الابتداء وصف في الاسم المبتدإ يرتفع به. وصفة الاسم المبتدإ أن يكون معري من العوامل الظاهرة، ومسندًا إليه شيء ومثاله: زيد منطلق، وعمرو ذاهب، والعلم حسن والجهل قبيح، فزيد ارتفع بتعريه من العوامل الظاهرة [من] نحو: إن، وكان، وظننت، وإسناد الانطلاقي، والذهاب ونحو ذلك إليه. ومن الأسماء المرتفعة المرتفعة بالابتداء الاسم الوقع بعد لولا في نحو قولك: لولا زيد لذهب عمرو. فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف، كأنه قال: لولا زيد حاضر أو مقيم، ولولا هذه هي التي معناها امتناع الشيء لوجود غيره، وذلك أن ذهاب عمرو امتنع لوجود غيره. وليست لولا هذه التي معناها التحضيض (نحو قولك: لولا أعطيت زيدًا، ولولا أخذت عمرًا). كقوله:
(تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بنى ضو طري لولا الكمي المقنعا)
[ ٢٩ ]
لأن الاسم بعد لولا هذه لا يرتفع بالابتداء من حيث كان معناها التحضيض. والتحضيض يقع على الفعل، والابتداء يختص به الاسم. فإذن لا يقع الاسم (المبتدأ) بعد لولا هذه التي للتحضيض كما لا يقع بعد أن التي للشرط والجزاء نحو: إن الله أمكنني من فلان [قتلته] ولا بعد إذا في نحو: إذا السماء انشقت". فإنما هذه الأسماء بعد هذه الحروف محمولة على الفعل دون الابتداء [كأنه إذا قال: إن أمكنني الله، فتقديره: إن أمكنني الله أمكنني، فأخر الفعل لأن ما ظهر يدل عليه وبعنى عنه]. ومما يرتفع من السماء بالابتداء زيد في قولهم: أين زيد وكيف عمرو فعمرو وزيد يرتفعان بالابتداء وكيف وأين خبران لمبتدإ قدما عليها لما فيهما
[ ٣٠ ]
من معنى الاستفهام. والاستفهام لا يتقدم عليه ما كان في حيزه. وتقول: متى الخروج، ومتى الصيام ولا يجوز: متى زيد، كما لا يجوز: زيد يوم الجمعة، لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث، ظروف الأمكنة تتضمن الأحداث والجثث. ومما يرتفع بالابتداء قولهم عبد الله نحو: عبد الله ضربته وبكر مررت به. والاختيار (الجيد) في عبد الله الرفع، وضربته في موضع خبره. ويجوز أن تنصب عبد الله بفعل مضمر يكون [جوابه] الذي ظهر تفسيره كأنه قال: ضربت عبد الله ضربته، أو أهنت عبد الله ضربته. فاستغنى عن إظهار هذا الفعل لدلالة الثاني عليه. فما جاء على ذلك قوله تعالى: ﴿والقمر قدرناه منازل﴾ فإن عطف هذا الاسم الذي يختار فيه الرفع بالابتداء على فعل وفاعل اختبر فيه النصب وذلك قولك: قام عبد الله وزيدًا ضربته، وسرت اليوم وبكرًا لقيته، ومثل ذلك قوله ﷿ ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانيةً ابتدعوها﴾ فقوله: ﴿ورهبانية﴾ محمول على فعل كأنه
[ ٣١ ]
قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها. ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلها مع وصفها بقوله: ابتدعوها لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم. وجعل هذه هي التي تتعدى إلى مفعول واحد لأنه بمنزلة عمل، كقوله ﷿: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾. وجعل فعل استُعمل على ثلاثة أضرب: أحدهما يتعدى إلى مفعول واحد وهو ما تقدم ذكره. والثاني أن يكون بمعنى التسمية فيتعدى إلى مفعولين كقوله ﷿: ﴿وجعل الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا﴾ وكقول القائل: جعلت البصرة بغداد، وجعلت حسنى قبيحًا. فهذا في الإعمال كحسبت وظننت في أن المفعول الثاني هو المفعول الأول. والثالث أن يكون بمعنى ألقيت كقولهم: جعلت متاعك
[ ٣٢ ]
بعضه على بعض. أي ألقيت. قال الله ﷿: ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ﴾ فهذا الضرب تتعدى فيه جعل إلى مفعولين وليس الثاني فيه هو الأول كما كان في الباب الذي قبله ولكن كقولهم: أمرتك بالخير واستغفر الله من ذنبٍ، في أن الفعل يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر. ولجعل قسم آخر وهو أن تستعمل استعمال الأفعال التي لمقاربة الفعل، والأخذ فيه كقولهم: جعل يقول، وطفق يفعل، وأخذ يقول، وكربت تغيب. وقال الشاعر:
(وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي فأنهض نهض الشارب الثمل)
[ ٣٣ ]
وأنشد سيبويه:
(وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهماها يقرع العظم نابها)
ومما يرتفع فيه الاسم بالابتداء قولهم: ضربي زيدًا قائمًا، وأكثر شُربي السويق ملتويًا، وأخطب ما يكون الأمير قائمًا. فضربي، وأكثر، وأخطب يرتفع بالابتداء وقائما سد مسد خبر المبتدإ والتقدير: ضربي زيدًا إذ كان قائمًا أو إذا كان قائمًا. زمن ذلك قولهم:
[ ٣٤ ]
أقائم أخوك، وأذاهب الزيدان. فقائم، وذاهب يرتفعان بالابتداء وأخوك. والزيدان (يرتفعان) بفعلهما. وقد سد الفاعلان في كل واحد من المسألتين مسد خبر المبتدإ وحسن ذلك وجاز من حيث كان المعنى: أيقوم أخوك، وأيذهب الزيدان. ومما يرتفع بالابتداء قولهم: كل رجلٍ وضيعته [أي
[ ٣٥ ]
مع ضيعته] فكل رفع بالابتداء والخبر محذوف، وأنت أعلم وربك وحسن حذف الخبر حيث طال الكلام، وكان معنى الواو كمعنى "مع" وتقول: مررت برجل سواء والعدم، فتعطف العدم على المضمر في سواء والأحسن أن تؤكد. وإن شئت رفعت سواء فقلت: سواء هو والعدم، فيرتفع هو بالابتداء والعدم معطوف عليه. وسواء خبر مقدم. ومما يرتفع بالابتداء قولهم: زيد أضربه، وعمر لا تكرمه فزيد يرتفع [ها] هنا بالابتداء والأحسن فيه النصب. فأما زيد ضربته وزيد لم أضربه، فالاختيار فيه الرفع ويجوز فيه النصب على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر.
[ ٣٦ ]