الحال يشبه الظرف من حيث كانت مفعولا فيها كما أن الظرف كذلك، وذلك قولك: جاءني زيد راكبا، وخرج عمرو مسرعا فمعنى هذا: خرج زيد في حال الإسراع [ووقت الإسراع] فأشبهت ظروف الزمان ولذلك عملت فيها المعاني التي ليست بأفعال محضة كما عملت في الظروف فقالوا: في الدار زيد قائما. فعمل فيها المعنى الذي هو: في الدار. ولم تكن كالظروف في عمل المعنى فيها تقدمت أو تأخرت لأنها مفعول صحيح والمفعول الصحيح إنما يعمل فيه الفعل المحض فلم يجيزوا: قائما في الدار زيد، كما أجازوا: كل يوم لك ثوب فأعلموا المعنى الذي هو لك في الظرف الذي هو: كل يوم لأن معنى الفعل أضعف من الفعل المحض وإذا كان الفعل المحض يضعف عمله
[ ١٩٩ ]
فيما تقدم عليه بدلالة قولهم. زيد ضربت. وامتناعهم من رفع زيد لو أخر فأوقع بعد ضرب، فأن يضعف عمل المعنى فيما تقدم عليه أجدر فذلك أجازوا: في الدار زيد قائما، وفي الدار قائما زيد ولم يجيزوا: قائما في الدار زيد لما تقدم على المعنى لأن هذا مفعول صحيح في الأصل وإنما شبه بالظرف للمشابهة التي بينهما فلا يجب أن يسوى به كما أن ما لا ينصرف لما أجرى مجرى الفعل للشبه العارض منه فيه لم يجب أن يسوى بينه وبين الفعل في جميع أحواله. وفي الحال شبه من التمييز أيضا. وذلك أن قولك: جاء زيد، يحتمل المجيء أن يكون على ضروب شتى وصفات مختلفة فإذا قال: راكبا، أو ماشيا فقد بين بالحال الإبهام الذي كان في المجيء. كما أنه إذا قال: امتلا الإناء ماء، فقد بين بالمفسر ما امتلأ منه الإناء فلذلك كان الحال نكرة، كما كا المميز كذلك فإن قلت: فقد قالوا: طلبته جهدك وطاقتك، ورجع عوده على بدئه وأرسلها العراك، وهذه معارف وهي أحوال. فالقول أن هذه الأشياء ليست أحوالا، وإنما الحال الفعل الذي وقعت هذه المصادر في موضعه فالتقدير: طلبته يجتهد، وأرسلها تعترك، فدل جهدك والعراك على يجتهد، وتعترك. فالفعل هو الحال في الحقيقة وهذه الألفلظ دالة عليه. ويدل على صحة ذلك أن المضمرة لم تقع أحوالا في شيء لأنه لا دلالة فيها على لفظ الفعل كما في ألفاظ المصادر دلالة عليها.
ألا ترى أنهم لم يجيزوا: مرورى بزيد حسن وهو بعمرو
[ ٢٠٠ ]
قبيح، وإن كان هو ضمير مروى لأن هو لا دلالة فيه على لفظ الفعل، كما في لفظ المصدر دلالة على لفظه. وإذا كان الأمر على هذا فقول من ذهب إلى أن خبر كان، والمفعول الثاني من ظننت أحوال فاسد لأنه قد يقع مضمرًا في نحو: كنته، وظنته إياه.
وقد سد الحال مسد خبر المبتدإ في نحو: ضر بى زيدًا قائمًا. وقولهم: هذا بسرًا أطيب منه تمرًا. فبسرًا وتمرًا انتصبا على الحال ومعنى الكلام: هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا. ولو قال: هذا بسر أطيب
[ ٢٠١ ]
منه عنب لم يجز النصب في البسر والعنب، كما جاز في البسر والرطب لأن البسر لا يتحول عنبًا كما يتحول رطبًا.
والحال على ضربين ضرب منتقل كقولنا: جاء زيد راكبًا وضرب غير منتقل كقوله ﷿: ﴿وهو الحق مصدقًا﴾.
[ ٢٠٢ ]