الأسماء المجرورة على ضربين ضرب ينجر بحرف جر وضرب ينجر بإضافة اسم مثله إليه.
فأما ما ينجر بحروف الجر فنحو ما ينجر بعد من نحو: خرجتُ مِن الكوفةِ إلى البصرةِ. فهي لابتداء الغاية. وتكون للتبغيض.
وتكون زائدة في نحو: ما جاءني من أحدٍ. وإلى معناها الغاية. وفي معناها الوعاء وذلك نحو: المالُ في الكِيِس، واللص في الحبسِ. ويتسع فيها فيقال: زيدٌ ينظرُ في العلم، وأنا في حاجتكَ. والباء معناها الإلصاق والاختلاط كقولك: كتبتُ بالقلم، وعمل النجار بالقدوم. وتكون زائدة في قولهم: كفى بالله، وبحسبك أن تفعل، وألقى يده وألقى بيده. واللام ومعناها التحقيق والملك. ومنها رب وهي في التقليل نظيره كم في التكثير. فإذا دخلت على النكرة الظاهرة لزمتها الصفة.
وذلك قولك: رب رجلٍ يفهم، ورب رجلٍ في الدار. فموضع رب مع المجرور بها في موضع نصب. والفعل الذي يتعلق به قد يحذف في كثير من الأمر للعلم به لأنها تستعمل جوابًا وتقديره: رب رجلٍ
[ ٢٥١ ]
يفهم أدركت أو لقيت. فتحذف كما حذف ما يتعلق به الجار للدلالة عليه في نحو قوله ﷿ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] ولم يذكر مرسلا لدلالة الحال على ذلك. ومما عمل فيه ربّ قول الأعشى:
(رب رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشرٍ أقتال)
فقوله: من معشر أقتال لا يكون إلا متعلقًا بمحذوف ولا يكون من صلة قوله: أسرى لأن الأسرى معطوف على رب فكما أن ما تعمل فيه رب لا بد له من صفة فكذلك ما يعطف عليه.
[ ٢٥٢ ]
وقالوا: ربه رجلًا، فأضمروا معه قبل الذكر على شريطة التفسير كما فعلوا ذلك في: نعم رجلًا. وإنما دخلت رب على هذا الضمير وهي إنما تدخل على النكرات من أجل أن هذا الضمير ليس بمقصود قصده فلما كان غير معين أشبه النكرة فصار في حكمها.
وقد كفوا رب بما في قولهم: ربما. كما كفوا بها غيرها ولما كانت رب إنما تأتي لما مضى وجب أن تكون ربما كذلك أيضًا تدخل على الماضي كقوله:
(ربما أوفيت في علمٍ ترفعن ثوبي شمالات)
[ ٢٥٣ ]
وقد يقع المضارع بعدها على تأويل الحكاية وذلك نحو قوله ﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] وهذا حكاية حال تكون كما جاء: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]. ولا يكون هذا على إضمار كان في قياس قوله سيبويه.
وقد أضمروا رب بعد الواو في نحو قوله:
(وقاتم الأعماق خاوي المخترق)
[ ٢٥٤ ]
وهذا ضرب آخر من حروف الجر
وهو ما كان غير ملازم للجر. فمن ذلك الواو والتاء وحتى. فأما الواو فهي التي تستعمل في القسم وهي عندهم بدل من الباء التي توصل الحلف إلى المحلوف به نحو: أحلف بالله. وإنما تستعمل مع الاسم المظهر. فإذا كنيت عن المحلوف به رددت الباء فقلت: به لأفعلن. وأنشد أبو زيد:
(رأى برقًا فأوضع فوق بكرٍ فلا بك ما أسأل ولا أغاما)
والتاء في نحو: تالله لأفعلن ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وهي عندهم بدل من الواو كما كانت في تجاهٍ بدلا من الواو في واجهت ولا تستعمل إلا في اسم الله تعالى كما لم تستعمل التاء في أسنتو إلا في خلاف الخصب ولا تدخل في غير اسم الله.
[ ٢٥٥ ]