قَالَ المُصَنِّفُ: «اعْلَمْ أَنَّ الإِعْرَابَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: عَلَى الرَّفْعِ، وَالنَّصْبِ، وَالجَرِّ، وَالجَزْمِ».
(الشَّرْحُ): الإِعْرَابُ - اصْطِلَاحًا -: هُوَ التَّغَيُّرُ فِي آخِرِ الكَلِمَةِ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ المَعَانِي المُخْتَلِفَةِ.
وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ: الرَّفْعُ، وَالنَّصْبُ، وَالجَرُّ، وَالجَزْمُ.
فَلَوْ قُلْتَ: (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا)، فَرَفَعْتَ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةِ (زَيْد) وَنَصَبْتَ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةِ (عَمْرو): فَإِنَّكَ أَرَدْتَ بِهَذِهِ العِبَارَةِ أَنَّ (زَيْدٌ)
- بِالرَّفْعِ - هُوَ الضَّارِبُ، وَ(عَمْرًا) - بِالنَّصْبِ - هُوَ المَضْرُوبُ.
وَلوَ عَكَسْتَ الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ، فَقُلْتَ: (ضَرَبَ زَيْدًا عَمْرٌو)، فَنَصَبْتَ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةِ (زَيْد) وَرَفَعْتَ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَةِ (عَمْرو)؛ فَإِنَّكَ أَرَدْتَ بِهَذِهِ العِبَارَةِ أَنَّ (زَيْدًا) - بِالنَّصْبِ - هُوَ المَضْرُوبُ، وَ(عَمْرٌو)
- بِالرَّفْعِ - هُوَ الضَّارِبُ.
وَبِهَذَا اخْتَلَفَ المَعْنَى فِي الجُمْلَتَيْنِ لاخْتِلَافِ أَوَاخِرِ الكَلِمَاتِ، فَهَذَا هُوَ الإِعْرَابُ؛ وَهُوَ تَمْيِيزُ المَعَانِي المُخْتَلِفَةِ؛ مِنْ فَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ - وَغَيْرِهَا مِنْ
[ ١٣ ]
أَبْوَابِ النَّحْوِ -.
وَهَذِهِ التَّسْمِيَاتُ لِلأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ هِيَ لأَوَاخِرِ الكَلِمَاتِ.
أَمَّا الَّتِي تَكُونُ عَلَى الأَحْرُفِ فِي أَوَّلِ الكَلِمَةِ وَوَسَطِهَا فَتُسَمَّى بِـ: الفَتْحِ، وَالضَّمِّ، وَالكَسْرِ، وَالسُّكُونِ.
فَإِذَا أَرَدْتَ ضَبْطَ كَلِمَةِ (جَعْفَرٍ) فِي قَوْلِكَ: (جَاءَ جَعْفَرٌ)؛ تَقُولُ: (جَعْفَرٌ: بِفَتْحِ الجِيمِ وَسُكُونِ العَيْنِ وَفَتْحِ الفَاءِ)، وَلَا تَقُولُ: (بِنَصْبِ الجِيمِ وَجَزْمِ العَيْنِ وَنَصْبِ الفَاءِ)؛ لأَنَّهَا ضَبْطٌ لِأَوَّلِ الكَلِمَةِ وَوَسَطِهَا، أَمَّا فِي إِعْرَابِهَا فَتَقُولُ: (جَعْفَرٌ) بِالرَّفْعِ؛ تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الحَرْفَ الأَخِيرَ مِنَ الكَلِمَةِ هُوَ بِالضَّمِّ، وَهُوَ الرَّاءُ، فَإِذَا أَرَدْتَ ذِكْرَ عَلَامَةِ الرَّفْعِ قُلْتَ: هِيَ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
قَالَ المُصَنِّفُ: «فَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا الأَسْمَاءُ وَالأَفْعَالُ، وَالخَفْضُ لِلأَسْمَاءِ خَاصَّةً دُونَ الأَفْعَالِ، وَالجَزْمُ لِلْأَفْعَالِ خَاصَّةً دُونَ الأَسْمَاءِ، فَإِعْرَابُ الأَسْمَاءِ: رَفْعٌ وَنَصْبٌ وَخَفْضٌ، وَلَا جَزْمَ فِيهَا، وَإِعْرَابُ الأَفْعَالِ: رَفْعٌ وَنَصْبٌ وَجَزْمٌ، وَلَا خَفْضَ فِيهَا».
(الشَّرْحُ): وَهَذِهِ الأَقْسَامُ الأَرْبَعَةُ لَيْسَتْ عَامَّةً لِكُلِّ كَلِمَةٍ - مِنَ اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ -، إِنَّمَا يَخْتَصُّ كُلُّ قِسْمٍ بِكَلِمَةٍ دُونَ أُخْرَى:
[ ١٤ ]
فَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ يَكُونَانِ فِي الأَسْمَاءِ وَالأَفْعَالِ.
أَمَّا الأَسْمَاءُ فَكَقَوْلِكَ: (السَّمَاءُ صَافِيَةٌ) وَ(إِنَّ السَّمَاءَ صَافِيَةٌ)؛ فَـ (السَّمَاء) اسْمٌ، وقَدْ صَحَّ رَفْعُهَا وَنَصْبُهَا فِي المِثَالَيْنِ.
وَأَمَّا الأَفْعَالُ؛ فَكَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ يَكْتُبُ) وَ(زَيْدٌ لَنْ يَكْتُبَ)؛ فَـ (يَكْتُب) فِعْلٌ، وَقَدْ صَحَّ رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ فِي المِثَالَيْنِ.
وَأَمَّا الجَرُّ فَيَخْتَصُّ بِالأَسْمَاءِ؛ كَقَوْلِكَ: (ذَهَبَ زَيْدٌ إِلَى المَدْرَسَةِ)؛ فَـ (المَدْرَسَةِ) اسْمٌ قَدْ صَحَّ جَرُّهَا، وَلَا يَصِحُّ هَذَا لِلْفِعْلِ.
وَأَمَّا الجَزْمُ فَيَخْتَصُّ بِالأَفْعَالِ، وَهَذَا كَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى المَدْرَسَةِ)، فَـ (يَذْهَبْ) فِعْلٌ، وَقَدْ صَحَّ جَزْمُهُ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِلأَسْمَاءِ.
وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ:
ـ فَإِنَّ الأَسْمَاءَ يَقَعُ فِيهَا الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالجَرُّ، وَلَا يَقَعُ فِيهَا الجَزْمُ.
ـ وَالأَفْعَالَ يَقَعُ فِيهَا الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالجَزْمُ وَلَا يَقَعُ فِيهَا الجَرُّ.
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالإِعْرَابِ؛ أَيْ: بِالكَلِمَاتِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ أَوَاخِرُهَا.
أَمَّا الكَلِمَاتُ الَّتِي يَكُونُ آخِرُهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يَتَغَيَّرُ؛ فَيُسَمَّى بِالبِنَاءِ، وَلَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ المُصَنِّفُ، وَهُوَ خِلَافُ الإِعْرَابِ؛ كَحُرُوفِ المَعَانِي - مَثَلًا -، فَهِيَ كُلُّهَا عَلَى البِنَاءِ؛ كَـ (لَمْ) وَ(لَنْ).
[ ١٥ ]
وَتَسْمِيَةُ أَقْسَامِ البِنَاءِ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي تَكُونُ فِي أَوَّلِ الكَلِمَةِ وَوَسَطِهَا، وَهِيَ: الضَّمُّ، وَالفَتْحُ، وَالكَسْرُ، وَالسُّكُونُ.
فَالضَّمُّ كَـ (حَيْثُ)، فَيُقَالُ: مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ.
وَالفَتْحُ كَـ (أَيْنَ) وَ(كَتَبَ)؛ فَيُقَالُ: مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ.
وَالسُّكُونُ كَـ (لَمْ) وَ(اكْتُبْ)؛ فَيُقَالُ: مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
وَالكَسْرَةُ كَـ (هَؤُلَاءِ)؛ فَيُقَالُ: مَبْنِيٌّ عَلَى الكَسْرِ.
فَالبِنَاءُ يَكُونُ عَلَى الضَّمِّ أَوِ الفَتْحِ أَوِ الكَسْرِ أَوِ السُّكُونِ.
وَالمَبْنِيَّاتُ هِيَ: حُرُوفُ المَعَانِي كُلُّهَا، وَالفِعْلُ المَاضِي، وَفِعْلُ الأَمْرِ، وَبَعْضُ أَحْوَالِ الفِعْلِ المُضَارِعِ، وَبَعْضُ الأَسْمَاءِ.
قَالَ المُصَنِّفُ: «وَرَفْعُ الاسْمِ الوَاحِدِ بِالضَّمَّةِ، وَنَصْبُهُ بِالفَتْحَةِ، وَخَفْضُهُ بِالكَسْرَةِ؛ تَقُولُ فِي الرَّفْعِ: (زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَبَكْرٌ)، وَتَقُولُ فِي النَّصْبِ: (زَيْدًا وَعَمْرًا وَبَكْرًا)، وَتَقُولُ فِي الخَفْضِ: (زَيْدٍ وَعَمْرٍو بَكْرٍ)، عَلَامَةُ الرَّفْعِ فِي هَذِهِ الأَسْمَاءِ: ضَمُّ آخِرِهَا، وَعَلَامَةُ النَّصْبِ: فَتْحُ آخِرِهَا، وَعَلَامَةُ الخَفْضِ: كَسْرُ آخِرِهَا».
(الشَّرْحُ): شَرَعَ المُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ حَالَاتِ الإِعْرَابِ؛ فَبَدَأَ فِي الاسْمِ الوَاحِدِ، ثُمَّ الأَسْمَاءِ الخَمْسَةِ المُعْتَلَّةِ، ثُمَّ جَعَلَ التَّثْنِيَةَ وَالجَمْعَ فِي بَابٍ وَاحِدٍ:
[ ١٦ ]
فَالاسْمُ الوَاحِدُ: هُوَ الاسْمُ المُفْرَدُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الوَاحِدِ وَالفَرْدِ؛ كَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ)؛ بِخِلَافِ قَوْلِكَ: (الزَّيْدَانِ) وَ(الزَّيْدُونَ).
فَالأَسْمَاءُ المُفْرَدَةُ يَكُونُ: رَفْعُهَا بِضَمِّ آخِرِهَا، وَنَصْبُهَا بِفَتْحِ آخِرِهَا، وَجَرُّهَا بِكَسْرِ آخِرِهَا؛ تَقُولُ: (بَكْرٌ وَبَكْرًا وَبَكْرٍ)، وَتَقُولُ: (عِلْمٌ) وَ(عِلْمًا) وَ(عِلْمٍ).
أَمَّا الرَّفْعُ؛ فَكَقَوْلِكَ: (جَاءَ بَكْرٌ) وَ(العِلْمُ نُورٌ)، فَعَلَامَةُ الرَّفْعِ فِي كُلٍّ مِنْ (بَكْرٌ) وَ(العِلْمُ): الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
وَأَمَّا النَّصْبُ؛ فَكَقَوْلِكَ: (عَلَّمَ زَيْدٌ بَكْرًا)، وَ(إِنَّ العِلْمَ نُورٌ)، فَعَلَامَةُ النَّصْبِ فِي (بَكْرًا) وَ(العِلْمَ): الفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
وَأَمَّا الجَرُّ؛ فَكَقَوْلِكَ: (مَرَرْتُ بِبَكْرٍ)، وَ(بِالعِلْمِ تَعْرِفُ الحَقَّ)، فَعَلَامَةُ الجَرِّ فِي (بِبَكْرٍ) وَ(بِالعِلْمِ): الكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
قَالَ المُصَنِّفُ: «وَخَمْسَةُ أَسْمَاءٍ مُعْتَلَّةٍ مُضَافَةٍ، رَفْعُهَا: بِالوَاوِ، وَنَصبُهَا: بِالأَلِفِ، وَخَفْضُهَا: بِاليَاءِ؛ وَهِيَ: (أَبُوكَ وَأَخُوكَ وَحَمُوكَ وَفُوكَ وَذُو مَالٍ)، وَالنَّصْبُ: (أَبَاكَ وَأَخَاكَ وَحَمَاكَ وَفَاكَ وَذَا مَالٍ)، وَالخَفْضُ: (أَبِيكَ وَأَخِيكَ وَحَمِيكَ وَفِيكَ وَذِي مَالٍ)».
(الشَّرْحُ): الأَسْمَاءُ الخَمْسَةُ هِيَ: (أَبٌ وَأَخٌ وَحَمٌ وَفُو وَذُو).
[ ١٧ ]
وَلِهَذِهِ الأَسْمَاءِ حَالَةٌ إِعْرَابِيَّةٌ خَاصَّةٌ بِشَرْطِ أَنْ يَأْتِي هَذَا الاسْمُ مُفْرَدًا مُضَافًا؛ كَقَوْلِكَ: (أَبُوكَ) أَوْ (أَبُوهُ) أَوْ (أَبُو فُلَانٍ)، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ الأَسْمَاءَ المَذْكُورَةَ الأُخْرَى.
وَهَذِهِ الأَسْمَاءُ الخَمْسَةُ المُعْتَلَّةُ المُضَافَةُ: تُرْفَعُ بِالوَاوِ، وَتُنْصَبُ بِالأَلِفِ، وَتُجَرُّ بِاليَاءِ.
أَمَّا الرَّفْعُ؛ فَكَقَوْلِكَ: (أَخُوكَ مُسَافِرٌ)، وَأَصْلُ الكَلَامِ: (الأَخُ مُسَافِرٌ)، وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَلَمَّا جَاءَ الاسْمُ المُعْتَلُّ مُضَافًا تَغَيَّرَ الرَّفْعُ مِنَ الضَّمَّةِ إِلَى الوَاوِ.
وَأَمَّا النَّصْبُ؛ فَكَقَوْلِكَ: (إِنَّ أَخَاكَ مُسَافِرٌ)، وَأَصْلُ الكَلَامِ: (إِنَّ الأَخَ مُسَافِرٌ)، وَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَلَمَّا جَاءَ الاسْمُ المُعْتَلُّ مُضَافًا تَغَيَّرَ النَّصْبُ مِنَ الفَتْحَةِ إِلَى الأَلِفِ.
أَمَّا الجَرُّ؛ فَكَقَوْلِكَ: (مَرَرْتُ بِأَخِيكَ المُسَافِرِ)، وَأَصْلُ الكَلَامِ: (مَرَرْتُ بِالأَخِ المُسَافِرِ)، وَهُوَ مَجْرُورٌ، وَلَمَّا جَاءَ الاسْمُ المُعْتَلُّ مُضَافًا تَغَيَّرَ الجَرُّ مِنَ الكَسْرَةِ إِلَى اليَاءِ.
وَعَلَى الأَمْثِلَةِ الثَّلاثَةِ قِسِ الأَسْمَاءَ المُعْتَلَّةَ الأُخْرَى؛ فَبِالرَّفْعِ تَقُولُ: (أَبُوكَ وَأَخُوكَ وَحَمُوكَ وَفُوكَ وَذُو مَالٍ)، وَبِالنَّصْبِ تَقُولُ: (أَبَاكَ وَأَخَاكَ
[ ١٨ ]
وَحَمَاكَ وَفَاكَ وَذَا مَالٍ)، وَبِالجَرِّ تَقُولُ: (أَبِيكَ وَأَخِيكَ وَحَمِيكَ وَفِيكَ وَذِي مَالٍ)».
[ ١٩ ]