المصادر التي تعمل عمل الفعل على ثلاثة أضرب. أحدها أن تنون والآخر أن تضاف. والثالث أن تدخل عليه الألف واللام.
فمثال ما أعمل من المصادر وهو منون قولهم: أعجبني ضرب زيد عمرًا وإن شئت: ضرب عمرًا زيد فزيد يرتفع بالمصدر كما يرتفع بالفعل إذا قلت: ضرب زيد عمرًا، وينتصب به أيضا، ومما جاء من ذلك في القرآن قوله ﷿: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا﴾ وقوله: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما﴾ ويمكن أن يكون من هذا قوله ﷿: ﴿قد أنزل
[ ١٥٥ ]
الله إليكم ذكرا رسولا﴾ كأنه قال: لا يملك أن يرزق شيئا أو أن أطعم يتيمًا وأن ذكر رسولا.
ومما جاء في الشعر من ذلك قوله:
(فلولا رجاء النصر منك ورهبة عقابك قد صاروا لنا كالموارد)
ولو قلت: أعجبني ضرب زيد عمرًا اليوم عند زيد فجعلت الظرفين متعلقين بالمصدر لم يحز أن تقدمهما عليه. ولو جعلت اليوم متعلقا بأعجبني كأنك أردت أن الإعجاب كان [في] اليوم و[جعلت] قولك: عند زيد من صلة المصدر لم يجز لأنك فصلت بين الصلة والموصول
[ ١٥٦ ]
بشيء أجنبي [ليس] منهما. وذلك أن اليوم إذا كان من صلة أعجبني فلا ملابسة له بصلة المصدر. فإن جعلت ظرف المكان وهو قولك: عند زيد من صلة المصدر فقدمته فقلت: أعجبني ضرب زيد عمرا عند زيد اليوم جاز. وإن جعلته متعلقا بأعجبني مع اليوم جاز أيضا ولم يمتنع ان تقدمه على ضرب فتقول: أعجبني عند زيد ضرب زيدا عمرا واليوم ويجوز أيضا ان تقدمه على أعجبني فتقول: عند زيد أعجبني ضرب زيد عمرًا اليوم.
ومثال ما أعمل من المصادر عمل الفعل وهو مضاف قولك:
ضربي زيدًا حسن، وسرني ضرب عمرو خالدًا فما أضفت إليه المصدر من الفاعل والمفعول انجر بالإضافة إليه وجرى الاسم الآخر على أصله تقول:
أعجبني ضرب عمرو خالدا إذا كان عمرو فاعلا وضرب عمر وخالد إذا كان عمرو مفعولا. فمن إضافته إلى الفاعل قوله ﷿: ﴿ولولا دفع الله الناس﴾ ومن إضافته إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل قوله تعالى: ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾ وقوله
[ ١٥٧ ]
تعالى: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ ومما جاء من إضافته إلى المفعول ومعه الفاعل في الشعر قوله:
(أمن رسم دار مربع ومصيف لعينيك من ماء الشؤون وكيف)
وإذا أضفته إلى المفعول جاز أن تنصب المعطوف عليه وتحمله على المعنى، كما قلت في اسم الفاعل: هذا ضارب زيد وعمرًا، وعلى هذا قوله:
[ ١٥٨ ]
قد كنت داينت بها حسانا
مخافة الإفلاس والليانا
[يحسن بيع الأصل والقيانا]
ويجوز على هذا: أعجبني ضرب زيد وعمرو، فترفع عمرًا بحمله على المعنى إذا كان زيد فاعلا لأن موضعه إذا كان فاعلا رفع، وعلى هذا حمل وصفه على الموضع في قوله:
طلب المعقب حقه المظلوم
فالمعقب في المعنى فاعل.
[ ١٥٩ ]
ومثال ما أعمل من المصادر وفيه الألف واللام قولك: أعجبني الضرب زيدا عمرا، والشتم بكر خالدا قبيح، ومما جاء في الشعر من هذا قوله:
(ضعيف النكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل)
فهذا بمنزلة قولك: أن شتم بكر خالدا قبيح. وأقيس الوجوه الثلاثة في الإعمال الأول ثم المضاف. ولم أعلم شيئا من المصادر بالألف واللام معملا في التنزيل. ومن قال: عجبت من ضرب زيد عمرا، فأضاف المصدر إلى الفاعل لم يقل هذا اسم الفاعل [فتقول: عجبت من ضارب زيد كقولك: من ضرب زيد] لما يلزم فيه من إضافة الشيء إلى نفسه. وذلك أن ضاربا هو زيد في المعنى وليس الضرب إياه هو غيره.
[ ١٦٠ ]
فأما قوله:
(لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا)
فمن أنشد كررت كان على إعمال الضرب في مسمع. فإن قلت فهل يكون على أنه أراد: أنني كررت على مسمع فنصب كما قال:
[ ١٦١ ]
(كأنه واضح الأقراب في لقح أسمى بنهن وعزته الأناصيل)
يريد: عزت عليه. فلما حذف على أوصل الفعل فإن ذلك لا يحمل عليه ما وجد مندوحه عنه.
[ ١٦٢ ]