاعل، في محل نصب خبر "كان". موطن الشاهد: "بما كان إياهم عطية عودا". وجه الاستشهاد: تقديم معمول خبر "كان" وهو "إياهم" على اسمها، وهو "عطية" علما أنه ليس بظرف أو جار ومجرور، وتقدمه هذا على رأي الكوفيين، وأما البصريون الذين لا يجيزون ذلك فأولوا البيت عدة تأويلات: أحدها: أن اسم كان ضمير الشأن، وعطية: مبتدأ وجملة "عودا": خبره، وجملة "عطية عودا" في محل نصب خبر كان، فلم يتقدم في هذه الحال معمول الخبر على اسم كان. الثاني: أن "ما" اسم موصول مجرور محلًا بـ "ما". و"كان" زائدة، وجملة "المبتدأ والخبر": صلة للموصول، لا محل لها. الثالث: أن اسم "كان" ضمير مستتر يعود على "ما" الموصولة، وجملة "المبتدأ والخبر" في محل نصب خبر "كان"، وجملة "كان وما دخلت عليه": صلة للموصول، لا محل لها، والعائد على هذا التوجيه، والذي قبله محذوف، والتقدير: بما كان عطية عوَّدَهُمُوه. ورأى بعضهم أن هذا البيت من الضرورات التي تباح للشاعر، ولا يجوز لأحد من المتكلمين أن يقيس عليها، ومثل هذه الضرورة متعينة في قول الشاعر: باتت فؤادي ذات الخال سالبة فالعيش إن حُمَّ لي عيش من العجب فـ "ذات الخال" اسم "بات"، سالبة. خبره، وفيه ضمير مستتر، هو فاعله، يعود على ذات الخال، وفؤادي: مفعول به مقدم على عامله، وهو قوله: سالبة، وهنا لا يجوز دعوى زيادة "بات" ولا إضمار اسمها مرادا به الشأن؛ لظهور نصب الخبر "سالبة"؛ لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه بمفرد. ولا يتعين دعوى الضرورة، لجواز أن يكون فؤادي منادى، سقط منه حرف النداء، ومعمول الخبر محذوف، أي: سالبة ذلك. وانظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ١٩٠-١٩١. والأشموني مع شرح الصبان: ١/ ٢٣٧-٢٣٨.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وخرج على زيادة كان أو إضمار الاسم: مرادا به الشأن، أو راجعا إلى ما وعليه؛ فعطية مبتدأ، وقيل: ضرورة، وهذا متعين في قوله١: [البسيط]
٨٩- باتت فؤادي ذات الخال سالبة٢
لظهور نصب الخبر.
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فالعيش إن حم لي عيش من العجب وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩، والأشموني: "١٩١/ ١/ ١١٦"، والعيني: ٢/ ٢٨. المفردات الغريبة: الخال: شامة سوداء في الجسم تكون غالبا في الخد، والجمع خيلان، سالبة: اسم فاعل من سلب الشيء: أخذه خلسة. حم: قدر. المعنى: يقول الشاعر: إن صاحبة الخال باتت طول الليل مستولية على قلبي وحواسي، بجمالها وحسنها، فعيشي إن قدر لي أن أعيش بعد ذلك عجيب غريب. الإعراب: باتت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء للتأنيث. فؤادي: مفعول به لـ "سالبة" الآتي، ومضاف إليه. ذات: اسم "بات" مرفوع، وهو مضاف، الخال: مضاف إليه. سالبة: خبر بات. منصوب. فالعيش: الفاء تفريعية، العيش: مبتدأ مرفوع. إن: شرطية جازمة. حم: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط. "لي": متعلق بـ "حم". عيش: نائب فاعل "حم" "من العجب": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون نائب فاعل "حم" ضميرا مستترا فيه جوازا، تقديره: هو، يعود إلى العيش، ويكون قوله "عيش" خبرًا للمبتدأ. "من العجب": متعلق بمحذوف صفة لـ "العيش"، وجملة جواب الشرط محذوفة، يدل عليها سياق الكلام، وجملة الشرط وجوابه، لا محل لها من الإعراب؛ لكونها معترضة بين المبتدأ والخبر. موطن الشاهد: "باتت فؤادي ذات الخال سالبة". وجه الاستشهاد: تقدم معمول خبر "بات" فؤادي على الخبر "سالبة" بعد الفعل الناسخ "بات" لأن "فؤادي" مفعول به لـ "سالبة" كما بينا في الإعراب، وبهذا البيت ونحوه، استدل الكوفيون، على جواز وقوع معمول خبر الفعل الناسخ بعده -أي: بعد الفعل الناسخ، وقبل الخبر- وقد خرجه المؤلف على أنه ضرورة. ومعلوم أنه لا يجوز زيادة "بات" في البيت، ولا جعل اسمها ضمير الشأن؛ لأنه لا يخبر عنه بمفرد، وهناك تخريج آخر يفسد استدلال الكوفيين، وهو اعتبار "فؤادي" منادى بحرف نداء محذوف، لا مفعول لـ "سالبة"، واعتبار مفعول الخبر "سالبة" محذوفا أيضا، أي: سالبة إياك، وفي هذا التخريج تكلف ظاهر، والصواب ما ذهبنا إليه في الإعراب الأول.
[ ١ / ٢٤٦ ]
[استعمال كان وأخواتها تامة]:
قد تستعمل هذه الأفعال تامة١، أي مستغنية بمرفوعها٢، نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة﴾ ٣، أي: وإن حصل ذو عسرة، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون﴾ ٤، أي: حين تدخلون في المساء وحين تدخلون في الصباح، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٥، أي: ما بقيت،
_________________
(١) ١ فائدة: اختلف في كان وكائنا في: "لأضربنه كائنا ما كان" فقال الفارسي: هما تامان في الموضعين و"ما" مصدرية، وهما وما بعدهما: فاعل كائنا أي كونه، وقيل: هما ناقصان في الموضعين، وفي "كائنا" ضمير هو اسمه وخبره "ما" وهي موصولة، وصلتها: "كان واسمها وخبرها ضمير مستتر فيها"، وخبرها محذوف تقديره "إياه" واسم كائن المستتر فيه وخبر كان عائدان على الشخص المضروب، وتقدير الكلام حينئذ لأضربنه كائنا الذي كان إياه، وكائنا: حال من مفعول لأضربنه، وينظر معنى الكلام حينئذ وفيه إطلاق "ما" على العاقل، وهو جائز وجوز بعضهم أن تكون "ما" نكرة موصوفة. انظر حاشية يس على التصريح: ١/ ١٩٠. ٢ هذا ما ارتضاه ابن مالك مخالفا بذلك سيبويه وجمهور النحاة، حيث عد التام من الأفعال ما اكتفى بمرفوعه، في إتمام المعنى الأساسي للجملة، بينما يرى سيبويه وكثير من البصريين: أن معنى كونها تامة: دلالتها على الحدث المقيد والزمان معا. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٨٠. موطن الشاهد: ﴿كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "كان" تامة؛ لأنها بمعنى "حصل"، والتقدير: وإن حصل ذو عسرة، فـ "كان": فعل ماضٍ تام، وذو: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وعسرة: مضاف إليه. ٤ "٣٠" سورة الروم، الآية: ١٧. موطن الشاهد: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء كل من "تمسون، تصبحون فعلا تاما؛ لأن المقصود: حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح. ٥ "١١" سورة هود، الآية: ١٠٧. موطن الشاهد: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ﴾ وجه الاستشهاد: مجيء "دام" فعلا تاما؛ لأنه بمعنى بقي، والتقدير: خالدين فيها ما بقيت السموات والأرض.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقوله١: [المتقارب]
٩٠- وباب وباتت له ليلة٢
وقالوا: "بات بالقوم"، أي: نزل بهم، و"ظل اليوم"، أي: دام ظله، و"أضحينا"، أي: دخلنا في الضحى.
إلا ثلاثة أفعال فإنها ألزمت النقص، وهي: فتئ، وزال، وليس.
[اختصاص كان بجواز زيادتها بشرطين]:
تختص "كان" بأمور، منها: جواز زيادتها٣ بشرطين:
_________________
(١) وجه الاستشهاد: مجيء "دام" فعلا تاما؛ لأنه بمعنى بقي، والتقدير: خالدين فيها ما بقيت السموات والأرض. ١ القائل هو: امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته، وقيل: هو امرؤ القيس بن عانس. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر ثاني بيتين من كلمة لامرئ القيس، وهو بكامله مع المطلع: تطاول ليلك بالإثمدِ وبات الخلي ولم ترقدِ وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرقدِ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٩١، والأشموني: "١٨٨/ ١/ ١١٥"، والعيني ٢/ ٢٠ وقطر الندى: "٤٦/ ١٨٠". المفردات الغريبة: العائر: القذى في العين أو بئر في الجفن الأسفل تدمع له العين. الأرمد: المصاب بالرمد. المعنى: يصف الشاعر هذا الشخص الذي قضى ليلة سيئة طويلة، كَلَيْلَة المريض بعينه، المصاب بالرمد، لا يذوق النوم إلا غرارا، بسبب ما يعتريه من الألم. الإعراب: بات: فعل ماضٍ تام، والفاعل: هو، وأراد نفسه. باتت: فعل ماضٍ تام، والتاء: للتأنيث. "له" متعلق بـ "بات". ليلة: فاعل "باتت". "كليلة": متعلق بمحذوف صفة لـ "ليلة". ذي: مضاف إليه، وهو مضاف. العائر: مضاف إليه. الأرمد: صفة لـ "ذي العائر". موطن الشاهد: "بات، باتت". وجه الاستشهاد: استعمال فعل "بات" في الموضعين تاما؛ لأنه بمعنى الدخول في المبيت، وحكم مجيء فعل "بات" تاما جائز باتفاق. ٣ معنى زيادتها: أنها لا تعمل شيئا، فلا تحتاج إلى فاعل أو مفعول، أو اسخ وخبر، ونحوهما، ولا تقع معمولة لغيرهما، وقيل: معناه استغناء الكلام عنها، فلا ينقص معناه بحذفها، وتكون لمجرد التقوية والتوكيد، مع دلالتها على الزمان الماضي على الراجح، ولا سيما إذا توسطت بين "ما" التعجبية وفعل التعجب؛ لأن فعل التعجب، لا يكون إلا بصيغة الماضي، وإن كان لا أثر للزمن فيه؛ لأنه لمجرد الإنشاء، الأشموني وحاشية الصبان: ١/ ٢٣٩.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أحدهما: كونها بلفظ الماضي١، وشذ قول أم عقيل٢: [مشطور الرجز]
٩١- أنت تكون ماجد نبيل٣
_________________
(١) ١ وذلك، لخفته، ولتعين الزمان فيه، وقد أشبه الحروف الزائدة ببنائه. ٢ أم عقيل: هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وإخوته، أسلمت بعد وفاة زوجها أبي طالب، وكان النبي ﷺ يزورها، ويقيل في بيتها، هاجرت إلى المدينة وماتت هناك، وكفنها النبي صلى الله عليه عليه وسلم بقميصه واضطجع في قبرها، وقال: لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها، وذلك سنة ٥هـ. الأعلام ٥/ ١٣٠، الاستيعاب بهامش الإصابة: ٤/ ٣٨١، الإصابة رقم: ٨٣١ قسم النساء. ٣ تخريج الشاهد: تقول أم عقيل هذا الرجز، وهي ترقص ابنها عقيلا، ومع الشاهد، قولها: إن عقيلا كاسْمِهِ عقيلُ وبِيَبِي الملفف اِلمحمولُ أنت تكون السيد النبيلُ إذا تهب شمأل بَلِيلُ يعطي رجال الحي أو ينيلُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ١٩١، وابن عقيل "٧١/ ١/ ٢٩٢"، والأشموني: "٢٠٠/ ١/ ١١٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٨٩، والعيني: ٢/ ٣٩. المفردات الغريبة: ماجد: كريم، نبيل: فاضل شريف. تهب: مضارع هبت الريح هبوبا وهبيبا، إذا هاجت شمأل: هي الريح، تهب من ناحية القطب، بليل: رطبة ندية. المعنى: أنت يا عقيل كريم جواد، ذكي الفؤاد، إذا هبت ريح الشمال وكثر الضيفان، والتقييد بذلك على عادة العرب، وإلا فهي ترديد أنه موصوف بذلك دائما. الإعراب أنت: مبتدأ. تكون: زائدة. ماجد: خبر المبتدأ. نبيل: صفة لـ "ماجد". إذا. ظرف لما يستقبل من الزمان. تهب: فعل مضارع مرفوع. شمأل: فاعل مرفوع بليل: صفة لـ "شمأل"، وجملة "تهب شمأل بليل": في محل جر بالإضافة بعد إذا =
[ ١ / ٢٤٩ ]
والثاني: كونها بين شيئين متلازمين ليسا جارا ومجرورا، نحو١: "ما كان أحسن زيدا"، وقول بعضهم: "لم يوجد كان مثلهم" وشذَّ قوله٢: [الوافر] .
_________________
(١) = وجملة جواب الشرط محذوفة؛ لدلالة الكلام عليها، والتقدير: إذا تهب شمأل بليل فأنت ماجد نبيل. موطن الشاهد: "أنت تكون ماجد". وجه الاستشهاد: زيادة "تكون" بين المبتدأ والخبر، وهي بلفظ المضارع، وزيادتها في هذه الحالة قليلة؛ لأن الثابت زيادتها وهي بلفظ الماضي، واعتبار زيادتها هنا شاذة قول ابن الناظم، وتبعه ابن هشام، ومن جاء بعدهما من شراح الألفية، وهما تابعان في ذلك لابن السيد، وأبي البقاء، وقال بعضهم: إن "تكون" عاملة، واسمها ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنت، وخبرها محذوف، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر. ومما جاء بزيادة "تكون" بلفظ المضارع، قول حسان بن ثابت: كأنْهُ سبيئةٌ من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماءُ فعلى رواية رفع "مزاجها عسل وماء" على أنها جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع صفة لـ "سبيئة" فذهب بعضهم إلى زيادة "يكون" على هذه الرواية، وذهب بعضهم إلى أن يكون" عاملة، واسمها ضمير شأن محذوف، ومزاجها عسل وماء، من المبتدأ والخبر، في محل نصب خبرها. ١ ليس المراد بزيادتها أنها لا تدل على معنى البتة، بل إنها لم يؤتَ بها للإسناد، وإلا فهي دالة على المضي، ولذلك كثرت زيادتها بين ما التعجبية، وفعل التعجب، لكونه سلب الدلالة على المضي، قال الدنوشري: قال بعضهم: زيدت "كان" قبل فعل التعجب، لتدل على أن المعنى المتعجب منه، كان فيما مضى، وهو عوض عما منع منه فعل التعجب من التصرف، وإنما اختصت كان بهذا دون سائر الأفعال الماضية؛ لأنها أم الأفعال، فلا تنفكّ عن معناها غالبا. ومن أمثلة زيادة "كان" بين ما التعجبية، وفعل التعجب، قول الشاعر: لله در أنوشروان من رجل ما كان أعرفه بالدون والسفل ونحو قول شاعر الحماسة: أبا خالد ما كان أدهى مصيبة أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا ونحو قول عروة بن أبي أذينة: ما كان أحسن فيك العيش مؤتنفا غضا، وأطيب في آصالك الأصلا انظر شرح التصري؛ ١/ ١٩١-١٩٢. والأشموني مع الصبان: ٢٣٩-٢٤١، وابن عقيل "دار الفكر": ١/ ٢٢٣-٢٢٦. ٢ لم ينسب إلى قائل معين.
[ ١ / ٢٥٠ ]
٩٢- على كان المسومة العراب١
وليس من زيادتها قوله٢: [الوافر]
٩٣- وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ٣
لرفعها الضمير، خلافا لسيبويه
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: سراة بني أبي بكر تسامى ويروى: جياد بني أبي بكر تسامى وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٢، وابن عقيل: "٧٠/ ١/ ٢٩١"، والأشموني: "١٩٩/ ١/ ١١٨" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٠، والدرر اللوامع: ١/ ٨٩، وشرح المفصل: ٧/ ٩٨، ١٠٠، والخزانة:٤/ ٣٣ والعيني: ٢/ ٤١، وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٩١. المفردات الغريبة: سراة جمع سري، وهو السيد الشريف. تسامى: من السمو وهو العلو والرفعة، وأصله تتسامى. المسومة: الخيل التي جعلت لها سومة، أي علامة، لتعرف حين تترك في المرعى، فيعرفها أصحابها. العراب: العربية، وهي خلاف البراذين والبخاتي. المعنى: سادات قبيلة بني بكر، وعظماؤها، تتسابق وتختال على تلك الخيول العربية، التي جعلت لها علامة تميزها عن غيرها من الخيول. الإعراب: سراة: مبتدأ. بنى: مضاف إليه، وهو مضاف. أبي: مضاف إليه، وهو مضاف. بكر: مضاف إليه. تسامى: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هي، وجملة "تتسامى": في محل رفع خبر المبتدأ. على حرف جر. كان: زائدة. المسومة: اسم مجرور بـ "على". العراب: صفة لـ "المسومة". موطن الشاهد: "على كان المسومة". وجه الاستشهاد: زيادة "كان" بين الجار والمجرور، وحكم زيادتها بينها شاذ؛ لأن الجار والمجرور كالشيء الواحد. ٢ القائل هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فكيف إذا مررت بدار قوم؟ وهو من قصيدة، يمدح فيها الشاعر هشام بن عبد الملك، وقيل سليمان بن =
[ ١ / ٢٥١ ]
_________________
(١) = عبد الملك، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٢، وابن عقيل "٦٩/ ١/ ٨٩"، والأشموني: "١٩٦/ ١/ ١١٧" والكتاب لسيبويه: ١/ ١٩٢، والجمل للزجاجي: ٦٢، والخزانة: ٤/ ٣٧، والعيني: ٢/ ٤ ومغني اللبيب "٥٢٦/ ٣٧٧" وشرح شواهد المغني للسيوطي: ٢٣٦، وديوان الفرزدق: ٨٣٥. المعنى: كيف يكون حالك وشعورك، إذا مررت بديار قومنا وجيراننا المعروفين بالجود والكرم والسخاء؟ الإعراب: كيف: اسم استفهام، أشرب معنى التعجب، في محل نصب على الحال من فاعل فعل محذوف، والتقدير: كيف أكون، أو نحو ذلك، أو "كيف" اسم استفهام أشرب معنى التعجب في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: كيف حالتك، وهذا الوجه أفضل من الأول. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. متضمن معنى الشرط، في محل نصب على الظرفية الزمانية. مررت: فعل ماضٍ وفاعل و"الجملة": في محر جر بالإضافة. "بدار": متعلق بـ "مررت". قوم: مضاف إليه. وجيران: الواو عاطفة، جيران: اسم معطوف على "دار". لنا": متعلق بمحذوف خبر "كان" المتقدم عليها. كانوا: فعل ماضٍ ناقص، والواو: اسمها- على رأي المؤلف والجملة: صفة لـ "جيران". وكرام: صفة ثانية. موطن الشاهد: "وجيران لنا كانوا كرام". وجه الاستشهاد: استشهد بعضهم بهذا البيت على زيادة "كان" بين الصفة والموصوف، أي: بين "كرام" و"جيران"، وممن ذهب هذا المذهب سيبويه، ورد المؤلف عليه أن من شرط زيادة "كان" أن تزاد وحدها وليس مع اسمها، وأنكر زيادتها في هذا البيت، وسبق المؤلف إلى إنكار زيادتها في هذا البيت المبرد، وكثير من النحويين، حيث اعتبر المبرد أن "كان" الزائدة، تكون مجردة، لا اسم ولا خبر، وخرج هذا البيت على أن قوله: "لنا" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "كان" المتقدم عليها، كما بينا في الإعراب، وأن "الواو" المتصلة بها اسمها، وعلى هذا يكون الشاعر فصل بين الصفة والموصوف بجملة كاملة "كان واسمها وخبرها"، وعلى هذا تكون هذه الجملة في محل جر صفة أولى لـ "جيران" وتكون "كرام" صفة ثانية، والوصف بالمفرد بعد الوصف بالجملة، لا ضعف فيه؛ لأنه جاء في التنزيل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك﴾ . وأما توجيه مذهب سيبويه: فإن اتصالها باسمها، لا يمنع زيادتها؛ لأنهم يلغون "ظننت" الناسخة متأخرة ومتوسطة في نحو: "زيد قائم ظننت"، و"زيد ظننت قائم" ولم يمنع إسنادها إلى اسمها من إلغائها، وهو يرى: أن اللجوء إلى تقديم خبر "كان" عليها عدول عما هو الأصل إلى شيء غيره. انظر شرح التصريح: ١/ ١٩٢. وحاشية الصبان: ١/ ٢٤٠.
[ ١ / ٢٥٢ ]
[اختصاص كان بجواز حذفها على أربعة أضرب]:
ومنها: أنها تحذف، ويقع ذلك على أربعة أوجه:
أحدها، وهو الأكثر: أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وكثر ذلك بعد "إن" و"لو" الشرطيتين"١.
مثال "إن" قولك: "سر مسرعا إن راكبا وإن ماشيا، وقوله٢: [الكامل]
٩٤- إن ظالما أبدا وإن مظلوما٣
_________________
(١) ١ علة الكثرة بعد "إن" و"لو" أنهما من الأدوات التي تطلب فعلين، فبالحذف يخف طول الكلام، وخصتا بذلك من بين أدوات الشرط؛ لأن "إن" أُمُّ أدوات الشرط الجازمة، و"لو" أُمُّ الأدوات غير الجازمة، والنحاة يتوسعون في الأمهات. التصريح: ١/ ١٩٣، وحاشية الصبان: ١/ ٢٤٢. ٢ القائل هو: النابغة الذبياني، أبو أمامة أو ثمامة، زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني، شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى من أهل الحجاز، والحكم على الشعراء في سوق عكاظ، وهو أشعر شعراء عصره؛ لحسن ديباجته، ورونق كلامه، وقلة سقطه وحشوه. الشعر والشعراء: ١/ ١٥٧، والأغاني: ١١/ ٣. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، وصدره قوله: حدبت عليَّ بطون ضبة كلها ورواية العجز الصحيحة لبيت النابغة هي: إن ظالما فيهم وإن مظلوما والبيت: رابع خمسة أبيات للنابغة الذبياني، يرد فيها على يزيد بن أبي حارثة بن سنان، وكان يزيد يعير النابغة. وهو من شواهد: سيبويه: ١/ ٢٦٢، والأشموني: "٢٠٤/ ١/ ١١٩"، وديوان النابغة: ٧٠. ومثل الشاهد، قول ليلى الأخيلية: لا تقربن الدهر آل مطرف إن ظالما أبدا وإن مظلوما وبهذه الرواية، جاء الاستشهاد في أغلب كتب النحو، وهو من شواهد: ابن عقيل: "٧٠/ ١/ ٢٩٤" وهمع الهوامع: ١/ ١٢١، والدرر اللوامع ١/ ٩٠، وقطر الندى: "٤٨/ ١٨٦" والتصريح على التوضيح: ١/ ١٩٣. المفردات الغريبة: حدبت: من حدب عليه بكسر الدال، إذا عطف ورق. ضبة: بفتح الضاد وتشديد الباء هو ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار، ويروى "ضنة" بكسر الضاد وتشديد النون، وهو ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقولهم: "الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر"١، أي: إن كان عملهم خيرا فجزاؤهم خير، ويجوز "إن خيرا فخيرا" بتقدير: إن كان في عملهم خير فيجزون خيرا، ويجوز نصبهما٢ ورفعهما٣، والأول أرجحها، والثاني أضعفها، والأخيران متوسطان.
_________________
(١) = المعنى: يقول النابغة، أن بطون بني ضبة كلها يعطفون عليَّ، وينصرونني على من أعاديه، ويأخذون بيدي، ويعينونني ظالما كنت أو مظلوما، وهو يريد القول: لا تطمع في النيل مني؛ لأن قومي لا يسلمونني. الإعراب: حديث: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. بطون: فاعل مرفوع. ضبة: مضاف إليه ممنوع من الصرف. كلها: توكيد لـ "بطون"، و"ها" مضاف إليه. إن: شرطية جازمة. ظالما: خبر لـ "كان" المحذوفة فعل الشرط. وإن: "الواو عاطفة"، إن: شرطية جازمة. مظلوما: خبر لـ "كان" المحذوفة مع اسمها أيضا، وجواب الشرط في الموضعين محذوف؛ لدلالة سيق الكلام عليه، والتقدير: إن كنت ظالما فقد حدبوا علي، وإن كنت مظلوما فقد حدبوا علي، أو نحو ذلك. موطن الشاهد: "إن ظالما، إن مظلوما". وجه الاستشهاد: حذف "كان" مع اسمها في الموضعين مع بقاء خبرها، وحكم حذفها مع اسمها، مع بقاء خبرها جائز باتفاق، وبكثرة بعد "إن" و"لو" الشرطيتين، كما أوضح المؤلف في المتن. ومثل هذا الشاهد، قول ليلى الأخيلية: لا تقربن الدهر آل مطرف إن ظالما أبدا وإن مظلوما. والتقدير: لا تقربن هؤلاء القوم إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما؛ لأنك إن كنت ظالما، فلن تستطيع النيل منهم، وإن كنت مظلوما، فلن تقوى على الانتصاف منهم. ١ ومثل هذا حديث صحيح رواه البخاري في كتاب التمني، باب ما يكره من التمني قوله ﷺ: "لا يتمنى أحدكم الموت؛ إما محسنا فلعله يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب" قال ابن مالك في تخريجه: "أصله إما يكون محسنا، وإما يكون مسيئا فحذف يكون مع اسمها مرتين وأبقى الخبر، وأما المذكور في المتن فالأغلب أنه ليس حديثا وإن صح معناه. ٢ ويكون التقدير: إن كان عملهم خيرا فيجزون خيرا. انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٤٢، والأسرار المرفوعة: ٣٦٨. ٣ والتقدير: إن كان في عملهم خير فجزاؤهم خير.
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومثال لو، [الحديث]: "التمس ولو خاتما من حديد" ١، وقوله٢: [البسيط]
٩٥- لا يأمن الدهرَ ذو بغي ولو مَلَكَا٣
_________________
(١) ١ هذه قطعة من حديث نبوي، رواه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، من حديث سهل بن سعد ﵁، وقصته أن امرأة عرضت نفسها على النبي ﷺ، فقال له رجل: يا رسول الله، زوجنيها، فقال: "ما عندك؟ " فقال: ما عندي شيء، قال: "اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد"، فقال: ولكن هذا إزاري، ولها نصفه، فقال النبي ﷺ: "وما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها شيء منه، وإن لبسته لم يكن عليك شيء منه"، فجلس الرجل حتى إذا أتم مجلسه، قام فرآه النبي ﷺ فدعاه، فقال له: "ماذا معك من القرآن"؟، فقال معى سورة كذا وسورة كذا فقال ﷺ: "ملكتكها بما معك من القرآن". البخاري: ٩/ ٧٨، ١٣١، ١٧٥، ١٩٨، وصحيح مسلم: ٢/ ١٠٤١. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: جنوده ضاق عنها السهل والجبل وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٣، والأشموني: "٢٠٥/ ١/ ١١٩" وهمع الهوامع: ١/ ١٢١، والدرر اللوامع: ١/ ٩١، الخزانة: ١/ ١٢٤ عرضا، والعيني: ٢/ ١٥٠، ومغني اللبيب: "٤٧٤/ ٣٥٤" شرح شواهد المغني: ٢٢٥، وقطر الندى "٤٩/ ١٨٧". المفردات الغريبة: بغي: ظلم ومجاوزة للحد، "والبغي على ضربين، أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والثاني: مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل"، والمقصود هنا المعنى الأول. المعنى: لا يأمن صروف الدهر وتقلباته صاحب ظلم، ولو كان ملكا جنوده كثيرون، وأعوانه فوق الحصر والعد، فكل باغ مصروع، والظلم مرتعه وخيم. الإعراب: لا: ناهية جازمة. يأمن: فعل مضارع مجزوم، وحرك بالكسر؛ لالتقاء الساكنين. الدهر: مفعول به. ذو: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة. بغي: مضاف إليه. ولو: الواو عاطفة على محذوف. لو: حرف شرط غير جازم. ملكا: خبر لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، والتقدير: ولو كان الباغي ملكا. جنوده: مبتدأ، ومضاف إليه. ضاق: فعل ماضٍ. "عنها": متعلق بـ "ضاق". السهل: فاعل مرفوع. والجبل: الواو عاطفة، الجبل: اسم معطوف على السهل، وجملة "ضاق عنها السهل والجبل": في محل رفع خبر المبتدأ "جنوده" وجملة "جنوده ضاق": في محل نصب صفة لـ "ملكا". موطن الشاهد: "ولو ملكا". وجه الاستشهاد: حذف كان مع اسمها مع بقاء خبرها بعد "لو" الشرطية، وحكم هذا الحذف الجواز باتفاق.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وتقول: "ألا طعام ولو تمرا"، وجوَّز سيبويه الرفع بتقدير: ولو يكون عندنا تمر١، وقل الحذف المذكور بدون إن ولو، كقوله٢: [مشطور الرجز]
٩٦- من لَدُ شولا فإلى إتلائِها٣
_________________
(١) ١ فيكون قد حذف "يكون" وخبرها وأبقى اسمها. ٢ لم ينسب إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا الكلام يجري بين العرب مجرى المثل، وهو من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف لها قائل، سيبويه: ١/ ١٣٤، والتصريح: ١/ ١٩٤، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٢، والدرر اللوامع: ١/ ٩١، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٢٢، وشرح المفصل: ٤/ ١٠١، ٨/ ٣٥، وخزانة الأدب: ٢/ ٤٨، والعيني: ٢/ ٥١، ومغني اللبيب "٧٨١/ ٥٥١"، وشرح السيوطي: ٢٨٣. المفردات الغريبة: لد: لغة في "لدن" بمعنى "عند". شولا" قيل هو مصدر بمعنى اسم الفاعل، من شالت الناقة بذنبها رفعته عند اللقاح، وقيل: هو اسم جمع لشائلة على غير قياس. والشائلة: الناقة التي خف لبنها وارتفع ضرعها، ومضى عليها من ولادتها سبعة أشهر أو ثمانية. إتلائها: مصدر أتلت الناقة إذا تلاها ولدها أي تبعها. المعنى: علمت كذا وكذا من وقت أن كانت النياق شوائل إلى أن تبعها أولادها. الإعراب: من: حرف جر. "لد": ظرف زمان مبني على الضم في محل جر. و"من لد": متعلق بمحذوف، والتقدير: "ربيتها من لد"، أو "علمت من لد" أو نحو ذلك. شولا: خبر لـ "كان المحذوفة" مع اسمها. فإلى: الفاء عاطفة. "إلى اتلائها": متعلق بما تعلق به "من لد"، و"ها" مضاف إليه. موطن الشاهد: "من لد شولا". وجه الاستشهاد: حذف "كان" واسمها، مع بقاء خبرها، وهو "شولا" بعد "لد"، وحكم هذا الحذف القلة، وعده ابن عقيل شاذا، وذهب بعضهم إلى أن "شولا" مفعول مطلق لفعل محذوف، وليس خبرا لـ "كان"، والتقدير: من لد شالت الناقة شولا، ولا شاهد في البيت على هذا التخريج، وزعم بعضهم أن "شولا" منصوب على التمييز، أو التشبيه بالمفعول به، كما ينصب لفظ "غدوة" بعد "لدن" ولكن خص بعضهم هذا الحكم بغدوة، ولا شاهد فيه حينئذ، والصواب: ما ذهب إليه سيبويه ومن وافقه من تقدير: "من لد أن كانت شولا". انظر شرح التصريح: ١/ ١٩٤. وشرح الأشموني "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": "٢٠٦/ ١/ ٣٨٦".
[ ١ / ٢٥٦ ]
قدره سيبويه: من لد أن كانت شولا١.
الثاني: أن تحذف مع خبرها ويبقى الاسم، وهو ضعيف، ولهذا ضعف "ولو تمر، وإن خير" في الوجهين.
الثالث: أن تحذف وحدها، وكثر ذلك بعد "أن" المصدرية في مثل: "أما أنت منطلقا انطلقت"، أصله: انطلقت لأن كنت منطلقا، ثم قدمت اللام وما بعدها على انطلقت للاختصاص، ثم حذفت اللام للاختصار، ثم حذفت "كان" لذلك فانفصل الضمير، ثم زيدت "ما" للتعويض ثم أدغمت النوت في الميم للتقارب، وعليه قوله٢: [البسيط]
٩٧- أبا خراشة أما أنت ذا نفر٣
أي: لأن كنت ذا نفر فَخَرْتَ، ثم حذف متعلق الجار.
_________________
(١) ١ قدر سيبويه "أن" بعد "لد"؛ لأنه لا يرى إضافتها إلى الجمل. ٢ هو العباس بن مرداس، فارس مشهور من فرسان الجاهلية، كانت له أيام مع خفاف بن ندبة السلمى، أسلم قبل فتح مكة، وحضر مع النبي ﷺ يوم الفتح مع قومه بني سليم، وهو أحد المؤلفة قلوبهم، وله ولد يسمى جاهمة، من رواة الحديث. الشعر والشعراء: ١/ ٣٠٠، والأغاني: ١٣/ ٦٢، والخزانة: ١/ ١٧، اللآلي: ٣٢. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فإن قومي لم تأكلهم الضُبُعُ والشاعر يخاطب خفاف بن ندبة، أبا خراشة، وخفاف هذا شاعر مشهور، وفارس من فرسان قيس، وهو ابن عم صخر ومعاوية، وأختهما الخنساء الشاعرة المشهورة. وهو من شواهد: التصريح ١/ ١٩٥، والأشموني: "٢٠٧/ ١/ ١١٩١"، وابن عقيل: "٧٤/ ١/ ٢٩٧" وشذور الذهب: "٨٦/ ٢٤٧" وقطر الندى: "٤٧/ ١٨٥": وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٩٤، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٤٨، والخصائص: ٢/ ٣٨١ والمنصف: ٣/ ١١٦، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤، ٣٥٣، ٢/ ٣٥٠، والإنصاف: ٧١ وشرح المفصل: ٢/ ٩٩، ٨/ ١٣٢، والمقرب: ٥٦، والعيني: ٢/ ٥٥، وهمع الهوامع: ١م ١٢٣، والدرر اللوامع: ١/ ٩٢ ومغني اللبيب، ذكره عدة مرات منها: "٤٤/ ٥٤" "٨٦/ ٨٤"، السيوطي: ٤٣، ٦٥. =
[ ١ / ٢٥٧ ]
وقلَّ بدونها، كقوله١: [الكامل]
٩٨- أزمان قومي والجماعة كالذي٢
_________________
(١) = المفردات الغريبة: أبو خراشة: كنية شاعر صحابي، اسمه: خفاف بن ندبة، أحد فرسان قيس، وندبة: اسم أمه. نفر: أي جماعة يعتز بهم، والنفر: الرجال من ثلاثة إلى تسعة. الضبع: أصله الحيوان المعروف، والمراد هنا: السنوات المجدبة. المعنى: لا تفخر علي أبا خراشة بكثرة قومك الذين تعتز بهم وبشجاعتهم؛ لأنني أفاخر بقومي أصحاب القوة والمنعة، الذين لم تأكلهم السنوات المجدبة، ولم تؤثر فيهم الأرزاء والأزمات. الإعراب: أبا: منادى مضاف بحرف نداء محذوف، منصوب وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة. خراشة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. أما: مركبة من "أن المصدرية" المدغمة في "ما" الزائدة النائبة عن "كان" المحذوفة: أنت: اسم كان المحذوفة. ذا نفر: خبر "كان" المحذوفة، ومضاف إليه، والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر بلام تعليل محذوفة، والتقدير: لكونك ذا نفر. فإن: الفاء تعليلية، أو زائدة. إن: حرف مشبه بالفعل. قومي: اسمه، ومضاف إليه. لم: نافية جازمة. تأكلهم: فعل مضارع مجزوم، و"هم" مفعول به، الضبع: فاعل وجملة "لم تأكلهم الضبع": في محل رفع خبر "إن". موطن الشاهد: "أما أنت ذا نفر". وجه الاستشهاد: حذف "كان" الناقصة وحدها، والتعويض عنها بـ "ما" الزائدة، المدغمة في نون "أن" المصدرية، وبقاء اسمها، وهو الضمير المنفصل "أنت"، وكذا خبرها: "ذا نفر"، والبصريون يقدرون: "فخرت علي لأن كنت ذا نفر"، فحذفت لام التعليل ومتعلقها، فصار الكلام: أن كنت ذا نفر، ثم حذفت "كان" لكثرة الاستعمال ابتغاء التخفيف، فانفصل الضمير، الذي كان متصلا بها؛ لأنه لم يبين في الكلام عامل يتصل به، ثم عوض عن "كان" بـ "ما" الزائدة، فالتقى حرفان متقاربان، نون "أن" المصدرية، وميم "ما" الزائدة، فأدغما فصار الكلام: أما أنت ذا نفر. شرح التصريح: ١/ ١٩٥. ١ القائل: هو عبيد بن حصين الراعي، المعروف براعي الإبل، أبو جندل من بني نمير، وكان يقال لأبيه في الجاهلية معاوية الرئيس، وكان سيدا، وإنما قيل له الراعي؛ لأنه كان يكثر من وصف راعي الإبل في شعره، وقد عاصر الشاعر جريرا والفرزدق، وكان أميل إلى الفرزدق فهجاه جرير، مات سنة: ٩٠هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٤١٥، الأغاني: ٢٠/ ١٦٨، المؤتلف: ١٢٢، الخزانة: ١/ ٥٠٢. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: لَزِمَ الرحالة أن تميلَ ممِيلا
[ ١ / ٢٥٨ ]
قال سيبويه: أراد أزمان كان قومي.
_________________
(١) = وهو من قصيدة طويلة، يخاطب فيها الشاعر الخليفة عبد الملك بن مروان الأموي، ويذكر فيها التزام قومه الطاعة، وعدم اشتراكهم في مقتل عثمان، ولا فيما تلاه من الفتن، ويخص خروج عبد الله بن الزبير على بني أمية، وقبل الشاهد قوله: إني حلفت على يمين برة لا أكذب اليوم الخليفة قيلا ما زرت آل أبي خبيب وافدا يوما أريد لبيعتي تبديلا من نعمة الرحمن، لا من حيلتي إني أعد له على فضولا وقد ذكر صاحب جمهرة أشعار العرب كامل القصيدة. جمهرة أشعار العرب "ط. بولاق": ١٧٢. والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٥، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٢ والدرر اللوامع: ١/ ٩٢ وسيبويه: ١/ ٥٤، والمقرب: ٦٤، والعيني: ٢/ ٩٥، ٣/ ٩٩، والخزانة: ١/ ٥٠٢، وجمهرة القرشي: ١٧٢، وديوانه: ١٤٦. المفردات الغريبة: أزمان: جمع زمن وزمان، وما اسمان لقليل الوقت وكثيره. الرحالة: سرج من جلد ليس فيه خشب يتخذ للركض الشديد، والجمع: رحائل. مميلا: مصدر ميمي -بمعنى الميلان- أي الانحراف. المعنى: يصف الشاعر ما كان من استقامة الأحوال، واجتماع الكلمة، قبل عثمان ﵁ وبعده، فشبه حال قومه في تماسكهم وارتباطهم بالجماعة، وعدم تنافرهم، والتزامهم الطاعة بحالة راكب لزم الرحل، خوفا من أن يميل ميلا، أي ينحرف انحرافا. الإعراب: أزمان: مفعول فيه لفعل سابق. قومي: فاعل، أو اسم لـ "المحذوفة"، و"الياء": في محل جر بالإضافة. والجماعة: الواو واو المعية، الجماعة: مفعول معه منصوب، وعامله "كان" "كالذي": متعلق بخبر "كان" إن عدت ناقصة، وبمحذوف حال، إن عدت تامة. لزم: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. الرحالة: مفعول به لـ "لزم". أن: حرف مصدري ونصب. تميل: فعل مضارع منصوب بـ "أن" والفاعل: هو. مميلا: مفعول مطلق، والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": مجرور بـ "لام" تعليل محذوفة، والجار والمجرور متعلقان بـ "لزم"، أو أن المصدر المؤول منصوب على أنه مفعول لأجله. موطن الشاهد: "أزمان قومي". وجه الاستشهاد: حذف "كان" وحدها من دون أن يتقدم عليها "أن" المصدرية، ولم يعوض عنها بـ "ما"، وفيه شاهد آخر، وهو: نصب الاسم الواقع بعد واو المعية، من =
[ ١ / ٢٥٩ ]
الرابع: أن تحذف مع معموليها، وذلك بعد "إن" في قولهم: "افعل هذا إما لا"، أي: إن كنت لا تفعل غيره، فما عوض، ولا النافية للخبر.
[اختصاص كان بجواز حذف نون مضارعها]:
ومنها: أن لام مضارعها يجوز حذفها، وذلك بشرط كونه مجزوما بالسكون، غير متصل بضمير نصب، ولا بساكن، نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ١،
_________________
(١) = غير أن يتقدم عليه لفظا فعل يعمل فيه، ولهذا قدر سيبويه "كان"؛ لأنها تقع في مثل ذلك الموضع كثيرا، وقدر سيبويه البيت كالتالي: "أزمان كان قومي والجماعة". انظر شرح التصريح: ١/ ١٩٥. فائدة: لم يجعل النحاة "قومي" مبتدأ؛ لأنه يبقى المفعول معه منصوبا بلا عامل من فعل أو شبهة، لا لفظا ولا تقديرا، وهذا غير جائز عندهم، ولأنه يلزم إضافة ظرف الزمان إلى الجملة الاسمية، وهو لا يذاف إلا إلى الجملة الفعلية، أو إلى مصدر يقوم مقامها، نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُم﴾، ونحو: "هذا يوم ظهور النوايا"، وإذا وقع الكلام ظاهره إضافة اسم الزمان إلى غير الجملة الفعلية، أو المصدر، وجب تأويله، نحو: "يوم بدر"، فهو يؤول بمصدر، يضاف اسم الزمان إليه، فالتقدير: يوم حرب بدر. انظر أوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٦٧-٢٦٨. ١ "١٩" سورة مريم، الآية: ٢٠. موطن الشاهد: ﴿لَمْ أَكُ بَغِيَّا﴾ . وجه الاستشهاد: حذف نون "أك"؛ لأن الفعل أتى بصيغة المضارع، وهو مجزوم بـ "لم" وغير متصل بضمير نصب، ولا بساكن، وحكم حذف النون في هذه الحال جائز باتفاق. ومثل الآية الكريمة في حذف النون من المضارع المستوفي للشروط، ما أنشده الأصمعي: فإن يك هذا عهد ريا وأهلها فهذا الذي كنا ظننا وظنَّتِ وقول ضابئ بن الحارث البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب وقول الشنفرى وفيه ثلاثة شواهد: فلم يك إلا نبأة ثم هومت فقلنا: قطاة ريع أم ريع أجدل فإن يك من جن لأبرح طارقا وإن يك إنسا ما كها الإنس يفعل أي: ما يفعل الإنس مثلها.
[ ١ / ٢٦٠ ]
بخلاف: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ١، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ ٢؛ لأنتفاء الجزم، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ٣؛ لأن جزمه بحذف النون، ونحو: "إن يكنه فلن تسلط عليه" ٤؛ لاتصاله بالضمير، ونحو: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُم﴾ ٥؛ لاتصاله بالساكن، وخالف في هذا يونس٦، فأجاز الحذف، تمسكا بنحو قوله٧: [الطويل]
٩٩- فإن لم تك المرأة أبدت وسامة٨
_________________
(١) ١ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٣٥. موطن الشاهد: ﴿مَنْ تَكُونُ﴾ . وجه الاستشهاد: عدم جواز حذف نون "تكون"؛ لأنه لم يتقدم عليه الجازم. ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٧٨. موطن الشاهد: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ . وجه الاستشهاد: عدم جواز حذف نون "تكون"؛ لأنه لم يتقدم عليه الجازم. ٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٩. موطن الشاهد: ﴿وَتَكُونُوا﴾ . وجه الاستشهاد: عدم جواز حذف نون "تكون"؛ لأن جزمه هنا بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. ٤ هذا جزء من حديث نبوي شريف، مر تخريجه وشرح والتعليق عليه. ٥ "٤" سورة النساء، الآية: ١٣٧. موطن الشاهد: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾ . وجه الاستشهاد: عدم جواز حذف نون "يكن"؛ لاتصال الفعل بالساكن بعده، وهو لام التعريف، فالنون مكسورة؛ لأجله، وهي متعاصية عن الحذف لقوتها بالحركة خلافا لـ "يونس بن حبيب". ٦ يونس بن حبيب: أبو عبد الرحمن الضبي المصري، أخذ عن أبي العلاء، وحماد بن سلمة، إمام في النحو واللغة، وله فيه قياس ومذاهب تروى عنه، أخذ عنه الكسائي والفراء، وروى عنه سيبويه كثيرا، كانت له حلقة بالبصرة يؤمها أهل العلم وطلاب العربية، له من التصانيف: معاني القرآن، واللغات، والنوادر، والأمثال. مات في خلافة هارون الرشيد سنة ١٨٢هـ. وقد قارب التسعين. ولم يتزوج. البلغة: ٢٩٥، بغية الوعاة: ٢/ ٣٦٥، وفيات الأعيان: ٢/ ٥٥١، طبقات القراء: ٢/ ٢٤٧. ٧ القائل: هو الخنجر بن صخر الأسدي، ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٨ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
[ ١ / ٢٦١ ]
وحمله الجماعة على الضرورة كقوله١: [الطويل]
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٦، والأشموني: "٢٠٩/ ١/ ١٢٠"، وهمع الهوامع: "١/ ١٢٢" والدرر اللوامع: "١/ ٩٣"، والمقتضب: ٣/ ١٦٧، والإنصاف: ١/ ٤٢٢، والعيني: ٢/ ٦٣. المفردات الغريبة: المرآة: معروفة، وسميت بذلك؛ لأنها آلة الرؤية. أبدت: أظهرت. وسامة: حسنا وجمالا وبهاء منظر. ضيغم: أسد. المعنى: نظر الشاعر في المرآة، فلم يرقه منظره، فقال مسليًا نفسه: إن لم تظهر المرآة جمالا وحسن منظر فقد أظهرت وجه أسد في الإقدام والشجاعة. الإعراب: إن: شرطية جازمة. لم: نافية جازمة. تك: فعل مضارع ناقص، مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا. المرآة: اسم "تكن". أبدت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي، وجملة "أبدت": في محل نصب خبر "تك"، وجملة "تكن واسمها وخبرها": في محل جزم فعل الشرط. فقد: الفاء رابطة لجواب الشرط. قد: حرف تحقيق. أبدت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. المرآة: فاعل مرفوع. جبهة: مفعول به. ضيغم: مضاف إليه. وجملة "أبدت المرآة جبهة": في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "لم تك المرآة". وجه الاستشهاد: حذف نون "تكن" المجزوم بسكون النون، على الرغم من أنه وليها ساكن، وحذف "النون" في هذه الحالة ضرورة عند الجمهور جائزة عند يونس بن حبيب شيخ سيبويه، حيث يعد الحذف في هذا الموضع جائزا في سعة الكلام، وأنه غير مختص بضرورة الشعر، واستشهد بالآية الكريمة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ على قراءة "لم يك" بحذف النون، واستشهد بقول الشاعر: لم يك الحق سوى أن هاجه رسم دار قد تعفى بالسرر قول الآخر: إذا لم تك الحاجات من همة الفتى فليس بمغنٍ عنك عقد الرتائم فائدة: إذا استوفى الحذف شروطه كلها، فهو جائز باتفاق، كما أسلفنا، ومثاله قول مضرس بن ربعي، أو محمد بن عبد الله الأزدي، أو غيرهما: فإن تك تعفو يعف عنك، وإن تكن تقارع بالأخرى تصبك القوارع فحذف نون الأولى، وأثبت نون الثانية. ١ القائل هو: النجاشي الحارثي، واسمه: قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب، كان فاسقا رقيق الإسلام شاربا للخمر هجاء، أصاب بلسانه كثيرا من الناس، فشكوه إلى أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، وإلى على بن أبي طالب، ﵄، فسجنه. الشعر والشعراء: ١/ ٣٢٩، الإصابة: ٦/ ٢٦٣، الخزانة: ٤/ ٣٦٨، اللآلي: ٨٩٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
١٠٠- ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فلست بآتيه ولا أستطيعه وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٦، والأشموني: "٢٥٧/ ١/ ١٣٦"، والكتاب لسيبويه: ١/ ٩ والخصائص: ١/ ٣١، والمنصف: ٢/ ٢٢٩، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣١٥، والإنصاف: ٢/ ٦٨٤ وشرح المفصل: ٩/ ١٤٢، والخزانة: ٤/ ٣٦٧، والمغني: "٥٣٩/ ٣٨٤"، والسيوطي: ٢٣٩. والبيت من عدة أبيات في وصف "ذئب" رواها ابن الشجري في حماسته، والأبيات هي: وماء كلون الغسل قد عاد آجنا قليل به الأصوات في بلد محل وجدت عليه الذئب بعوي كأنه خليع خلا من كل ماء ومن أهل فقلت له: يا ذئب، هل لك في فتى يواسي بلا منٍّ عليك ولا بخل؟ فقال: هداك الله للرشد! إنما دعوت لما لم يأته سبُعٌ مثلي فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ فقلت: عليك الحوض، إني تركته وفي صفوه فضل القلوص من السجل المعنى: يقال: إنه عرض للشاعر ذئب في سفره، فدعاه إلى طعامه ومؤاخاته، غير ممتنٍّ عليه بذلك، فقال له الذئب: لقد دعوتني إلى شيء لم تفعله السباع قبلي، ولست بآتٍ طعامك، ولا أستطيع إتيانه، ولكن إن كان فيما معك من الماء زيادة فاسقني منه. الإعراب: لست: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. "بآتيه" الباء حرف جر زائد. آتي: خبر ليس، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة، لتأكيد النفي. أستطيعه: فعل مضارع مرفوع والفاعل: أنا، و"الهاء": مفعول به. ولاك: الواو استئنافية. لاك: حرف استدارك. اسقني: فعل أمر مبني على حذف الياء، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، إن: شرطية جازمة. كان: فعل ماضٍ ناقص، ماؤك: اسم "كان" والكاف: مضاف إليه. ذا: خبر "كان" منصوب بالألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. فضل: مضاف إليه، وجملة "كان ماؤك ذا فضل": في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، لدلالة السياق عليه. موطن الشاهد: "ولاك اسقني".
[ ١ / ٢٦٣ ]
[الحروف المشبهة بـ "ليس"]:
في ما ولا ولات وإن المعملات عمل ليس تشبيها بها١.
_________________
(١) وجه الاستشهاد: حذف نون "لكن" التي لو ذكرت، لكانت متحركة بالكسر؛ لالتقاء الساكنين: سكون نونها، وسكون السين في "اسقني"، وحذفها هنا نظير حذف النون من "يكن" إذا وليها ساكن، ورأينا أن الجمهور يعدون حذفها ضرورة؛ لأنها متحصنة بحركة الكسر العارضة عن الحذف، ولأن "النون" حذفت وهي ساكنة؛ لضعف الحرف الساكن، مع ضعفها نفسها وشبهها بأحرف اللين التي تحذف في الجزم، وأما يونس فلم يعتدَّ بهذا التحرك العارض؛ بسبب التقاء الساكنين، ويزعم بأن الحركة التي يقوى بها الحرف، ويتحصن بها من الحذف الحركة الأصلية. فائدتان: "أ": إذا دخلت أداة النفي على فعل من النواسخ المتقدمة غير زال وأخواتها فالمنفي هو الخبر، فإذا قلت: ما كان العدو خائفا وقع النفي على الخوف، فإذا أريد نفي الاسم، وإيجاب الخبر لغرض بلاغي، كالحصر مثلا، أتى بكلمة "إلا" فتقول: ما كان العدو إلا خائفا. ب: إذا كان خبر الناسخ منفيا، جاز دخول حرف الجر الزائد عليه، تقول: ما كان محمد بِمُتَّهم، فمُتَّهم خبر كان مجرور لفظا بالباء الزائدة، وفي محل نصب؛ لأنه خبر، وهذا عام في جميع أخبار النواسخ المنفية. إلا زال وأخواتها؛ لأن أخبارها موجبة. ضياء السالك: ١/ ٢٣٥. ١ من حق الحرف المشترك بين الأسماء والأفعال أن يكون مهملا، كما بينا سابقا، ولكن شبهة هذين الحرفين بـ "ليس" جعل العرب يعملونهما عمل "ليس" التي ترفع الاسم وتنصب الخبر. "وما" أشبهت ليس في ثلاثة أمور: أحدها: أنها تدل على النفي، كما أن ليس تدل على النفي، وليس الأمر قاصرا على هذه الدلالة، بل هو أقوى من مجرد الدلالة على النفي، فإن "ما" تدل على النفي في الحال كما أن "ليس" تدل على النفي في الحال. الثاني: أنَّا وجدنا "ما" تدخل على المبتدأ والخبر كما أن ليس تدخل عليهما. الثالث: أنَّا وجدنا الخبر الواقع بعد "ما" يقترن به الباء الزائدة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون﴾، وكما قال الشاعر: لعمرك ما معنٌ بتاركِ حقِّهِ كما أن خبر المبتدأ الواقع بعد ليس، يقترن بهذه الباء كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه﴾، فلما أشبهت "ما" ليس هذه الشبه القوي، عملت عملها، فرفعت الاسم ونصب الخبر، وإعمال "ما" عمل "ليس" ليس قياسا، وإنما هو استقراء لكلام العرب، وذلك أن القياس في اللغة يمتنع في مدلولات الألفاظ ومعانيها، ومعنى هذا أن نجدهم سموا شيئا ما باسم "ما" لعلة تقتضي هذه التسمية، فنجد هذه العلة موجودة في شيء آخر، فنسميه بهذا الاسم، فأما في الأحكام الإعرابية فلا. الأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢٤٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
[ما الحجازية وشروط إعمالها]:
أما "ما"، فأعملها الحجازيون، وبلغتهم جاء التنزيل، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ١، ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِم﴾ ٢، ولإعمالهم إياها أربعة٣ شروط٤:
_________________
(١) ١ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣١. موطن الشاهد: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" عاملة عمل "ليس" فرفعت الإسم ونصبت الخبر، وإعمال "ما" على لغة أهل الحجاز، وأما "ما" على لغة تميم، فهي نافية غير عاملة، يليها المبتدأ والخبر. ٢ "٥٨" سورة المجادلة، الآية: ٢. موطن الاستشهاد: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" حجازية عاملة عمل ليس، وهن: اسم "ما" مبني على الفتح في محل رفع اسم "ما" أمهاتهم: خبر "ما" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. و"هم" مضاف إليه. ٣ زاد ابن عقيل شرطين، فجعلها ستة شروط، فقال: الخامس: ألا تتكرر "ما" فإن تكررت، بطل عملها، نحو: "ما ما زيد قائم" فالأولى: نافية، والثانية نفت النفي، فبقي إثباتا، فلا يجوز نصب "قائم" وأجازه بعضهم. السادس: ألا يبدل من خبرها موجب، فإن أبدل بطل عملها، نحو: "ما زيد بشيء إلا شيء لا يعبأ به" فـ "بشيء" في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي هو "زيد" ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرا عن "ما" وأجازه قوم، وكلام سيبويه في هذه المسألة محتمل للقولين المذكورين أعني القول باشتراط أن يبدل من خبرها موجب، والقول بعدم اشتراط ذلك. انظر ابن عقيل "ط. دار الفكر": ١/ ٢٣٧، ٢٣٨ وحاشية الصبان: ١/ ٢٤٧. ٤ اختلف النحاة في هذا الموضوع، فقال البصريون: عملت في الاسم الرفع، وعملت في الخبر النصب، وقال الكوفيون: عملت في الاسم الرفع؛ فأما الخبر فهو منصوب على نزع حرف الجر، والصحيح ما ذهب إليه البصريون. التصريح ١/ ١٩٦.
[ ١ / ٢٦٥ ]
أحدها: أن لا يقترن اسمها بإن الزائدة١، كقوله٢: [البسيط]
١٠١- بني غدانة ما إن أنتم ذهب٣
_________________
(١) ١ فإن اقترن الاسم بها بطل عملها؛ لأنها عملت بالحمل على ليس، و"ليس" لا يقترن اسمها بإن، وقيد بالزائدة؛ لأنها إذا جاءت نافية لتأكيد النفي لم يبطل علمها، بشرط أن يكون في الكلام ما يدل على ذلك. التصريح: ١/ ١٩٦. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولا صريف، ولكن أنتم الخَزَفُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٧، والأشموني: "٢١١/ ١/ ١٢١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٣ والدرر اللوامع: ١/ ٩٤، وخزانة الأدب: ٢/ ١٢٤، والعيني: ٢/ ٩١ برواية "خزف" قطر الندى: "٥٠/ ١٨٩" ومغني اللبيب: "٢٤/ ٣٨، وشذور الذهب: "٩٠/ ١٩٤". المفردات الغريبة: غدانة "بضم الغين وفتح الدال مخففة": حي من يربوع. صريف: الفضة. الخزف: ما عمل من الطين وشوى بالنار، فصار فخارا. المعنى: يهجو بني غدانة، ويقول: لستم يا بني غدانة من كرام الناس، ولا من أوساطهم، ولكنكم من الطبقة الدنيا، ومن الأسقاط، فلم هذا التفاخر والتعاظم؟، وجعل الذهب مثلا للأشراف، والفضة مثلا لمن دونهم، وأراد بالخزف حثالة الناس. الإعراب: بني: منادى مضاف منصوب، بحرف نداء محذوف. غدانة: مضاف إليه ممنوع من الصرف. ما: نافية مهملة. إن: زائدة: أنتم: مبتدأ. ذهب: خبر. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي، صريف: معطوف على "ذهب". ولكن: الواو عاطفة، لكن: حرف استدراك: أنتم: مبتدأ. الخزف: خبر المبتدأ. موطن الشاهد: "ما إن أنتم ذهب". وجه الاستشهاد: إهمال "ما" لوقوع "إن" الزائدة بعدها على رواية الرفع في "ذهب"؟ وروي البيت بنصب "ذهبا"؟ وهي رواية يعقوب بن السكيت، حيث خرجها على أن "إن" الواقعة بعد "ما" زائدة، كما قال الجمهور، واستدل بهذه الرواية على أنه لا يبطل عمل "ما" بزيادة "إن" بعدها، غير أن الجمهور لم يسلموا بما ذهب إليه يعقوب، وقالوا: إن سلمنا برواية النصب، فلا تكون "إن" الواقعة بعدها زائدة، ولكنها نافية مؤكدة لنفي "ما" فالنفي الذي عملت "ما" لدلالتها عليه باق، وهذا بخلاف ما لو جعلت "إن" نافية لنفي "ما" لأن الكلام، يكون عندئذ مثبتا موجبا؛ لأن =
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأما رواية يعقوب١ "ذهبا" بالنصب فتخرج على أن إن نافية مؤكدة لـ "ما"، لا زائدة.
الثاني: أن لا ينتقض نفي خبرها بإلا٢، فلذلك وجب الرفع في: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ ٣ و: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٤،
_________________
(١) ١ يعقوب: هو أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت النحوي "السكيت لقب أبيه" أخذ النحو عن البصريين، والكوفيين، كالفراء، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وروى عن الأصمعى، وأبي عبيدة، كان من أعلم الناس بالقرآن واللغة والشعر، ثقة عالما بالنحو. قيل: لم يأت بعده مثله، له تصانيف كثيرة في النحو، ومعاني القرآن وتفسير دواوين العرب، وهو صاحب كتاب: إصلاح المنطق، مات سنة ٢٤٣هـ. البلغة: ٢٨٨، بغية الوعاة: ٢/ ٣٤٩، الفهرست: ٧٢، معجم الأدباء: ٢٠/ ٥، الأعلام: ٩/ ٢٥٥. ٢ فإذا انتقض خبر "ما" بإلا وجب رفع الخبر مطلقا عند جمهور البصريين، ويجوز نصب الخبر حينئذ مطلقا عند يونس بن حبيب، وذهب الفراء إلى أنه يجوز نصب الخبر حينئذ بشرط كون الخبر وصفا، نحو "ما زيد إلا قائما"، وذهب جمهور الكوفيين إلى أنه يجوز نصب الخبر حينئذ لكن بشرط أن يكون مشبها به، نحو: "ما زيد إلا أسدا" وكلام المؤلف صريح، في أنه لو كان انتقاض ففي الخبر بغير إلا، لم يبطل عمل "ما" فلو قلت: "ما زيد غير شجاع" أو قلت: "ما زيد سوى بطل"، بقي العمل، فنصبت "غير" في المثال الأول لفظا، ونصبت "سوى" في المثال الثاني تقديرا. شرح التصريح: ١/ ١٩٧. ٣ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٥٠. موطن الشاهد: ﴿مَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" مهملة؛ لانتقاض خبرها بـ "إلا"، فـ "أمرنا": مبتدأ مضاف إليه، إلا: أداة حصر، واحدة: خبر مرفوع، وحكم الإهمال في هذه الحالة الوجوب. ٤"٣" سورة آل عمران، الآية: ١٤٤. موطن الشاهد: ﴿مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" مهملة، كما في الآية السابقة؛ لانتقاض خبرها بـ "إلا"، فـ "محمد": مبتدأ. إلا: أداة حصر. رسول: خبر مرفوع؟ وحكم الإهمال الوجوب.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فأما قوله١: [الطويل]
١٠٢- وما الدهر إلا مَنْجَنونا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبا٢
_________________
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٧، والأشموني: "٢١٢/ ١/ ١٢١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٣ والدرر اللوامع: ١/ ٩٤، والمقرب: ١٨، ومغني اللبيب: "١١٦/ ١٠٢" وشرح السيوطي: ٧٩. المفردات الغريبة: الدهر: الزمان والأبد، والمراد هنا الفلك الدائر. منجنونا: هي الدولاب التي يستقى عليها والأكثر فيها التأنيث. المعنى: إن الزمان ليس له صاحب، ولا يدوم على حالة واحدة، فهو يخفض اليوم من رفعه بالأمس، كالدولاب يرتفع وينخفض، وصاحب الحاجات يعاني في قضائها العذاب، ويتحمل المشاق والمصاعب. الإعراب: ما: نافية مهملة. الدهر: مبتدأ مرفوع. إلا أداة حصر. منجنونا: مفعول مطلق لفعل محذوف، أو مفعول به لفعل محذوف، أي: يشبه منجنونا، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا الوجه الذي أراده المؤلف. وما: الواو عاطفة. ما: نافية مهملة. صاحب: مبتدأ. الحاجات: مضاف إليه. إلا: أداة حصر. معذبا: مفعول مطلق لفعل محذوف، أو مفعول به لفعل محذوف، والجملة من "الفعل المحذوف وما بعده": في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية "ما صاحب الحاجات ". معطوفة على الجملة الأولى. موطن الشاهد: "ما الدهر إلا منجنونا، ما صاحب الحاجات إلا معذبا". وجه الاستشهاد: استشهد بظاهر البيت يونس بن حبيب، والشلوبين وغيرهما، فجعلوا "ما" في الموضعين عاملة عمل "ليس" على الرغم من انتقاض خبرها بـ "إلا"؛ لأنهم يزعمون أن انتقاض نفي الخبر بـ "إلا" لا يمنع إعمال "ما". ورأينا في الإعراب ما ذهب إليه الجمهور من عد "منجنونا" و"معذبا" إما مفعولا مطلقا، لفعل محذوف، أو مفعولا به، لفعل محذوف، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دوران منجنون، وما صاحب الحاجات إلا يعذب معذبا، و"معذب" على هذا مصدر ميمي بمعنى التعذيب، والتقدير الثاني: وما الدهر إلا يشبه منجنونا، وما صاحب الحاجات إلا يشبه معذبا وذهب بعض النحاة إلى أن هذا البيت شاذ، والشاذ، يحفظ، ولا يقاس عليه، والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، وتابعهم عليه المؤلف، كما هو واضح. الدرر اللوامع: ١/ ٩٤ وشرح التصريح: ١/ ١٩٧.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فمن باب "ما زيد إلا سيرا"١، أي: إلا يسير سيرا، والتقدير: إلا يدور دوران منجنون، وإلا يعذب معذبا، أي: تعذيبا٢.
ولأجل هذا الشرط أيضا وجب الرفع بعد "بل" و"لكن" في نحو: "ما زيد قائما بل قاعد" أو "لكن قاعد" على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ولم يجز نصبه بالعطف لأنه موجب٣.
الثالث: أن لا يتقدم الخبر٤، كقولهم: "ما مسيء من أعتب"، وقوله٥: [الطويل]
_________________
(١) ١ أي: إن كلا من "منجنونا" و"معذبا" مفعول مطلق عامله محذوف، وعامله واقع خبرا عن اسم ذات مبتدأ، كما أشرنا في أحد وجهي الإعراب. ٢ قدر لفظ "دوران" قبل منجنون؛ لأن الذي ينصب على أنه مفعول مطلق، يجب أن يكون مصدرا، أو اسم مصدر، أو آلة للفعل، أو عددا كما سنرى في حينه و"منجنونا" ليس واحدا منها؛ لأنه اسم ذات للدولاب، وقدر "معذبا": تعذيبا؛ لأن "معذبا": اسم مفعول، وهو لا يقع مفعولا. انظر شرح التصريح: ١/ ١٩٧. ٣ أي: مثبت، وقد ذكرنا من قبل، أن بعضهم ألحق "بل" و"لكن" بـ "إلا" كقول الناظم. "ورفع معطوف بـ "لكن" أو بـ "بل" من بعد منصوب بما الزم حيث حل أي: إذا وقع بعد خبر "ما" عاطف، فلا يخلو: إما أن يكون مقتضيا للإيجاب، أو لا. فإن كان مقتضيا للإيجاب تعين رفع الاسم الواقع بعده، نحو: بل ولكن، كما في المتن، ووجب الرفع في هذه الحالة؛ لأن "ما" لا تعمل في الموجب. وإن كان الحرف العاطف غير مقتض للإيجاب، كالواو ونحوها، جاز النصب والرفع، والمختار النصب، نحو: ما زيد قائما ولا قاعدا، ويجوز الرفع، فنقول: ولا قاعد، ويكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: ولا هو قاعد. ويفهم من تخصيص المؤلف وجوب الرفع بما إذا وقع الاسم بعد "بل ولكن" أنه لا يجب الرفع بعد غيرهما. انظر ابن عقيل "ط دار الفكر": ١/ ٢٣٨- ٢٣٩. ٤ على الاسم، خلافا للفراء، وإن كان ظرفا أو جارا ومجرورا، على الأصح؛ خلافا لابن عصفور، فإن تقدم بطل العمل، وقد حكى الجرمي "ما مسيئا من أعتب"، على الإعمال، وقال: إنه لغة لقوم من العرب. التصريح: ١/ ١٩٨. ٥ لم ينسب إلى قائل معين.
[ ١ / ٢٦٩ ]
١٠٣- وما خُذُلٌ قومي فأخضع للعدى١
فأما قوله٢: [البسيط]
١٠٤- إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر٣
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولكن إذا أدعوهم فهُمُ هُمُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٨، والأشموني: "٢١٣/ ١/ ١٢٢". المفردات الغريبة: خذل: جمع خاذل، اسم فاعل من خذلك، إذا ترك نصرتك ومعونتك. أخضع: أذل وأستكين. فهم هم: أي أنهم هم المعروفون بالشهامة والشجاعة. المعنى: ما عودني قومي أن يخذلوني، ويقعدوا عن نصرتي ومعاونتي: والوقوف بجانبي، حتى أخضع وأستكين للأعداء، ولكن إذا دعوتهم هبوا لنصري، ووجدت منهم ما أعرفه فيهم، من كمال الرجولة والمعاونة الصادقة. الإعراب: ما: نافية مهملة. خذل: خبر مقدم مرفوع. قومي: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. والياء: مضاف إليه. فأخضع: الفاء فاء السببية، أخضع: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة بعد الفاء، وفاعله: أنا. "للعدى": متعلق بـ "أخضع". ولكن: الواو عاطفة، لكن حرف استدراك. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. أدعوهم: فعل مضارع، والفاعل: أنا، و"هم": في محل نصب مفعول، وجملة "أدعوهم": في محل جر بالإضافة. فهم: الفاء واقعة في جواب الشرط. هم: مبتدأ. هم: الثانية: خبر، وجملة "هم هم": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. موطن الشاهد: "ما خذل قومي". وجه الاستشهاد: إبطال عمل "ما" لتقدم الخبر على المبتدأ، وفي هذا دليل على أن من شرط إعمال "ما" ليس أن يتقدم اسمها على خبرها، وفي هذا خلاف، بين جمهور النحاة وغيرهم، وإبطال عملها، لتقدم الخبر على المبتدأ رأي الجمهور. ٢ القائل هو: الفرزدق، همام بن غالب، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم وهو من كلام الشاعر، في مدح أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء الراشدين، وأعدل بني أمية. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٨، والأشموني: "١٧٩/ ١/ ١١١"، وهمع الهوامع: ١/ ٢١٩، ١/ ١٢٢، ١/ ٢٤٩، والدرر اللوامع:
[ ١ / ٢٧٠ ]
_________________
(١) ١/ ٩٥، ١/ ١٨٨، ١/ ٢٠٨، وكتاب سيبويه: ١/ ٢٩ والمقتضب: ١/ ١٩١، ومجالس ثعلب: ١١٣، والمقرب: ١٨، والخزانة: ٢/ ١٣٠، ومغني اللبيب عدة مرات منها: "١٢٧/ ١١٤"، والسيوطي: ٨٤، ٢٦٥، وديوان الفرزدق: ٢٢٣. المفردات الغريبة: أصبحوا: معناها هنا صاروا. أعاد: رد نعمتهم: المراد البسط في السلطان. قريش: قبيلة، منها الرسول ﷺ وبنو أمية، قوم عمر بن عبد العزيز. المعنى: أصبحت بنو أمية -وهم من قريش- وقد رد الله عليهم نعمة الخلافة وبسطة الملك وعزه؛ بتولي عمر بن عبد العزيز زمام الأمور، فهم قريش المقدمون على سائر قبائل العرب، والذين لا يماثلهم أحد من البشر؛ لأن منهم خير الخلق. الإعراب: أصبحوا: فعل ماضٍ ناقص، والواو: اسمه: حرف تحقيق أعاد: فعل ماضٍ، الله "لفظ الجلالة": فاعل مرفوع. نعمتهم: مفعول به لـ "أعاد"، وهو مضاف. و"هم" مضاف إليه إذ: تعليلية، وفيها إعرابان: إما حرف مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، وإما: ظرف مبني على السكون في محل نصب، والأول أفضل في هذا الشاهد. هم: مبتدأ. قريش: خبر. وإذا: الواو عاطفة، إذ: تعليلية، كالأولى. ما: نافية عاملة عمل ليس. مثلهم: خبر "ما" تقدم على اسمها، وهو مضاف، و"هم" مضاف إليه. بشر: اسم "ما" تأخر عن الخبر. موطن الشاهد: "ما مثلهم بشر". وجه الاستشهاد: إعمال "ما" عمل "ليس" مع تقدم خبرها على اسمها، وحكم هذا الإعمال الشذوذ عند سيبويه، وقال في بيت الفرزدق: لا يكاد يعرف، وقيل في تخريج هذا البيت: أراد الفرزدق وهو تميمي أن يتكلم بـ "ما" على لغة الحجازيين، لكنه لم يعرف شرطها عندهم فغلط، وفي هذا الكلام نظر؛ لأن العربي لا يطاوعه لسانه أن ينطق بغير لغته، كما قال سيبويه. وقيل في تخريجه أيضا: بشر: خبر، ومثلهم: مبتدأ، ولكنه بني على الفتح؛ لإبهامه مع إضافته للمبني، وهو الضمير، والمبهم المضاف إلى مبني، ويجوز بناؤه وإعرابه، وقيل: "مثلهم" حال؛ لأن إضافة "مثل" لا تفيد التعريف، وهو في الأصل صفة لـ "بشر"، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها، انتصبت على الحال. وبشر: مبتدأ، والخبر: محذوف مقدم على المبتدأ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها الظرف، وهو ممتنع أو نادر، أي: "ما في الوجود بشر مثلهم" أي: مماثلا لهم، قاله المبرد. ورد بأن حذف عامل الحال، إذا كان معنويا ممتنع. وقيل: "مثلهم" ظرف زمان، تقديره: وإذ هم في زمان ما في مثل حالهم بشر. وقيل: ظرف مكان، والتقدير: وإذ ما مكانهم بشر، أي: في مثل حالهم. شرح التصريح: ١/ ١٩٨.
[ ١ / ٢٧١ ]
فقال سيبويه: شاذ، وقيل: غلط وإن الفرزدق لم يعرف شرطها عند الحجازيين١، وقيل: "مثلهم" مبتدأ؛ ولكنه بني لإبهامه مع إضافته للمبني، ونظيره: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ ٢، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُم﴾ ٣، فيمن فتحهما، وقيل: "مثلهم" حال، والخبر محذوف، أي: ما في الوجود بشر مثلهم.
الرابع: أن لا يتقدم معمول خبرها على اسمها، كقوله٤: [الطويل]
١٠٥- وما كل من وافى منىً أنا عارف٥
_________________
(١) ١ في هذا الكلام نظر؛ لأن العربي لا يطاوعه لسانه على النطق بغير لغته، كما أوضحنا في وجه الاستشهاد. ٢ "٥١" سورة الذاريات، الآية: ٢٣. موطن الاستشهاد: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مثل" مبنية على الفتح؛ لأنها مبهمة، ومضافة إلى مبني بعدها هو "ما" علمًا أنها تستحق الرفع على التبعية لـ "حق"، وحكم بناء "مثل" في هذه الحال الجواز. ٣ "٦" سورة الأنعام: ٩٤. موطن الشاهد: ﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "بَيْنَ" مبنيا على الفتح؛ لإضافته إلى "مبني"، هو "كم"، و"بين": مبهم، فيجوز في هذه الحال بناؤه وإعرابه، وهو فاعل تقطع، فإما أن نقول: "بين" فاعل مبني على الفتح في محل رفع، أو نقول: "بينكم" فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة و"كم": مضاف إليه. ٤ القائل: هو مزاحم بن الحارث العقيلي، وقيل مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث، شاعر إسلامي، من بني عقيل بن ربيعة، وبدوي فصيح، كان في زمن جرير والفرزدق، روي أن الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان، أو أحد بنيه، فسأله: أتعرف أحدا أشعر منك؟ فقال: لا، إلا غلاما من بني عقيل؛ فإنه ينعت الفلوات، فيجيد، ثم دخل جرير فسأله، فأجابه كذلك، ثم دخل ذو الرمة، فأجاب مثلها. الأغاني: ١٩/ ٢٧، ٣٤. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وقالوا: تعرَّفْها المنازلَ من مِنىً وهو من شواهد: الأشموني: "٢١٥/ ١/ ١٢٢"، والتصريح: ١/ ١٩٨، والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٦، ٣٧ والخصائص: ٢/ ٤٥٣، ٤٧٦، والعيني: ٢/ ٩٨، ومغني اللبيب: "١١٨٠/ ٩١٠" والسيوطي: ٣٢٨ وشذور الذهب: "٩١/ ٢٥٨".
[ ١ / ٢٧٢ ]
إلا إن كان المعمول ظرفا أو مجرورا فيجوز، كقوله١: [الطويل]
١٠٦- فما كل حين من توالي مواليا٢.
_________________
(١) المفردات الغريبة: تعرفها: تطلَّبْ معرفتها واسأل الناس عنها. المنازل: جمع منزل، وهو المكان الذي ينزل فيه الناس عن رواحلهم؛ ليستريحوا من عناء السفر. منى: مكان قريب من مكة، فيه منسك من مناسك الحج. وفيه تنحر الهدايا. المعنى: افتقد مزاحم محبوبتة في الحج، فسأل عنها، فقالوا له: سل عنها في منزال الحج من منى، فقال: ذلك غير مجدٍ؛ لأني لا أعرف جمع من وفد إلى منى حتى أسأله عنها. الإعراب: قالوا: فعل ماضٍ، وفاعل: نعرفها: فعل أمر، والفاعل: أنت، و"ها": مفعول به. المنازل: منصوب على نزع الخافض، وأعربه بعضهم مفعولا فيه، والأول أفضل. و"من منى" متعلق بمحذوف حال من "المنازل" "ما" نافية، كل "على رواية النصب" مفعول به لـ "عارف" الآتي، وهو مضاف. من: اسم موصول، مضاف إليه. وافى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. منى: مفعول به لـ "وافى"، وجملة "وافى منى": صلة للموصول، لا محل لها. أنا: مبتدأ. عارف: خبر المبتدأ، وعلى رواية "كل" بالرفع، فتكون "ما" عاملة عمل ليس، و"كل": اسمها، وجملة "أنا عارف": في محل نصب خبر "ما"، ويجوز أن تكون كل: مبتدأ وجملة "أنا عارف": خبرا، وعلى رواية الرفع "لا بد من تقدير رابط أو عائد بين المبتدأ، أو اسم "ما" وبين الخبر، وهذا العائد محذوف، والتقدير: ما كل من وافى منى أنا عارفه. موطن الشاهد: "ما كل من وافى منى أنا عارف". وجه الاستشهاد: إهمال "ما"، لتقدم معمول الخبر، وهو "كل" على المبتدأ، وهذا المعمول، ليس ظرفا ولا جارا ومجرورا، وأما على رواية الرفع في "كل" فتكون "ما" مهملة أيضا، أو عاملة كما بينا في الإعراب والعائد محذوف، والتقدير: أنا عارفه. ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: بأهبة حزم لُذْ، وإن كنت آمنا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٩، والأشموني: "٢١٤/ ١/ ١٢٢" والعيني: ٢/ ١٠١. المفردات الغريبة: أهبة: هي التهيؤ للشيء، والاستعداد له. حزم: هو التدبر والفحص عن الأمور. لذ: التجئ. توالي: تصافي وتعاون. المعنى: عليك بالحزم وتمسك به دائما، وإن كنت واثقا من نفسك وممن تواليهم، آمنا كيد غيرك، فليس كل من تواليه مأمون الجانب في كل وقت.
[ ١ / ٢٧٣ ]
[إعمال لا عمل ليس وشروطه]:
وأما "لا" فإعمالها عمل ليس قليل١، ويشترط له الشروط السابقة، ما عدا الشرط الأول٢، وأن يكون المعمولان نكرتين٣، والغالب أن يكون خبرها محذوفا، حتى قيل بلزوم ذلك، كقوله٤: [مجزوء الكامل]
١٠٧- فأنا ابن قيس لا براح٥
_________________
(١) الإعراب: "بأهبة": متعلق بـ "لذ" حزم مضاف إليه. لذ: فعل أمر، والفاعل: أنت. وإن: الواو: عاطفة على محذوف، إن: شرطية جازمة. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه آمنا: خبر "كنت" منصوب، وجملة "كنت وخبرها": فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه. فما: الفاء تعليلية، ما: نافية عاملة عمل ليس. كل: مفعول فيه منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ "موالٍ" الآتي، وهو مضاف. حين: مضاف إليه. من: اسم موصول، في محل رفع اسم "ما". توالي: فعل مضارع، والفاعل، أنت، و"الجملة" صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: فما كل حين من تواليه. مواليا: خبر "ما" النافية العاملة منصوب. موطن الشاهد: "ما كل حين من توالي مواليا". وجه الاستشهاد: إعمال "ما" مع تقدم معمول الخبر، وهو "كل حين"، والذي سوغ ذلك كون المعمول ظرفا، ومعلوم أن الظروف، والجار والمجرور يتسع فيها. بقي من شروط عمل "ما" ألا تتكرر، لا بقصد تأكيد النفي، بل لنفي ما قبلها، نحو: ما ما العربي مقيم على الضيم؛ لأن نفي النفي إثبات، فتصبح "ما" بعيدة عن النفي، فإن قصد بالتكرار تأكيد النفي في الأولى لا إزالته صح الإعمال، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا. ١ إعمال "لا" عمل ليس قليل جدا عند الحجازيين، وإليه ذهب سيبويه، وطائفة من البصريين. ٢ المقصود بالشرط الأول: ألا يقترن الاسم بـ "إن" الزائدة لأنها لا تقع بعد "لا". ٣ فإن كان أحدهما معرفة أو كلاهما، فلا تعمل إلا نادرا، ويجوز أن يكون خبرها جملة فعلية، أو شبه جملة؛ لأنهما في حكم النكرة. ٤ هو سعد بن مالك جد طرفة بن العبد، وهو أحد بني بكر بن وائل، وأحد سادات بكر وفرسانها في الجاهلية، كان شاعرا مجيدا. خزانة الأدب: ١/ ٤٧٤. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: من صد عن نيرانها
[ ١ / ٢٧٤ ]
والصحيح جواز ذكره، كقوله١: [الطويل]
١٠٨ تعزَّ فلا شيء على الأرض باقيا ولا وَزَرٌ مما قضى الله واقِيَا٢
وإنما لم يشترط الشرط الأول لأن "إن" لا تزاد بعد "لا" أصلا.
_________________
(١) = والبيت من كلمة لسعد بن مالك، يعرض فيها بالحارث بن عباد، فارس النعامة حين اعتزل الحرب التي نشبت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي الحرب المشهورة بحرب البسوس، وقبل البيت قوله: يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا والبيت الشاهد، من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٩، والأشموني: "٢٢٥/ ١/ ١٢٥"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٥ والدرر اللوامع: ١/ ٩٧، وسيبويه: ١/ ٢٨، ٣٥٤، ٣٥٧، والمقتضب: ٤/ ٣٦٠، والإنصاف: ٣٦٧ وشرح المفصل: ١/ ١٠٨، وجمل الزجاجي: ٢٤٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٥٠٦، ومغني اللبيب: "٤٣٣/ ٣١٥" "١٠٦٧/ ٨٢٥"، وشرح السيوطي: ٢٠٨. المفردات الغريبة: صد: أعرض. نيرانها: الضمير يعود على الحرب، وأراد من نكل عنها ولم يقتحم لظاها. ابن قيس نسب نفسه إلى جده الأعلى. لا براح: لا زوال ولا فرار. المعنى: من امتنع عن اقتحام الحرب وتحمل ويلاتها، فأنا لا أمتنع؛ لأني ابن قيس المعروف بالشجاعة والنجدة والإقدام. لا براح لي، ولا نكوص عن خوضها. الإعراب من: اسم شرط جازم، في محل رفع مبتدأ. صد: فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط. "عن نيرانها": متعلق بـ "صد"، و"ها": مضاف إليه. فأنا: الفاء رابطة لجواب الشرط، أنا: مبتدأ، ابن: خبر، وهو مضاف. قيس: مضاف إليه. لا: نافية تعمل عمل ليس. براح: اسم "لا" مرفوع، والخبر محذوف، والتقدير: لا براح لي. موطن الشاهد: "لا براح". وجه الاستشهاد: إعمال "لا" عمل "ليس" فرفع بها الاسم "براح"، وحذف خبرها، وأما حكم حذف خبرها، فجائز باتفاق على الأغلب، كما في المتن. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ١٩٩، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٥، والدرر اللوامع: ١/ ٩٧، وابن عقيل "٧٨/ ٣١٣"، والأشموني: "٢٢٣/ ١/ ١٢٤"، وخزانة الأدب: ١/ ٥٣٠ عرضا، والعيني: ٢/ ١٠٢ ومغني اللبيب: "٤٣٤/ ٣١٥" "٤٣٨/ ٥١٦"، وقطر الندى: "٥١/ ١٩٠"، والشذور: "٩٢/ ٢٦٠، ٢٦٢". المفردات الغريبة: تعز: من العزاء، وهو التصبّر والتسلي على المصائب. وزر: ملجأ. واقيا: اسم فاعل من الوقاية، وهي الرعاية والحفظ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
[إعمال لات عمل ليس وشروطه]:
وأما "لات" فإن أصلها "لا" ثم زيدت التاء١، وعملها واجب، وله شرطان٢: كون معموليها اسمي زمان، وحذف أحدهما، والغالب كونه المرفوع، نحو: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاص﴾ ٣، أي: ليس الحين حين فرار، ومن القليل قراءة بعضهم
_________________
(١) المعنى: تسلَّ وتصبَّرْ على ما يصيبك من الكوارث والمصائب، فكل شيء إلى زوال. ولا يبقى على وجه الأرض شيء، وليس هنالك ملجأ يقي الإنسان، ويحفظه مما قضاه الله وقدره. الإعراب: تعزَّ: فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة، والفاعل أنت. فلا: الفاء تعليلية، لا: نافية، تعمل عمل "ليس" شيء: اسمها مرفوع. "على الأرض". متعلق بـ "باقيا" الآتي، أو بمحذوف صفة لـ "شيء" باقيا: خبر "لا" منصوب. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية عاملة عمل ليس. وزر: اسم "لا" مرفوع. "مما": متعلق بـ "واقيا" الآتي. قضى الله: فعل ماضٍ، وفاعل، و"الجملة": صلة للموصول، لا محل لها. واقيا: خبر "لا" منصوب. موطن الشاهد: "لا شيء باقيا، لا وزر واقيا". وجه الاستشهاد: إعمال "لا" في الموضعين عمل "ليس" ومجيء اسمها وخبرها نكرتين، ومجيئهما مذكورين معا، وفي ذلك دلالة على جواز ذكر خبر "لا" العاملة عمل ليس خلافا للزجاج الذي يرى أن خبر "لا" لا يكون مذكورا أبدا. فائدة: ذهب الأخفش إلى أن "لا" ليس لها عمل أصلا، لا في الاسم، ولا في الخبر، وأن ما بعدها "مبتدأ وخبر" والبيت الشاهد يبطل ما ذهب إليه. ١ زيادة التاء في "لات" أحسن منها في "ثمت" وفي "ربت"؛ لأن "لا" بمعنى "ليس" ومحمولة عليها، وليس تلحقها تاء التأنيث، فتقول: ليست هند مفلحة، ومما يؤيد هذا أن تاء التأنيث تلحق "لا" التي تعمل عمل "ليس" ولا تلحق "لا" التي تعمل عمل "إن"، ويقال: زيدت التاء للمبالغة. التصريح: ١/ ٢٠٠. ٢ أي: مع الشروط الخاصة بعمل "ما" ما عدا وقوع "إن" الزائدة؛ لأنها لا تقع بعد "لات". ٣ "٣٨" سورة ص، الآية: ٣. أوجه القراءات: قرأ عيسى بن عمر "حين" بالرفع، وقرأ "ولاتِ" بكسر التاء، وقرأ برفع "ولاتُ" و"حينُ" أبو السمال، وقرأ عيسى وأبو السمال: "ولا تحينُ مناص". وقرأ الجمهور ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ مختصر في شواذ القرآن، لابن خالويه: ١٢٩. والبحر المحيط: ٧/ ٣٨٤، والمشكل: ٢/ ٢٤٧. موطن الشاهد: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لات" عاملة عمل "ليس" مع حذف اسمها، والتقدير: ولات الحين حين مناص، وحكم حذف أحد معموليها واجب، والمعنى: وليس الوقت وقت مهرب.
[ ١ / ٢٧٦ ]
برفع الحين، وأما قوله١: [الكامل]
١٠٩- يبغي جوارك حين لات مجير٢
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن أيوب التميمي، يكني أبا محمد، مولى بني تميم، ثم مولى بنى سليم، أحد شعراء الدولة العباسية، وكان أحد الشعراء المجُاَّن، الوصافين للخمر، مدح خلفاء بني العباس ومنهم المأمون والأمين وله معهم قصص ومواقف. الأغاني: ٢٢/ ٧٦٧٧، تجريد الأغاني: ٨/ ٢٠٦، تاريخ بغداد: ٩/ ٤١١. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لهفي عليك للهفة من خائف وهو من كلمة، اختارها أبو تمام في ديوان الحماسة، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٠، ونسبه صاحب التصريح إلى شمردل الليثي، والأشموني: "٢٣٠/ ١/ ١٢٦"، وخزانة الأدب: ٢/ ١٤٦ عرضا والعيني: ٢/ ١٠٣، ١٧٨ عرضا: ونسبة إلى شمردل الليثي في رثاء منصور بن زياد. وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٩٥٠، ومغني اللبيب "١٠٦٥/ ٨٢٥"، وشرح السيوطي: ٣١٣. المفردات الغريبة: لهفي: أسفي؛ من اللهف، وهو الحزن والأسى على فائت. للهفة. أي لأجل لهفة أي استغاثة مجير: ناصر يمنع الأذى ويدفعه المعنى: لي عليك حسرة شديدة وحزن عميق، من أجل رجل نابه ريب الزمان، وعضه الدهر، وطلب الغوث، فلم يجدك، وقد كنت نصيرا لمن لا ملجأ له ولا نصير. الإعراب: لهفي: مبتدأ أو مضاف إليه. "عليك": متعلق بـ "لهفي". "للهفة": متعلق بخبر محذوف. "من خائف" متعلق بـ "لهفة"، أو بمحذوف صفة لـ "لهفة"، يبغي: فعل مضارع، والفاعل: هو. جوارك: مفعول به، ومضاف إليه، وجملة "يبغي جوارك": في محل جر صفة لـ "خائف". "حين" متعلق بـ "يبغي". لات: حرف نفي، مهمل، لا محل له من الإعراب. مجير: فاعل لفعل محذوف، والتقدير: ولات =
[ ١ / ٢٧٧ ]
فارتفاع "مجير" على الابتداء، أو على الفاعلية، والتقدير: حين لات له مجير، أو يحصل له مجير، و"لات" مهملة، لعدم دخولها على الزمان، ومثله قوله١: [الخفيف]
١١٠- لات هَنَّا ذكرى جُبَيرةَ٢
إذ المبتدأ "ذكرى" وليس بزمان.
_________________
(١) = حين لا يحصل مجير، أو: مجير: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، والتقدير: حين لات مجير له. موطن الشاهد: "لات مجير". وجه الاستشهاد: إهمال "لات"؛ لعدم دخولها على الزمان؛ لأن "لات" لا تعمل في غير الحين، أي: الزمن: ولا بد من حذف أحد معموليها، والغالب حذف اسمها، وحذف خبرها وبقاء اسمها قليل، وإلى هذا أشار الناظم. "وما لـ "لات" في سوى حين عمل وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل". فائدة: عمل "لات" عمل "ليس" بالشروط المذكورة، هو ما ذهب إليه سيبويه والجمهور، ونقل منع عمل "لات" عن الأخفش، وعليه: فالمرفوع الذي يليها. مبتدأ حذف خبره، والمنصوب الذي يليها مفعول بفعل محذوف، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه والجمهور. انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٥٥. وابن عقيل "ط. دار الفكر": ١/ ٢٥٠. ١ القائل هو: الأعشى الأكبر، أبو بصير، ميمون بن قيس بن جندل من سعد بن ضبيعة بن قيس، شاعر جاهلي فحل، ومن الطبقة الأولى، ويعرف بصناجة العرب، قيل: وفد إلى الرسول ﷺ؛ ليسلم، فصده أبو سفيان، وأعطاه عطاء عظيما، وفي طريقه من مكة، سقط عن ظهر راحلته ومات، وذلك سنة ٧هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٧، الأغاني: ٨/ ٧٤، المرزباني: ١٠٤، الخزانة: ١/ ٨٣، شعراء الجاهلية: ٣٥٧. ٢ تخريج الشاهد: تمام الشاهد: لات هَنَّا ذكرى جبيرة أم من جاء منها بطائف الأهوالِ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٦، والدرر اللوامع: ١/ ٩٩، والمقرب: ١٩. والعيني: ٢/ ١٠٦، والمحتسب: ٢/ ٣٩، والخصائص: ٢/ ٢٧٤، وديوان الأعشى: ١٣. المفردات الغريبة: هنا: اسم إشارة للمكان، واستعير هنا للزمان ذكرى: تذكر. جبيرة: اسم امرأة، وهي بنت عمرو بن حزم، وقيل: هي امرأة الأعشى. بطائف،
[ ١ / ٢٧٨ ]
[إعمال إن عمل ليس على النادر]:
وأما "إن" فإعمالها نادر١، وهو لغة أهل العالية٢، كقول بعضهم: "إن أحدٌ
_________________
(١) = الطائف: الذي يطرق ليلا، وأراد هنا خيالها الذي يطرقه عند النوم. الأهوال: جمع هول، وهو الخوف. المعنى: ليس هذا الوقت وقت تذكر جبيرة، أو تذكر ذلك الطائف الذي أزعجك، لما رأيته من عضبها. الإعراب: لات: حرف نفي مهمل، لا عمل له، لعدم دخوله على زمان. هنا: "ظرف مكان" متعلق بمحذوف خبر مقدم. ذكرى: مبتدأ مؤخر. جبيرة. مضاف إليه، من إضافة المصدر إلى مفعوله، ويجوز أن نعلق "هنا" بذكرى، ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: ليت ذكرى جبيرة مقبولة، والأول أفضل. أو: حرف عطف. من: اسم موصول معطوف على جبيرة. جاء: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. "منها": متعلق بـ "جاء". "بطائف": متعلق بـ "جاء". الأهوال: مضاف إليه. موطن الشاهد: "لات هنا ذكرى جبيرة". وجه الاستشهاد: إهمال "لات" لأنها دخلت على غير زمان، كما أشار المصنف؛ لأن "هنا" إسم إشارة إلى المكان البعيد، ومعلوم أن "لات" النافية العاملة عمل "ليس" لا تعمل إلا في أسماء الزمان، ولهذا، فإن محاولة إعمالها في "هنا" وهي على أصلها غير جائزة لأنها لا تعمل في المصدر أو اسم المكان، ولهذا أهملت سواء أتعلقت "هنا" بـ "ذكرى" أو بمحذوف الخبر المقدم؛ لأن "ذكرى" على الوجهين مبتدأ مرفوع كما أعربنا. - غير أن سيبويه والرضي وغيرهما من النحاة، ذهبوا إلى أن "هنا" التي تقع بعد "لات" في مثل هذا البيت ظرف زمان متعلق بخبرها المحذوف، وقد أضيف إلى ذكرى جبيرة، واسم "لات" محذوف، والتقدير: ليس الوقت وقت ذكرة جبيرة. ١ ذهب الكسائي، وأكثر الكوفيين، وأبو على الفارسي، وأبو الفتح بن جني، إلى جواز إعمال "إن" عمل ليس. وذهب الفراء، وأكثر أهل البصرة، إلى عدم جواز إعمالها، واختلف نقل العلماء عن سيبويه والمبرد، فنقل السهيلي الجواز عن سيبويه والمنع عن المبرد، ونقل النحاس العكس، فنسب الجواز إلى المبرد والمنع إلى سيبويه، ونقل ابن مالك الجواز عنهما، ثم قال ابن مالك: إن إعمال "إن" النافية عمل ليس مع جوازه نادر، وتبعه على هذا ابن هشام، وقال غير ابن مالك: إن عمل "إن" النافية عمل ليس أكثر من عمل لا. التصريح: ١/ ٢٠١، وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٥٥. ٢ تطلق على ما فوق أرض نجد إلى تهامة وإلى ما وراء مكة وما والاها.
[ ١ / ٢٧٩ ]
خيرا من أحد إلا بالعافية" وكقراءة سعيد١: "إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا أَمْثَالُكُمْ"٢، وقول الشاعر٣: [المنسرح]
١١١- إن هو مستوليًا على أحد٤
_________________
(١) ١ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الولاء، الكوفي، يكنى أبا عبد الله، ولد سنة ٤٥هـ. وهو تابعي جليل، قرأ على عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، خرج على بني أمية مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث، فقتله الحجاج سنة ٩٥هـ. سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٢١، طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٥٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٧١. ٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٩٤. أوجه القراءات: قرأ سعيد بن جبير بتخفيف "إن" ونصب "عبادا" و"أمثالكم". وقرأ الجمهور بتشديد "إن" ورفع "عباد" و"أمثالكم". توجه القراءات: قراءة الجمهور واضحة، وأما قراءة سعيد بن جبير، فإن "إن" عاملة عمل "ليس" على لغة أهل العالية والذين: اسمها، وعبادا: خبرها. انظر: المحتسب: ١/ ٢٧٠، والبحر المحيط: ٤/ ٤٤٤. موطن الشاهد: "إن الذين عبادا أمثالكم". وجه الاستشهاد: إعمال "إن" عمل "ليس"، وحكم إعمالها جائز عند الكوفيين -ما عدا الفراء- وأجازه المبرد وابن السراج والفارسي من البصريين، وتبعهم ابن مالك في ألفيته. وانظر في إعراب الآية: البيان: ١/ ٣٨١، والعكبري: ١/ ١٦٧. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه يروى على صور مختلفة، إحداها: إلا على أضعف المجانين الثانية: إلى على حزبه الملاعين الثالثة: إلا على حزبه المناحيس وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠١، والأشموني: "٢٢٦/ ١/ ١٢٦"، وابن عقيل: "٨١/ ١/ ٣١٧" والمقرب: ١٩، والعيني: ٢/ ١١٣، وخزانة الأدب: ٢/ ١٤٣، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٥، والدرر اللوامع: ١/ ٩٦، وشذور الذهب: "١٣٦/ ٣٦٣". المفردات الغريبة: مستوليا: اسم فاعل من استولى على الشيء: أي تولاه وملك زمام التصرف فيه. المجانين: جمع مجنون، وهو الذي ذهب عقله.
[ ١ / ٢٨٠ ]
[زيادة الباء في أخبار الحروف العاملة عمل ليس]:
وتزاد الباء بكثرة في خبر ليس"١/ "وما"٢، نحو: ﴿أَلَيْسَ الْلهُ بِكَاْفً عَبْدَهُ﴾ ٣،
_________________
(١) المعنى: ليس لهذا الرجل سلطان وولاية على أحد من الناس، إلا على أشد المجانين ضعفا. الإعراب: إن: نافية عاملة عمل "ليس". هو: اسمها مبني على الفتح في محل رفع. مستوليا: خبر منصوب، "على أحد": متعلق بـ "مستوليا". إلا أداة حصر، أو أداة استثناء مرفوع. "على أضعف": جار ومجرور بدل بعض من كل من "على أحد"، أو نقول: "جار ومجرور" واقع موقع المستثنى من الجار والمجرور السابق. المجانين: مضاف إليه. موطن الشاهد: "إن هو مستوليا". وجه الاستشهاد: إعمال "إن" عمل "ليس" على مذهب الكوفيين، ومن وافقهم من البصريين، وفي البيت شاهد آخر على أن "إن" النافية" مثل "ما" في كونها، لا تختص بالنكرات، كما تختص بها "لا" حيث جاء اسم "إن ضميرا بارزا، كما هو واضح، كما يستفاد من الشاهد أن انتقاض النفي بـ "إلا" بعد الخبر، لا يقدح في العمل، ولا يبطله. ١ بشرط ألا تكون أداة استثناء، وألا ينتقض النفي بإلا، ويكون الخبر مجرورا لفظا، منصوبا تقديرا، وقد تزاد الباء في الاسم، إذا تأخر إلى موضع الخبر، كقراءة بعضهم: "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُم" بنصب "البر"، وقول الشاعر: أليس عجيبا بأن الفتى يصاب ببعض الذي في يديه وهذا من الغريب، كما قال في المغني، ونظير ذلك، زيادتها في خبر المبتدأ المنفي بما، ولو كان قد تقدم على المبتدأ، ومنه قول الشاعر: لَوَ انَّك يا حسين خلقت حرا وما بالحر أنت ولا العتيقِ التصريح: ١/ ٢٠١، ومغني اللبيب: ١٤٩. ٢ تزاد الباء في خبر "ليس" و"ما" عند البصريين؛ لرفع توهم الإثبات، فإن السامع قد لا يسمع أول الكلام، وعند الكوفيين؛ لتأكيد النفي، وهذا يكون خطابا لمن ينكر عدم قيام زيد، فيقول: إن زيدا لقائم، مثلا، فهذا يجاب بليس زيد بقائم. التصريح: ١/ ٢٠١. ٣ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٣٦. موطن الشاهد: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" زائدة في خبر "ليس"، وحكم مجيء هذه "الباء" جائز =
[ ١ / ٢٨١ ]
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِل﴾ ١، وبقلة في خبر "لا"٢ وكل ناسخ منفي، كقوله٣: [الطويل]
١١٢- وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغنٍ فتيلا عن سواد بن قاربِ٤
_________________
(١) = باتفاق وبكثرة، فهي تفيد تأكيد النفي، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٨٨ سورة الغاشية، الآية: ٣٢ وقوله جلت قدرته: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ ٣ سورة آل عمران، الآية: ١٨٢. وقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٥٣. وقد ورد مثل ذلك في الشعر العربي، فمنه قول عمرو بن قميئة: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فما بال من يرمَى وليس برامِ وقول الفرزدق: وليس كليبي إذا جن ليله إذا لم يجد ريح الأتان بنائم ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" عاملة عمل ليس، ودخول "الباء" الزائدة على خبرها، كما في الآية السابقة، ونقول في الإعراب: الباء حرف جر زائد، و"غافل": اسم مجرور لفظا منصوب محلا، على أنه خبر "ما"، وأمثلة إعمال "ما" عمل ليس مع دخول الباء الزائدة على خبرها كثيرة، فمن الشعر العربي المحتج به قول الفرزدق: ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدلِ وقول عبيد بن الأبرص: ما الطرف مني إلى ما لست أملكه مما بدا لي بباغي اللحظ طماح وقول المتنبي: وما أنا بالباغي على الحب رشوة ضعيفٌ هوىً يبغي عليه ثواب انظر أوضح المسالك "تحقيق عبد الحميد": ١/ ٢٩٣. ٢ سواء كانت عاملة عمل "ليس" أو عمل "إن". ٣ القائل: هو سواد بن قارب الأزدي، وقيل: الأسدي الدوسي، أو السدوسي: صحابي وفد على الرسول ﷺ، وكان كاهنا في الجاهلية، وقصة إسلامه أوردها البخاري في تاريخه، وله أخبار أخرى مع سيدنا عمر بن الخطاب ﵁. الإصابة: ٢/ ٩٥. ٤ تخريج الشاهد: هذا البيت من كلمة يخاطب بها الشاعر رسول الله ﷺ وقبله، قوله: =
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقوله١: [الطويل]
_________________
(١) = فأشهد أن الله لا شيء غيره وأنك مأمون على كل غائبِ وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يابن الأكرمين الأطايبِ فمرنا بما يأتيك يا خير مرسَل وإن كان فيما جئت شيب الذوائبِ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠١، والأشموني: "٢١٦/ ١/ ٢٣"، وابن عقيل "٧٦/ ١/ ٣١٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، ١/ ٢١٨ والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، ١/ ١٨٨، والعيني: ٢/ ٤٤، ٣/ ٤١٧ ومغني اللبيب: "٧٧٢" ٥٤٨" "٩٨٨/ ٧٥٩". والسيوطي: ٢٨٢. المفردات الغريبة: لا ذو شفاعة: لا صاحب شفاعة. قتيلا: هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق النواة. المعنى: كن شفيعي -يا رسول الله- في اليوم الذي لا ينفعني فيه صاحب شفاعة نفعا ما، وذلك يوم القيامة. الإعراب: كن: فعل أمر ناقص، خرج إلى معنى التوسل، والاستعطاف، واسمه: ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنت. "لي": متعلق بقوله: "شفيعا" الآتي: شفيعا: خبر "كن" يوم متعلق بـ "شفيعا". لا: نافية تعمل عمل "ليس" ذو اسمها مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة. شفاعة: مضاف إليه. بمغنٍ: الباء حرف جر زائد، مغن: خبر "لا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الياء المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، منع منها حركة حرف الجر الزائد. وفاعل "معين" ضمير مستتر يعود على "ذو" لأن "مغنٍ" اسم فاعل يأخذ فاعلا وينصب مفعولا. فتيلا مفعول به، أو نائب مفعول مطلق. "عن سواد" متعلق بـ "مغن". ابن: صفة لـ "سواد". قارب مضاف إليه. موطن الشاهد: "بمغن". وجه الاستشهاد: دخول الباء الزائدة على خبر "لا" النافية العاملة عمل "ليس"، وحكم دخولها على خبر "لا": الجواز مع القلة. فائدة: ذهب بعضهم إلى أن الباء الزائدة، كما تدخل في خبر "لا" العاملة عمل "ليس" فهي تدخل شذوذا في خبر "لا" العاملة عمل "إن" كما في قولهم: "لا خير بخير بعده النار"، وهذا شرط أن لا تجعل الباء بمعنى "في" وإلا؛ أي: إذا جعلت بمعنى "في" كانت أصلية وشبه الجملة متعلق بالخبر المحذوف، ولا زيادة ولا شذوذ. ١ القائل: هو الشنفرى الأزي: وأكثر الرواة على أن اسمه هو لقبه، وقيل اسمه: عمرو بن مالك الأزدي من قحطان، شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية، والشنفرى أحد فتاك العرب وعدائيهم ولصوصهم، وأحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم، وهو صاحب اللامية المشهورة. وقد قتله بنو سلامان. خزانة الأدب: ٣/ ٣٤٣، الأعلام: ٥/ ٨٥، الأغاني: ٢١/ ١٣٤، سمط اللآلي: ٢٤١٣.
[ ١ / ٢٨٣ ]
١١٣- وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم، إذ أجشع القوم أعجلُ والبيت من لاميته المشهورة، والتي مطلعها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأمْيَلُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، وابن عقيل "٧٧/ ١/ ٣١٠"، والأشموني: "٢١٧/ ١/ ١٢٣" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، والعيني: ٢/ ١١٧، ٤/ ٥١، ولامية العرب، ومغني اللبيب: "٩٦١/ ٧٢٨"، وشرح السيوطي: ٣٠٣، وقطر الندى: "٧٦/ ٢٥٣". المفردات الغريبة: بأعجلهم: أي: يعجلهم، فهو صفة مشبهة لا أفعل تفضيل. أجشع، الجشع، شدة الحرص على الطعام. المعنى: إذا تقدم القوم للطعام أو لاقتسام الغنائم، لم أتعجل ذلك، ولا أسبق غيري؛ لأن المتعجل شديد الحرص على ما يقدم عليه، ولست بحريص على السبق في هذا الميدان. الإعراب: إن شرطية جازمة. مدت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط، مبني على الفتح، في محل جزم، والتاء: للتأنيث، وحركت لالتقاء الساكنين، الأيدي: نائب فاعل. إلى الزاد" متعلق بـ "مدت" السابق. لم أكن: حرف جزم. أكن: فعل مضارع ناقص مجزوم، واسمه: أنا. بأعجلهم: الباء زائدة، أعجلهم: خبر "أكن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو مضاف. و"هم" مضاف إليه. وجملة "لم أكن" في محل جزم جواب الشرط. إذ: تعليلية، وهي: إما أنها حرف، لا محل لها، وإما أنها ظرف، فهي متعلقة بقوله: "أعجل" أجشع: مبتدأ، وهو مضاف، القوم: مضاف إليه. أعجل: خبر المبتدأ. موطن الشاهد: "بأعجلهم". وجه الاستشهاد: إدخال الباء الزائدة في خبر مضارع "كان" المنفي بـ "لم" وحكم إدخال الباء في الخبر هنا جائز مع القلة. وفي البيت دليل آخر على أن "أعجلهم" وإن كانت على صيغة أفعل التفعيل، لكن المراد منها معنى الصفة الخالية من التفضيل، وسيأتي الكلام مفصلا عليها في حينه. فائدة: لا تزاد الباء في خبر "لا تكون" الاستثنائية.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وقوله١: [الطويل]
١١٤- فلما دعاني لم يجدني بقعدَدِ٢
_________________
(١) ١ القائل هو: دريد بن الصمة القشيري، "الصمة": هو معاوية الأصغر، من غزية بن جشم بن هوازن. ودريد، شاعر وفارس شجاع، وصاحب رأي في الجاهلية، ذكر أنه غزا مائة غزاة ما أخفق في واحدة منها، أدرك الإسلام، ولم يسلم، وخرج معه قومه مظاهرا المشركين في يوم حنين، فقتل، وهو يومئذ شيخ فان، بلغ من العمر عتيا. الشعر والشعراء: ٢/ ٧٤٩، تجريد الأغاني: ٣/ ١١٢، المعمرين: ٢١، الخزانة: ٤/ ٤٤٢، الأغاني: ٩/ ٢. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: دعاني أخي والخيل بيني وبينه وهو من كلمة جيدة، يرثي أخاه أبا فرعان، عبد الله بن الصمة. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، والأشموني: "٢١٨/ ١/ ١٢٣"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، والعيني: ٢/ ١٢١، وليس في الأصمعيات ولا في الحماسة. المفردات الغريبة: دعاني: أراد استصرَخَنِي، وطلب أن أغيثه. "والخيل بيني وبينه": أي حالت الموقعة واصطفاف الفرسان بيننا. القعدد: الرجل الجبان اللئيم الدنيء القاعد عن الحرب والمكارم. المعنى: استصرخني أخي، وطلب معونتي في الحرب، وقد حالت خيل الأعداء بفرسانها بيننا، فأجبته، ولم أجبن، ولم أتوانَ. الإعراب: دعاني: فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. أخي: فاعل، ومضاف إليه. والخيل: الواو حالية، الخيل: مبتدأ. "بيني" متعلق بمحذوف خبر، والياء: مضاف إليه. وبينه: الواو عاطفة. "بين" معطوف على "بين" الأولى، وجملة "الخيل بيني وبينه": في محل نصب على الحال. "لما" بمعنى "حين" في محل نصب بـ "يجدني" الآتي. دعاني: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود على أخي، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، و"الجملة": في محل جر بالإضافة، بعد "لما". لم: جازمة نافية، يجدني: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" والفاعل: هو: يعود إلى "أخى"، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول. بقعدد: الباء زائدة، قعدد: مفعول به ثان لـ "يجد" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل، بحركة حرف الجر الزائد. موطن الشاهد: "بقعدد".
[ ١ / ٢٨٥ ]
وينذر في غير ذلك كخبر "إن" و"لكن" و"ليت" في قوله١: [الطويل]
١١٥- فإنك مما أحدثَتْ بالمجرَِّب
_________________
(١) وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في المفعول الثاني لـ "يجد" المنفي بـ "لم"، ومعلوم أن "يجد" من أخوات "يظن"، التي ماضيها "ظن"، أي: هو من النواسخ، والنواسخ تدخل على المبتدأ أو الخبر، كما هو معلوم، فـ "قعدد" أصلها: خبر، فالزيادة داخلة على ما أصله خبر في الشاهد. ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها وهو من قصيدة طويلة للشاعر، مطلعها قوله: خليلي مرا بي على أم جندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، والأشموني: "٢٢٠/ ١/ ١٢٣" والعيني: ٢/ ١٢٦، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، وديوان امرئ القيس: ٤٢. المفردات الغريبة: تنأ: تبعد. عنها: أي أم جندب، التي ذكرها في مستهل القصيدة المجرب: اسم فاعل من التجربة، وهي الاختبار، والابتلاء بوساطة التكرر، ورواية فتح الراء المشددة على أنه مصدر ميمي أو اسم مكان. حقبة: مدة. والجمع: حقب والحقب: السنون. المعنى: إذا ابتعدت مدة عن أم جندب لا تراها فيها وغابت هي عنك، فلا تظن ذلك منها هجرا، أو قطعية، وإنما هي تريد أن تعرف مبلغ حبك لها وصدقك معها، وتلك عادتها، وقد جربت ذلك من قبل. الإعراب: إن شرطية جازمة. تنأ: فعل الشرط مجزوم، والفاعل: أنت. "عنها": متعلق بـ "تنأ". "حقبة": متعلق بـ "تنأ". لا: نافية. تلاقها: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه بدل من "تنأ"، والفاعل: أنت، و"ها" مفعول به. فإنك: الفاء رابطة لجواب الشرط. إن: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمها. "مما" حرف جر، و"ما" مصدرية، أو اسم موصول بمعنى الذي، وعليه فـ "مما": جار ومجرور، و"الجملة" بعده: لا محل لها، وعلى الأول: فـ "ما وما دخلت عليه": في تأويل مصدر، مجرور بـ "من"، و"الجار والمجرور": متعلق بـ "مجرب" الآتي، وعلى كلا التأويلين: فـ "من" بمعنى التعليل. بالمجرب: الباء حرف جر زائد، والمجرب: خبر "إن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة "إنك مما أحدثت بالمجرب": في محل جزم جواب الشرط.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وقوله١: [الطويل]
١١٦- ولكنَّ أجرًا لو فعلتِ بهيِّنِ٢
_________________
(١) موطن الشاهد: "بالمجرب". وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "إن" وهو المجرب، وهذا نادر في اللغة، وزيادة "الباء" على جعل المجرب اسم فاعل، والمعنى كما أسلفنا فإنك الذي جرب ما أحدثته أم جندب. هذا؛ وذهب بعض العلماء إلى جعل "المجرب" بفتح الراء المشددة اسم مكان من التجربة، وعلى هذا التخريج، تكون "الباء" حرف جر أصلي، ويكون الجار والمجرور: متعلقا بالخبر المحذوف، والتقدير: فإنك كائن بمكان التجربة. وذهب آخرون: إلى أن "المجرب" اسم فاعل كما هي غير أن "الباء" حرف جر أصلي، وليست زائدة؛ لأنها تفيد هنا التشبيه، و"الجار المجرور": متعلق بالخبر المحذوف، كما في التخريج السابق، والتقدير: فإنك كائن مثل الشخص المجرب لها ولأفعالها. ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وهل يُنكَر المعروفُ في الناس والأجرُ؟ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، وشرح المفصل: ٨/ ١٣٩، والخزانة: ٤/ ١٦٠، والعيني: ٢/ ١٣٤، واللسان "كفى". المفردات الغريبة: هين "بفتح الهاء وتشديد الياء" سهل خفيف، وأصله "هيون" مثل: سيد وميت: المعروف: الخير والعمل الطيب. المعنى: إن عمل المعروف والجزاء عليه هين وسهل لمن أراده، والناس لا ينكرون على صانع المعروف عمله والجزاء عليه، ولن يضيع أجره عند الله. الإعراب: لكن: حرف استدراك ونصب، أو حرف مشبه بالفعل أجرا: اسمه. لو: حرف شرط غير جازم. فعلت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعله، وجملة "فعلت" شرط "لو" وجوابها محذوف، والتقدير: لو فعلت لنلت جزاء فعلك. بهين: الباء زائدة. هين: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا، على أنه خبر "لكن" هل: حرف استفهام. ينكر: فعل مضارع مبني للمجهول. المعروف: نائب فاعل "في الناس": معلق بـ "ينكر". والأجر: الواو عاطفة، والأجر: اسم معطوف على المعروف. موطن الشاهد: "لكن أجرا بهين". وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "لكن" المشددة النون، وحكم زيادة "الباء" في هذا الموضع أنه نادر.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقوله١: [الطويل]
١١٧- ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم٢
_________________
(١) ١ القائل: هو الفرزدق: وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: يقول إذا اقلولى عليها وأقردتْ البيت من كلمة للفرزدق، يهجو فيها جرير بن عطية، وقومه بني كليب، ويعيرهم بأنهم يأتون الأتن، وقبل الشاهد، قوله: وليس كليبي إذا جن ليله إذ لم يجد ريح الأتان بنائمِ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٢، والأشموني: "٢١٩/ ١/ ١٢٣"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٠١، والمنصف: ٣/ ٣٧، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٦٧، والعيني: ٢/ ١٣٥، ١٤٩ واللسان "قرد، قلا"، والمغني "٦٥٢/ ٤٥٩" وفيه برواية: ألا أهل أخو عيش لذيد بدائم. وشرح السيوطي: ٢٦٢، وديوان الفرزدق: ٨٦٣. المفردات الغريبة: جن ليله: ستره وأظلم عليه. الأتان: أنثى الحمار، وجمعها أتن، مثل سحاب وسحب. اقلولى: فسره العيني: ارتفع، صاحب اللسان: انكمش. أقردت: ذلت وخضعت. المعنى: يقول الكلبي: إذا قضى مأربه من الأتان، وسكنت له: أتمنى دوام هذا العيش اللذيذ. الإعراب: يقول: فعل مضارع، والفاعل: هو، يعود إلى "كليبي" في البيت السابق عليه. إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، في محل نصب على الظرفية الزمانية. اقلولي: فعل ماضٍ، والفاعل هو. "عليها": متعلق بـ "اقلولى" و"ها" ضمير عائد إلى "الأتان" في محل جر بالإضافة وجملة "اقلولى عليها": في محل جر بالإضافة بعد "إذا" وأقردت" الواو عاطفة، أقردت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي، يعود إلى الأتان، وجملة "أقردت": في محل جر؛ لأنها معطوفة على جملة في محل جر بالإضافة. ألا: حرف استفتاح وتنبيه. ليت حرف مشبه بالفعل. ذا: اسم إشارة، اسم "ليت". العيش: بدل من اسم الإشارة. اللذيذ: صفة لـ "العيش". بدائم: الباء حرف جر زائد، دائم: خبر "ليت" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة "ليت وما دخلت عليه": في محل نصب مقول القول. موطن الشاهد: "ليت ذا العيش بدائم". وجه الاستشهاد: زيادة "الباء" في خبر "ليت"، وحكم زيادتها هنا أنها نادرة، ولا يكاد ينسج على منوالها.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وإنما دخلت في خبر "أن" في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ ١، لما كان: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ في معنى "أو ليس الله".
_________________
(١) ١ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِقَادِرٍ﴾ . وجه الاستشهاد: زيادة الباء في خبر "أنَّ" في الآية الكريمة ليس على الندرة؛ لأن القرآن الكريم منزه عن وقوع الندرة فيه، وإنما زيدت لأن المعنى: "أو ليس الله الذي خلق السموات" ومعلوم أن زيادة الباء في خبر "ليس" كثيرة. فائدتان: "أ": قد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها. تقول: ليس المجاهد بمتأخر، وقاعد عن الفتك بالأعداء، ويسمى هذا عند النحويين بالعطف على التوهم، أي أن المتكلم توهم وجود الباء الزائدة، فعطف بالجر. ويندر هذا في غير خبر "ليس" و"ما"، وينبغي أن يقتصر ذلك على السماع. ويجوز كذلك النصب عطفا على محل المعطوف عليه. "ب": خير ما قيل في إعراب "حنت نوار ولات هنَّا حنت": أن "لات" حرف نفي مهمل، و"هنا" اسم إشارة للمكان منصوب على الظرفية خبر مقدم "حنت" فعل ماضٍ والتاء للتأنيث، والفاعل: هي، وقبلها "أن" مقدرة، والمصدر المؤول من أن المقدرة والجملة: في محل رفع مبتدأ مؤخر. حاشية الصبان. ١/ ٢٥٦، ٢٥٧، وانظر ضياء السالك: ١/ ٢٥١.
[ ١ / ٢٨٩ ]
[باب أفعال المقاربة]:
هذا باب أفعال المقاربة:
[أفعال هذا الباب ثلاثة أنواع]:
وهذا من باب تسمية الكل باسم الجزء١، كتسميتهم الكلام كلمة.
وحقيقة الأمر أن أفعال الباب ثلاثة أنواع: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: كاد، وأوشك، وكرب، وما وضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة: عسى٢، واخلولق، وحرى، وما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، ومنه: أنشأ، وطفق، وجعل، وعلق، وأخذ.
_________________
(١) ١ الأولى أن يقول: من باب التغليب؛ لأن تسمية الكل باسم الجزء إنما تكون بإطلاق اسم الجزء على ما تركب منه، ومن غيره، كتسمية المركب كلمة، أما تسمية الأشياء المجتمعة من غير تركيب باسم بعض فيسمى تغليبا كما هنا. حاشية يس على التصريح: ١/ ٢٠٣. ٢ في "عسى" ثلاثة أقوال للنحاة. الأول: أنها فعل في كل حال، سواء اتصل بها ضمير الرفع أم ضمير النصب أم لم يتصل بها واحد منهما، وهو قول نحاة البصرة، ورجحه المتأخرون. الثاني: أنها حرف في جميع الأحوال، سواء اتصل بها ضمير الرفع أم لم يتصل بها، وهو قول جمهرة الكوفيين، وثعلب، وابن السراج. والثالث: أنها حرف إذا اتصل بها ضمير نصب، كما في قول صخر بن العود الحضرمي. ومنه قول الراجز: تقول بنتي: قد أنى أناكا يا أبتا علك أو عساكا ومنه قول عمران بن حطان الخارجي: ولي نفس تنازعني إذا ما أقول بها: لعلي أو عساني فهي في مثل هذه الشواهد حرف، وفعل فيما عدا ذلك، وهو قوله سيبويه شيخ النحاة. مغني اللبيب: ٢٠١.
[ ١ / ٢٩٠ ]
[شرط عمل هذه الأفعال]:
ويعملْنَ عمل "كان"، إلا أن خبرهن يجب كونه جملة١، وشذ مجيئه مفردا بعد "كاد" وعسى، كقوله٢: [الطويل]
١١٨- فأُبْتُ إلى فهم وما كدت آئبا٣
_________________
(١) ١ إنما وجب ذلك؛ لأن الحكم يتوجه إلى مضمون الجملة. ٢ القائل: هو تأبط شرا، واسمه: ثابت بن جابر بن سفيان، وقيل ثابت بن عمسل، كان شاعرا بئيسا، يغزو على رجليه وحده. الشعر والشعراء: ١/ ٣١٢، الأغاني: ١٨/ ٢٠٩، الخزانة: ١/ ٦٦، الاشتقاق: ١٦٢. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وكم مثلها فارقتها وهي تصفر والبيت من كلمة، اختارها أبو تمام في حماسته، وأولها قوله: إذا المرء لم يحتَلْ وقد جدَّ جدُّه أضاع وقاسى أمره وهو مدبر والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٣، وابن عقيل "٥٨/ ١/ ٣٢٥"، والأشموني: "٢٣١/ ١/ ١٢٨" وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٧، والإنصاف: ٥٤٤، وشرح المفصل: ٧/ ١٣، ١١٩ والعيني: ٢/ ١٦٥، والخزانة: ٣/ ٥٤، ٤/ ٩٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٨٣. المفردات الغريبة: أبت: رجعت. فهم: اسم قبيلته، وأبوها فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، تصفر، تخلو، والمراد هنا تتأسف وتتحزن على إفلاتي منها بعد أن ظنوا أنهم قد قدروا عليَّ، وكان ذلك بعد أن أفلت من بني لحيان، وقد أحكموا خطة؛ ليوقعوا به عندما كان يشتار عسلا من فوق جبل. المعنى: رجعت إلى قبيلتي "فهم" وما كدت أعود إليها بعد مفارقتي لها، وكثير من القبائل مثلها تركتها وهي تتحسر وتتأسف على تركي لها. الإعراب: فأبت: الفاء عاطفة، أبت: فعل وفاعل. "إلى فهم": متعلق بـ "أبت". وما: الواو حالية "ما" نافية. كدت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه آئبا: خبر كاد، و"الجملة" في محل نصب على الحال وكم: خبرية، تفيد التكثير، في محل رفع مبتدأ. مثلها: مضاف إليه وهو تمييز كم" و"ها": مضاف إليه ثانٍ. فارقتها: فعل وفاعل ومفعول به، و"الجملة": في محل رفع خبر "كم". وهي: الواو حالية، والضمير بعدها مبتدأ تصفر: فعل مضارع، والفاعل: هي و"الجملة" في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة "المبتدأ وخبره"، في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "وما كان آئبا". وجه الاستشهاد: عمل "كاد" عمل "كان" ومجيء خبرها اسما مفردا، وحكم مجيء خبر كاد اسما مفردا شاذ، لا يقاس عليه؛ لأن الأصل في خبرها أن يكون جملة فعلية، فعلها مضارع، وبعض النحاة أنكروا رواية البيت على الوجه السابق، وزعموا أن الرواية الصحيحة "وما كنت آئبا".
[ ١ / ٢٩١ ]
وقولهم: "عسى الغوير أبؤسا"١.
وأما: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ ٢، فالخبر محذوف، أي: يمسح مسحا.
_________________
(١) ١ هذا مثل قالته العرب، وذكره الميداني في مجمع الأمثال: "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ٢/ ١٧. وأصله: أن قوما كانوا في غار، فانهار عليهم، فماتوا جميعا، ثم تمثلت به الزباء ملكة الجزيرة، حين رجع إليها قصير ومعه الرجال والغوير: تصغير الغار، وهو اسم ماء لبني كليب. الأبؤس: جمع بؤس أو بأس، ومعناه: العذاب والشدة. والمعنى: لعل الشر يأتيكم من قبل الغوير، فصار مثلا يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة بعينها. شرح التصريح: ١/ ٢٠٤. موطن الشاهد: "عسى الغوير أبؤسا". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "عسى" مفردا، وحكم هذا أنه شاذ، ولا يقاس عليه، كما في الشاهد السابق، وهذا تخريج سيبويه وأبي علي الفارسي، وذهب ابن الأعرابي، إلى أن "أبؤسا" منصوب بفعل محذوف، والتقدير: عسى الغوير يصير أبؤسا، وقدره الكوفيون: عسى الغوير أن يكون أبؤسا، وذهب آخرون إلى أن "أبؤسا": مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: يأتي بأبؤس، وكان الصواب أن يقدر على هذا الوجه يأتي أبؤسا؛ لأن "أتى" يتعدى بنفسه؛ وأما ابن هشام فيرى أنه مفعول مطلق لعامله المحذوف، والتقدير: عسى الغوير يبأس أبؤسا. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٣-٢٠٤. ٢ "٣٨" سورة ص، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿طَفِقَ مَسْحًا﴾ . وجه الاستشهاد: حذف عامل المفعول المطلق، وهو "يمسح" الواقع خبر لـ "طفق"، والذي جوز حذف العامل دلالة المصدر عليه، فأقيم مقامه، واسم "طفق" يعود إلى سليمان ﵇، وفي هذه الآية رد على ابن مالك، حيث قال: "وحذف عامل المؤكد امتنع". شرح التصريح: ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وشرط الجملة: أن تكون فعلية، وشذ مجيء بعد "جعل" في قوله١: [الوافر]
١١٩- وقد جعلت قلوص بني سهيل من الأكوار مرتعها قريب٢
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٤، والأشموني: "٢٣٣/ ١/ ١٢٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، والخزانة: ٤/ ٩٢، والعيني: ٢/ ١٧٠، والمغني: "٤٢٣/ ٣١٠" والسيوطي: ٢٠٦. المفردات الغريبة: قلوص: بفتح القاف: الشابة من النوق. بني سهيل: ويروى مكانه ابني سهيل، الأكوار: جمع كور وهو الرحل بأدواته، وقد يكون "الكور" بفتح الكاف: الجماعة من الإبل: مرتعها: المكان الذي ترعى فيه. المعنى: أخذت هذه النوق الفتية ترعى بالقرب من رحالها أو من جماعة الإبل التي تجاورها، وذلك لما بها من الإعياء والتعب، فلم تستطع البعد عن الرحال. الإعراب: جعلت: فعل ماضٍ من أفعال الشروع، يعمل عمل "كان"، والتاء: للتأنيث. قلوص: اسم جعل مرفوع. بني: مضاف إليه. سهيل: مضاف إليه ثانٍ. "من الأكوار": متعلق بـ "قريب" مرتعها: مبتدأ، و"ها": مضاف إليه. قريب: خبر مرفوع، وجملة "مرتعها قريب": في محل نصب على الحال. وذهب آخرون إلى أن "جعل" بمعنى "صار"، وليست من أفعال الشروع، وعليه، فـ "قلوص": اسم جعل، وجملة مرتعها قريب: خبر، ولا شاهد في البيت على هذين التخريجين. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٤، وحاشية الصبان: ١/ ٢٥٩-٢٦٠.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وشرط الفعل ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون رافعا لضمير الاسم١، فأما قوله٢: [البسيط]
١٢٠- وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي ٣
_________________
(١) ١ أي: الاسم الذي لهذه الأفعال نحو: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وذلك؛ لأن أفعال هذا الباب إنما جاءت؛ لتدل على أن مرفوعها هو الذي قد تلبس بالفعل، أو شرع فيه لا غيره، فلا بد في الفعل من ضمير يعود على المرفوع؛ ليتحقق ذلك. التصريح: ١/ ٢٠٤. ٢ القائل هو: عمرو بن أحمر الباهلي، شارع مجيد من مخضرمي الجاهلية والإسلام، يُعرَف بكثرة غريبه في الشعر، وبصحة كلامه؛ وذلك لأنه كان في أفصح بقعة من الأرض أهلا، وهذا الموضع هو "يذبل" جبل مشهور لباهلة، وكان عمرو أعور العين؛ وذلك لسهم أصابه في عينه، عمَّر تسعين سنة وسقي بطنه فمات. الشعر والشعراء: ١/ ٣٥٦، والجمحي: ٢/ ٥٨٠، المؤتلف: ٣٧، الخزانة: ٣/ ٣٨، اللآلي: ٣٠٧. ٣ تخريج الشاهد: البيت بتمامه هو: وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي، فأنهض نهض الشارب السكر وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٤ برواية "الثمل"، والأشموني: "٢٤٥/ ١/ ١٣٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٨، ١/ ١٣١، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٢، ١/ ١٠٩، والخزانة: ٤/ ٩٣، "الثمل" والمقرب: ١٨، والعيني: ٢/ ١٧٣، والمغني: "٩٨٤/ ٧٥٤" برواية "ثمل" والسيوطي: ٣٠٨ وشذور الذهب: "٨٧/ ٢٥٢، ٣٥٩". وقد ذكر الرواة بيتا مثله من كلام أبي حية النميري، وهو: وقد جعلت إذا ما قمت يوقعني ظهري، فقمت قيام الشارب السكر ويروى أيضا: وقد جعلت إذا ما نمت أوجعني ظهري وقمت قيام الشارف الظهر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٣. المفردات الغريبة: يثقلني: يجهدني ويتعبني، أنهض: أقوم، ومصدره النهض. السكر: صفة مشبهة بمعنى الثمل وهو الذي أخذ منه الشراب، وأضعف قواه. المعنى: جعلت إذا قمت يجهدني ويتعبني ثوبي الذي ألبسه؛ لِما بي من ضعف، فأقوم بمشقة، كما يقوم السكران الذي أخذ منه من الشراب وأضعف قواه. الإعراب: جعلت: فعل ماضٍ من أفعال الشروع، يعمل عمل "كان" والتاء: اسمه. إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط. ما زائدة. قمت: فعل ماضٍ وفاعل: يثقلني: فعل مضارع، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. ثوبي: فاعل يثقل، وهو مضاف، =
[ ١ / ٢٩٤ ]
وقوله١: [الطويل]
١٢١- وأسقيه حتى كاد مما أبثّه تكلمني أحجاره وملاعبُهْ٢
_________________
(١) = والياء: مضاف إليه، وهذا الإعراب على الوجه الذي استشهد المؤلف بالبيت لإبرازه. فأنهض: الفاء عاطفة، أنهض: فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: أنا: نهض: مفعول مطلق مبين لـ "النوع". ونهض: مضاف، والشارب: مضاف إليه. السكر: صفة لـ "الشارب" مجرورة. موطن الشاهد: "جعلت يثقلني ثوبي". وجه الاستشهاد: وقوع خبر "جعل" فعل مضارعا "يثقلني" وقد رفع اسما ظاهرا، هو "ثوبي" مضاف إلى ضمير عائد إلى اسم جعل كما يدل ظاهر البيت وذلك غير جائز عند النحويين؛ لأنهم يشترطون في أفعال الشروع أن تكون أخبارهم مضارعة رافعة لضمير مستتر يعود إلى الاسم، فكان عليه أن يقول: "جعلت أثقل". وذهب العلامة العيني إلى أن "جعلت" فعل واسمه، و"يثقلني": خبره وقوله: "ثوبي" بدل من اسم جعلت، بدل اشتمال، وليس فاعل يثقلني. انظر شرح الشواهد للعيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ٢٦٣-٢٦٤. ١ القائل هو: ذو الرمة، غيلان بن عقبة، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة طويلة للشاعر، مطلعها: وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٤، والأشموني: "٢٤٤/ ١/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣١، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، وكتاب سيبويه: ٢/ ٢٣٥، وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ٤١، والعيني: ٢/ ١٧٦، وديوان ذي الرمة: ٣٨. المفردات الغريبة: أبثه: أظهر له بثي، والبث: شدة الحزن. ملاعبه: جمع ملعب، وهو مكان اللعب، والضمير عائد على ربع مية. المعنى: وقفت أسقي ربع مية بدموعي؛ أو أدعو له بالسقيا وأظهر ما عندي من أسى وألم وحزن، حتى كادت أحجاره وأماكن اللعب فيه تجيبني إشفاقا علي ورحمة بي. الإعراب: أسقيه: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، و"الهاء" مفعول به. حتى: حرف غاية وجر. كاد: فعل ناقص، واسمه يعود إلى الأحجار والملاعب. "مما": متعلق بـ "تكلمني:" أبثه: فعل مضارع، والفاعل: أنا و"الهاء": مفعول به، وجملة "أبثه": صلة للموصول "ما" لا محل لها. تكلمني: فعل مضارع مرفوع، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به، والفاعل: هو، يعود إلى "أحجاره" الواقع بدلا من الضمير المستتر في "كاد" العائد إلى الربع؟ والأصل: كاد هو أحجاره وملاعبه تكلمني. موطن الشاهد: "كاد تكلمني أحجاره". وجه الاستشهاد: وقوع خبر كاد فعلا مضارعا رافعا الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير الاسم، وهو كالشاهد السابق، ولذا أعربناه الإعراب الذي يتفق والقاعدة.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فثوبي وأحجاره بدلان من اسمي جعل وكاد، ويجوز في "عسى" خاصة أن ترفع السببيَّ١، كقوله٢: [الطويل]
١٢٢- وماذا عسى الحجاج يبلغُ جُهْدَُهُ٣
_________________
(١) ١ المراد بالسببي: الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير يعود على الاسم المرفوع بعسى، وانظر إلى قوله "جهده" في رواية الرفع، تجده اسما مرفوعا بعسى ظاهرا مضافا إلى ضمير يعود إلى الحجاج، وهو المرفوع بعسى. ٢ القائل هو البرج التميمي. ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٣ تخريج الشاهد: البيت كما نسبه ياقوت للبرج التميمي، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي قد ألزمه البعث إلى المهلب بن أبي صفرة لقتال الأزارقة، فهرب منه إلى الشام. وقد نسبه العيني، والشيخ خالد الأزهري إلى الفرزدق. انظر شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ٢٦٤ وشرح التصريح: ١/ ٢٠٥، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٥، والأشموني: "٢٤٦/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣١ والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، والعيني: ٢/ ١٨٠، وليس في ديوان الفرزدق، والشاهد صدر البيت، وعجزه: إذا نحن جاوزنا حفير زياد المفردات الغريبة: جهده، الجهد: الطاقة والوسع. حفير زياد: هو موضع على خمس ليالٍ من البصرة. وزياد هو ابن أبي سفيان أخو معاوية، وكان واليا على العراق. المعنى: ما الذي يرجو الحجاج أن يناله منا إذا نحن جاوزنا هذا الموضع، وأصبحنا في أمن من اللحاق بنا؟ والاستفهام إنكاري أي: إنه لا يرجى له شيء مما يريد. الإعراب: ماذا: اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، أو ما: في محل رفع مبتدأ، و"ذا" اسم موصول: خبر، وعلى هذا، فجملة "عسى": صلة للموصول، لا محل لها؛ لأن المعنى: ما الذي يقال فيه عسى؟، ومعلوم أن الإنشاء لا يقع صلة. عسى: فعل ماضٍ ناقص. الحجاج: اسمه. يبلغ فعل مضارع وفاعل. جهده: مفعول به، والهاء: مضاف إليه على رواية النصب. أما على رواية الرفع فجهده فاعل يبلغ مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء: مضاف إليهظ وجملة "يبلغ جهده": في محل نصب خبر "عسى". موطن الشاهد: "عسى الحجاج يبلغ جهده". وجه الاستشهاد: رفع المضارع الواقع خبرا لـ عسى وهو "يبلغ" اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير عائد إلى اسم عسى، وهو "جهده"، وهذا سائغ في "عسى" من دون أخواتها على رأي الجمهور، وبعضهم يرى أن "جهده" بالنصب مفعول "يبلغ" والفاعل يعود إلى الحجاج، فلا شاهد إذًا، على رواية النصب. وفي البيت شاهد آخر على مجيء خبر ليس فعلا مضارعا غير مقترن بـ "أن" المصدرية.
[ ١ / ٢٩٦ ]
يروى بنصب "جهده" ورفعه.
الثاني: أن يكون مضارعا١، وشذ في "جعل" قول ابن عباس٢ ﵄: "فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا"٣.
الثالث: أن يكون مقرونا بأن إن كان الفعل حرى أو اخلولق، نحو: "حرى زيد أن يأتي" و"اخلولقت السماء أن تمطر"٤، وأن يكون مجردا منها إن كان الفعل دالا
_________________
(١) ١ أي: في اللفظ والإعراب، ولكن معناه ماضٍ قريب من الحال في الزمن، مثل "كا" وأخواتها. ٢ ابن عباس: هو أبو العباس، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة وترجمان القرآن، وفقيه عصره، ولد سنة ٣ ق. هـ، لازم النبي ﷺ وروى عنه الأحاديث، شهد مع علي بن أبي طالب "الجمل" "وصفين"، وله في الصحيحين ١٦٦٠ حديثا، ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن، جمعه بعض أهل العلم، مات سنة ٦٨هـ. سير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٣١، وفيات الأعيان: ٣/ ٦٢، البداية والنهاية: ٨/ ٢٩٥، الإصابة: ٢/ ٣٣٠. ٣ قال ابن عباس ذلك مبنيا حال الناس عندما أعلن رسول الله ﷺ الدعوة. وأما الإعراب، فـ "جعل": فعل ناقص. الرجل: اسمه. إذا: ظرفية زمانية. لم: جازمة. نافية. يستطع: مضارع مجزوم، والفاعل هو، أن: حرف مصدري ونصب، يخرج: فعل مضارع منصوب، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل نصب مفعول به، والتقدير: لم يستطع الخروج. أرسل: فعل ماضٍ، والفاعل: هو رسولا: مفعول به، وجملة "أرسل رسولا": في محل نصب خبر "جعل". موطن الشاهد: "جعل الرجل أرسل رسولا". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "جعل" فعلية، فعلها ماضٍ، وحكم مجيئه ماضيا شاذ ولا يقاس عليه. ٤ المقصود بـ "أن" المقترن بها -هنا- أن المصدرية الناصبة وجوبا، وذلك للإشعار بأن الفعل السابق عليها، يفيد الرجاء في المستقبل، وأما خبر الفعل الناسخ السابق لها، فيكون مصدرا منسبكا من "أن وما دخلت عليه"، وفي هذه الحال، يحصل إشكال، وهو الإخبار بالمعنى عن الجثة، وهذا غير جائز، وللتخلص من هذا الإشكال؛ فإما أن يظل الأمر على ظاهره، ويقصد به المبالغة، وإما أن يقدر مضاف قبل أو بعد الناسخ، ففي نحو: عسى زيد أن يذهب، يكون التقدير: عسى زيد صاحب قيام، وهذا أفضل، وقيل: يغتفر في هذا الباب الإخبار بالمعنى عن الجثة. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٦.
[ ١ / ٢٩٧ ]
على الشروع١، نحو: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَان﴾ ٢، والغالب في خبر "عسى" و"أوشك" الاقتران بها، نحو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ٣، وقوله:٤ [الطويل]
١٢٣- ولو سُئِل الناسُ الترابَ لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا٥
_________________
(١) ١ لأن الشروع في الفعل والأخذ فيه ينافيان الاستقبال الذي تفيده "أن". ٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٢٢، و"٢٠" سورة طه، الآية: ١٢١. موطن الشاهد: ﴿طَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "طفق" دالا على الشروع، ومجيء خبره "يخصفان" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن"، وحكم تجرُّد الخبر من "أن" مع أفعال الشروعِ الوجوبُ، ومعنى "يخصفان" في الآية الكريمة: يلصقان. ٣ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء خبر عسى جملة فعلية، فعلها مضارع مقترن بـ "أن"، وحكم اقتران "أن" بالفعل المضارع الواقع جوابا لـ "عسى" الجواز مع التغليب. ٤ لم ينسب إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: يروى قبل البيت الشاهد قوله: أبا مالك، لا تسأل الناس والتمس بكفيك فضل الله، والله واسعُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٦، والأشموني: "٢٣٨/ ١/ ١٢٩" وابن عقيل: "٨٩/ ١/ ٣٣٢"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، ومجالس ثعلب: ٤٣٣، وأمالي الزجاجي: ١٩٧ والعيني: ٢/ ١٨٢، واللسان: "وشك" وشذور الذهب: "١٢٧/ ٣٥٣". المفردات الغريبة: لأوشكوا: لَقَربوا. يملوا: يسأموا ويضجروا. المعنى: لو سئل الناس إعطاء التراب وهو شيء تافهٌ لا قيمة له لكرهوا الطلب، وكادوا يمنعونه، إذا قيل لهم: هاتوا؛ وذلك لما طبعوا عليه من الحرص، أو لكراهة الطلب. الإعراب: لو: شرطية غير جازمة. سئل: فعل ماضٍ مبني للمجهول. الناس: نائب فاعل. التراب: مفعول به ثانٍ منصوب، والمفعول الأول انقلب نائب فاعل؛ لِبناء =
[ ١ / ٢٩٨ ]
والتجرد قليل، كقوله١: [الوافر]
١٢٤- عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجٌ قريبُ٢
_________________
(١) = الفعل للمجهول. لأوشكوا: اللام واقعة في جواب "لو"، أوشكوا: فعل ماضٍ ناقص، والواو: اسمه. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط لـ "إذا"، ونائب الفاعل محذوف، والتقدير: قيل لهم، أو قيل القول. هاتوا: فعل أمر، والواو: فاعل، وجملة "هاتوا": مقول القول في محل نصب. أن: حرف مصدري ونصب. يملوا: فعل مضارع منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، و"المصدر المؤول": في محل نصب خبر "أوشك". ويمنعوا: معطوف على "يملوا". موطن الشاهد: "أوشكوا أن يملوا". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "أوشك" فعلا مضارعا مقترنا بـ "أن" وحكم اقتران جواب "أوشك" بـ "أن" الجواز مع التغليب. وفي البيت شاهد آخر، على مجيء "أوشك" بصيغة الماضي، وفي هذا رد على من لا يجوز وقوعها إلا بصيغة المضارع. ١ القائل هو: هدبة بن خشرم العذري، شاعر إسلامي من أهل بادية الحجاز، توفي سنة ٥٠هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٩١، الاشتقاق: ٣٢٠، الأغاني: ٢١/ ١٦٩، الخزانة: ٤/ ٨١. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة، قالها وهو في الحبس، وقد روى أكثر هذه القصيدة أبو علي القالي في أماليه، وروى أبو السعادات بن الشجري في حماسته أكثر مما رواه القالي، وأول هذه القصيدة: طربت وأنت أحيانا طروبُ وكيف وقد تعلَّاك المشيبُ؟ يجدَّ النأي ذكرك في فؤادي إذا ذهلت على النأي القلوبُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٦، وابن عقيل: "٨٦/ ١/ ٣٢٧"، والأشموني: "٢٣٤/ ١/ ١٢٩" وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٧٨، والمقتضب: ٣/ ٧٠ والجمل للزجاجي: ٢٠٩، والمرزباني: ٤٨٣، وشرح المفصل: ٧/ ١١٧، ١٢١، والمقرب: ١٧ والخزانة: ٤/ ٨١، والعيني: ٢/ ١٨٤، والمغني: "٢٧٠/ ٢٠٣" "٩٨٣/ ٧٥٤" وشرح السيوطي لأبيات المغني: ١٥٢. المفردات الغريبة: الكرب: الهمّ والغمّ. أمسيت: يروى بفتح التاء وضمّها، والمراد صرت. فرج: أي كشف للكرب والغم. المعنى: عسى هذا الخطب الذي ألم بي أن يكشفه الله تعالى عن قريب. الإعراب: عسى: فعل ماضٍ ناقص. الكرب: اسم عسى. الذي: صفة لـ "الكرب". أمسيت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. "فيه" متعلق بالخبر المحذوف، =
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقوله١: [المنسرح]
١٢٥- يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها٢
_________________
(١) = وجملة "أمسيت فيه": صلة للموصول، لا محل لها. يكون: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه يعود إلى الكرب. "وراءه" متعلق بخبر مقدم محذوف، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه. فرج: مبتدأ مؤخر مرفوع. قريب: صفة لـ "فرج"، وجملة "وراءه فرج": في محل نصب خبر "يكون"، وجملة "يكون وراءه فرج قريب": في محل نصب خبر "عسى". موطن الشاهد: "يكون وراءه". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "عسى" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرَّد من "أن"، وحكم مجيئه مجردا منها الجواز مع القلة. فائدة: في الشاهد السابق، لا يجوز أن نعرب "فرج" "يكون" و"وراءه" متعلق بخبر محذوف تقدم عليه؛ لأن ذلك، يقتضي أن يرفع المضارع الواقع خبرا لـ عسى" اسما ظاهرا، وهو ممتنع بالإجماع. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٦. ١ القائل هو: أمية بن أبي الصلت، واسم أبيه عبد الله بن أبي ربيعة الثقفي رغب في جاهليته عن عبادة الأوثان، ولم يؤمن بالنبي ﷺ حيث بعث، كان شعره بأحاديث أهل الكتاب، قال عنه الرسول ﷺ حين أنشد شعره: "آمن لسانه وكفر قلبه" مات سنة: ٥هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٤٥٩، الأغاني: ٣/ ١٧٩، الخزانة: ١/ ١١٨، شعراء الجاهلية: ٢١٩-٢٣٧. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٩٠/ ١/ ٣٣٣"، والأشموني: "٢٣٩/ ١/ ١٢٩" وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٣، ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٧٩ والكامل للمبرد: ٤٣، وشرح المفصل: ٧/ ١٢٦، والمقرب: ١٧، والعيني: ٢/ ١٨٧ وحاشية الدمنهوري: ٨٧، ٩١، ٩٦، وشذور الذهب: "١٢٩/ ٣٥٥"، وديوان أمية: ٤٢. المفردات الغريبة: منيته، المنية: الموت. غراته، جمع غرة، بكسر الغين: وهي الغفلة. يوافقها: يصيبها، ويقع عليها. المعنى: إن من فر وهرب من الموت جبنا وخوفا في حرب أو نحوها يقرب أن يدركه الموت، وينزل به في بعض غفلاته. الإعراب: يوشك: فعل مضارع ناقص. مَن: اسم موصول، في محل رفع اسم "يوشك". فر: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. وجملة "فر": صلة للموصول، لا محل لها. "من منيته": متعلق بـ "فر"، والهاء: مضاف إليه "في بعض": متعلق بـ "يوافقها". غراته: مضاف إليه، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. يوافقها: فعل مضارع، والفاعل: هو، و"ها" مفعول به، وجملة "يوافقها": في محل نصب خبر "يوشك". موطن الشاهد: "يوشك من يوافقها". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "يوشك" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن"، وحكم تجرده منها الجواز مع القلة.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وكاد وكرب بالعكس١، فمن الغالب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الخفيف]
١٢٦- كرب القلب من جواه يذوب٤
_________________
(١) ١ أي: يغلب في خبرهما التجرد من "أن"؛ وذلك لأنهما يدلان على شدة مقاربة الفعل، فأشبها أفعال الشروع واقترانهما بأن في النادر بالنظر لأصلهما. التصريح: ١/ ٢٠٧. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧١. موطن الشاهد: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء خبر "كاد" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن" وحكم مجيئه مجردا منها الجواز مع التغليب. ٣ الشاعر: هو الكلحبة اليربوعي، ويقال له: العريني، واسمه هبيرة بن عبد مناف بن عرين من بني تميم وساداتها، ويعرف بفارس العرادة. الخزانة. ١/ ٣٩٢، الاشتقاق: ٢٢٦. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: حين قال الوشاة: هند غضوب. ينسب البيت أيضا إلى رجل من طيء، وهو من شواهد، التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٩١/ ١/ ٣٣٥"، والأشموني: "٢٤٢/ ١/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، والعيني: ٢/ ١٨٩، وشذور الذهب: "١٣٠/ ٣٥٦". المفردات الغريبة: جواه: الجوى، شدة الوجد. الوشاة، جمع واشع، من وشى به إذا نم عليه. ويروى: حين قال العذول: وهو اللائم في المحبة. غضوب: فعول بمعنى فاعل، وهي صفة من الغضب. المعنى: قرب قلبي من شدة وجده وحزنه وحرقته يسيل، حين قال الساعون المفسدون بين الأحبة. هند غاضبة عليك. الإعراب: كرب: فعل ماضٍ ناقص. القلب: اسمه. "من جواره" متعلق بـ "يذوب" الآتي، أو بقوله "كرب" والهاء: مضاف إليه. يذوب فعل مضارع، والفاعل: هو، وجملة "يذوب": في محل نصب خبر كرب. "حين": متعلق بـ "يذوب". قال: فعل =
[ ١ / ٣٠١ ]
ومن القليل، قوله١: [الخفيف]
١٢٧- كادت النفس أن تفيض عليه٢
_________________
(١) = ماضٍ. الوشاة: فاعل. هند: مبتدأ. غضوب: خبره، وجملة "هند غضوب": في محل نصب مقول القول، وجملة "الفعل وفاعله ومفعوله" في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "كرب القلب يذوب". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "كرب" جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من "أن"، وحكم مجيئه مجردا منها الجواز مع التغليب. ١ القائل: هو محمد بن مناذر، أبو ذريح، وقيل أبو جعفر، أحد شعراء البصرة، كان مولى لنبي يربوع، أدرك المهدي العباسي ومدحه، وكان كثير المعرفة يجالس سفيان بن عيينة أحد الفقهاء المشهورين فيسأله سفيان عن غريب الحديث ومعانيه. مات في أيام المأمون. الشعر والشعراء: ٢/ ٨٦٩-٨٧١، الأغاني: ١٧/ ٩-٣٠، معجم الأدباء: ١٩/ ٥٥. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إذ غدا حشو ريطةٍ وبرودِ البيت من قصيدة لابن مناذر، يرثي فيها رجلا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وكان ابن مناذر يحبه، ويشغف به، وكان الآخر يحب ابن مناذر، ويعينه على دنياه. وأول هذه القصيدة قوله: ما لحي مؤمل من خلودِ كل حي لاقى الحمام فَمُودِ وقبل الشاهد قوله: إن عبد المجيد يوم توفي هَدَّ رُكنًا ما كان بالمهدودِ ليت شعري وهل درى حاملوه ما على النعش من عفاف وجودِ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٨٨/ ١/ ٣٣٠"، والأشموني: "٢٣٥/ ١/ ١٢٩"، والشذور: "١٣١/ ٣٥٧"، والمغني: "١١٢٣/ ٨٦٨"، وشرح السيوطي: ٣٢١. المفردات الغريبة: تفيض: من فاضت نفس فلان، وهي لغة تميم، ويروى مكانه "تفيظ" على لغة قيس وكل الرواة يجيزون أن تقول: فاظت نفسه، إلا الأصمعي، فأبى أن تقول إلا: فاظ فلان، أو تقول: فاضت نفس فلان، ريطة "بفتح الراء": الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، وأراد بها الأكفان التي يلف بها الميت. المعنى: قاربت النفس أن تخرج من جسدها، حزنا على هذا الميت، حين صار مدرجا في أكفانه.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقوله١: [الطويل]
١٢٨- وقد كربت أعناقها أن تقطعا٢
ولم يذكر سيبويه في خبر كرب إلا التجرد من أن.
_________________
(١) الإعراب: كادت النفس: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. النفس: اسم "كاد" مرفوع. أن: حرف مصدري ونصب. تفيض: فعل مضارع منصوب لـ "أن" والفاعل: هي، وجملة "تفيض": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل نصب نصب خبر "كاد". "عليه" متعلق بـ "تفيض". إذ: ظرف للزمان الماضي، متعلق بـ "تفيض". غدا: فعل ماضٍ بمعنى صار، واسمه، ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى المرثي. حشو: خبر "غدا" منصوب، وهو مضاف. ريطة: مضاف إليه. وبرود: معطوف على ريطة مجرور مثله. موطن الشاهد: "أن تفيض". وجه الاستشهاد: اقتران خبر "كاد" بـ "أن" وحكم اقتران خبرها بها الجواز مع القلة كما في المتن. ١ القائل: هو أبو هشام بن زيد الأسلمي. ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٢ هذا عجز بيت، وصدره قوله: سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما وهو من كلمة للشاعر يهجو فيها إبراهيم بن اسماعيل بن المغيرة والي المدينة من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان قد مدحه من قبل، فلم ترقه مدحته فلم يعطه، وأمر به فضرب بالسياط، وأول هذه الكلمة: مدحت عروقا للندى مصت الثرى حديثا، فلم تهمم بأن تترعرعا نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى وحلَّبت الأيامَ والدهر أضرُعا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: "٩٢/ ١/ ٣٣٥"، والأشموني: "٢٤١/ ١/ ١٣٠"، وهمع الهوامع: ١/ ٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، والمقرب: ١٧ وشذور الذهب: "١٣٢/ ٣٥٨". المفردات الغريبة: الأحلام: العقول، جمع حلم. سجلا: دلوا عظيمة. الظمأ: العطش. الأعناق: جمع عنق وهو الرقبة. المعنى: إن هذه العروق التي مدحتها فردتني، إنما هي عروق ظلت في الضر والبؤس، حتى أنقذها ذوو أرحامها بعد أن أوشكت أن تموت؟ ويقصد بذوي الأرحام بني مروان ويريد الشاعر أن يقول: إن الذين مدحتهم حديثو عهد بالنعمة واليسار، ومثل هؤلاء لا يرتجى خيرهم.
[ ١ / ٣٠٣ ]
[أفعال المقاربة ملازمة لصيغة الماضي إلا أربعة]:
وهذه الأفعال ملازمة لصيغة الماضي، إلا أربعة استعمل لها مضارع، وهي "كاد" نحو: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ ١، وأوشك، كقوله:
يوشك من فر من منيته٢
وهو أكثر استعمالا من ماضيها، و"طفق"، حكى الأخفش: طفق يطفق كضرب يضرب، وطفق يطفق كعلم يعلم، و"جعل"، حكى الكسائي: "إن البعير ليهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجه".
[استعمال اسم فاعل ثلاثة منها]:
واستعمل اسم فاعل لثلاثة، وهي: "كاد" قاله الناظم، وأنشد عليه٣: [الطويل]
_________________
(١) = الإعراب: سقاها: فعل ماضٍ، ومفعول به أول. ذوو: فاعل مرفوع. الأحلام: مضاف إليه. سجلا: مفعول به ثانٍ منصوب. "على الظما": متعلق بـ "سقاها". وقد: الواو حالية. قد: حرف تحقيق. كربت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. أعناقها: اسم كَرُبَ، و"ها" مضاف إليه. أن: حرف مصدري ونصب. تقطعا: فعل مضارع، حذفت إحدى تاءيه تخفيفا، منصوب وعلامة نصبه حذف النون، والألف للإطلاق، والفاعل: ني، والمصدر المؤول في محل نصب خبر "كرب"، الجملة من "كرب واسمها وخبرها": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "أن تقطعا". وجه الاستشهاد: مجيء خبر "كرب" مضارعا مقترنا بـ "أن" وحكم هذا الاقتران جائز مع القلة، وفي الشاهد رد على سيبويه الذي لم يحك فيه غير التجرد، فالبيت حجة عليه، ومثل هذا الشاهد، قول العجاج: لقد برئت أو كربت أن تبورا لما رأيت بيهسا مثبورا فاقترن جواب كرب بـ "أن" وهو قليل نادر، كما أسلفنا. ١ "٢٤" سورة النور، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ . وجه الاستشهاد: استعمال مضارع "كاد" الناقصة، واستعمال مضارعها جائز شائع في لغة العرب، وزيت: اسمها، وجملة "يضيء": في محل نصب خبرها. ٢ مر تخريج هذا الشاهد، والتعليق عليه. ٣ هذا البيت لكثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عِزَّة، يكنى أبا صخر، ويعرف بابن أبي جمعة، وهو جده لأمه، وكثير شاعر فحل من شعراء الطبقة الأولى، وأحد شعراء الغزل في عصره، عرف بحبه لعزة وتغزله بها، على الرغم من قبحها، وكان أحمق، غاليا في التشيع، ورافضيا، اتصل بعبد الملك بن مروان، فأكرمه. مات سنة ١٥٠هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٥٠٣، تجريد الأغاني: ٣/ ١٠٠٨، الجمحي: ١/ ١٢١، الخزانة: ٢/ ٣٧٦. اللآلي: ٦١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
١٢٩- وإنني يقينا لرهن بالذي أنا كائد١.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة طويلة في رثاء عبد العزيز بن مروان أبي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل. وتمام البيت قوله: أموت أسى يوم الرجام، وإنني يقينا لرهن بالذي أنا كائد وقبل البيت الشاهد قوله: وكدت وقد سالت من العين عبرة سها عاند منها وأسبل عاند قذيت بها والعين سهو دموعها وعوارها في باطن الجفن زائد فإن تركت للكحل لم يترك البكى وتشري إذا ما حثحثتها المزاود والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، وابن عقيل: "٩٤/ ١/ ٣٣٩"، والأشموني: "٢٤٩/ ١/ ١٣١، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٤، والعيني: ٢/ ٩٨، وديوان كثير: ٢/ ١١٤. المفردات الغريبة: الأسى: الحزن وشدة اللوعة. الرجام: اسم موضع حدثت فيه موقعة. اليقين: العلم والجزم. رهن مرهون المعنى: كدت أموت من الحزن واللوعة في هذا اليوم الذي غاب فيه عبد العزيز، وإنني لمرهون ومحبوس، بالذي لا بد عما قريب سيكون، فالموت أمر لا مفر منه. الإعراب: أموت: فعل مضارع وفاعل. أسى مفعول له، ويجوز أن يكون حالا بتقدير: آسيا، أي: حزينا، وبعضهم أعربه: تمييزا، والأول أفضل. "يوم": متعلق بـ "أموت". الرجام: مضاف إليه. وإنني: الواو حالية، إن: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب اسمها. يقينا: مفعول مطلق لفعل محذوف، لرهن: اللام لام المزحلقة، رهن: خير "إن" مرفوع. "بالذي" متعلق بـ "رهن" أنا مبتدأ. كائد: خبر، وجملة "أنا كائد": صلة للموصول، لا محل لها، واسم كائد: ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا، وخبره محذوف، والتقدير: ألقاه، والهاء المحذوفة في محل نصب مفعول به، وهذه الهاء هي العائد إلى الاسم الموصول. موطن الشاهد: "أنا كائد". وجه الاستشهاد: استعمال "كائد" اسم الفاعل من "كاد" على هذه الرواية غير أن المؤلف صوب رواية "كابد" بالباء، من المكابدة، وعلى تلك الرواية فلا شاهد فيه، وقد اعتمد تلك الرواية ابن السكيت في شرح ديوان كثير عزة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
و"كرب" قال جماعة، وأنشدوا عليه١: [الكامل]
١٣٠- أبُنِيَّ إن أباك كارب يومه٢
_________________
(١) ١ هذا البيت لعبد قيس بن خفاف البرجمي، أحد بني عمرو بن حنظلة، شاعر تميمي جاهلي وفحل مجيد، وهو من شعراء المفضليات، والبرجمي، أي: من البراجم، وهو بطون من أولاد حنظلة بن مالك بن تميم. الأعلام: ٤/ ٤٩، سمط اللآلي: ٩٣٧. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فإذا دعيت إلى المكارم فاعجلِ وبعده قوله: أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح طبن بريب الدهر غير مغفل والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، والأشموني: "٢٥٠/ ١/ ١٣١"، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ١١٤، والعيني: ٢/ ٢٠٢، والمفضليات، للمفضل الضبي: ٣٨٤، والأصمعيات: ٢٢٩. المفردات الغريبة: كارب يومه: قريب يوم وفاته. المكارم: جمع مكرمة، وهي الخصلة من خصال البر. المعنى: يوصي الشاعر ابنه، فيقول: اعلم يا بني أن أباك قريب يوم وفاته وانتهاء حياة الدنيا، فإذا دعيت إلى فعل المكرمات وعمل البر فأسرع إلى ذلك، ولا تتأخر. الإعراب: أبني: "الهمزة" حرف نداء، بني: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، والياء: مضاف إليه. إن: حرف مشبه بالفعل. أباك: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، والكاف: مضاف إليه. كارب: خبر "إن" مرفوع. يومه: مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى ظرفه، واسم "كارب": ضمير مستتر، تقديره: هو. والخبر محذوف، والتقدير: كارب هو في يومه يموت. موطن الشاهد: "كارب يومه". وجه الاستشهاد: استعمال اسم فاعل "كرب" الناقصة على زعم جماعة من النحاة. كما أعربنا الشاهد، والتقدير: كارب هو في يومه يموت، فالخبر محذوف، غير أن الجوهري وبعض النحاة وتبعهم المؤلف، يذهبون إلى أن "كارب" في البيت اسم =
[ ١ / ٣٠٦ ]
و"أوشك"، كقوله١: [الوافر]
١٣١- فإنك موشكٌ أن لا تراها٢
_________________
(١) = فاعل لـ "كرب" التامة، لا الناقصة، وهو لا يحتاج إلى اسم وخبر، وإنما هو محتاج إلى فاعل وحسب، وعلى هذا فهو مضاف إلى فاعله، في قوله: "كارب يومه". وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٨. فائدة: بني: تصغير "ابن" مضاف إلى ياء المتكلم، وقد دخلت عليه همزة النداء، وأصله قبل الإضافة "بنيو" فاجتمع الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فانقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم أضيفت إلى المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن، التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتى بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة، التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. انظر أوضح المسالك "تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد": ١/ ٣٢٠. ١ القائل: هو كثير بن عبد الرحمن، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه، قوله: وتعدو دون غاضرةَ العوادي وهو من قصيدة لكثير، يشبب فيها بغاضرة، جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، والأشموني: "٢٤٨/ ١/ ١٣١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٤، والعيني: ٢/ ٢٠٥، وليس في ديوان كثير. المفردات الغريبة: العوادي: عوائق الدهر وغوائله التي تعدو على الإنسان، واحدها: عادية. المعنى: إن القريب إلى الفعل والغالب أنك لا ترى غاضرة، وأن تحول دون رؤيتها موانع وعوائق، لا تستطيع التغلب عليها. الإعراب: إنك: حرف مشبه، واسمه. موشك: خبر: "إن" مرفوع، وهو اسم فاعل من أوشك، واسمه: أنت. ألا: أن مصدري ونصب، ولا: نافية. تراها: فعل مضارع منصوب بـ "أن" والفاعل: أنت، و"ها" مفعول به، وجملة "تراها": صلة للموصول الحرفي، والمصدر المؤول، في محل نصب خبر "موشك" على الوجه المراد من الاستشهاد بالبيت، تعدو: فعل مضارع مرفوع "دون": متعلق بـ "تعدو". غاضرة مضاف إليه. العوادي: فاعل مرفوع. موطن الشاهد: "موشك". وجه الاستشهاد: استعمال اسم الفاعل "موشك" من أوشك الناقصة، وإعماله عمل فعله، فرفع الاسم، وهو الضمير المستتر فيه، ونصب الخبر، وهو المصدر المؤول من "أن وما بعدها" وما يدل على عمله عمل فعله اقتران خبره بـ "أن" المصدرية كذلك.
[ ١ / ٣٠٧ ]
والصواب أن الذي في البيت الأول كابد، بالباء الموحدة، من المكابدة والعمل، وهو اسم غير١ جارٍ على الفعل، وبهذا جزم يعقوب٢ في شرح ديوان كثير.
وأن كاربا في البيت الثاني اسم فاعل كرب التامة٣ في نحو قولهم: "كرب الشتاء" إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري٤.
[استعمال مصدر طفق وكاد]:
واستعمل مصدر لاثنين، وهما: "طفق، وكاد" حكى الأخفش: طفوقا عمن قال: طفق بالفتح، وطفقا عمن قال: طفق بالكسر، وقالوا: كاد كودا ومكادا ومكادة.
[اختصاص عسى واخلولق وأوشك باستغنائها عن الخبر]:
وتختص "عسى" و"اخلولق" و"أوشك" بجواز إسنادهن إلى "أن يفعل"
_________________
(١) ١ فعل المكابدة هو "كابد" مثل: قاتل وشارك، واسم فاعل هذا الفعل هو "مكابد" هل: مقاتل؛ لِهذا كان "كابد" غير جار على قياس الفعل المستعمل. ٢ هو أبو يوسف، يعقوب بن السكيت، وقد مرت ترجمته، وقد ورد في بعض النسخ "ابن يعقوب" وليس بشيء. ٣ وعليه، فلا يحتاج إلى اسم وخبر، وإنما يحتاج إلى فاعل، وحسب. ٤ الجوهري: هو الإمام اللغوي، أبو نصر الفارابي: إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب الصحاح في اللغة، كان من أعاجيب الزمان ذكاءً وفطنةً وعلمًا، طاف البلاد، ودخل العراق، وقرأ على أبي علي الفارسي والسيرافي، له فضلا عن الصحاح المشهور كتاب في العروض، ومقدمة في النحو: مات سنة ٣٩٣هـ. البلغة: ٣٦، بغية الوعاة، ١/ ٤٤٦ن إنباه الرواة: ١/ ٤٩١، معجم المؤلفين: ٢/ ٢٦٧.
[ ١ / ٣٠٨ ]
مستغنى به عن الخبر١، نحو: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ٢، وينبني على هذا فرعان.
أحدهما: أنه إذا تقدم على إحداهن اسم هو المسند إليه في المعنى وتأخر عنها "أن" والفعل نحو: "زيد عسى أن يقوم"، جاز تقديرها خالية من ضمير ذلك الاسم، فتكون مسندة إلى "أن" والفعل مستغنى بهما عن الخبر، وجاز تقديرها مسندة إلى الضمير، وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبر.
ويظهر أثر التقديرين في التأنيث والتثنية والجمع، فتقول على تقدير الإضمار "هند عست أن تفلح" و"الزيدان عسيا أن يقوما" و"الزيدون عسوا أن يقوموا" و"الهندات عسين أن يقمن"، وتقول على تقدير الخلو من الضمير "عسى" في الجميع، وهو الأفصح، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُن﴾ ٣.
الثاني: أنه إذا ولي إحداهن "أن" والفعل وتأخر عنهما اسم هو المسند إليه في المعنى، نحو: "عسى أن يقوم زيد"، جاز في ذلك الفعل أن يقدر خاليا من الضمير، فيكون مسندا إلى ذلك الاسم، وعسى مسندة إلى أن والفعل مستغنىً بهما عن الخبر،
_________________
(١) ١ أي: تكون تامة، لا تحتاج إلى خبر، والمصدر المؤول من "أن والفعل" بعدها: فاعل لها، ويشترط في هذه الحال أن يكون مرفوع المضارع ضميرا يعود إلى اسم سابق، ويرى الناظم "ابن مالك" وبعض النحاة: أنها في هذه الحالة ناقصة، والمصدر المؤول من "أن والفعل" سد مسد المعمولين. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢١٦. موطن الشاهد: ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء عسى "تامة" والمصدر المؤول من "أن وما بعدها" في محل رفع فاعل لـ "عسى". ٣ "٤٩" سورة الحجرات، الآية: ١١. موطن الشاهد: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا﴾، ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عسى" تامة، و"أن وما بعدها" في محل رفع فاعل في الموضعين، وهذا الوجه الأفضل.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وأن يقدر١ متحملا لضمير ذلك الاسم، فيكون الاسم مرفوعا بعسى، وتكون "أن" والفعل في موضع نصب على الخبرية، ومنع الشلوبين٢ هذا الوجه؛ لضعف هذه الأفعال عن توسُّط الخبر، وأجازه المبرد٣ والسيرافي٤ والفارسي٥.
ويظهر أثر الاحتمالين أيضا في التأنيث والتثنية والجمع، فتقول على وجه الإضمار: "عسى أن يقوما أخواك" و"عسى أن يقوموا إخوتك" و"عسى أن يقمن نسوتك" و"عسى أن تطلع الشمس" بالتأنيث لا غير٦ وعلى الوجه الآخر توحِّدُ
_________________
(١) ١ أي الفعل المنصوب بأن المصدرية. ٢ الشلوبين: هو أبو علي: عمر بن محمد الأشبيلي الأزدي، المعروف بالشلوبين، أي: الأبيض الأشقر بلغة الأندلس، إمام عصره في العربية، وآخر أئمة هذا النوع بالمشرق والمغرب، أخذ عن ابن ملكون، وغيره، وأقرأ نحو ستين سنة، فاشتهر وعلا صيته، له تعليق على كتاب سيبويه، وكتاب آخر في النحو، سماه التوطئة. توفي سنة: ٦٤٥هـ. البلغة: ١٧٢، إنباه الرواة، ٢/ ٣٣٢، بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٤، وفيات الأعيان: ١/ ٣٨٢، الأعلام: ٥/ ٢٢٤. ٣ المبرد: هو أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، إمام العربية ببغداد، أخذ عن المازني والجرمي، وقرأ عليهما كتاب سيبويه، وروى عنه نفطويه، والصولي، وغيرهما، كان فصيحا بليغا، وصاحب نوادر، سماه المازني بالمبرد: أي المثبت للحق، له مؤلفات كثيرة، منها: الكامل في الأدب، والمقتضب في النحو، وشرح شواهد الكتاب وغيره. مات بالكوفة سنة ٢٨٦هـ. البلغة: ٢٥٠، إنباه الرواة: ٣/ ٢٤١، بغية الوعاة: ١/ ٢٦٩، الفهرست: ٩٥، الأعلام: ٨/ ١٥. ٤ السيرافي: أبو سعيد: الحسن بن عبد الله بن المرزبان القاضي: وكان اسم أبيه: بهزاد، فسماه ابنه عبد الله، والسيرافي نسبة إلى سيراف، "مدينة بفارس" وهو إمام في النحو والفقه واللغة والشعر، وكثير من العلوم، أخذ عن ابن السراج، وعن أبي بكر بن مجاهد، وابن دريد. له: شرح كتاب سيبويه، وهو شرح حسده عليه أبو علي الفارسي، وله كتب أخرى، مات سنة ٣٦٨هـ. البلغة: ٦١، إنباه الرواة: ١/ ٣١٣، بغية الوعاة: ١/ ٥٠٧، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢٥٦، الأعلام: ٢/ ٢١٠. ٥ هو أبو علي الفارسي، وقد مرت ترجمته. ٦ لأن: "تطلع" حينئذ مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الشمس، والشمس مجازي التأنيث؛ وكل فعل أسند إلى ضمير عائد إلى اسم مجازي التأنيث، وجب تأنيثه.
[ ١ / ٣١٠ ]
"يقوم" وتؤنث "تطلع" أو تذكره١
[جواز كسر سين عسى]:
يجوز كسر سين "عسى" خلافا لأبي عبيدة٢، وليس ذلك مطلقا خلافا للفارسي، بل يتقيد بأن تسند إلى التاء أو النون أو نا، نحو: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِب﴾ ٣، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُم﴾ ٤، قرأهما
_________________
(١) ١ إنما وجب أن توحّد "يقوم" لأنه أسند إلى الاسم الظاهر التالي له، وكل فعل أسند إلى اسم ظاهر، وجب في اللغة الفصحى ألا تلحقه علامة تثنية، ولا علامة جمع، وإنما جاز في "تطلع" التذكير والتأنيث؛ لأنه حينئذ مسند إلى اسم ظاهر مجازي التأنيث، وكل فعل أسند إلى الاسم الظاهر المجازي التأنيث، جاز إلحاق تاء التأنيث به، وعدم إلحاقها. التصريح: ١/ ٢١٠. ٢ أبو عبيدة: هو معمر بن المثنى، لغوي بصري، ومولى لبني تيم "تيم قريش رهط أبي بكر الصديق" أخذ عن يونس بن حبيب، وأبي عمرو بن العلاء، وأخذ عنه أبو حاتم والمازني، وهو أول من صنف في غريب الحديث، قيل: إنه أعلم من الأصمعي، وأبي زيد بأنساب العرب وأيامهم، له تصانيف تقارب المائتين؛ منها: النقائض بين جرير والفرزدق، وأيام العرب، والمجاز في غريب القرآن، والأمثال في غريب الحديث، وغيرها. توفي سنة ٢١٣هـ، وقد قارب المائة. البلغة: ٢٦١، إنباه الرواة: ٣/ ٢٧٦، بغية الوعاة: ٢/ ٢٩٤، وفيات الأعيان: ٢/ ١٠٥. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤٦. أوجه القراءات: قرأ نافع "عَسِيتم" بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. توجيه القراءات: عسيت وعسيت: لغتان، وقد منع الكسر أبو عبيدة، والصواب جوازه وإن كان الفتح أشهر؛ لِجريانه على القياس، وانظر في هذه المسألة. حجة القراءات: ١٤٠، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٧، والبحر المحيط: ٢/ ٢٥٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٤، ومجمع البيان للطبرسي: ٢/ ٢٤٩، وتفسير الرازي: ٢/ ٢٩٢، والكشف للقيسي: ١/ ٣٣، وشرح التصريح: ١/ ٢١٠. ٤ ٤٧ سورة محمد "ص"، الآية: ٢٢. أوجه القراءات: قرأ نافع "عَسِيتم" بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح. توجه القراءات: جواز فتح وكسر سين "عسى" كما في الآية السابقة؛ لأن الفتح والكسر لغتان فيها، وإن كان الأشهر فيها الفتح، ومعلوم أن القراءة ينبغي أن توافق لغة من لغات العرب، حتى تصح بها القراءة، ولهذا قرأ نافع بكسر السين في عسِيتم؛ لِموافقتها إحدى لغات العرب. انظر مراجعة توجيه قراءات الآية السابقة.
[ ١ / ٣١١ ]
نافع١ بالكسر، وغيره، وهو المختار.
_________________
(١) ١ نافع: هو أبو الحسن، نافع بن عبد الرحمن المدني، أحد أصحاب القراءات السبع، أصله من أصبهان، كان إمام الناس بالقراءة في المدينة وانتهت إليه رياسة الإقراء بها، قيل: إنه قرأ على سبعين من التابعين، وأجمع عليه الناس بعدهم. مات سنة ١٦٩هـ. وفيات الأعيان: ٥/ ٣٦٨، المعارف: ٥٨٢ غاية النهاية: ٢/ ٣٣٠، طبقات القراء: ٢/ ٣٣٠، الشذرات: ١/ ٢٧٠. فائدة: "أ": يجوز حذف خبر هذه الأفعال إن علم، وهو كثير في خبر "كاد" قليل في خبر "كان"، نحو: من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد. "ب": يتعين في مثل: عسى أن يكرم محمد الضيف، أن تكون "عسى" تامة، و"محمد" فاعلا لها، ولا يجوز أن يعرب "محمد" مبتدأ مؤخرا، ولا اسما لعسى على أنها ناقصة، و"أن يكرم" خبرها مقدما؛ لِئلا يلزم الفصل بين أجزاء صلة "أن" بأجنبي؛ وهو "محمد"، ومثل هذا يقال في إعرابه كلمة "ربك" في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، و"مقاما" ظرف. حاشية الصبان: ١/ ٢٦٦. "ج": اختلف فيما يتصل بعسى من الضمائر: الكاف والهاء والياء، فذهب سيبويه، إلى أنها في محل نصب اسم لعسى، وهي حينئذ حرف ترجٍّ، مثل "لعل"، وما بعدها خبر لها، وفي هذه الحالة لا تقع بعدها "ما" الزائدة. وذهب المبرد والفارسي إلى أن "عسى" على ما هي عليه من رفع الاسم ونصب الخبر، وهذه الضمائر أخبارها مقدمة في محل نصب، وما بعدها الاسم، وقد عكس الإسناد، ويلزم على هذا: جعل خبر "عسى" اسما صريحا. وهذا نادر كما تقدم، وذهب الأخفش إلى أن "عسى" على ما كانت عليه أيضا، وهذه الضمائر أسماؤها، وقد ناب ضمير النصب عن ضمير الرفع ونيابة بعض الضمائر عن بعض جائزة، واختار الناظم قول الأخفش حاشية الصبان: ١/ ٢٦٧.
[ ١ / ٣١٢ ]
[باب الأحرف المشبهة بالفعل]:
هذا باب الأحرف الثمانية الداخلة على المبتدأ والخبر١:
[عملها وعددها:]
فتنصب المبتدأ ويسمى اسمها، وترفع خبره ويسمى خبرها٢.
_________________
(١) ١ عد المؤلف "عسى" إذا جاءت تفيد الرجاء بمعنى "لعل" حرفا مشبها بالفعل، كما سيأتي. فائدة: سميت هذه الأحرف أحرفا مشبهة بالفعل؛ لِكونها تشبه الفعل في اللفظ، والمعنى جميعا ويكن حصر أوجه الشبه في خمسة أمور، هي: أ- أنها كلها على ثلاثة أحرف أو أكثر، فـ "إن وإن وليت" على ثلاثة أحرف، و"لعل، وكأن" على أربعة أحرف، و"لكن" على خمسة أحرف. ب- أنها تختص بالأسماء كما أن الفعل يختص بالأسماء. ج- أنها كلها مبنية على الفتح، كما أن الفعل الماضي مبني على الفتح. د- أنها تلحقها نون الوقاية عند اتصالها بياء المتكلم، كما تلزم هذه النون الفعل عند اتصاله بها. هـ- أنها تدل على معنى الفعل، فـ "إن"، و"أن" تفيدان معنى "أكدت"، و"كأن" تدل على معنى "شبهت"، و"ليت" تدل على معنى "تمنيت"، ولعل" تدل على معنى "رجوت" فلما كانت الأحرف المشبهة تتضمن تلك المعاني، عملت عمل الأفعال، أوضح المسالك: ١/ ١٢٥. ٢ أي: عملها عكس عمل "كان" وأخواتها، وهذا أحد أوجه الفروق بينهما. وثاني تلك الفروق أن "الأحرف المشبهة" أحرف، وتلك "كان وأخواتها" أفعال وحروف. وثالثها: أن هذه الحروف، يجب أن تكون في صدر الجملة ما عدا "أن" المفتوحة- كما سيأتي، بخلاف كان وأخواتها. ضياء السالك: ١/ ٢٧٣. فائدة١: ذهب بعضهم إلى أن الأحرف المشبهة بالفعل تنصب المبتدأ والخبر معا، واستدلوا بقول عمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه:
[ ١ / ٣١٣ ]
فالأول والثاني: "إن" و"أن": وهما لتوكيد النسبة، ونفي الشك عنها، والإنكار لها.
والثالث: "لكن": وهو للاستدراك١ والتوكيد، فالأول نحو: "زيد شجاع
_________________
(١) إذا اسود جنح الليل فلتأتِ ولتكنْ خطاك خفافا إن حراسنا أسد بنصب "حراسنا وأسد" معا. غير أن الجمهور يمنعون ذلك، ويؤولون هذا الشاهد، وما شابهه بأن الجزء الثاني حال والخبر محذوف، والتقدير: إن حراسنا تلقاهم أسدا، ونحو ذلك. انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٩، ومغني اللبيب: ٥٥. فائدة٢: لا تدخل الأحرف المشبهة على جملة يجب فيها حذف المبتدأ، ولا تدخل على مبتدأ، لا يخرج عن الابتدائية، نحو "ما" التعجبية، ولا تدخل على مبتدأ يجب له التصدير أي الوقوع في صدر الجملة كاسم الاستفهام، ويستثنى في هذه الحال، ضمير الشأن، فهو مما يجب تصديره وقد دخلت عليه "أن" في قول الأخطل. إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جآذرا وظباء فـ "إن" حرف مشبه بالفعل، واسمه ضمير الشأن المحذوف. و"من" اسم شرط في محل رفع مبتدأ. وجملة "الشرط والجواب" أو إحداهما: في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة "المبتدأ والخبر": في محل رفع خبر "إن"، ومعلوم أنه لا يجوز إعراب "من" في محل نصب اسم "إن" لكون "من" اسم شرط يجب له التصدير. وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٩. فائدة٣: لا تدخل هذه الأحرف على جملة يكون الخبر فيها طلبيا أو إنشائيا، وخرجوا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه﴾، وقول الشاعر: إن الذين قتلهم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما بأنها على تقدير قول محذوف، يقع خبرا لـ "إن" وتقع هذه الجمل الإنشائية معمولة له، فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول، والتقدير: إن الذين قتلتم سيدهم أمس مقول في شأنهم لا تحسبوا، أو إن الذين قتلتم سيدهم قد استعدوا لكم وأخذوا الأهبة لقتالكم فلا تحسبوا، وهكذا. واستثنى "أن" المفتوحة الهمزة، فيجوز وقوع خبرها جملة إنشائية، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُم﴾ . وقوله جل شأنه: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ على قراءة تخفيف النون بعدها جملة. وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٦٩. ١ الاستدراك. هو تعقيب الكلام بنفي يتوهم ثبوته أو إثبات ما يتوهم نفيه، وهذا يستلزم أن يسبقها كلام له صلة بمعموليها، وأن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها في المعنى ومغايرا له، وتقع بعد النفي والإثبات، واستعمال "لكن" في الاستدراك، هو الغالب فيها، وقد تستعمل لتأكيد النسبة وتقويتها في ذهن السامع، إيجابية كانت أو سلبية. التصريح: ١/ ٢١١.
[ ١ / ٣١٤ ]
لكنه بخيل" والثاني نحو: "لو جاءني أكرمته؛ لِكنه لم يجيء"١.
والرابع: "كأن": وهو للتشبيه المؤكد٢؛ لأنه مركب من الكاف وأن.
والخامس: "ليت": هو للتمنى، وهو: طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر٣، نحو: "ليت الشباب عائد"، وقول منقطع الرجاء: "ليت لي مالا فأحج منه".
والسادس: "لعل": وهو للتوقع، وعبر عنه قوم بالترجي في المحبوب نحو: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٤ أو الإشفاق في المكروه نحو: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ
_________________
(١) ١ ومن ذلك قول الحماسي: فلو طار ذو حافر قبلها لطارت، ولكنه لم يَطِرْ ٢ ولا تخرج عنه عند البصريين، وزعم الكوفيون أن "كأن" كما تأتي للتشبيه تأتي للتحقيق. وجعلوا منه قول الشاعر: فأصبح بطنُ مكَّةَ مُقْشَعِرًّا كأن الأرض ليس بها هشامُ وزعم ابن السيد أنها تأتي للظن، إذا كان خبرها فعلا أو طرفا أو صفة من صفات أسمائها، وزعم أبو الحسين الأنصاري أنها تأتي للتقريب، وزعم أبو علي الفارسي أنها قد تأتي للنفي. التصريح: ١/ ٢١٢. ومغني اللبيب: ٢٥٢. ٣ الفرق بينهما: أن ما لا طمع فيه مستحيل، كرجوع الشباب للطاعن في السن، وما فيه عسر يكون ممكنا في مجرى العادة ولكنه نادر الوقوع، ومن ذلك تفهم أن "ليت" لا تدخل على جملة يكون مضمونها واجب الوقوع، فلا تقول: ليت غدا يجيء. شرح التصريح: ١/ ٢١٢-٢١٣. ٤ "٦٥" سورة الطلاق، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" حرفا مشبها بالفعل بمعنى التوقع والترجي، ولفظ الجلالة في محل نصب اسمه، وجملة "يحدث بعد ذلك أمرا": في محل رفع الخبر. وأتت "لعل" معنى الترجي؛ لأن توقع المحبوب يسمى ترجِّيًا.
[ ١ / ٣١٥ ]
نَفْسَكَ﴾ ١، قال الأخفش: وللتعليل، نحو: "أفرغ عملك لعلنا نتغدى"، ومنه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ٢، قال الكوفيون: وللاستفهام، نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٣، وعقيل تجيز جر اسمها وكسر لامها الأخيرة٤.
والسابع: "عسى" في لغيَّة: وهي بمعنى لعل٥، وشرط اسمه أن يكون ضميرا، كقوله٦: [الطويل]
١٣٢- فقلت: عَسَاها نار كأس وعلَّها٧
_________________
(١) ١ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" بمعنى الإشفاق في الشيء المكروه؛ لأن المعنى: لعلك قاتل نفسك، أي: أشفِقْ على نفسك من أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك. أتت لعل بمعنى الإشفاق؛ لأن توقع المكروه يسمى إشفاقا. شرح التصريح: ١/ ٢١٣. ٢ "٢٠" سورة طه، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" مفيدة التعليل -على مذهب الأخفش والكسائي- ومعنى لعله يتذكر، أي: ليتذكرن ومن لم يثبت هذا، حمله على الرجاء، ويصرفه للمخاطبين المغني: ٣٧٩، وشرح التصريح: ١/ ٢١٣. ٣ "٨٠" سورة عبس، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَى﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لعل" مفيدة الاستفهام على مذهب الكوفيين. ٤ مع حذف لأمها الأولى وإثباتها، وحينئذ، لا تعمل عمل "إن" على الصحيح، بل تنزل منزلة حرف الجر الزائد، في عدم تعلقها بشيء. ومجرورها في موضع رفع بالابتداء، وما بعده خبر، وعليه قول شاعرهم: لعل أبي المغوار منك قريب فأبى المغوار: مبتدأ ومضاف إليه، و"قريب" خبر. شرح التصريح: ١/ ٢١٣. ٥ في الترجي والإشفاق، فحملت في العمل عليها كما حملت لعل على عسى في إدخال أن في خبرها كما في الحديث "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض". ٦ القائل هو: صخر بن العود الحضرمي، ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: تشكي فآتي نحوها فأعودها =
[ ١ / ٣١٦ ]
وقوله١: [الوافر]
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢١٣، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٢ وفيه: لعلها بدل وعليها. والدرر اللوامع: ١/ ١١٠، والعيني: ٢/ ٢٢٧، والمغني: "٢٧٤/ ٢٠٤". والسيوطي: ١٥٣. المفردات الغريبة: تشكى: أصله تتشكى بتاءين فحذف إحدى التاءين، أي: يصيبها المرض فتشكو الأمة، أعودها: العيادة: زيارة المريص خاصة. "كأس" اسم محبوبته. المعنى: أرجو أن تكون هذه النار التي أبصرها نار محبوبتي "كأس"، كما أتمنى أن تمرض وتشكو آلام المرض، فأذهب لزيارتها ورؤيتها، وهي أمنية سخيفة، تدل على الأنانية. الإعراب: قلت: فعل ماضٍ وفاعل. عساها: "بمعنى لعل" حرف ترجٍّ ونصب، و"ها" في محل نصب اسمه. خبر "عسى" مرفوع. كأس: مضاف إليه. وعليها: الواو حرف عطف، على: حرف مشبه بالفعل، و"ها": اسمه. تشكى: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هي، وجملة تشكى: في محل رفع خبر "لعل". فآتي: الفاء عاطفة، آتي: فعل مضارع، والفاعل: أنا: "نحوها": متعلق بـ "آتي"، و"ها": مضاف إليه. فأعودها: الفاء حرف عطف، أعود: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. و"ها": مفعول به. موطن الشاهد: "عساها نار كأس". وجه الاستشهاد: مجيء "عسى" بمعنى "لعل" واتصل بها ضمير "ها" النائبة، فنصب محلا بها، ورفع ما بعده على الخبرية، وفي هذا دليل على عملها عمل "إن"، وهذا مذهب سيبويه الذي أرى أن "عسى" قد تجيء حرفا دالا على الترجِّي، فتعمل عمل "إن" والشاهد السابق يؤيد ما ذهب إليه. غير أن المبرد والفارسي خالفا سيبويه في هذه المسألة، وزعما أن "عسى" لا تكون إلا فعلا عاملا عمل "كان" وزعما أن الضمير المتصل بـ "عسى" خبر لها، تقدم على اسمه، وأن الاسم المرفوع بعده اسم "عسى" تأخر عن الخبر، وهذا الزعم فاسد؛ لأنه يلزم جعل خبر "عسى" مفردا، وهو نادر، أو ضرورة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢١٤. ١ القائل: هو عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الوائلي الخارجي، أبو سماك، أحد أصحاب العلم والحديث، أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم، وروى أصحاب الحديث عنه، كان يحرض الناس، فطلبه الحجاج، فهرب إلى عمان، مات سنة ٨٤هـ. خزانة الأدب: ٥/ ٣٥٠، الإصابة: ترجمة ٦٨٧٧، ميزان الاعتدال: ٢/ ٢٧٦، المؤتلف: ٩١.
[ ١ / ٣١٧ ]
١٣٣- أقول لها لعلي أو عساني١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ولي نفس تنازعني إذا ما ويروى البيت برواية أخرى هكذا: ولي نفس أقول لها إذا ما تنازعني لعلي أو عساني وهذه رواية سيبويه: ١/ ٣٨٨ ورواية الأعلم. ويُزعَم أن عمران كان سنيا، فتزوج امرأة من الخوارج، فقيل له فيها، فقال: أردها عن مذهبها، فغلبت عليه، وأضلته عن مذهب السنة. والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢١٣، والمقتضب: ٣/ ٧٢، والخصائص: ٣/ ٢٥، وشرح المفصل، ٣/ ١٠٥، ١١٨، ٢٢٢، ٧/ ١٢٣، والمقرب: ١٨، والعيني: ٢/ ٢٢٩، والخزانة: ٢/ ٤٣٥. المفردات الغريبة: تنازعني: تزين لي حب الدنيا والخوف من الموت في القتال. لعلي: أراد لعلى أتورط في الملاذ المردية، أو لعلى أنال الشهادة في الحرب فأكون من الفائزين. المعنى: إن نفسي لا تطاوعني إذا أردت مغاضبة زوجي ومخاصمتها، وأقول لها: لعلي أنال ما أريد وأبغي. الإعراب: "لي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. نفس: مبتدأ مؤخر. تنازعني: فعل مضارع، والفاعل: هي، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. "إذا": متعلق بـ "تنازع" في محل نصب على الظرفية الزمانية. ما: زائدة: أقول: فعل مضارع، والفاعل: أنا "لها": متعلق بـ "أقول" لعلى: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه، وخبره محذوف، والتقدير: لعلي أنال منها ما أريد، أو نحو ذلك. والجملة في محل نصب مقول القول. أو: حرف عطف. عساني: "عسى حرف مشبه بالفعل بمعنى "لعل"، والنون للوقاية، والياء: اسمه، وخبره محذوف، والتقدير كالأول، غير أنه ينبغي أن يقترن بـ "أن" أي عساني أن أنال منها وجملة "عساني مع الخبر المحذوف": في محل نصب، معطوفة على جملة "لعلي" السابقة. موطن الشاهد: "عساني". وجه الاستشهاد: استعمال "عسى" حرفا بمعنى "لعل" ومجيء اسمه ضميرا، وهو لا يأتي إلا ضميرا عندما يستعمل عسى استعمال "لعل" أي حرفا يفيد الترجي. وفي هذا الشاهد ما يرجح مذهب سيبويه، حيث أتى الشاعر بنون الوقاية قبل ياء المتكلم، كما في إنَّني، وليتني وكأنَّني"، ولو كان هذا الضمير خبرا، كما زعم المبرد والفارسي، وكانت "عسى" فعلا، لكان الشاعر قد اقتصر على الفعل ومنصوبه من دون مرفوعه، وهذا لا نظير له في الاستعمال العربي.
[ ١ / ٣١٨ ]
وهو حينئذ حرف وفاقا للسيرافي، ونقله عن سيبويه؛ خلافا للجمهور في إطلاق القول بفعليته١، ولابن السراج في إطلاق القول بحرفيته.
والثامن: "لا" النافية للجنس: وستأتي.
[لا يتقدم خبرها عليها]:
ولا يتقدم خبرهن مطلقا٢، ولا يتوسط إلا إن كان الحرف غير "عسى" و"لا" والخبر ظرفا أو مجرورا، نحو: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا
_________________
(١) ١ أي: سواء أكان الفعل بمعنى "لعل" أم لا. ويتبين مما تقدم: أن في "عسى" أقوالا ثلاثة: فعلا مطلقا، وحرفا مطلقا، وتفصيله: أنه إن عملت عمل "لعل" كانت حرفا، وإلا فهي فعل. وهذا كله في "عسى" الجامدة، وأما "عسى" المتصرفة ففعل باتفاق، ومعناها اشتد، كقول الشاعر: لولا الحياء وأن رأسي قد عسى فيه المشيب لزرت أم القاسم التصريح: ١/ ٢١٤. ٢ أي: لا يتقدم خبر هذه الأحرف الثمانية عليها مطلقا، ولو كان ظرفا أو جارا ومجرورا؛ وذلك لعدم تصرفها، وهي ملازمة للصدارة، وحملت "أن" المفتوحة على المكسورة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢١٤. ٣ لأن شرط عملها اتصال اسميهما بهما، فلو قدم خبر إحداهما على الاسم؛ لِفصل بينها وبين الاسم، ففات شرط إعمالها. وهذا بخلاف "عسى" العاملة عمل كان التي تقدم ذكرها، فإن هذه يجوز أن يتوسط اسمها بينها وبين خبرها، وبذلك يجوز في الاسم المرفوع بعدها والمسبوق بأن المصدرية والفعل المضارع وجهان فقولك: "عسى أن يلقاك الخير":
(٢) يكون الاسم المرفوع المتأخر اسم عسى وتكون "أن" المصدرية والمضارع في تأويل مصدر خبر عسى، ويكون فاعل المضارع ضميرا مستترا يعود على الاسم المرفوع المتأخر؛ لأنه متقدم في الرتبة.
(٣) يكون اسم "عسى" ضميرا مستترا، والاسم المرفوع المتأخر مرفوعا على أنه فاعل الفعل المضارع، ففي الوجه الأول قد توسط خبر "عسى" بينها وبين اسمها. وبخلاف "لا" النافية المهملة، فإنه يجوز بعدها تقدم الخبر على مبتدئه، وفي هذه الحال، يجب تكرار "لا" نحو قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُون﴾ =
[ ١ / ٣١٩ ]
أَنْكَالًَا﴾ ١، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ ٢
[يتعين كسر همزة "إن" في عشرة مواضع]:
تتعين "إن" المكسورة حيث لا يجوز أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها، و"أن" المفتوحة حيث يجب ذلك٣، ويجوزان إن صح الاعتباران٤.
_________________
(١) = ونحو قولك: لا في الدار محمد ولا في السوق، وأما "لا" العاملة عمل ليس، فلا يجوز توسط خبرها مثل "لا" العاملة عمل "إن". شرح التصريح: ١/ ٢١٤. فائدة: يجب أن يتوسط خبر "إن" أو إحدى أخواتها، إن كان ظرفا أو جارا ومجرورا في الحالتين التاليتين: أ- أن يقترن الاسم بضمير يعود على بعض الخبر، نحو قولك: "إن في الدار مالكها"؛ لِئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وذلك غير جائز. ب- أن يقترن الاسم بلام الابتداء، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ . ويجب تأخر الخبر وإن كان جارا ومجرورا، إذا اقترنت بهذا الخبر لام الابتداء، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . انظر شرح التصريح: ١/ ٢١٤، وأوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: ١/ ٣٣٣. ١ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ . وجه الاستشهاد: توسط خبر "إن" بينها وبين اسمها؛ لأن "لدينا" ظرف، ويجوز أن يتوسط بين إن واسمها بالظرف والجار والمجرور توسعا في الكلام، كما علمنا، وحكم التوسط هنا الجواز ٢ "٧٩" سورة النازعات، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ . وجه الاستشهاد: توسط الجار والمجرور بين "إن" واسمها، وحكم التوسط في الآية الكريمة الوجوبُ؛ لِاقتران الاسم بلام الابتداء. ٣ بأن تقع "أن" مع معموليها في جملة تحتاج إلى اسم مرفوع أو منصوب أو مجرور، ولا سبيل إلى ذلك، إلا عن طريق مصدر منسبك من أن مع معموليها، وإلى هذا، يشير الناظم بقوله: وهمز "إن" افتح لسد مصدرِ مسدها، وفي سوى ذاك اكسرِ أي: افتح همزة "إن" لسد المصدر مسدها مع معمولها، واكسرها فيما عدا ذلك. شرح التصريح: ١/ ٢١٤. ٤ معلوم أن "أن" المفتوحة الهمزة، تؤول مع ما بعدها بمصدر، وهذا المصدر اسم مفرد، فهو محتاج إلى ما يتم به كلام مفيد، وأما "إن" المكسورة الهمزة، فهي مع معموليها جملة تؤدي كلاما تاما مفيدا، ولهذا وجب أن يسبق أن المفتوحة ما يطلبها. فائدة: كل موضع يحتاج فيه ما قبل "أن" إلى مفرد، ولا يجوز في صناعة الإعراب أن يكون جملة، فإن همزة "أن" تكون مفتوحة، وكل موضع يحتاج فيه ما قبل "إن" إلى جملة، ولا يجوز في صناعة الإعراب أن يكون مفردا، تكون همزة "إن" مكسورة، وكل موضع يجوز فيه الوجهان، يصح فيه فتح إن وكسرها.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فالأول في عشرة، وهي:
١ أن تقع في الابتداء نحو ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، ومنه ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.
٢ أو تالية لحيث نحو: "جلست حيث إن زيدا جالس".
٣ أو لإذ، كـ "جئتك إذْ إنَّ زيدا أمير"٣.
_________________
(١) ١ "٩٧" سورة القدر، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مكسورة الهمزة؛ لِوقوعها في أول الكلام حقيقة، وحكم كسر همزتها في هذه الحالة الوجوبُ. ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٦٢. موطن الشاهد: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "إن" مكسورة الهمزة؛ لأنها وقعت في أول الكلام حكميا؛ لأنها سبقت بحرف "ألا" وهو لا يغير الابتداء؛ لأنه حرف استفتاح، وحكم كسر همزة "إن" في هذه الحال الوجوب؛ لِيكون الكلام مفيدا، إذ لو فتحنا الهمزة هنا لتأولت مع ما بعدها بمفرد يقع مبتدأ، لا خبر له. ٣ الابتداء: إما أن يكون حقيقيا، بأن تقع "إن" في أول الكلام لا يسبقها شيء كالآية الأولى. وإما أن يكون حكميا، وذلك إذا وقعت في أول الجملة، وسبقها حرف لا يغير الابتداء مثل "ألا" الاستفتاحية، كالآية الثانية، و"أما"، وبعد "كلا" التي تفيد الاستفتاح -على قول- في نحو: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾، وبعد "حتى" الابتدائية. حاشية يس على التصريح: ١/ ٢١٥. ٤ إنما كسرت "إن" بعد "حيث" و"إذ"؛ لأنهما لا يضافان إلا إلى الجمل، وفتح "إن" يؤدي إلى إضافتهما إلى مفرد. والصحيح جواز الفتح عقبهما؛ لأن "حيث" قد تضاف إلى المفرد. وعند إضافتها إلى الجملة يقدر تمامها من خبر أو فعل. وهذا إذا كانت "إن" واقعة عقب "حيث" فإن لم تقع عقبها، نحو: جلست حيث اعتقاد محمد أنه مكان خال- وجب فتحها كما مر. شرح التصريح: ١/ ٢١٥، وحاشية الصبان: ١/ ٢٧٤.
[ ١ / ٣٢١ ]
٤- أو لموصول١، نحو: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوء﴾ ٢، بخلاف الواقعة في حشو الصلة، نحو: "جاء الذي عندي أنه فاضل"٣، وقولهم: "لا أفعله ما أن حراء مكانه"٤ إذا التقدير ما ثبت ذلك، فليست في التقدير تالية للموصول.
٥ أو جوابا لقسم نحو: ﴿حَم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاه﴾ ٥.
_________________
(١) ١ أي: أو تقع تالية لموصول، بأن تكون في بدء جملة الصلة؛ لأن صلة غير "أل" لا تكون إلا جملة. شرح التصريح: ١/ ٢١٥، وحاشية الصبان: ١/ ٢٧٤. ٢ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٧٦. موطن الشاهد: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مكسورة الهمزة؛ لأنها تلت "ما" الموصولة، وحكم كسر همزة "إن" في هذه الحالة الوجوب، و"ما": اسم موصول، وجملة: "إن مفاتحه" صلة، ومعنى "تنوء": تثقل. ٣ في هذا المثال ليس "إن" ومعموليها صلة، بل هي مع معموليها مبتدأ مخبر عنه بالظرف المتقدم، وجملة المبتدأ والخبر، هي جملة الصلة، فهذا المثال بالنظر إلى "أن" من المواضع التي تقع فيها "أن" مع معموليها في موضع المبتدأ، والمبتدأ لا يكون إلا مفردا. ٤ معنى هذا القول: لا أفعله ما ثبت كون حراء في مكانه، فـ "ما" موصول حرفي "أن": حرف مشبه. حراء: اسمه. مكانه: ظرف في محل رفع خبر "أن"، و"أن وما بعدها": في تأويل مصدر واقع فاعلا بفعل محذوف والجملة الفعلية صلة لـ "ما"، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، والتقدير: لو ثبت صبرهم، وإنما وجب تقدير الفعل في هذين الموضعين؛ لأن الموصول الحرفي "ما"، لا تكون صلته إلا فعلية، ولأن "لو" الشرطية خاصة بالفعل على الراجح عند النحاة. انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٧٣. ٥ "٤٤" سورة الدخان، الآية: ١-٣. موطن الشاهد: ﴿حَم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاه﴾ .
[ ١ / ٣٢٢ ]
٦ أو محكية بالقول نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه﴾ ١.
٧ أو حالا٢ نحو: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون﴾ ٣.
٨ أو صفة نحو: "مررت برجل إنه فاضل".
٩ أو بعد عامل علق باللام نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مكسورة الهمزة؛ لِوقوعها جوابا للقسم، وحكم كسر همزتها في هذه الحالة الوجوب. ١ "١٩" سورة مريم، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿قَالَ إِنِّيْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مكسورة الهمزة؛ لِوقوعها محكية بالقول، وحكم مجيئها مكسورة في هذه الحال الوجوب. ٢ سواء قرنت بالواو، كما مثل المصنف، أم لم تقترن، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام﴾ . ويجب أن تكون في بدء الحال وإلا فتحت، نحو: خطب محمد وعندي أنه أجاد، وقد يتساءل متسائل: لم كسرت همزة "إن" الواقعة موقع الحال، ومعلوم أن الأصل في الحال أن يكون مفردا، وعليه فينبغي أن تكون "إن" مفتوحة؟ فالجواب: أن المصدر المنسبك من "أن ومعموليها" هو مصدر خبرها المشتق مضافا إلى اسمها، وعلى هذا، لا يكون هذا المصدر إلا معرفة بالإضافة إلى المعرفة، ومن المقرر أن الحال لا يكون إلا نكرة، فلهذا، عدل إلى جعل الحال جملة في هذا الموضع، والحال، والحال كما يكون مفردا، يكون جملة. التصريح: ١/ ٢١٥- ٢١٦ وحاشية الصبان: ١/ ٢٣٥ وابن عقيل: ١/ ٢٧٤. ٣ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٥ موطن الشاهد: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مكسورة الهمزة؛ لأنها وقعت حالا مقرونة بالواو وجملة "إن فريقا لكارهون": في محل نصب على الحال، والواو السابقة لها واو الحال كما هو معلوم؟ وحكم كسر الهمزة هنا الوجوب. ٤ "٦٣" سورة المنافقون، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ .
[ ١ / ٣٢٣ ]
١٠ أو خبرا عن اسم ذات١ نحو: "زيد إنه فاضل" ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُم﴾ ٢.
[يتعين فتح همزة "أن" في تسعة مواضع]:
والثاني في تسعة، وهي:
١- أن تقع فاعلة، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ٣.
٢- أو مفعولة غير محكية، نحو: ﴿وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم﴾ ٤.
_________________
(١) وجه الاستشهاد: مجيء "إن" في الموضعين مكسورة الهمزة؛ لأن الفعل القلبي "يعلم" علق عن العمل وكذا يشهد الذي بمعنى "يعلم"، فكلاهما علق عن العمل باللام الابتدائية؛ لأنها لو فتحت سلط العامل عليها، ولام الابتداء لها صدر الكلام، وما له صدر الكلام يمنع ما قبله من أن يعمل فيما بعده، وهذه اللام وإن كانت متأخرة في اللفظ فرتبتها التقديم على "إن"، وإنما تأخرت؛ لِئلا يدخل حرف توكيد على مثله. شرح التصريح: ١/ ٢١٦. ١ إنما وجب هنا الكسر مع أن الخبر كما يكون جملة يكون مفردا؛ لأن المصدر، لا يقع خبرا عن اسم الذات إلا بتأويل من أحد ثلاثة تأويلات سبق ذكرها ولما كان ما لا يحوج إلى التأويل أولى، التزموا في هذا الموضع جعل الخبر جملة. ٢ "٢٢" سورة الحج، الآية: ٢٧. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" الثانية ومعموليها في محل رفع خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وما عطف عليه، وهي أسماء ذوات، ولما جاءت "إن" الثانية ومعمولاها خبرا لاسم الذات، وجب كسر همزتها. ٣ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية: ٥١. موطن الشاهد: ﴿يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مفتوحة الهمزة؛ لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، يقع في محل رفع فاعل؛ لِفعل "يكف" المجزوم بـ "لم"، والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا؟ وحكم الفتح هنا الوجوب. ٤ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٨١. موطن الشاهد: ﴿لَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أن" مفتوحة الهمزة؛ لأنها مؤولة مع معموليها بمصدر، يقع في محل نصب مفعول به غير محكي، وحكم فتح همزتها هنا الوجوب، والتقدير: ألا تخافون إشراككم؟.
[ ١ / ٣٢٤ ]
٣- أو نائبة عن الفاعل، نحو: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ ١.
٤- أو مبتدأ، نحو: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ ٢، ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ ٣.
٥- أو خبرا عن اسم معنى غير قولٍ ولا صادقٍ عليه خبرها، نحو: "اعتقادي أنه فاضل"، بخلاف: "قولي إنه فاضل"، و"اعتقاد زيد إنه حق".
٦- أو مجرورة بالحرف، نحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق﴾ ٤.
_________________
(١) ١ "٧٢" سورة الجن، الآية: ١ موطن الشاهد: ﴿أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أن" مفتوحة الهمزة؛ لأنها مؤولة مع ما بعدها بمصدر واقع في محل رفع نائب فاعل؛ لِفعل "أوحي" المبني للمجهول، والتقدير: أوحي إلى استماع نفر، وحكم الفتح هنا الوجوب. ٢ "٤١" سورة فصلت، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: ﴿مِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أن" مفتوحة الهمزة، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ، والتقدير: ومن أياته رؤيتك الأرض، على مذهب الخليل، وعند سيبويه: فاعل بالجار والمجرور قبله. شرح التصريح/ ٢١٦. ٣ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ١٤٤. موطن الشاهد: ﴿فَلَولَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أن" مفتوحة الهمزة بعد "لولا" لأنها تؤول مع ما دخلت عليه بمصدر، يقع في محل رفع مبتدأ محتاج إلى الخبر المحذوف، والتقدير: "لولا كونه من المسبحين موجودة"، وهذا على رأي سيبويه. ٤ "٢٢" سورة الحج، الآية: ٦٢. وقيل: لا يحتاج إلى الخبر؛ لِاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، وذهب المبرد والزجاج الكوفيون إلى أنها فاعل بفعل محذوف. شرح التصريح: ١/ ٢١٧. موطن الشاهد: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مفتوحة الهمزة؛ لِكونها مؤولة وما دخلت عليه بمصدر مجرور بحرف الجر، ومعلوم أن المجرور بالحرف، لا يكون إلا مفردا، ولذا، وجب فتحها؛ لِتؤول وما بعدها بالمفرد.
[ ١ / ٣٢٥ ]
٧- أو مجرورة بالإضافة نحو: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ١،
٨- أو معطوفة على شيء من ذلك، نحو: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم وَأَنِّي فَضَّلْتُكُم﴾ ٢.
٩- أو مبدلة من شيء من ذلك، نحو: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُم﴾ ٣.
[جواز فتح همزة إن وكسرها في تسعة مواضع]:
والثالث في تسعة:
١- أحدها: أن تقع بعد فاء الجزاء، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ فالكسر على معنى فهو غفور رحيم،
_________________
(١) ١ "٥١" سورة الذاريات، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مفتوحة الهمزة؛ لأنها مؤولة وما دخلت عليه بمصدر واقع في محل جر بالإضافة إلى مثل و"ما" صلة، والتقدير: مثل نطقكم؛ لأن المجرور بالمضاف حقه الإفراد، إذا لم يكن المضاف ظرفا يقتضي الجملة، فإن كان كذلك كسرت، كما تقدم في "حيث وإذ". ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٤٧. موطن الشاهد: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أن" مفتوحة الهمزة؛ لأنها مؤولة مع معموليها بمصدر معطوف على "نعمتي" والتقدير: اذكروا نعمتى وتفضيلي، وحكم الفتح هنا الوجوب. ٣ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أن" مفتوحة الهمزة لأنها مؤولة مع معموليها بمصدر واقع بدل اشتمال، من "إحدى" والتقدير: إحدى الطائفتين كونها لكم. ٤ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٥٤. أوجه القراءات: قرأ عاصم وابن عامر "فأنه" بفتح الهمزة، وكذا في "أنه" الأولى ﴿أَنَّهُ =
[ ١ / ٣٢٦ ]
والفتح على معنى: فالغفران والرحمة: أي حاصلان، أو فالحاصل الغفران والرحمة١.
كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ﴾ ٢، أي فهو يؤوس.
٢- الثاني: أن تقعد بعد "إذا" الفجائية٣، كقوله ٤: [الطويل]
_________________
(١) = مَنْ عَمِلَ ﴾ وقرأ نافع: "أنَّه من عمل" بفتح الهمزة، و"إنه غفور رحيم" بكسر الهمزة في الثانية. وقرأ الباقون: "إنه من عمل فإنه" بكسر الهمزة في الموضعين. توجيه القراءات: من فتح الهمزة في الموضعين، فقد جعل "أن" وما دخلت عليه بدلا من الرحمة، ويمكن أن تكون "أن" الثانية توكيدا للأولى، وقيل غير ذلك، ومن كسر الثانية، جعل "إن" وما دخلت عليه جواب الشرط، وقال الزجاج: من فتح الأولى وكسر الثانية، فالمعنى راجع إلى المصدر، وكأنك لم تذكر "إن" الثانية، وعلى هذا، فالمعنى: كتب ربكم على نفسه الرحمة، أنه غفور رحيم، ومن كسر في الموضعين، فعلى مذهب الحكاية، فكأنه، لما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىْ نَفْسِهِ الْرَحْمِةَ﴾ . قال: إن من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم. انظر حجة القراءات: ٢٥٢-٢٥٣، وإتحاف فضلاء البشر: ٢٠٨، وإعراب القرآن، للنحاس: ١/ ٥٥٠، والبحر المحيط: ٤/ ١٤١، والنشر لابن الجزري: ٢/ ٢٥٨، وتفسير القرطبي: ٦/ ٤٣٦. موطن الشاهد: ﴿ فإنَّهُ غَفُوْرٌ رَحِيْم﴾ وجه الاستشهاد: قرئت الآية بفتح همزة "أن وكسرها؟ والوجهان جائزان. ١ أي: على اعتبار "إن" مع معموليها جملة مستقلة بعد فاء الجزاء في محل جزم جواب الشرط، وهذا أفضل لعدم احتياجه إلى تقدير شيء. ٢ "٤١" سورة فصلت، الآية: ٤٩. موطن الشاهد: ﴿إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الجملة الاسمية بعد فاء الجزاء محذوفة المبتدأ؛ لأن التقدير: إن مسه الشر فهو يؤوس، كما في المتن، وحذف المبتدأ في هذه الحال أولى من حذف الخبر شرح التصريح: ١/ ٢١٨. ٣ أي الدالة على المفاجأة وهي المباغتة؛ لأن ما بعدها يحدث بعد وجود ما قبلها بغتة وفجأة. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ١ / ٣٢٧ ]
١٣٤- إذا أنه عبد القفا واللهازم١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره، قوله: وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢١٨، وابن عقيل: "٩٧/ ١/ ٣٥٦"، والأشموني: "٢٦٢/ ١/ ١٣٨" وهمع الهوامع: ١/ ١٣٨، والدرر اللوامع: ١/ ١١٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٦٤، وشذور الذهب: "٩٨/ ٢٧٥". المفردات الغريبة: العبد: خلاف الحر، والمراد هنا لازم العبودية من الذل والخسة، القفا: مؤخر العنق، وجمعه على التذكير أقفية، وعلى التأنيث أقفاء، وقد جمع على قفي، اللهازم: جمع لهزمة وهي عظم ناتيء في اللحى تحت الأذن. المعنى: كنت أظن زيدا سيدا محترما كقول الناس فيه، فتبين أنه عبد ذليل حقير، يصفع على قفاه، ويلكز على لهازمه كالبعيد. الإعراب: كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه، أُرَى: "بزنة المبني للمجهول" بمعنى "أظن" فعل مضارع مرفع، والفاعل: أنا. زيدا مفعول به أول. كما الكاف جارة "ما" مصدرية. قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والمصدر المؤول من "ما وما بعدها" في محل جر بالكاف، والتقدير: "كقول الناس، والجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة، لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: كنت أظن ظنا موافقا قول الناس. سيدا: مفعول به ثانٍ لـ "أرى" وجملة أرى ومفعوليها": في محل نصب خبر "كان" إذا فجائية أنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. عبد: خبره، وهو مضاف القفا: مضاف إليه. واللهازم: معطوف على "القفا" مجرور مثله. موطن الشاهد: "إذا أنه". وجه الاستشهاد: جواز فتح وكسر همزة "إن" بعد إذا الفجائية، فالفتح على تقديرها مع معموليها بالمفرد، والكسر على تقديرها جملة، وهي في ابتدائها. وقيل: إن "إذا" ظرف مكان أو زمان في محل رفع خبر مقدم، و"أن" ومعمولاها في تأويل مصدر واقع في محل رفع مبتدأ مؤخر، والتقدير: ففي الحضرة، أو في الوقت الحاضر عبوديته، وقال الأعلم: "الشاهد فيه أي في البيت السابق جواز فتح "إن" وكسرها، فالكسر على نية وقوع المبتدأ والخبر بعد "إذا"، والتقدير: إذا هو عبد القفا، والفتح على تقدير المصدر مبتدأ والإخبار عنه بـ "إذا"، والتقدير: فإذا العبودية، وإن شئت قدرت الخبر محذوفا، على تقدير: فإذا العبودية شأنه". انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٧٦، وشرح التصريح: ١/ ٢١٨".
[ ١ / ٣٢٨ ]
فالكسر على معنى فإذا هو عبد القفا، والفتح على معنى العبودية، أي: حاصلة، كما تقول: خرجت فإذا العبودية، أي: حاصلة، كما تقول: خرجت فإذا الأسد.
الثالث: أن تقع في موضع التعليل، نحو: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ١، قرأ نافع والكسائي٢ بالفتح على تقدير لام العلة، والباقون بالكسر على أنه تعليل٣ مستأنف، ومثله ﴿صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٤، ومثله: "لبيك، إن الحمد والنعمة لك"٥.
_________________
(١) ١ "٥٢" سورة الطور، الآية: ٢٨. أوجه القراءات: قرأ نافع والكسائي "أنه" بفتح الهمزة، وقرأ الباقون "إنه" بكسر الهمزة. توجيه القراءات: من قرأ بالفتح، فالمعني: ندعوه لأنه هو البر الرحيم، أي لرحمته، يجيب من دعاة، قال أبو عبيدة: "من نصب، أراد: ندعوه بأنه، أو لأنه هو البر"، فيصير المعنى: إنه يدعى من أجل هذا، ومن قرأ بالكسر، فعلى قطع الكلام مما قبله، واختار أبو عبيدة الكسر، وقال: إن ربنا كذلك على كل حال حجة القراءات: ٦٨٣- ٦٨٤، والإتحاف: ٤٠١ وإعراب القرآن للنحاس: ٣/ ٢٥٤، والبحر المحيط: ٨/ ١٥٠. ٢ مرت ترجمته وترجمة نافع. ٣ المراد أنك إذا فتحت همزة أن الواقعة في موقع العلة، كان المصدر المنسبك منها ومن معموليها مجرورا بحرف جر محذوف دال على التعليل، وأنت تعلم أن المجرور بحرف الجر، لا يكون إلا مفردا لكونه برا رحيما، وإذاكسرت الهمزة، كانت جملة جيء بها لتعليل ما قبلها، وأنت تعلم أن التعليل يكون بالمصدر كما في المفعول لأجله، ويكون كذلك بالجمل، فلا عجب أن يجوز الوجهان. التصريح: ١/ ٢١٨. وحاشية الصبان: ١/ ٢٧٧. ٤ "٩" سورة التوبة، الآية: ١٠٣. موطن الشاهد: ﴿صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن مكسورة الهمزة، على أن الكلام تعليل مستأنف، والتعليل يكون بالمصدر، كما في المفعول لأجله، ويكون بالجمل؛ ولذا جاز الوجهان، كما في الآية السابقة. ٥ يروى بكسر "إن" وفتحها، فالفتح على تقدير لام العلة، والكسر على أنه مستأنف، قيل: وهو أرجح؛ لأن الكلام يصير حينئذ جملتين لا جملة واحدة، وتكثير الجمل في مقام التعظيم مطلوب. وقد علل النووي "رض" وكثير من الحنفية كون الكسر أجود، بأن من كسر "إن" قال: الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتحها، قال لبيك بهذا السبب. التصريح: ١/ ٢١٨، ٢١٩.
[ ١ / ٣٢٩ ]
٤- الرابع: أن تقع بعد فعل قسم ولا لام بعدها، كقوله: [الرجز] ١
١٣٥- أو تحلفي بربك العليِّ أنى أبو ذَيَّالِكَ الصَّبِيِّ٧
_________________
(١) ١ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز، وقبله قوله: لتقعدنَّ مقعد القصيِّ منِّىَ ذِي القاذورة المقْلِيِّ وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢١٩، وابن عقيل: "٩٨/ ١/ ٣٥٨"، والأشموني: "٢٦٣/ ١/ ١٣٨" والعيني: ٢/ ٢٣٢، ٤ / ٥٣٥، وديوان رؤبة: ١٨٨. وقال ابن بري في شأنهما: "هما لأعرابي، قدم من سفر فوجد امرأته قد وضعت ولدا فأنكره". المفردات الغريبة: القصي: البعيد النائي. القاذورة: القذر والوسخ، ويطلق على الفاحشة، والمراد بذي القاذورة: الذي لا يصاحب لسوء خلقه. المقلي: المبغض المكروه، من قلاة يقليه أبغضه ذيالك تصغير ذلك على غير قياس؛ لأن المبني لا يصغر. المعنى: يقسم الراجز على زوجه قائلا: والله لتجلسن أيتها المرأة بعيدة مني في المكان الذي يجلس فيه الشخص المطرود المبغض الذي يتحاشاه الناس لقذره ودنيء أخلاقه، إلى أن تحلفي بربك المنزه عن كل نقص أني أبو هذا المولود؛ لأنه شك في أن يكون ابنه. الإعراب: لتقعدن: اللام واقعة في جواب قسم مقدر. تقعدن: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وياء المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل رفع فاعل، والنون: للتوكيد، وأصله: تقعدينن، فحذفت نون الرفع لاجتماع ثلاث نونات، فالتقى ساكنان، فحذفت ياء المخاطبة للتخلص من التقاء الساكنين، وحكمها كالثابتة؛ لِدلالة الكسرة عليها. مقعد: مفعول مطلق، وأعربه بعضهم مفعولا فيه، والأول أفضل؛ لأنه يفيد التوكيد، وهو مضاف. القصي: مضاف إليه. "مبني" متعلق بـ "تقعدن"، أو بـ "القصي"، أو بمحذوف حال، والأول أفضل. ذي: صفة لـ "القصي" وهو مضاف. القاذورة: مضاف إليه. المقلي: صفة ثانية لـ "القصي". أو حرف عطف. تحلفي: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة بعد "أو" وعلامة نصبه حذف النون، والياء: فاعل. "بربك"، متعلق بـ "تحلفي" والكاف: مضاف إليه. العلي: صفة لـ "رب" أني: حرف مشبه، والياء: اسمه، أبو: خبر =
[ ١ / ٣٣٠ ]
فالكسر على الجواب، والبصريون يوجبونه، والفتح بتقدير على١، ولو أضمر الفعل أو ذكرت اللام تعين الكسر إجماعا، نحو: "والله إن زيدا قائم" و"حلفت إن زيدا لقائم"٢.
٥- الخامس: أن تقع خبرا عن قول٣ ومخبرا عنها بقول والقائل واحد، نحو: "قولي إني أحمد الله"٤، ولو انتفى القول فتحت، نحو: "علمى أنى أحمد الله"،
_________________
(١) = مرفوع، وهو مضاف. "ذيالك": ذيا مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف للخطاب الصبي: بدل من اسم الإشارة مجرور مثله. موطن الشاهد: "أني". وجه الاستشهاد: رويت "أن" بكسر الهمزة وفتحها، والوجهان جائزان، فمن كسرها عد "إن" وما دخلت عليه جملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، ومن فتح همزتها، جعلها مع معموليها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ "تحلفي"، وقد سدت مسد الجواب، والتقدير: أو تحلفي على أبوتي لهذا الصبي، ولا يجوز أن تكون جوابا للقسم؛ لأن جواب القسم، لا يكون إلا جملة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢١٩. ١ اعلم أن كسر همزة "إن" يكون على اعتبار، والفتح يكون على اعتبار آخر، وليس من الممكن أن يكون الفتح والكسر على اعتبار واحد، وكل موضع، جاز فيه اعتباران، أحدهما يقتضي وقوع المصدر، والآخر يقتضي وقوع الجملة، ففي هذا الموضع، يجوز الفتح والكسر، وكل موضع لا يجوز فيه إلا اعتبار واحد، فإن كان هذا الاعتبار يقتضي وقوع المصدر، لم يجز إلا الفتح، وإن كان هذا الاعتبار يقتضي وقوع الجملة، لم يجز إلا الكسر. ٢ أي: فعل القسم، ولم يظهر، سواء ذكرت اللام، نحو: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، أم لم تذكر، نحو: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ . وهنا، يتعين كسر همزة "إن" وأما إذا ذكر فعل القسم، ولم تقترن اللام بخبر "إن" كما في بيت الشاهد، فيجوز في هذه الحالة الوجهان، كسر همزة "إن" وفتحها، وأما إن حذف فعل القسم، ولو تقترن اللام بخبر "إن"، نحو: والله إنك عالم، ففي هذه الحالة خلاف، فالكوفيون، يجوزون الوجهين، والبصريون، لا يجوزون الفتح، ويوجبون الكسر، والصواب: ما ذهب إليه البصريون، قال السيوطي: "وما نقل عن الكوفيين من جواز الفتح فيها غلط؛ لأنه لم يسمع". همع الهوامع: ١/ ١٣٨. ٣ أي ما هو في معنى القول مثل: كلام وحديث ونطق إلخ. ٤ و"قولي" مساوٍ في مدلوله لخبر أن، وهو "أحمد الله" وخبر إن مساويه كذلك في المدلول، والقائل واحد، وهو المتكلم، فالفتح: على جعل المصدر المؤول من "أن ومعموليها" خبر المبتدأ، أي: قولي حمدا لله، ويكون القول باقيا على مصدريته، والكسر: على جعل "إن ومعموليها" جملة محكية في محل رفع خبر المبتدأ، ويكون القول بمعنى المقول أي مقولي هذا اللفظ، ولا تحتاج إلى رابط؛ لأنها نفس المبتدأ في المعنى: انظر حاشية الصبان: ١/ ٢٧٧، وابن عقيل: "دار الفكر": ١/ ٢٨٠.
[ ١ / ٣٣١ ]
ولو انتفى القول الثاني أو اختلف القائل كسرت، نحو: "قولي إني مؤمن" و"قولي إن زيدا يحمد الله".
٦- السادس: أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه، نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ١، قرأ نافع وأبو بكر٢ بالكسر: إما على الاستئناف، أو بالعطف على جملة إن الأولى، والباقون بالفتح بالعطف على ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ .
٧- السابع: أن تقع بعد حتى، ويختص الكسر بالابتدائية، نحو: "مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه"، والفتح بالجارة والعاطفة، نحو: "عرفت أمورك حتى أنك فاضل".
٨- الثامن: أن تقع بعد "أما" نحو: "أما إنك فاضل"، فالكسر على أنها حرف استفتاح بمنزلة ألا، والفتح على أنها بمعنى أحقا.
_________________
(١) ١ "٢٠" سورة طه، الآيتان: ١١٨-١١٩. أوجه القراءات: قرأ بكسر "وإنك لا تظمأ " نافع وأبو بكر بن عاصم، وقرأ الباقون بفتح: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ . توجيه القراءات: قراءة الكسر على الاستئناف، أو بالعطف على جملة "إن" الأولى، وقراءة الفتح بالعطف على "ألا"، والتقدير: إن لك عدم الجوع وعدم العطش. التسيير: ١٥٣، والنشر: ٢/ ٢٠٩، والبيان: ٢/ ١٥٤، والعكبري: ٢/ ٧٠، والقرطبي: ١١/ ٢٥٤. ٢ أبو بكر: هو شعبة بن عياش بن سالم الأسدي، الكوفي، ولد سنة ٩٥هـ، قرأ على عاصم وعلى ابن السائب، وقرأ عليه الكسائي وغيره، وكان إماما كبيرا من أئمة اللغة، قيل: إنه ختم القرآن ثماني عشرة ألف ختمة. مات سنة ١٩٣هـ. في الشهر الذي مات فيه هارون الرشيد. معرفة القراء للذهبي: ١/ ١٣٤، طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٦٩، غاية النهاية: ١/ ٣٢٥، طبقات الحفاظ: ١١٣.
[ ١ / ٣٣٢ ]
٩- التاسع: أن تقع بعد "لا جرم" والغالب الفتح، نحو: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ١، فالفتح عند سيبويه على أن "جرم" فعل ماضٍ، و"أن" وصلتها فاعل: أي: وجب أن الله يعلم، و"لا" صلة، وعند الفراء على أن "لا جرم" بمنزلة لا رجل، ومعناهما لا بد، ومن بعدهما مقدرة، والكسر على ما حكاه الفراء من أن بعضهم ينزلها منزلة اليمين فيقول: "لا جرم لآتينك"٢.
[دخول لام الابتداء بعد إن المكسورة على أربعة أشياء]:
وتدخل لام الابتداء٣ بعد "إن" المسكورة على أربعة أشياء:
أحدها: الخبر، وذلك بثلاثة شروط٤: كونه مؤخرا ومثبتا، وغير ماضٍ،
_________________
(١) ١ "١٦" سورة النحل، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" بعد "لا جرم" يُجوِّز فيها الوجهين، فالفتح على تقدير "جرم" فعل ماضٍ كما في المتن والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": فاعل، و"لا" صلة زائدة، ورده الفراء، بأن "لا" لا تزاد في أول الكلام، والكسر على ما حكاه الفراء من أن بعضهم ينزلها منزلة اليمين فيقول: لا جرم لقد أحسنت، ولا جرم إنك ذاهب. شرح التصريح: ١/ ٢٢١. ٢ الدليل على أنها منزلة منزلة اليمين وجود اللام في المثال، ويقال في إعرابها: لا: نافية للجنس. جرم: اسمها ومعناها القسم، وجملة لآتينك: جواب القسم وقد أغنت عن الخبر. ٣ سميت كذلك؛ لأنها تدخل على المبتدأ كثيرا، وتدخل على غيره كخبر "إن" المكسورة. وهذه اللام مفتوحة، وفائدتها: توكيد مضمون الجملة المثبتة، وإزالة الشك عن معناها أو إنكارها، وتسمى "اللام المزحلقة" أو "اللام المزحلفة"، فبنو تميم يقولون زحلوقة بالقاف، وأهل العالية، يقولون: زحلوفة بالفاء، ويقول النحاة في سبب تسميتها بذلك: إن مكانها الأصلي للصدارة في الجملة الاسمية، لكن لما كانت للتوكيد و"إن" تفيد التوكيد كرهوا الجمع بين حرفين لمعنى واحد، فقدمت "إن" لأنها عاملة، وزحلقت اللام إلى الخبر. التصريح: ١/ ٢٢٢- ٢٢٣، وحاشية الصبان: ١/ ٢٧٩. ٤ يزاد على هذه الشروط: ألا يكون الخبر جملة شرطية، فلا يقال: إن محمدا لئن تكون يجلك؛ لأن هذه اللام، لا تدخل على أداة الشرط، ولا على فعله أو جوابه وما اجتمعت فيه الشروط قد يكون مفردا، أو مضارعا، أو ظرفا، أو جارا ومجرورا، أو جملة اسمية. التصريح: ١/ ٢٢٣. حاشية الصبان: ١/ ٢٧٩.
[ ١ / ٣٣٣ ]
نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾ ١، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَم﴾ ٢، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق﴾ ٣، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيت﴾ ٤، بخلاف، ﴿إِنَّ لَدَيْنَا
_________________
(١) ١ "١٤" سورة إبراهيم، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعٌ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول اللام المزحلقة على خبر "إن" المكسورة سميع؛ لِتوفر الشروط، وهي: تأخره، وكونه مثبتا، وغير ماضٍ، وحكم دخولها في هذه الحال الجواز. ٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول اللام المزحلقة على الجملة الواقعة خبرا لـ "إن" المكسورة؛ لِتوفر الشروط، وهي: تأخُّر الخبر، وكونه مثبتا، وغير ماضٍ، وحكم دخولها في هذه الحال الجواز. ٣ "٦٨" سورة القلم: الآية: ٤. وجه الاستشهاد: دخول "اللام المزحلقة على الجار والمجرور شريطة ألا يقدر متعلقه عند البصريين لأنه إن قدر استقر، لم تدخل عليه اللام؛ لأنها لا تدخل على معمول الفعل الماضي، خلافا للأخفش، وحكم الدخول الجواز، كما في الآيتين السابقتين. ٤ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول "اللام المزحلقة" على الخبر الواقع جملة اسمية؛ لأن "نحن" في الآية الكريمة في محل مبتدأ، وليس ضمير فصل خلافا للجرجاني وحكم دخول "اللام" على الجملة الاسمية الجواز مع العلة. فائدة: تدخل اللام المزحلقة على خمسة أنواع هي: أولا: أن يكون الخبر اسما مفردا مؤخرا، نحو: إن المؤمن لكثير الحياء. ثانيا: أن يكون الخبر جملة فعلية فعلها مضارع، نحو: إن المؤمن ليكثر من الدعاء. ثالثا: أن يكون الخبر جارا ومجرورا، نحو: إن التقي لعلى سواء السبيل. رابعا: أن يكون الخبر ظرفا، نحو: إن الكتاب لفوق الطاولة، ومعلوم أنه في هذه =
[ ١ / ٣٣٤ ]
أَنْكَالًا﴾ ١، ونحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ ٢، وشذ قوله٣: [الوافر]
١٣٦- وأعلَمُ إنَّ تسليما وتركا لَلَا مُتَشابهان ولا سواء٤
_________________
(١) = الحالة والتي قبلها، لا يجوز أن نقدر المتعلق "استقر" لأنه فعل ماضٍ، ومعمول الفعل الماضي لا يجوز دخول اللام عليه كما أسلفنا. خامسا: أن يكون الخبر جملة اسمية، نحو: إنا لنحن المسلمينخير أمة، ويجوز في هذه الحالة إدخال اللام على مبتدأ الجملة الاسمية "نحن" أو على الخبر "خير"، فتصبح: إنا نحن المسلمين لخير أمة، وقد أنكر الرضي دخول اللام على الخبر، وأجازه ابن مالك وأما سبب دخول اللام على الخبر المفرد؛ لأنه أشبه المبتدأ، ودخولها على الفعل المضارع؛ لأنه أشبه الاسم، ودخولها على الظرف والجار والمجرور؛ لأنهما في حكم الاسم، ولذا أوجبوا جعلهما الخبر، أو يعلقا باسم، ودخولها على الجملة الاسمية؛ لأنها مبتدأ وخبر. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٢٢. ١ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ لَدَينَا أَنْكَالًا﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم الخبر على اسم "إن" فامتنع دخول اللام المزحلقة على الخبر. ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٤٤. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء خبر "إن" مضارعا منفيا، ولذا فلا يجوز اقترانه باللام المزحلقة؛ لانتفاء شرط "الإثبات". ٣ القائل هو: أبو حزام، غالب بن الحارث العكلي، ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٤ البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٢، وابن عقيل: "١٠٢/ ١/ ٣٦٨"، والأشموني: "٢٧٠/ ١/ ١٤١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٠ن والدرر اللوامع: ١/ ١١٦، وخزانة الأدب: ٤/ ٣٣١، والعيني: ٢/ ٢٤٤. المفردات الغريبة: تسليما: أي على الناس أو للأمور تركا: كذلك. متشابهان: متقاربان. سواء: متساويان. المعنى: أعلم وأعتقد أن التسليم على الناس وتركه، أو تسليم الأمور لذويها وتركه ليسا متساويين، ولا قريبيين من السواء. وكان ينبغي أن يقول: للا سواء ولا لضرورة الشعر. الإعراب: أعلم: فعل مضارع، والفاعل: أنا. إن: حرف مشبه بالفعل. تسليما: اسمه. وتركا: معطوف على "تسليما". "للا متشابهان": اللام لام المزحلقة، أو زائدة =
[ ١ / ٣٣٥ ]
وبخلاف، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ ١، وأجاز الأخفش والفراء، وتبعهما ابن مالك، "إن زيدا لنعم الرجل"، و"لعسى أن يقوم" لأن الفعل الجامد كالاسم٢، وأجاز الجمهور "إن زيدا لقد قام" لشبه الماضي المقرون بقد بالمضارع لقرب زمانه من الحال، وليس جواز ذلك مخصوصا بتقدير اللام للقسم لا للابتداء، خلافا٣ لصاحب الترشيح٤، وأما نحو: "إن زيدا لقام"، ففي
_________________
(١) و"لا نافية" متشابهان: خبر "إن" مرفوع. ولا الواو عاطفة، لا: نافية. سواء: معطوف على خبر "إن". موطن الشاهد: "للا متشابهان". وجه الاستشهاد: دخول اللام المزحلقة في خبر "إن" المنفي "لا متشابهان"، وحكم دخول اللام في هذه الحالة شاذ، وذهب ابن عصفور والفراء من قبله إلى أن الهمزة مفتوحة، واللام زائدة، وليست للابتداء. فائدة: إذا عُدَّت "إن" مكسورة الهمزة على رأي ابن هشام وما عليه أكثر النحويين في الشاهد السابق، كان في البيت شذوذ واحد، وهو دخول اللام على خبر "إن" المنفي، وأما على رأي ابن عصفور، فإن عدت اللام مزحلقة، كان في البيت شذوذان: أحدهما: دخول اللام على خبر "أن" المفتوحة، وثانيهما: دخولها على الخبر المنفي، وتخلُّصا من هذا الشذوذ أو ذاك ذهب بعضهم إلى عدِّ اللام في هذا الشاهد زائدة، كما زيدت في مواضع كثيرة. وانظر حاشية الصبان: ١/ ٢٨١، وشرح التصريح: ١/ ٢٢٢. ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ . وجه الاستشهاد: جاء خبر "إن" فعلا ماضٍيا، فامتنع دخول اللام المزحلقة عليه؛ لأنها لا تقترن بالخبر الدالِّ على الماضي. ٢ المراد بـ "نعم"، كل فعل لا دلالة له على حدث، ولا زمان معين تقتضيه الصيغة، والمراد بـ "عسى": كل فعل دل على زمان، ولكنه نقل إلى الإنشاء، وقد وافق الشاطبي على دخول اللام على "نعم" و"بئس"، ولم يوافق على دخولها على عسى. شرح التصريح: ١/ ٢٢٢، وحاشية الصبان: ١/ ٢٨١. ٣ حيث ذهب إلى منع دخول لام الابتداء على الماضي المقترن بقد، وإذا ورد دخولها عليه قدرت لام جواب لقسم محذوف، والتقدير في المثال: إن زيدا والله لقد قام. ٤ وصاحب الترشيح: هو أبو بكر خطاب بن يوسف الماوردي "المروزي" القرطبي البطليوسي، أحد كبار النحاة ومحققيهم، والمتقدمين في علوم اللسان عامة، تصدر لإقراء العربية طويلا، وصنف فيها، واختصر "الزاهر" لابن الأنباري، بالإضافة لكتابه المشهور: الترشيح، له نظم فيما يذكَّر ويؤنَّث، وينقل عنه أبو حيان، وابن هاشم كثيرا توفي سنة ٤٥٠هـ. البلغة: ٧٧، بغية الوعاة: ١/ ٥٥٣، معجم المؤلفين: ٤/ ١٠٣.
[ ١ / ٣٣٦ ]
الغرة١ أن البصري والكوفي على منعها إن قدرت للابتداء٢، والذي نحفظه أن الأخفش وهشامًا٣ أجازاها على إضمار قد.
الثاني: معمول الخبر، وذلك بثلاثة شروط أيضا٤: تقدمه على الخبر، وكونه غير حال٥، وكون الخبر صالحا للام، نحو: "إن زيدا لعمرا ضارب"، بخلاف:
_________________
(١) ١ الغرة: هو كتاب شرح اللمع لابن جني، ومؤلفه: سعيد بن المبارك، المعروف بابن الدهان، وهو أحد أفاضل النحاة، أخذ عن الرماني، وأخذ عنه التبريزي، وروى عنه السمعاني، له مؤلفات كثيرة منها: شرح الإيضاح، وشرح اللمع، وكتاب الدروس وكتاب الرياضة وغيرها. البلغة: ٨٥، بغية الوعاة: ١/ ٥٨٧، الأعلام: ٣/ ١٥٣، وفيات الأعيان: ١/ ٢٠٩. ٢ لأن الفعل ماضٍ غير جامد، وغير مقرون بقد، فيمتنع دخول لام الابتداء عليه، فإن قدرت اللام للقسم جاز، ويكون التقدير: إن زيدا والله لقام. ٣ هو أبو عبد الله، هشام بن معاوية الضرير، النحوي الكوفي، أحد أصحاب الكسائي، له مصنفات منها: مختصر النحو، وحدود الحروف، والقياس، والعوامل، والأفعال واختلاف معانيها، مات سنة ٢٠٩هـ. البلغة: ٢٧٩، إنباه الرواة: ٣/ ٣٦٤، بغية الوعاة: ٢/ ٣٢٨، ومعجم الأدباء: ١٩/ ٢٩٢. ٤ يزاد عليها: ألا يكون الخبر مشتملا عليها، فلا يجوز: إن محمدا المذلة ليأبى على الصحيح. ٥ أي: وغير تمييز أيضا، فلا يصح أن تقول: إن محمدا لعرقا يتصبب. إذا كان الخبر صالحا لدخول اللام عليه، وله معمول مستوفٍ الشرط، جاز دخول اللام على معمول الخبر، كما مثل المصنف، وجاز دخولها على الخبر، في نحو: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾، وقد تدخل عليهما معا، حكى الكسائي والفراء من كلام العرب: "إني لبحمد الله لصالح" وذلك قليل، وأجازه المبرد، ومنعه الزجاج، وهو الصحيح، كما امتنع دخولها على الخبر، إذا دخلت على الاسم المتأخر أو على ضمير الفصل. التصريح: ١/ ٢٢٣، حاشية الصبان: ١/ ٢٨٢.
[ ١ / ٣٣٧ ]
"إن زيدا جالس في الدار" و"إن زيدا راكبا منطلق" و"إن زيدا عمرا ضرب" خلافا للأخفش في هذه.
الثالث: الاسم، بشرط واحد، وهو أن يتأخر عن الخبر، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَة﴾ ١، أو عن معموله: نحو: "أن في الدار لزيدا جالس".
الرابع: الفصل٢، وذلك بلا شرط، نحو: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَق﴾ ٣، إذا لم يعرب "هو مبتدأ".
[دخول ما الزائدة على هذه الأحرف]:
وتتصل "ما" الزائدة بهذه الأحرف إلا "عسى" و"لا"، فتكفها عن العمل، وتهيئها للدخول على الجمل، نحو: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
_________________
(١) ١ "٧٩" النازعات، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: "إن في ذلك لعبرة". وجه الاستشهاد: دخول "لام الابتداء" على اسم "إن" لتأخره عن الخبر، وحكم دخول "اللام" في هذه الحالة الجواز؛ لِتوفر الشرط. ٢ وهو المسمى عند الكوفيين عمادا؛ لأنه يعتمد عليه في تأدية المعنى، وضمير فصل عند البصريين؛ لأنه يفصل به بين الخبر والنعت، وإنما دخله اللام؛ لأنه مقوٍّ للخبر؛ لرفعه توهم السامع كون الخبر تابعا له، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر، وقال ابن عصفور: لأنه اسم أن في المعنى، وقال ابن عقيل: وشرط ضمير الفصل أن يتوسط بين المبتدأ والخبر أو ما أصله المبتدأ والخبر. شرح التصريح: ١/ ٢٢٤، وابن عقيل: "دار الفكر": ٢٨٨. والأشموني مع حاشية الصبان: ١/ ٢٨٢-٢٨٣. ٣ "٣" سورة آل عمران، الآية: ٦٢. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول اللام على ضمير الفصل "هو"، شرط ألا يعرب مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر إن؛ لأنه في تلك الحال، لا يكون ضمير فصل؛ لأن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وَاحِدٌ﴾ ١، و﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ ٢، بخلاف قوله٣: [الطويل]
١٣٧- ولكنما يُقضَى فسوف يكون٤
_________________
(١) ١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ١٠٨. موطن الشاهد: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا﴾ . وجه الاستشهاد: دخول "ما" الزائدة على "إن" المكسورة الهمزة "الحرف المشبه بالفعل" فكفتها عن العمل وأدخلت على الجملة الفعلية، ودخول "ما" الزائدة على "أنماط المفتوحة الهمزة ومدخولها جملة اسمية، ولكن بطل عملها. ٢ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول "ما" الزائدة على "كأن" وكفها عن العمل، ودخولها على الجملة الفعلية، كما في الآية السابقة. ٣ القائل: هو الأفوه الأزدي أو الأودي. ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فوالله ما فارقتكم قاليا لكم وهذا البيت أنشده أبو علي القالي في أماليه ضمن ثلاثة أبيات رواها عن ابن دريد، عن أبي حاتم، ولم يسمَّ قائلها، أمالي القالي: ١/ ٩٩، وأنشده ياقوت في معجم البلدان: ٤/ ٧٧، رابع أربعة أبيات، ونسبها إلى أبي المطواع ابن حمدان، يقولها في دمشق. والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٥، والعيني: ٢/ ٣١٥، وقطر الندى "٥٤/ ١٩٦". المفردات الغريبة: قاليا: اسم فاعل، فعله قلاه ويقلوه قلى، ومعناه: كرهه وأبغضه، وهو حال من التاء في فارقت. المعنى: يقسم الشاعر قائلا: إني ما فارقتكم عن بغض وكراهية لكم، أو ملال لعشرتكم وصحبتكم، ولكنه قدر الله وقضاؤه، وما تجري به المقادير، ولا مفر من وقوعه، ولا يمكن التحرز منه. الإعراب: "والله". متعلق بفعل قسم محذوف. ما: نافية. فارقتكم: فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به، و"الجملة": جواب للقسم، لا محل لها. قاليا: حال منصوب. "لكم": متعلق بـ "قاليا". ولكنما: الواو عاطفة، لكن: حرف مشبه بالفعل، و"ما": اسم موصول في محل نصب اسم "لكن" يُقضَى فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل: هو، وجملة "يقضى" صلة للموصول، لا محل لها. فسوف: الفاء زائدة في خبر "لكن" سوف: حرف تنفيس، أو للتسويف، وهو الأفضل. يكون: فعل مضارع تام؛ لأنه بمعنى يوجد، والفاعل: هو. وجملة "يكون": في محل رفع خبر "لكن". موطن الشاهد: "ولكنما". وجه الاستشهاد: إعمال "لكن" مع اتصالها بـ "ما"؛ لأن "ما" هذه موصولة لا زائدة، بدليل عود الضمير في "يقضى" عليها. وفي البيت شاهد آخر في "فسوف يكون"، حيث زيدت الفاء في خبر "لكن" كما بينا في الإعراب وجمهور النحاة يجيزون زيادة الفاء في خبر المبتدأ، وفي خبر "إن" المكسورة، وفي خبر "أن" المفتوحة، وفي خبر "لكن" ويستدلون على الأخير، بهذا البيت، وما شابهه، ومنع الأخفش اقتران خبر "لكن" بالفاء الزائدة، والشاهد السابق حجة عليه.
[ ١ / ٣٣٩ ]
إلا "ليت" فتبقى على اختصاصها١، ويجوز إعمالها وإهمالها٢، وقد رُوي بهما قوله٣: [البسيط]
١٣٨- قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا٤
_________________
(١) = تام؛ لأنه بمعنى يوجد، والفاعل: هو. وجملة "يكون": في محل رفع خبر "لكن". موطن الشاهد: "ولكنما". وجه الاستشهاد: إعمال "لكن" مع اتصالها بـ "ما"؛ لأن "ما" هذه موصولة لا زائدة، بدليل عود الضمير في "يقضى" عليها. وفي البيت شاهد آخر في "فسوف يكون"، حيث زيدت الفاء في خبر "لكن" كما بينا في الإعراب وجمهور النحاة يجيزون زيادة الفاء في خبر المبتدأ، وفي خبر "إن" المكسورة، وفي خبر "أن" المفتوحة، وفي خبر "لكن" ويستدلون على الأخير، بهذا البيت، وما شابهه، ومنع الأخفش اقتران خبر "لكن" بالفاء الزائدة، والشاهد السابق حجة عليه. ١ خالف في هذا الحكم ابن أبي الربيع وطاهر القزويني، فإنهما أجازا في "ليت" إذا اقترنت بها "ما" أن تدخل على الجملة الفعلية نحو "ليتما قام زيد" التصريح: ١/ ٢٢٥. ٢ ذهب سيبويه إلى أنه لا يجوز في هذه الحالة إلا الإعمال. ٣ القائل: هو النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إلى حمامتنا أو نصفه فقد وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٥، والأشموني: "٢٧١/ ١/ ١٤٣"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٣ الدرر اللوامع: ١/ ١٢١، وكتاب سيبويه: ١/ ٢٧٢، والخصائص: ٢/ ٤٦٠، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٤٢، ٢٤١، الإنصاف: ٤٧٩، شرح المفصل: ٨/ ٥٤، ٥٨، والمقرب: ٢٠ الخزانة: ٤/ ٦٧، والعيني: ٢/ ٢٥٤، قطر الندى: "٥٦/ ١٩٨" الشذور: "١٣٨/ ٣٦٥" المغني: "٥٢٤/ ٣٧٦" "٥٧٣/ ٤٠٦" "٩٨/ ٨٩"، والسيوطي: ٧٢، ٢٣٦، ديوانه: ٢٤. المفردات الغريبة: قالت: الضمير عائد إلى زرقاء اليمامة، وهي مضرب المثل بحدة النظر. قد: اسم بمعنى "كاف". المعنى: قالت زرقاء اليمامة وقد مر سرب من الحمام قريبا منها: ليت هذا الحمام مضموما إلى حمامتنا، ونصف هذا العدد السرب فيكمل لنا مائة. ولفظ مقولها: ليت الحمام ليه. إلى حمامتيه. أو نصفه قديه. تم الحمام ميه. قيل: ثم وقع =
[ ١ / ٣٤٠ ]
وندر الإعمال في إنما، وهل يمتنع قياس ذلك في البواقي مطلقا؟ أو يسوغ مطلقا؟ أو في لعل فقط؟ أو فيها وفي كأن؟ أقوال١.
_________________
(١) = في شبكة صائد، فعد، فإذا هو "٦٦" فإذا أضيف نصفه إلى حمامتها، كان مائة، كما قالت. الإعراب: قالت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء للتأنيث. ألا: حرف استفتاح وتنبيه. ليتما: ليت حرف مشبه بالفعل إذا كانت معملة و"ما" زائدة، أو: كافة ومكفوفة، لا عمل لها. هذا: اسم الإشارة إما أن يكون اسم "ليت" على إعمالها وإما أن يكون مبتدأ، إذا كانت "ما" كافة الحمام: بدل من اسم الإشارة، وهو الأفضل، فإذا كانت "ما" كافة واسم الإشارة مبتدأ، كان "الحمام" مرفوعا، وإذا عدت "ما" زائدة" فاسم الإشارة اسم "ليت" ويكون الحمام منصوبا، وكلا الوجهين جائز، "لنا" متعلق بخبر "ليت" المحذوف، أو بخبر المبتدأ، حسب التقدير، "إلى حمامتنا": متعلق بمحذوف حال من اسم "ليت"، و"نا" مضاف إليه. أو: حرف عطف بمعنى الواو، نصفه: معطوف على اسم الإشارة، فيجوز فيه الرفع والنصب؛ لِما أسلفنا، فقد: الفاء فاء الفصيحة، قد: اسم بمعنى "كاف". خبر لمبتدأ محذوف، و"المبتدأ المحذوف وخبره": في محل جزم جواب شرط محذوف، والتقدير: إن يحصل ذلك فهو كاف. موطن الشاهد: "ليتما هذا الحمام لنا". وجه الاستشهاد: روي هذا الشاهد برفع الحمام على إهمال "ليت"، وبنصبه على إعمالها، وفي هذا الشاهد دليل على أن "ما" غير الموصولة، إذا ما اتصلت بـ "ليت" لا يلزم أن تكفها عن العمل، بل يجوز الإعمال والإهمال، وإن كان الإعمال أرجح، حتى أوجبه سيبويه لأنه يرى "ما" المتصلة بـ "ليت" موصولة وليست كافة. ١ يذهب سيبويه والأخفش "إلى أنه، لا يجز الإعمال في أن المفتوحة الهمزة، ولا في كأن ولعل ولكن إذا اتصلت بإحداهن "ما" الكافة، فالإعمال عند سيبويه واجب في ليت، ونادر في "إن" وممتنع في البواقي. وحجته في ذلك كله الوقوف عند ما سمع من العرب، وذهب الزجاج، وابن السراج، والزمخشري، وابن مالك إلى أن الإعمال جائز في كل هذه الأحرف مع اتصالهن بما الكافة، قياسا لما لم يسمع عن العرب على ما سمع، وذهب الفراء إلى أن الإعمال جائز في "لعل" إذا اتصلت بما الكافة؛ لأنها أقرب هذه الأحرف شبهًا بليت، حتى إن بعض النحاة، يزعم أن "لعل"، قد تتضمن معنى "ليت" فتأخذ حكمها، وحمل على هذا الوجه، قوله تعالى: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، فزعم أن نصب المضارع المقترن بالفاء بسبب تضمن "لعل" معنى ليت؛ لأن قبل ذلك ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ وذهب ابن أبي الربيع إلى أن الإعمال جائز مع "لعل" و"كأن"؛ لِقرب كل منهما من "ليت" فهذه هي الأقوال التي يشير المؤلف إليها. شرح التصريح: ١/ ٢٢٥ وابن عقيل: "دار الفكر": ١/ ٢٨٩، وحاشية الصبان: ١/ ٢٨٤.
[ ١ / ٣٤١ ]
[العطف على أسماء هذه الأحرف بالنصب قبل مجيء الخبر وبعده]:
يعطف على أسماء هذه الحروف بالنصب: قبل مجيء الخبر، وبعده، كقوله: [الرجز]
١٣٩- إن الربيع الجود والخريفا يدا أبي العباس والصُّيُوفا٢
_________________
(١) ١ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز، أو بيتان من مشطوره في مدح أبي العباس السفاح، أول خلفاء بني العباس، وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٢٦، وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٢٠٠، والعيني: ٢/ ٢٦١، والمقتضب: ٤/ ١١١، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٨٥، وملحقات ديوان رؤبة: ١٧٩. المفردات الغريبة: الجود: المطر الغزير. الصيوف: جمع صيف، وهو أحد فصول السنة الأربعة، ويريد بالربيع والخريف والصيوف أمطارها. المعنى: يقصد الراجز: أن مطر الربيع الغزير، وأمطال الخريف والصيف -تشبه يدي أبي العباس في كثرة الخير والنفع للعباد- وحق التشبيه أن يشبه الراجز يدي أبي العباس بالأمطار، في هذه الفصول ولكنه عكس التشبيه للمبالغة. الإعراب: إن: حرف مشبه بالفعل. الربيع: اسم "إن" منصوب. الجود: صفة لـ "الربيع". والخريفا: معطوف بالواو على الربيع. يدا: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وهو مضاف. أبي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. العباس: مضاف إليه. والصيوفا: معطوف على الربيع، والألف للإطلاق. موطن الشاهد: "والخريفا والصيوفا". وجه الاستشهاد: عطف الشاعر "الخريف" على اسم "إن" بالنصب قبل أن يجيء بالخبر الذي هو "يدا" وعطف الصيوف" على اسم "إن" بالنصب بعد أن جاء بخبر "إن"، وفي هذا دلالة على جواز العطف على اسم "إن" قبل المجيء بالخبر وبعده.
[ ١ / ٣٤٢ ]
[يعطف بالرفع بشرطين]:
ويعطف بالرفع بشرطين١: استكمال الخبر٢، وكون العامل "أن" أو "إن" أو "لكن"، نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُه﴾ ٣، وقوله٤: [الطويل]
١٤٠- فإنَّ لنا الأمُّ النجيبةُ والأبُ٥
_________________
(١) ١ قال الرضي: والوصف وعطف البيان والتوكيد كالمنسوق "عطف النسق" عند الجرمي والزجاج والفراء في جواز الحمل على المحل، ولم يذكر غيرهم في ذلك منعا ولا إجازة، والأصل: الجواز؛ إذ لا فارق. ولم يذكروا البدل والقياس، كونه كسائر التوابع في جواز الرفع، نحو: إن الزيدين أستحسنهما شمائلهما بالرفع، وقال الرضي عن "التسهيل" لابن مالك: وجه المنع عند الجمهور في النعت أن الغرض منه بيان المنعوت؛ لِيصح الإخبار عنه، فحقه أن يكون قبل الخبر، فإن جاء بعده فعلى نية التقديم والتأخير، والحمل على الموضع، لا يكون إلا بعد تمام الكلام. وخلاصة القول: إن هؤلاء النحاة، قد أجازوا الإتباع على المحل في النعت، وعطف البيان، والتوكيد قياسا على ما سمع من العرب في عطف النسق. انظر حاشية الشيخ يس على شرح التصريح: ١/ ٢٢٦. ٢ لأنه يلزم على العطف قبل الاستكمال، العطف قبل تمام المعطوف عليه، أو تقديم المعطوف، كما سيأتي. ٣ "٩" سورة التوبة، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيٌء وَرَسُولُهُ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "رسوله" بالرفع على محل اسم الجلالة المنصوب بـ "أن" بعد استكمال الخبر، وهو "بريء" وحكم هذا العطف الجواز. ٤ لم ينسب إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فمن يك لم ينجب أبوه وأمه وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٧، والأشموني: "٢٧٣/ ١/ ١٤٣"، وهمع الهوامع: ٢/ ٤٤ والدرر اللوامع: ٢/ ١٩٩، والعيني: ٢/ ٢٦٥. المفردات الغريبة: النجيبة: أراد التي تلد الأولاد النجباء، قال ابن منظور: "أنجبت المرأة فهي منجبة ومنجاب: ولدت النجباء، ونسوة مناجيب، وكذلك الرجل، يقال: أنجب الرجل، ويقال: أنجب الرجل والمرأة، إذا ولدا ولدا نجيبا، أي كريما. المعنى: يقول الشاعر: إن من لم ينجب أبوه وأمه أولادا نجباء فإن لنا أما وأبا قد أنجبا، يريد أنه وإخوته نجباء كرام، أبناء رجل منجب وأم كذلك.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقوله١: [الطويل]
١٤١- ولكنَّ عمي الطيب الأصل والخال٢
_________________
(١) = الإعراب: من: اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ. يك: فعل مضارع ناقص، مجزوم وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا، واسمه. هو: "يك" فعل الشرط. لم: جازمة نافية. ينجب: فعل مضارع مجزوم. أبوه: فاعل مرفوع، والهاء: مضاف إليه. وجملة "لم ينجب": في محل نصب خبر "يك" فإن: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن: حرف مشبه بالفعل. "لنا" متعلق بخبر متقدم محذوف. الأم: اسم "إن" منصوب. النجيبة: صفة لـ "الأم" والأب: الواو حرف عطف، الأب: معطوف على محل اسم "إن" أو على الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبر لـ "إن"، أو هو مبتدأ محذوف الخبر، والجملة معطوفة على جملة "إن واسمها وخبرها"، والتقدير على هذا: ولنا الأب النجيب، وجملة "إن واسمها وخبرها" في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "والأب". وجه الاستشهاد: عطف "الأب" بالرفع على محل اسم "إن" بعد إتيانه بالخبر "لنا"، وهذا المراد من الاستشهاد به عند الناظم، والمؤلف على الظاهر من باب عطف المفرد على المفرد، وبيَّنَّا أوجه الإعراب المختلفة؛ لِبيان آراء النحاة في هذه المسألة. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وما قصرت بي في التسامي خؤولة وأنشدوا قبله: وما زلت سباقا إلى كل غاية بها يُبتغى في الناس مجد وإجلال والشاهد من شواهد، التصريح: ١/ ٢٢٧، والأشموني: "٢٧٦/ ١/ ١٤٤"، والعيني: ٢/ ٣١٦ وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٢٠٢. المفردات الغريبة: التسامي: التعاظم والتعالي، وأراد بها العراقة في النسب، ويروى مكانه المعالي. خؤول: إما من المصدر كالعمومة، أو جمع خال كالعمومة جمع عم. المعنى: يفتخر الشاعر بحسبه ونسبه قائلا: لم يقعد بي عن التعاظم والتباهي بالحسب وعراقة النسب أخوالي ولا أعمامي؛ فإن كلا منهما كريم الأصل، عريق النسب، فأنا مع علو همتي كريم العنصر من ناحية الأخوال والأعمام. الإعراب: ما: نافية. قصرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. "بي" و"في التسامي": متعلقان بـ "قصر". خؤولة: فاعل مرفوع. لكن" حرف استدراك ونصب "حرف مشبه بالفعل". عمي: اسم "لكن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: مضاف إليه. الطيب: خبر "لكن" مرفوع، وهو مضاف. الأصل: =
[ ١ / ٣٤٤ ]
والمحققون على أن رفع ذلك ونحوه على أنه مبتدأ حذف خبره، أو بالعطف على ضمير الخبر، وذلك إذا كان بينهما فاصل، لا بالعطف، على محل الاسم مثل: "ما جاءني من رجل ولا امرأة"، بالرفع؛ لأن الرفع في مسألتنا الابتداء وقد زال بدخول الناسخ١.
ولم يشترط الكسائي والفراء الشرط الأول٢ تمسكا، بنحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٣، وبقراءة بعضهم: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى
_________________
(١) = مضاف إليه. والخال: الواو عاطفة. الخال: معطوف على محل اسم "لكن" "عطف مفرد على مفرد"، أو الخال: مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: والخال الطيب الأصل، والجملة معطوفة على جملة "لكن" عمي الطيب" والأول: هو المراد من الاستشهاد. موطن الشاهد: "والخال". وجه الاستشهاد: عطف "الخال" مرفوعا على محل اسم "لكن" بعد أن جاء بالخبر "الطيب الأصل" وهذا العطف على المحل من باب عطف المفرد على المفرد، وهو ما ذهب إليه ابن مالك، وسار عليه ابن هشام كما أوضحنا في المثال السابق، غير أن الجمهور يرون أن "الخال" مبتدأ محذوف الخبر، والجملة من "المبتدأ والخبر المحذوف": معطوفة على جملة "لكن عمي الطيب الأصل، أو معطوف على اسم مرفوع مثله، وهو الضمير المستكن في الخبر المتقدم، وعليه، يكون العطف من باب عطف المفرد على المفرد. وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ٢٢٧- ٢٢٨. ١ ذلك؛ لأن العامل اللفظي، يبطل عمل العامل المعنوي، أما الرافع لمحل "رجل" في المثال، فهو الفعل "جاءني"، ولا يمنعه عن العمل الزائد؛ لأنه كالعدم. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٢٧. ٢ أي: وهو استكمال الخبر، فأجازوا الرفع قبل الاستكمال وبعده كما في المغني وغيره. ٣ "٥" سورة المائدة، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ وَالصَّائِبُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "الصائبون" على محل اسم إن "الذين" قبل استكمال الخبر، وهو من آمن بالله واليوم الآخر، فحكم هذا العطف الجواز.
[ ١ / ٣٤٥ ]
النَّبِيِّ"١، وبقوله٢: [الطويل]
١٤٢- فإني وقيار بها لغريب٣
_________________
(١) ١ "٣٣" سورة الأحزاب، الآية: ٥٦. أوجه القراءات: قرأ ابن عباس وأبو عمرو "وملائكته" بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. توجيه قراءة الرفع: على قراءة الرفع يكون "ملائكته" معطوفا على محل اسم "إن" وهو "لفظ الجلالة" كما في الآية السابقة وانظر البحر المحيط: ٧/ ٢٤٨، وتفسير القرطبي: ١٤/ ٢٣٢، والكشاف: ٣/ ٢٧٢. ٢ القائل: هو ضابيء بن الحارث البرجمي، أحد بني غالب بن حنظلة، سجنه سيدنا عثمنا بن عفان -﵁-؛ لأنه رمى بني جرول بن نهشل، وبقي إلى أن مات في سجنه. الشعر والشعراء: ١/ ٣٥٠، الإصابة: ٣/ ٢٧٦، والخزانة: ٤/ ٨٠، الاشتقاق: ١٣٤. ٣ تخريج الشااهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فمن يك أمسك بالمدينة رحله والبيت أول أربعة أبيات قالها الشاعر وهو في سجنه سيدنا عثمان ﵁، والأبيات رواها أبو العباس المبرد في كامله. والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٨، والأشموني: "٢٧٤/ ١/ ١٤٤"، وسيبويه: ١/ ٣٨، وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٢٠٠، ومجالس ثعلب: ٣١٦، ٥٩٨، والإنصاف: ١/ ٩٤، وشرح المفصل: ٨/ ٦٨، والخزانة: ٤/ ٣٢٣، ومعاهد التنصيص: ١/ ٦٥، ومغني اللبيب "٨٥٤/ ٦١٨" "١٠٥١/ ٨١١"، وشرح السيوطي: ٢٩٣. المفردات الغريبة: رحله، الرحل: المقصود به في البيت: مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث، وروى مكانه رهطه، ورهط الرجل أهله وقبيلته. قيار: "بفتح القاف وتشديد الياء المثناة" ذكر العيني أنه اسم رجل، وقال أبو زيد في نوادره: إنه اسمه جمله، وقال الخيل: إنه اسم فرس له. المعنى: يتحسر الشاعر في حبسه قائلا: من يك منزله وأثاثه بالمدينة، فليمس بها، أما أنا فلا؛ لأني وجملي أو فرسي غريب بها، فسنرحل عنها. الإعراب: من: اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ. يكُ: فعل مضارع ناقص مجزوم؛ لِكونه فعل الشرط، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا، واسمه: هو. أمسى: فعل ماضٍ ناقص. "بالمدينة": متعلق بخبر "أمسى" المحذوف، والمتقدم على الاسم. رحله: اسم أمسى "مؤخر مرفوع" والهاء: في محل جر بالإضافة، =
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقوله١: [الوافر]
١٤٣- وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة٢
_________________
(١) = وجملة "أمسى واسمها وخبرها": في محل نصب خبر "يك". فإني: الفاء رابطة لجواب الشرط. إن: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه. وقيار: الواو حرف عطف. قيار: اسم معطوف على محل اسم "إن"، أو قيار: مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير. وقيار مثلي، كما في الأمثلة السابقة، والوجه الأول أفضل في هذا الشاهد. لغريب: اللام لام المزحلقة. غريب: خبر "إن" مرفوع. موطن الشاهد: "فإني وقيار لغريب". وجه الاستشهاد: عطف "قيار" على محل اسم "إن" قبل استكمال الخبر "غريب"، وهذا على مذهب الكسائي والفراء، اللذين أجازا العطف بالرفع على محل اسم "إن" قبل استكمال الخبر، كما في المتن، وأخذ بهذا الرأي أكثر فيما بعد. غير أن بعض النحويين، يرون أن "قيار" مبتدأ محذوف الخبر؛ لِدلالة خبر "إن" عليه، أو "غريب" خبره، وخبر "إن" محذوف، ويراعى في كل كلام ما يناسبه، وفي مثل هذا الشاهد، فالمذكور خبر "إن"؛ لِاقتران الخبر باللام، وخبر المبتدأ لا يقترن بها إلا شذوذا، والحمل على الشاذ، إذا أمكن غيره، لا يجوز، والذهاب إلى أن اللام زائدة، لا لام الابتداء لا داعي له، وما ذهب إليه ابن مالك، وابن هشام أفضل؛ لأنه يريحنا من التأويلات، والتجوزات التي لا فائدة فيها. ١ القائل هو: بشر بن أبي خازم، ويكنى أبا نوفل، وهو أحد بني أسد بن خزيمة، أحد فحول الشعراء، وشجعان الفرسان، هجا أوس بن حارثة الطائي بخمس قصائد وحدث أن أسره "بنو نبهان"، ففكَّ أوس أسره، وأنعم عليه، فمدحه بخمس قصائد، مات مقتولا في إحدى غزواته، وذلك سنة ٩٢ ق. هـ. له ديوان شعر مطبوع. الشعر والشعراء: ١/ ٢٧٠، والخزانة: ٢/ ٢٦١، ومختارات ابن الشجري: ٢/ ١٩ ٢ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٨، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٩٠، والعيني: ٤/ ٣١٥ ودلائل الإعجاز للجرجاني: ٢٤، والإنصاف: ١٩٠، وشرح المفصل: ٧/ ٦٩، والخزانة: ٤/ ٣١٥ وديوان بشر بن أبي خازم: ١٦٥. المفردات الغريبة: بغاة: جمع باغ، وهو اسم الفاعل من البغي، وهو مجاوزة الحد، وتقول: بغى فلان على فلان، إذا ظلمه، واعتدى عليه. شقاق: مصدر شاقه إذا خالفه وعاداه أشد العداوة.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ولكن اشترط الفراء١، إذا لم يتقدم الخبر، خفاء إعراب الاسم٢ كما في بعض هذه الأدلة٣.
وخرجها المانعون على التقديم والتأخير٤، أي والصائبون كذلك، أو على الحذف من الأول٥ كقوله٦: [الطويل]
_________________
(١) المعنى: يعظ الشاعر قومه قائلا: إن لم يرأب الصدع بيننا، ويحل الوئام محل الخصام فاعلموا أننا شركاء في الظلم، ما دمنا في نزاع، وخصام وعداء. الإعراب: إلا: إن الشرطية الجازمة، ولا: النافية، وفعل الشرط محذوف، والتقدير: إلا تفعلوا، ونحوه. فاعلموا: الفاء رابطة لجواب الشرط. اعلموا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و"الجملة": في محل جزم جواب الشرط. أنا: حرف مشبه بالفعل، و"نا": اسمه. وأنتم: الواو عاطفة، أنتم: ضمير منفصل في محل رفع عطفا على محل اسم "أن"، أو: أنتم: في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف، وأنتم مثلنا، ونحو ذلك. بغاة: خبر "أن". ما: مصدرية ظرفية. بقينا: فعل ماضٍ وفاعل، والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالإضافة، والتقدير: مدة بقائنا "في شقاق": متعلق بمحذوف خبر ثانٍ لـ "أن". موطن الشاهد: "أنا وأنتم بغاة". وجه الاستشهاد: عطف "أنتم" على محل اسم "أن" قبل استكمال الخبر "بغاة" وهذا المراد من الاستشهاد بالبيت، وبينا أن العطف على محل اسم إن وأن وأخواتهما قبل استكمال الخبر جائز على مذهب الكسائي وتلميذه الفراء ومن وافقهما، ويرى الجمهور أن العطف من باب عطف جملة على جملة كما في الأمثلة السابقة. ١ مرت ترجمته. ٢ بأن يكون مبنيا، أو مقصورا، أو مضافا إلى ياء، ومثل ذلك، ما إذا كان خفي إعراب المعطوف، دون المعطوف عليه، نحو: إن محمدا وموسى فدائيان، والعلة في ذلك الاحتراز من تنافر اللفظ. ٣ أي المتقدمة، وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ والبيتان. ٤ أي: تقديم المعطوف وتأخير الخبر، فيكون "من آمن" خبر "إن" وخبر "الصائبون": محذوف، أي: كذلك، ويقال في الإعراب: "من": اسم شرط مبتدأ "آمن" فعل الشرط، والخبر فلا خوف إلخ. و"الجملة": خبر إن. ٥ أي حذف الخبر، من الأول؛ لِدلالة الثاني عليه، فيكون "من آمن" خبرا عن "الصابئون" وخبر "إن" محذوف؛ لِدلالة خبر "الصائبون" عليه. ٦ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ١ / ٣٤٨ ]
١٤٤- فإني وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى؛ دنفانِ١
ويتعين التوجيه الأول في قوله:
فإني وقيار بها لغريب٢
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: خليلي، هل طب؟ فإني وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى دنفان. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٩، والأشموني: "٢٧٥/ ١/ ١٤٤"، والعيني: ٢/ ٢٧٤ ومغني اللبيب: "٨٥٣/ ٦١٧" "١٠٥٠/ ٨١٠"، وشرح السيوطي: ٢٩٣. المفردات الغريبة: طب: هو علاج الجسم والنفس. تبوحا بالهوى: تعلناه وتظهراه، والهوى: العشق. دنفان: مثنى دنف "بفتح الدال وكسر النون" صفة مشبهة من الدنف "بفتح الدال والنون" وهو المرض الملازم المخامر، وقيل: المرض ما كان. المعنى: يا صاحبي، هل من علاج يرجى للشفاء مما نحن فيه؟ فإني مريض، وأنتما كذلك، وإن لم تظهرا ما هو دفين في جوانحكما من هوى وألم ممضض. الإعراب: خليلي: منادى مضاف. بحرف نداء محذوف، منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والياء المدغمة بها في محل جر بالإضافة، هل: حرف استفهام. طب: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، والتقدير: هل طب موجود، أو لنا، ونحو ذلك. فإني: الفاء تعليلية، إني: حرف مشبه واسمه، والخبر محذوف؛ لِدلالة خبر المبتدأ "أنتما" عليه. وأنتما: مبتدأ. وإن لم تبوحا: شرط وفعله، والجواب محذوف، يدل عليه ما قبله دنفان: خبر أنتما". موطن الشاهد: "فإني وأنتما دنفان". وجه الاستشهاد: تعين كون "أنتما" مبتدأ، و"دنفان" خبره، وخبر "إن" محذوف؛ لِدلالة خبر المبتدأ عليه؛ وذلك لأن "دنفان" مثنى واسم "إن" مفرد، ولا يجوز أن يقع المثنى خبرا عن المفرد، وكذلك لا يجوز أن يكون خبرا عن اسمها وما بعده؛ لأن الجميع جمع، ولا يجوز الإخبار عنه بالمثنى، فلا يبقى إلا الوجه الذي ذهبنا إليه في الإعراب، ويكون من باب عطف الجمل لا المفردات. ٢ مر تخريج هذا الشاهد، والتعليق عليه. يريد المؤلف القول: إن "لغريب" يتعين فيها أن تكون خبر "إن"؛ وذلك لِاقتران هذا الخبر باللام المزحلقة "لام الابتداء" كما أسلفنا وهي تدخل على خبر "إن" لا على خبر المبتدأ. وأما "قيار" فمبتدأ محذوف الخبر؛ لِدلالة خبر "إن" عليه، والتقدير: وقيار غريب، وهذا على مذهب الجمهور، وبينا أنه يجوز أن يكون معطوفا على محل اسم "إن"، وهو الأفضل.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ولا يتأتى فيه الثاني لأجل اللام، إلا إن قُدِّرَتْ زائدة مثلها في قوله:
أم الحليس لعجوز شهربة١
والثاني في قوله تعالى: "وَمَلائِكَتُهُ"٢ ولا يتأتى فيه الأول لأجل الواو في ﴿يُصَلُّونَ﴾ ٢ إلا إن قدرت للتعظيم مثلها في: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ٣.
ولم يشترط الفراء الشرط الثاني٤ تمسكا بنحو قوله٥: [الرجز]
١٤٥- يا ليتني وأنت يا لميس في بلدة ليس بها أنيس٦
_________________
(١) ١ مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه، ومراد المؤلف من ذكر البيت؛ لِيدل على اللام الزائدة في قوله: "لعجوز"، حيث خرجت على أنها زائدة، وليست لام الابتداء؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ، وإنما تدخل على المبتدأ نفسه، أو على خبر "إن" المتأخر، وهذا ليشير إلى أن اللام في قوله "لغريب" لام الابتداء، وعليه فـ "غريب" خبر "إن" وأما إذا عددنا اللام زائدة، كما في هذا البيت، في "لعجوز"، جاز أن يكون قوله: "لغريب" خبر المبتدأ؛ لكون اللام الزائدة تدخل عليه، وما ذهبنا إليه في حينه أولى. ٢ "٣٣" سورة الأحزاب، الآية: ٥٦. موطن الشاهد: "وملائكتُهُ". وجه الاستشهاد: يتعين هنا التوجيه الثاني، وهو الحذف من الأول، ولا يتعين التقديم والتأخير؛ لِأجل الواو في "يصلون" لأنها للجماعة المشتركة، والله واحد لا شريك له، إلا إن قدرت الواو للتعظيم للواحد، فيتأتى الوجه الأول أيضا، ويصير التقدير: إن الله يصلي، وملائكته يصلون. ٣ "٢٣" سورة المؤمنون، الآية: ٩٩. موطن الشاهد: ﴿ارْجِعُونِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع الواو في "ارجعون" للتعظيم؛ لأن المخاطب واحد ﷻ، ومثلها في ذلك، قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . ٤ وهو كون العامل: إن أول أن أو لكن، يعني أنه لم يجعل جواز العطف بالرفع مخصوصا بالعطف على اسم واحد من هذه الثلاثة، بل أجاز ذلك في أسماء غيرهنَّ كـ "ليت". شرح التصريح: ١/ ٢٣٠، والأشموني مع الصبان: ١/ ٢٨٦- ٢٨٧. ٥ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٦ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز، أو بيتان من مشطوره، وبعد الشاهد قوله: إلا اليعافير وإلا العيس
[ ١ / ٣٥٠ ]
وخرج على أن الأصل "وأنت معي" والجملة حالية، والخبر قوله "في بلدة"١.
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٠، وهمع الهوامع: ١/ ٢٢٥، ٢/ ١١٤، والدرر اللوامع: ١/ ١٩٢، ٢/ ٢٠٢، وكتاب سيبويه: ١/ ١٣٣، ٣٦٥، ومعاني الفراء: ١/ ٤٧٩، والمقتضب: ٢/ ٣١٩، ٣٤٧، ٤/ ٤١٤، والإنصاف: ٢٧١، شرح المفصل: ٢/ ٨٠، ١١٧، ٧/ ٢١، ٨/ ٥٢. والخزانة: ٤/ ١٩٧، والعيني: ٣/ ١٠٧، وديوان رؤبة: ٥٣. وقد وقع في ديوان جران العود "ط. دار الكتب": ٥٢ رجز، صورته هكذا: قد ندع المنزل يا لميس يعتسُّ فيه السبع الجروس الذئب أو ذو لبد هموس وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وبقر ملمع كنوس كأنما هن الجواري الميس المفردات الغريبة: لميس: اسم امرأة. أنيس: مؤنس، والمراد: أي إنسان. المعنى: أتمنى أن أكون أنا وأنت يا لميس في بلد ليس فيه أحد غيرنا. الإعراب: يا: حرف نداء، والمنادى محذوف. ليتني: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: اسمه. وأنت: الواو عاطفة. أنت: معطوف على محل اسم "ليت"، أو على الضمير المستتر في الخبر. "في بلدة": متعلق بخبر ليت المحذوف، وجملة "ليس بها أنيس": صفة لـ بلدة. موطن الشاهد: "ليتني وأنت". وجه الاستشهاد: عطف "أنت" وهو ضمير رفع على محل اسم "ليت" قبل استكمال الخبر، في هذا، دلالة على جواز العطف على محل اسم "ليت" كذلك، وبين المؤلف تخريج الجمهور في المتن. ١ صاحب الحال هو الضمير المستكنُّ في الجار والمجرور الذي في قوله: "في بلدة"، والعامل في الحال، هو نفس الجار والمجرور، وهو العامل في صاحب الحال. وهذا التخريج الذي ذكره المؤلف هو تخريج ابن مالك، وهو على ندور أو قلة، فإن أكثر النحويين، على امتناع تقديم الحال المنتصبة بالظرف، وهو ممن نص على ذلك، فقال في باب الحال" وندر نحو سعيدٌ مستقرًّا في هجر" وشرحه الموضح بقوله: يجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، والنادر والقليل، لا يقاس عليهما، وأبعد منه قول بعضهم: إن الأصل أنا وأنت. فأنا مبتدأ، وأنت معطوف عليه، وخبر المبتدأ وما عطف عليه قوله في بلد فحذف أنا. شرح التصريح: ١/ ٢٣٠.
[ ١ / ٣٥١ ]
[تخفيف "إن" المكسورة فيكثر إهمالها]:
تخفف "إن" المكسورة لثقلها، فيكثر إهمالها؛ لزوال اختصاصها نحو: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ١، ويجوز إعمالها استصحابا للأصل، نحو: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُم﴾ ٢، وتلزم لام الابتداء بعد المهملة٣ فارقة بين الإثبات والنفي٤، وقد تغني عنها قرينة لفظية، نحو: "إن زيد لن يقوم"، أو معنوية، كقوله٥: [الطويل]
_________________
(١) ١ "٣٦" سورة يس، الآية: ٣٢. موطن الشاهد: ﴿إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مخففة من الثقيلة مهملة على قراءة تخفيف ميم "لما" فـ "إن" مهملة كل: مبتدأ. لما: اللام لام الابتداء، و"ماء" زائدة. جميع: خبر "لدينا": متعلق بـ "محضرون" الواقع صفة لـ "جميع" على المعنى، وأما قراءة تشديد الميم في "لما" فتكون "إن" نافية و"لما" بمعنى "إلا" ولا شاهد فيها. ٢ "١١" سورة هود، الآية: ١١١. موطن الشاهد: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُم﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إن" مخففة من الثقيلة عاملة على قراءة نافع وابن كثير بتخفيف إن" وكُلًّا: اسمها. ولما: اللام لام الابتداء. "ما" زائدة للفصل بين اللامين، أو موصولة في محل رفع خبر "إن" "ليوفينهم": جواب قسم محذوف، لا محل لها، وجملة القسم المحذوف وجوابه: صلة لـ "ما". وقيل غير ذلك. ٣ اختلف النحاة في هذه اللام، فذهب سيبويه، والأخفشان، وأكثر البغداديين إلى أنها لام الابتداء، وذهب أبو علي الفارسي، وابن جني، وابن أبي العافية، وابن أبي الربيع إلى أنها لام أخرى، اجتلبت للفرق بين النفي والإثبات، واستدلوا على ذلك بأنها لو كانت لام الابتداء لبقي لها اختصاصها، فلم تدخل إلا على ما أصله مبتدأ أو خبر، لكنها تدخل على المفعول به. شرح التصريح: ١/ ٢٣٢، والأشموني مع الصبان: ١/ ٢٨٨-٢٨٩، وابن عقيل: "ط. دار الفكر": ١/ ٢٩٢-٢٩٣. ٤ أي: لتدل على أنها ليست النافية، ولذا تُسمَّى اللام الفارقة؛ لأنها تفرق بين المخففة والنافية، وقد تلحق هذه اللام "إن" العاملة إذا حصل لبس، بأن كان إعراب الاسم خفيفا، نحو: إن هذا أو يحيى لقائم. الأشموني مع الصبان: ١/ ٢٨٩، وشرح التصريح: ١/ ٢٣١. ٥ القائل: هو الطرماح، واسمه الحكم بن حكيم بن نفر من طيئ، يكنى: أبا نفر، كان شاعرا مجيدا، ملك عنان الخطابة والرواية والفصاحة والشجاعة والشرف في النسب، وفد جده قيس بن جحدر على النبي ﷺ مع من وفد من طييء الشعر والشعراء: ٢/ ٥٨٥، الأغاني: ١٠/ ١٤٨، المؤتلف: ١٤٨، الاشتقاق: ٢٣٤.
[ ١ / ٣٥٢ ]
١٤٦- وإنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادنِ١
وإن ولي "إن" المكسورة المخففة فعل كثر كونه مضارعا ناسخا٢، نحو
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: أنا ابن أباة الضيم من آل مالك وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣١، وابن عقيل: "١٠٣/ ١/ ٣٧٩"، والأشموني: "٢٧٨/ ١/ ١٤٥" والعيني: ٢/ ٢٧٦، وقطر الندى "٦٤/ ٢٢٠"، وديوان الطرماح: ١٧٣. المفردات الغريبة: أباة: جمع آبٍ كالقضاة جمع قاضٍ من أبى إذا امتنع. الضيم: الظلم. مالك: اسم أبي القبيلة، ومالك الثاني هو القبيلة، ولهذا قال: كانت كرام المعادن. كرام المعادن: طيبة الأصول. المعنى: يفتخر الشاعر قائلا: أنا ابن الذين يأبون الظلم والمذلة من آل مالك، وقد كانت قبيلتي كريمة الأصول والأنساب، شريفة المحتد والمنبت. الإعراب: أنا مبتدأ. ابن: خبر. أباة: مضاف إليه، الضيم: مضاف إليه ثان. وإن: الواو عاطفة. إن مخففة من الثقيلة مهملة مالك: مبتدأ كانت كرام فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هي، وكرام: خبره، وجملة "كانت كرام": خبر المبتدأ، المعادن: مضاف إليه. موطن الشاهد: "إن مالك كانت". وجه الاستشهاد: ترك لام الابتداء التي تجتلب في خبر المبتدأ الواقع بعد "إن" المخففة المهملة؛ لِلتفريق بينها وبين "إن" النافية، واستغني عن اللام في الشاهد؛ لِوجود قرينة معنوية، تدل على أن "إن" غير نافية؛ وذلك لأن المقام للمدح والافتخار، كما يدل عليه صدر البيت، لا للنفي، وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله: وخففت "إنَّ" فقَلَّ العملُ وتلزم اللام إذا ما تهملُ وربما استغنى عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدا وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٣١. ٢ أي: من نواسخ المبتدأ، وهي: كان وكاد وظن وأخواتها، ويشترط في هذا الفعل الناسخ ألا يكون نافيا مثل "ليس" ولا منفيا، مثل: "ما كان" وما زال وأخواتها، وأن يكون غير داخل في صلة مثل: "ما دام"، وتدخل اللام في خبر الناسخ الحالي، أو في خبره بحسب الأصل، وقد مثل لذلك المصنف، فإن كان غير ناسخ وهذا قليل دخلت على معموله، فاعلا كان أو مفعولا، ظاهرا أو ضميرا منفصلا، وقد مثل المصنف للفاعل بقسميه، وللمفعول الظاهر، نحو: إن قتلت لمسلما، وللمفعول المضمر، نحو قولك: وإن أهنت لإياه، فإن اجتمع الفاعل والمفعول دخلت على السابق منهما، بشرط ألا يكون ضميرا متصلا فإن كان ضميرا متصلا، لم تدخل عليه اللام، ودخلت على المتأخر، نحو: إن أكرمت لمصلحا كبيرا، وإن مدحت لإياه. التصريح: ١/ ٢٣١، وحاشية الصبان: ١/ ٢٨٩، وابن عقيل: "ط. دار الفكر": ١/ ٢٩٤.
[ ١ / ٣٥٣ ]
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ ١، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢، وأكثر منه كونه ماضٍيا ناسخا، نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةٌ﴾ ٣، ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ٤، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ ٥، وندر كونه ماضٍيا غير ناسخ،
_________________
(١) ١ "٦٨" سورة القلم، الآية: ٥١. موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "يكاد" المضارع الناسخ بعد "إن" المخففة المهملة، ودخلت اللام على الجزء الثاني من معمولي "يكاد"، ودخول المضارع الناسخ بعد "إن" المخففة المهملة جائز بكثرة. ٢ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ١٨٦. موطن الشاهد: ﴿إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: "وقوع المضارع الناسخ "نظنك" بعد "إن المخففة المهملة، ودخول اللام على خبر الفعل الناسخ "الجار والمجرور". ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٤٣. موطن الشاهد: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "كان" وهو ماضٍ ناسخ بعد "إن" المخففة، ودخول اللام على الجزء الثاني من معمولي كان "على خبره"، وحكم دخول الماضي الناسخ بعد إن المخففة المهملة أكثر من دخول المضارع الناسخ، كما في المتن. ٤ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ٥٦. موطن الشاهد: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "كاد" الماضي الناسخ بعد "إن" المخففة المهملة، ودخول اللام على خبره، وهو جملة "تردين". ٥ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٠٢. موطن الشاهد: ﴿إِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع الفعل الناسخ بعد "إن" المخففة المهملة، وهو فعل "وجد" الماضي، ودخول اللام على المفعول الثاني "فاسقين".
[ ١ / ٣٥٤ ]
كقوله١: [الكامل]
١٤٧- شَلَّتْ يمينُك إن قتلتَ لَمُسلِمًا٢
_________________
(١) ١ هي: عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية، وهي بنت عم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، شاعرة صحابية من المهاجرات تزوجها الزبير بن العوام. الأعلام: ٣/ ٢٤٢، الخزانة: ١٠/ ٣٧٨، الإصابة: ت: ٦٩٥ قسم النساء. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قولها: حلت عليك عقوبة المتعمد وفيه ترثي الشاعرة زوجها الزبير بن العوام ﵁، وتدعو على عمرو بن جرموز قاتله قبل يوم الجمل، وكان قد رآه نائما تحت شجرة، قد علق سيفه، فاستله، وقطع رأسه وقيل الشاهد قولها: يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعد الجنان ولا اليدِ وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٣١، وابن عقيل: "١٠٤/ ١/ ٣٨٢"، والأشموني: "٢٧٩/ ١/ ١٤٥"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٢، والدرر اللوامع: ١/ ١١٩، والمحتسب: ٢/ ٢٥٥، وشرح المفصل: ٨/ ٧١، ٧٢، ٧٦، والمقرب: ٢٠، والإنصاف: ٦٤، والعيني: ٢/ ٤٧٨، وخزانة الأدب: ٤/ ٣٤٨، ومغني اللبيب: "٢١/ ٣٧" وشرح السيوطي: ٢٦. المفردات الغريبة: شلت: "بفتح الشين" إخبار ومعناه الدعاء، وشلت على ما لم يسم فاعله لغة رديئة. حلت عليك: نزلت بك، ويروي مكانه: وجبت عليك. المعنى: تدعو عاتكة على ابن جرموز لفعلته الشنعاء، فتقول: أشلَّ الله يدك أيها القاتل؛ لأنك قتلت مسلما بغير حق، ووجبت عليك عقوبة القتل المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ . الإعراب: شلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. يمينك: فاعل مرفوع، والكاف: مضاف إليه. إن: مخففة من الثقيلة مهملة. فعل ماضٍ "غير ناسخ" والتاء: فاعله. لمسلما: اللام لام الابتداء، ومسلما: مفعول به منصوب. موطن الشاهد: "إن قتلت لمسلما". وجه الاستشهاد: مجيء فعل غير ناسخ بعد "إن" المخففة من الثقيلة المهملة، وحكم مجيء الفعل غير الناسخ بعد المهملة نادر، ولا يقاس عليه، خلافا للأخفش الذي لا يرى بأسا بدخول الفعل غير الناسخ بعدها. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٣١. فائدة: يعلل النحويون سبب مجيء الفعل الناسخ بعد "إن" المخففة بأن "إن" كانت مختصة بالدخول على المبتدأ والخبر، فلما ضعفت بالتخفيف، وزال اختصاصها؛ عوضوها بفعل ناسخ يختص بالمبتدأ والخبر، ولهذا كثر مجيء الأفعال الناسخة المضارعة والماضية بعدها كما رأينا.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ولا يقاس عليه: "إن قام لأنا، وإن قعد لزيد"، خلافا للأخفش والكوفيين١، وأندر منه كونه لا ماضيا ولا ناسخا كقوله: "إن يزينك لنفسك، وإن يسيئك لهيه"٢.
[تخفف "أن" المفتوحة ويبقى عملها:]
وتخفف "أن"المفتوحة فيبقى العمل، ولكن يجب في اسمها كونه مضمرا محذوفا٣،
_________________
(١) ١ المشهور عن الكوفيين، أنهم لا يجيزون تخفيف "إن" المكسورة، ويؤولون ما ورد منها على أن "إن" نافية بمنزلة "ما" واللام إيجابية بمنزلة "إلا" فمعنى: "إن قام لأنا": ما قام إلا أنا. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٣٢، وحاشية الصبان: ١/ ٢٩٠، ومغني اللبيب: ٣٠٥-٣٠٦. ٢ هذا مثال للفاعل بقسميه، فإن "نفس" اسم ظاهر فاعل "يزينك"، و"هيه" ضمير بارز فاعل "يشين" والهاء للسكت، ومعنى المثل: إن نفسك، هي التي تزينك، وهي التي تشينك، ومجيء المضارع غير الناسخ "بعد" المخففة شاذ، ولا يقاس عليه بإجماع النحاة. فائدة: لـ "اللام" بعد إن المخففة ثلاث حالات: الأولى: وجوب ذكرها عند انعدام القرينة، نحو: "إن محمد لمسافر" في حالة الإهمال، وكون اسمها وخبرها مفردين. الثانية: وجوب تركها في حال وجود المانع، نحو: "إن محمد لن يسافر" في حالة الإهمال؛ لِتقدم "لن" على الفعل. الثالثة: جواز الأمرين، عند وجود قرينة، تدل على نوع "إن" أهي مخففة أم نافية، نحو: إن المؤمنين لفائزون، ويجوز: إن المؤمنين فائزون. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٣٢. ٣ الذي اشترط في أن المخففة، أن يكون اسمها ضمير شأن محذوفا -من النحاة- وهو ابن الحاجب، فأما الناظم، والجمهور، فلم يشترطوا فيه ذلك؛ لأنهم رأوا أن ضمير الشأن خارج عن القياس، فلا يحمل الكلام عليه، والغالب أن يكون للشأن؛ ومن أجل ذلك قدر سيبويه في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أنك يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. التصريح: ١/ ٢٣٢، وحاشية الصبان: ١/ ٢٩٠.
[ ١ / ٣٥٦ ]
فأما قوله١:
١٤٨- بِأَنْكَ ربيع وغيث مريع وأَنْكَ هناك تكون الثمالا٢
فضرورة.
_________________
(١) ١ هي جنوب بنت العجلان بن عامر الهذلية، شاعرة جاهلية، وهي أخت عمرو بن العجلان بن عامر بن برد بن منبه، أحد بني كاهل والمسمى ذا الكلب. الخزانة: ١/ ٣٩٠. ٢ تخريج الشاهد: البيت في رثاء أخيها عمرو الملقب "ذا الكلب"، وقد جاءت روايته في شعر الهذليين، هكذا: بأنَّك كنت الربيع المريع وكنت لمن يعتفيك الثمالا ويروى قبله قولها: لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا والبيت الشاهد من شواهد التصريح: ١/ ٢٣٢، والأشموني: "٢٨١/ ١/ ١٤٦" وشرح المفصل: ٨/ ٧٥، والخزانة: ٤/ ٣٥٢، وحماسة ابن الشجري: ٧٣، والإنصاف: ٢٧ وزهر الآداب، للحصري: ٧٩٥، ومغني اللبيب "٣٨/ ٤٧"، والسيوطي: ٧٩. وقطر الندى: "٥٨/ ٢٠٧". المفردات الغريبة: غيث: أصل الغيث المطر، ولكنها أرادت به هنا الكلأ. مريع: "بفتح الميم وكسر الراء" يقال: أرض مريعة، أي: مخصبة كثيرة النبات، الثمال: الذخر والملجأ. المعنى: لقد علم الضيف، وكل من لا زاد معه -إذا أظلم الجو، وهبت ريح الشمال الباردة التي تقضي على الزرع- بأنك كثير النفع، متصل العطاء، وأنك الملجأ والغوث لكل وافد عليك. الإعراب: بأنك: الباء حرف جر، أن: مخففة من الثقيلة، والكاف: اسمها. ربيع: خبرها. وغيث: معطوف على ربيع. مريع: صفة لـ "غيث"، والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر بالباء، و"الجار والمجرور": متعلق بفعل "علم" في البيت السابق، والتقدير: علم الضيف بكونك ربيعا. وأنك: الواو عاطفة. أن: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمه: "هناك" متعلق بـ "تكون"، أو بالثمال الآتي. والكاف: حرف خطاب. تكون: فعل مضارع ناقص، واسمه: أنت. الثمالا: خبر تكون منصوب، والألف: للإطلاق، وجملة "تكون مع اسمها وخبرها": في محل رفع خبر "أن" المخففة. موطن الشاهد: "بأنك ربيع، وأنك تكون". وجه الاستشهاد: مجيء اسم "أن" المؤكدة المخففة من الثقيلة في الموضعين ضمير مخاطب، ومذكور في الكلام، والغالب أن يكون ضمير شأن، وأن يكون محذوفا، والشاهد -عند الجمهور- شاذ أو ضرورة، وعلمنا أن ابن مالك جوز أن يكون اسمها ضمير شأن، أو ضميرا غير ضمير الشأن، لكنه أوجب حذفه بكل حال، وعنده، يكون الشذوذ من وجه واحد، وهو ذكر الاسم، وفي قوله: "بأنك ربيع" يوجد شذوذ آخر عند سيبويه وابن الحاجب، وهو مجيء خبر "أن" المخففة مفردا، ومذهبهما أن يكون جملة. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ويجب في خبرها أن يكون جملة١، ثم إن كانت اسمية أو فعلية فِعْلُها جامد أو دعاء لم تحتج لفاصل، نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٣، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ ٤، ويجب
_________________
(١) ١ هذا إذا كان الاسم محذوفا، فإن ذكر كون الخبر جملة، وكونه مفردا، وقد اجتمعا في البيت السابق: بأنك ربيع ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ١٠. موطن الشاهد: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الجملة بعد "أن" المخففة على من غير فاصل وهذا على اعتبار "أن" مخففة لا تفسيرية، واسم "أن" ضمير الشأن المحذوف، والتقدير: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ٣ "٥٣" سورة النجم، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: ﴿أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الجملة بعد "أن" المخففة جملة فعلية، فعلها جامد، ولم يفصل بينها وبين "أن" فاصل، واسم "أن" ضمير الشأن المحذوف، والتقدير: أنه ليس للإنسان ٤ "٢٤" سورة النور، الآية: ٩. أوجه القراءات: قرأ حفص: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ﴾ بالنصب على تأويل، وتشهد الخامسة، وقرأ الباقون "والخامسةُ" بالرفع على الابتداء، وقرأ نافع "أن لعنة" بتخفيف نون "أن" ورفع "لعنة" على الابتداء، وقرأ نافع "أن غضب" بتخفيف النون، وكسر الضاد وفتح الباء، والله على هذا فاعل غضب. وقرأ الباقون: أن لعنة الله عليها، وأن غضب الله عليها. توجيه القراءات: على قراءة أن غضب الله عليها بتخفيف النون، قال سيبويه: "ها هنا هاء مضمرة"، وأن "خفيفة من الثقيلة"، والمعنى: لأنه غضب الله عليها. حجة القراءات: ٤٩٥-٤٩٦، والبحر المحيط: ٦/ ٤٣٤، والكشاف: ٢/ ٥٢.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الفصل في غيرهن١ بقد، نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ٢، أو تنفيس نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُون﴾ ٣، أو نفي بلا، أو لن، أو لم، نحو: ﴿وَحَسِبُوْا أَنْ لَاْ تَكُوْنَ
_________________
(١) ١ إن الداعي إلى التزام الفصل بين أن المفتوحة المخففة من الثقيلة وبين خبرها إذا لم يكن جملة اسمية، أو فعلية، فعلها جامد أو دعاء، بواحد من الفواصل التي ذكرها أمران: أولهما: أن يكون ذلك الفصل عوضا مما فقدته، وذلك؛ لأنهم خففوها وحذفوا اسمها، وثانيهما: مخافة الالتباس بأن المصدرية، وذلك، كما التزموا اللام مع المكسورة دفعا لـ "الالتباس بأن النافية"، ولما كانت أن المصدرية لا تدخل على الجملة الاسمية، ولا على الفعل الجامد، ولا على فعل الدعاء، لم يجيئوا بفاصل، من هذه الأنواع الثلاثة: لأنهم بمأمن من الالتباس الذي يحذرونه، وكان علم المخاطب بأن هذا المكان، مما لا تأتي فيه أن المصدرية كافيا عندهم، فلم يحتاجوا معه إلى دليل آخر. شرح التصريح، وحاشية يس: ١/ ٢٣٢-٢٣٣ حاشية الصبان: ١/ ٢٩١- ٢٩٢، وابن عقيل: "ط. دار الفكر" "١/ ٢٩٧. ٢ "٥" سورة المائدة، الآية: ١١٣. موطن الشاهد: ﴿أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف، وقد فصل بينها وبين الجملة الواقعة خبرا لها بـ "قد"، وقد فصل بـ "قد" لأنها تقرب الماضي من الحاضر. ٣ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ٢٠. موطن الشاهد: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف، وفصل بينها وبين الجملة الواقعة خبرا لها بالسين "حرف التنفيس"، والفصل بـ "السين"؛ لِئلا تلتبس "أن" المخففة بأن المصدرية. وشاهد "سوف" قول الشاعر: واعلم؛ فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا وقول قيس بن رفاعة: فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
[ ١ / ٣٥٩ ]
فِتْنَةً﴾ ١، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ٢، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ٣، أو لو، نحو: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ ٤، ويندر تركه، كقوله٥: [الخفيف]
١٤٩- علموا أن يؤملون فجادوا٦
_________________
(١) ١ ٥ سورة المائدة، الآية: ٧١. موطن الشاهد: "أن لا تكون". وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف، وقد فصل بينها وبين خبرها الواقع جملة بـ "لا" النافية، وهذا على قراءة من ضم نون تكون. ٢ "٩٠" سورة البلة، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿أَنْ لَنْ يَقْدِرَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف، وقد فصل بينها وبين الجملة الواقعة خبرا لها بـ "لن" الناصبة. ٣ "٩٠" سورة البلد، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف، وقد فصل بينهما وبين الجملة الواقعة خبرا لها بـ "لم" النافية الجازمة. ٤ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٠٠. موطن الشاهد: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف، وقد فصل بينها وبين الجملة الواقعة خبرا لها بـ "لو". ٥ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: قبل أن يُسْألوا بأعظم سُؤلِ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٣، وابن عقيل: "١٠٧/ ١/ ٣٨٨"، والأشموني: "٢٨٤/ ١/ ١٤٧"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٠، والعيني: ٢/ ٢٩٤، وقطر الندى: "٥٧/ ٢٠٦". المفردات الغريبة: يؤملون: يرجون ويسألون. سؤل: مسئول ومطلوب. المعنى: علم هؤلاء الأجواد أن الناس يرجون معروفهم وبرهم، فجاودا من العطاء، قبل أن يحوجوهم إلى السؤال والطلب بأعظم مسئول ومرجوٍّ. الإعراب: علموا: فعل ماضٍ وفاعل. أن: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن =
[ ١ / ٣٦٠ ]
ولم يذكر "لو" في الفوصل إلا قليل من النحويين، وقول ابن الناظم: "إن الفصل بها قليل" وَهْمٌ منه على أبيه١.
_________________
(١) = المحذوف. يؤملون: فعل مضارع مبني للمجهول، مرفوع، والواو: نائب فاعل، وجملة، "يؤملون": في محل رفع خبر "أن" المخففة. فجادوا: الفاء عاطفة. جادوا: فعل ماضٍ وفاعل. "قبل": متعلق بـ "جاد". أن: حرف مصدري ونصب. يسألوا: فعل مضارع مبني للمجهول، منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: نائب فاعل، والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر بالإضافة. "بأعظم": متعلق بـ "جاد". سؤل: مضاف إليه. موطن الشاهد: "أن يؤملون". وجه الاستشهاد: مجيء "أن" المخففة من الثقيلة عاملة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وخبرها: جملة "يؤملون"، ولم يفصل بينها وبين الجملة الفعلية ذات الفعل المتصرف، وغير المفيد الدعاء، بفاصل، وحكم عدم الفصل بينها وبينه بفاصل نادر عند الجمهور. ١ أي: غلط، فإن نص عبارة الناظم: "وأكثر النحويين لم يذكروا الفصل بين "أن" المخففة وبين الفعل "بـ "لو"، وهذا لا ينافي ورودها كثيرا في الفصيح، وإلى هذا يشير الناظم: فالأحسن الفصل بقد، أو نفيٍ اوْ تنفيسٍ اوْ لو؛ وقليل ذكر لو ففهم ابنه "وقليل ذكر لو" أن مجيئها في الكلام العربي فاصلا قليل، وهذا الفهم، ليس مستقيما؛ لأنها وردت في القرآن الكريم، كما في الآية المستشهد بها، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، ولكن القليل هو ذكر النحاة لهذا الحرف في الفواصل، وهذا التعليق للمؤلف على ابن الناظم، غير أن عبارة ابن الناظم، ليس فيها ما ظن ابن هشام، بل هي واضحة الدلالة على ما يقصد والده، فهي "وأكثر النحويين لم يذكروا الفصل بين أن المخففة وبين الفعل بـ "لو" وإلى ذلك أشار بقوله: "وقليل ذكر لو". شرح التصريح: ١/ ٢٣٤. وخلاصة ما تقدم: أن الفعل غير الجامد، وغير الدعاء بعد "أن" المخففة المفتوحة الهمزة إما مثبت وإما منفي. وهو إما أن يكون ماضيا أو مضارعا، فالماضي المثبت يفصل بـ "قد"، نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، والمضارع المثبت، يفصل بالسين، أو سوف، كما في المتن، والماضي المنفي يفصل بـ "لا" نحو: عملت أن لا حضر زيد ولا اعتذر، والمضارع المنفي، يفصل بـ "لا" أو "لن" أو "لم" كما في المتن، وأما "لو" فتأتي فاصلا مع الماضي والمضارع. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٣٣.
[ ١ / ٣٦١ ]
[تخفف "كأن" ويبقى عملها]:
وتخفف "كأن" فيبقى أيضا إعمالها، لكن يجوز ثبوت اسمها١ وإفراد خبرها، كقوله٢: [مشطور الرجز]
١٥٠- كأنْ وريديه رشاءٌ خُلُبْ٣
وقوله٤: [الطويل]
١٥١- كأنْ ظبية تعطو إلى وارق السَّلَمْ٥
_________________
(١) ١ ويجوز حذفه، والغالب أن يكون ضمير الشأن، وقد يكون لغيره وإذا كان اسمه ضمير الشأن، وجب أن يكون خبرها جملة؛ لأن ضمير الشأن، لا بد له من جملة بعده تفسره. ٢ هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٤، سيبويه: ١/ ٤٨٠، والمقتضب: ١/ ٥٠، وشرح المفصل: ٨/ ٧٢، ٨٣، والمقرب: ٢٠، والخزانة: ٤/ ٣٥٦، والعيني: ٢/ ٢٩٩، واللسان "خلب" وملحقات ديوان رؤبة: ١٦٩. المفردات الغريبة: وريديه: عرقان في الرقبة. رشاء: بكسر الراء والمد، وهو مفرد، لا مثنى، وصحح الصاغاني أنه مثنى والرشاء: الحبل. خلب: بضم الخاء: الليف، وقيل: هو البئر العميق القعر. المعنى: كأن عرقي هذا الرجل المعروفين بالوريدين حبل من الليف في الغلظ وخشونة الملمس. الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل مخفف من "كأن" المثقلة. وريديه: اسم "كأن" منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والهاء: مضاف إليه: رشاء: خبر كأن مرفوع. خلب: صفة لـ "رشاء" مرفوعة وعلامة رفعها الضمة المقدرة، منع من ظهورها سكون الوقف. موطن الشاهد: "كأن وريديه رشاء". وجه الاستشهاد: مجيء "كأن" مخففة من الثقيلة، ومجيء اسمها مذكورا، وكذا خبرها الذي جاء مفردا غير جملة، وحكم ظهور اسمها، ومجيء خبرها مفردا الجواز من غير ضرورة ولا شذوذ. ٤ القائل هو: علباء بن أرقم اليشكري، أحد بني بكر بن وائل، شاعر جاهلي كان معاصرا للنعمان بن المنذر. الخزانة: ٤/ ٣٦٤، ومعجم الشعراء: ٣٠٤. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: =
[ ١ / ٣٦٢ ]
يروى بالرفع على حذف الاسم، أي: كأنها، وبالنصب على حذف الخبر، أي: كأن مكانها، وبالجر على أن الأصل كظبية، وزيد "أن" بينهما.
_________________
(١) = ويوما توافينا بوجه مقسم وفيه يذكر الشاعر امرأته، ويمدحها، وهو من شواهد. التصريح: ١/ ٢٣٤، والأشموني: "٢٨٧/ ١/ ١٤٧"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٠، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٨١، ٤٨١، وبالمنصف: ٣/ ١٢٨، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣، والإنصاف: ١/ ٢٠٢، وشرح المفصل: ٨/ ٧٢، ٨٣ والمقرب: ٢٠/ ١١٦، والخزانة: ٤/ ٣٦٤، ٤٨٩ واللسان "قسم" وشذور الذهب: "١٤٠/ ٢٧١"، والمغني: "٤١/ ٥١" والسيوطي: ٤١، وقطر الندى: "٥٩/ ٢٠٨". وقد نسب السيرافي البيت إلى أرقم بن علباء، كما نسبه النحاس إلى باعث بن صريم اليشكري. المفردات الغريبة: توافينا: تأتينا وتزورنا. وجه مقسم: جميل حسن. تعطو: تتناول أو تمد عنقها وتميله، وارق السلم: أي شجر السلم المورق، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والسلم: شجرة العضاه له شوك، ويروي مكانه: ناضر السلم. المعنى: يقول الشاعر: إن هذه المحبوبة تزورنا في بعض الأوقات، بوجه نضر جميل، وكأنها في حسن قوامها، وخفة حركتها ظبية، تتناول الورق من شجر السلم. الإعراب: "يوما" متعلق بـ "توافينا". توافينا: فعل مضارع، والفاعل: هي، والياء، مفعول به "بوجه": متعلق بـ "توافي". مقسم: صفة لـ "وجه" مجرورة. كأن: مخففة من الثقيلة. ظبية: "يروى بالرفع والنصب والجر": فعلى الرفع على أنه خبر "كأن" واسمها محذوف، والتقدير: كأنها ظبية، وعلى رواية النصب، فعلى أن ظبية اسم "كأن" والخبر محذوف، والتقدير: كأن ظبية مكانها، أو نحو ذلك، وعلى رواية الجر، فعلى أن الكاف من "كأن": حرف جر، و"أن": حرف زائد، وظبية مجرور بالكاف، والوجه الأول أفضل. تعطو: فعل مضارع مرفوع، والفاعل هي، و"الجملة" في محل رفع أو نصب أو جر صفة لـ "ظبية". "إلى وارق": متعلق بـ "تعطو". السلم: مضاف إليه. موطن الشاهد: "كأن ظبية". وجه الاستشهاد: حذف اسم "كأن" على رواية رفع ظبية من غير أن يكون ضمير شأن وإفراد خبرها على هذه الرواية، وأما على رواية نصب "ظبية" ففيه دليل على جواز ذكر اسم "كأن" المخففة في الكلام، والوجهان جائزان كما أسلفنا.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وإذا حذف الاسم وكان الخبر جملة اسمية لم يحتج لفاصل، كقوله١: [الهزج]
١٥٢- كأن ثدياه حقان٢
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، ويروى صدره هكذا: ووجه مشرق اللون ويروى أيضا: وصدر مشرق النحر وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٤، وابن عقيل: "١٠٨/ ١/ ٣٩١" والأشموني: "٢٨٦/ ١/ ١٤٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٠، وكتاب سيبويه: ١/ ٢٨١، ٢٨٣، والمحتسب: ١/ ٩، والمنصف: ٣/ ١٢٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٣٧، ٢/ ٣، ٢٤٣، والإنصاف: ١٩٧، وشرح المفصل: ٨/ ٧٢، والخزانة: ٤/ ٣٥٨، والعيني: ٢/ ٣٠٥، والشذور: "١٤١/ ٣٧٢" والقطر: "٦٠/ ٢٠٩". المفردات الغريبة: مشرق: مضيء. النحر: موضع القلادة من العنق. حقان: تثنية حق، وهو الوعاء المعروف. المعنى: هذه الفتاة لها صدر، أعلاه ناصع البياض كأن الثديين فيه حقان في الاستدارة والصغر. والعرب كثيرا ما تشبه الثدي بحق العاج. الإعراب: وصدر: الواو واو رب المحذوفة. صدر: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ. مشرق: صفة لـ "صدر". النحر: مضاف إليه. كأن: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف. ثدياه: مبتدأ، والهاء: مضاف إليه. حقان: خبر، وجملة "ثدياه حقان": في محل رفع خبر "كأن" المخففة، وجملة "كأن ثدياه حقان": في محل رفع خبر المبتدأ وعلى رواية كأن ثدييه حقان: فـ "ثدييه": اسم "كأن" منصوب، وحقان: خبر وعلى رواية وصدر، فالواو استئنافية، أو عاطفة، و"صدر" مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: ولها صدر. موطن الشاهد: "كأن ثدياه حقان". وجه الاستشهاد: حذف اسم "كأن" المخففة من الثقيلة، ومجيء خبرها جملة اسمية، ولم يفصل بينها وبين كأن فاصل، وهذا جائز على التغليب؛ لأنها لا تحتاج إلى فاصل، كما أسلفنا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وإن كانت الجملة فعلية١ فصلت بلم أو قد، نحو: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ٢، ونحو قوله٣: [الخفيف]
١٥٣- لا يهولَنَّكَ اصطلاء لظى الحر ب فمحذورها كأنْ قد أَلَمَّا٤
_________________
(١) ١ أي: فعلها غير جامد، وغير دعائي؛ قياسا على "أن". ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٣٤. موطن الشاهد: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "كأن" مخففة من الثقيلة، ومجيء خبرها جملة فعلية، فعلها مضارع ففصل بينهما بـ "لم". ٣ لم ينسب إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٥، والأشموني: "٢٨٨/ ١/ ١٤٨" والشذور "١٤٢/ ٢٨٦"، والعيني: ٢/ ٣٠٦. المفردات الغريبة: يهولنك، الهول: الفزع، يقال: هاله الأمر يهوله إذا أفزعه. اصطلاء: من اصطليت بالنار وتصلَّيت بها. لظى الحرب: نارها، وأراد شدائدها ومكروهاتها. محذورها: ما يحذر من أمرها. ألما: من الإلمام، وهو النزول، يقال: ألم به أمر: إذا نزل به. المعنى: لا يزعجنك اقتحام الحروب وويلاتها، فإن الذي تخشاه منها وتحذره وهو الموت لا بد منه، وكأنه نزل بك، فلا فائدة من التحرز عنه. الإعراب: لا يهولنك: لا ناهية، يهولنك: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لِاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بـ "لا" الناهية، ونون التوكيد؛ لِا محل لها من الإعراب، والكاف: مفعول به. اصطلاء: فاعل مرفوع. لظى: مضاف إليه. الحرب: مضاف إليه ثانٍ. فمحذورها: الفاء تعليلية، محذور، مبتدأ، و"ها": مضاف إليه. كأن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير غيبة -يعود إلى المحذور- محذوف، والتقدير: كأنه قد: حرف تحقيق. ألما: فعل ماضٍ، والفاعل هو، يعود إلى اسم كأن المحذوف، والألف: للإطلاق، وجملة "ألما" في محل رفع خبر "كأن" المخففة، وجملة "كأن وخبرها": في محل رفع خبر المبتدأ "محذور"، وجملة "المبتدأ وخبره": تعليلية، لا محل لها. موطن الشاهد: "كأن قد ألما". وجه الاستشهاد: مجيء "كأن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الغيبة المحذوف، ومجيء خبرها جملة فعلية، فعلها ماضٍ، ولذا، فصل بينهما بـ "قد" على القياس.
[ ١ / ٣٦٥ ]
[تخفف لكن فتهمل وجوبا]:
مسألة:
وتخفف "لكن" فتهمل وجوبا١، نحو: ﴿وَلَكِنِ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ٢ وعن يونس والأخفش جواز الإعمال٣.
_________________
(١) ١ لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية، فتدخل عليها وعلى الفعلية، وعلى المفرد، ومعناها باقٍ، وهو الاستدراك، وأما "لعل" فلا يجوز تخفيف لامها مطلقا. حاشية الصبان: ١/ ٢٩٤، والتصريح: ١/ ٢٣٥. ٢ "٨" سورة الأنفال، الآية: ١٧. موطن الشاهد: ﴿وَلَكِنِ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لكن" مخففة من الثقيلة مهملة؛ لِزوال اختصاصها بالجملة الاسمية لمباينة لفظها لفظ الفعل "لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وحكم إلغائها الوجوب عند الجمهور، وجاء عن يونس والأخفش جواز الإعمال قياسا على "أن" المخففة، ولم يسمع عن العرب، والفرق بينها وبين "أن" زوال الاختصاص. شرح التصريح: ١/ ٢٣٥. ٣ أي قياسا على "أن" المخففة العاملة، ومذهبهما في هذه المسألة فاسد لا يؤخذ به لما أوضحناه.
[ ١ / ٣٦٦ ]
فهرس الكتاب أوضح المسالك الجزء الأول:
الموضوع الصفحة
تمهيد ٣
مقدمة أوضح المسالك ٢٤
مقدمة المؤلف٢٩
باب شرح الكلام ٣٣
أنواع الفعل ٥١
باب المعرب والمبني ٥٤
أنواع البناء ٦٣
تعريف الإعراب وأنواعه ٦٤
الباب الأول: الأسماء الستة وشروط إعرابها ٧٢
الباب الثالث: إعراب جمع المذكر السالم وما ألحق به.. ٧٣
ما ألحق يجمع المذكر السالم ٧٤
الباب الرابع: إعراب الجمع بالألف
والتاء الزائدتين ٨٦
الباب الخامس: إعراب الاسم الذي لا ينصرف ٨٩
الباب السادس: إعراب الأفعال الخمسة ٩٢
الباب السابع: إعراب الفعل المضارع المعتل الآخر٩٣
باب النكرة والمعرفة ٩٨
باب العلم ١٢٩
باب اسم الإشارة ١٣٩
باب الموصول١٤٣
باب المعرفة بالأداة ١٨٠
باب المبتدأ والخبر ١٨٦
باب نواسخ الابتداء: كان وأخواتها ٢٢٦
باب أفعال المقاربة ٢٩٠
باب الأحرف المشبهة بالفعل ٣١٣
[ ١ / ٣٦٧ ]