الظروف من المكان ليست كالظروف من الزمان في أن جميع الأفعال تتعدى إلى جميع ضروبه وإنما يتعدى الفعل الذي لا يتعدى إلى ما كان مبهما منها. ومعنى المبهم أن لا تكون لها نهاية معروفة ولا حدود محصورة كالجهات الست. فأما ما لم يكن منها مبهما فأن الفعل الذي لا يتعدى لا يتعدى إليه كما لا يتعدى إلى غير ذلك من أسماء الأشخاص الموقتة تقول: قمت أمامك، وسرت وراءك وخلفك [وقدامك] ويمينك ويسرتك وشامة زيد وكذلك عند لأنها أشد إبهاما من خلف وبابه.
فأما ما كان من الأماكن مخصوصا فإن الفعل الذي لا يتعدى لا يتعدى إليه لا تقول: قمت بغداد، ولا قمت السوق، ولا قمت المسجد لأن هذه الأماكن مخصوصة كزيد وعمرو وينفصل بعضها من بعض بصور وخلق فهي في ذلك كالأناسي ونحوهم من الجثث المخصوصة وكما لا يتعدى الفعل الذي لا يتعدى إلى الأناسي كذلك لا يتعدى إلى ما كان من الأماكن بمعناهم في الاختصاص.
[ ١٨١ ]
وقد يتسع فيحذف حرف الجر فيصل الفعل الذي لا يتعدى إلى ما كان مخصوصا من الأماكن وذلك نحو قول الشاعر:
(لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب)
وقال الآخر:
(فلا بغينكم قنا وعوارضا ولأقبلت الخيل لابة ضرغد)
والمعنى: كما عسل في الطريق، ولأبغينكم بقنا وعوارض. وقد استعملوا أسماء مخصوصة استعمال الظروف وحكم ذلك أن يحفظ ولا يقاس عليه وذلك قولهم: هما خطان جنابتي أنفها. ويعني الخطين اللذين اكتنفا أنف الظبية. وزيد مناط الثريا، وهو منى معقد الإزار فيريد به قرب المنزلة قال: كان منا بحيث تعكى الأزرة
[ ١٨٢ ]
وقال آخر:
كان مكان الثوب من حقويها
وفسر أبو عمر الأزار هاهنا المرأة فكأنه يريد أن قربه منه قرب المرأة وأنشد:
[ ١٨٣ ]
(ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاري)
واعلم أن هذه الظروف يجوز أن يتسع فيها فتنصب نصب المفعول به. فإن كنيت عنه وهو ظروف قلت: الذي سرت فيه يوم الجمعة. وإن كنيت عنه وقد اتسعت [فيه] ونصبته نصب المفعول به قلت: الذي سرته يوم الجمعة. وإذا أضفت إلى شيء منه فقلت: يا سرائر اليوم، وياضارب اليوم لم يكن إلا إسما، وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفا لأنها إذا كانت ظرفا كانت"في" مرادة فيها ومقدرة معها بدلالة ظهورها مع علامة الضمير. فإرادة ذلك فيها يمنع الإضافة إليها ألا ترى أنك إذا حلت بين المضاف والمضاف إليه بحرف جر نحو: غلام لزيد لم تصح الإضافة ومنع منها الحرف. فقوله تعالى: "بل مكر الليل والنهار" قد خرج الليل والنهار في اللفظ بالإضافة إليها عن أن يكون ظرفين وعلى ذلك قول الشاعر:
(تروحي أجدر أن قيلي غذدا بجنبي بارد ظليل)
[ ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٨٥ ]
ومثله قول الشاعر:
(رب ابن عم لسليمي مشمعل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل)
ومن ظروف المكان ما يستعمل اسما وظرفا. ومنها ما يستعمل ظرفا ولا يستعمل اسما فالأول كخلف وأمام والثاني نحو:
عند، وسوى وسواء ويدل على استعمالهم إياه اسما قوله:
[ ١٨٦ ]
(فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلففها وأمامها)
وقالوا: منازلهم يمينا وشمالا. وقال ﷿: ﴿عن اليمين وعن الشمال عزين﴾ ومن ذلك قوله:
(صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا)
[ ١٨٧ ]
فمن رفع مجراها بالابتداء كان اليمين في موضع الخبر كقولك: زيد عندك. ومن أبدل المجرى من الكأس جاز أن ينصب اليمين على وجهين:
أحدهما أن يجعل المجرى اليمين على الاتساع أو يريد" المجرى مجرى اليمين، فيحذف المضاف وقيم المضاف إليه مقامه.
والآخر أن يجعله ظرفا، فتنصب اليمين نصب الظروف ولا تنصبه بكان ويكون في موضع نصب بأنه خبر كان
[ ١٨٨ ]
ومما لا يكون إلا على حذف المضاف منه قوله الشاعر:
(كأن مجر الرامسات ذيولها عليه قضيم بمقته الصوانع)
وكذلك قول ذي الرمة:
[ ١٨٩ ]
(فظلت بملقى واحف جرع المعنى قياما تفالي مصلخما أميرها)
[ ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١٩١ ]