الأسماء المناداة على ضربين مفرد وغير مفرد. فالمفرد على ضربين معرفة ونكرة.
فالنكرة منصوبة في النداء وذلك قولك: يا رجلا، ويا غلامًا. فغلام ورجل في هذا الموضع يراد به الشائع الذي لم يختص بالقصد إليه وتوجه الخطاب نحوه كما يقول الأعمى: يا رجلًا خذ بيدى، ويا غلامًا أجرنى فلا يقصد بذلك غلامًا بعينه ولا رجلا.
وأما المعرفة فعلى ضربين أحدهما ما كان معرفة قبل النداء والآخر ما كان متعرفا في النداء لتوجه الخطاب إليه وتخصيصه به من بين جنسه. وكلا الضربين مبنى على الضم. فمثال الأول يا زيد، ويا عمرو، وقد
[ ٢٢٨ ]
نحذف "يا" من هذا النحو كما جاء في القرآن: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾. ومثال الثاني: يا رجل ويا غلام، ويا امرأة.
[ ٢٢٩ ]
فهذان الضربان بنيا على الضم لوقوعهما موقع أسماء الخطاب. وأسماء الخطاب يغلب عليها معاني الحروف بدلالة أن كل موضع تقع فيه أسماء يكون فيها دلالات على الخطاب. وقد تكون للخطاب مجردة من معاني الأسماء وذلك مثل الكاف في ذلك، وأولئك وهنالك والنجاك، والتاء في أنت. فلما وقعت هذه الأسماء في النداء مواقع الحروف، وما يغلب عليه شبه الحروف بنيت.
فأما المفرد النكرة فلم يبن لأنه لم يقع هذا الموقع بدلالة أن نداءه شائع. وكذلك المضاف لأن تعرفه بالإضافة دون الوقوع موقع حروف الخطاب. فإن وصفت المفرد بالمفرد كان في الوصف ضربان الرفع والنصب. فالرفع على اللفظ والنصب على الموضع. فمثال الرفع: يا زيد
[ ٢٣٠ ]
الظريف، ويا عمرو العاقل. ومثال النصب: يا عمرو العاقل. فإن وصفته بمضاف لم يكن في الصفة إلا النصب وذلك: يا زيد غلام عمرو، ويا بكر صاحب بشرٍ.
والدليل على جواز وصف المفرد المضموم في النداء وإن كان قد وقع موقع مالا يوصف من حروف الخطاب أنهم كما أجروه مجرى [أسماء] الخطاب فقد أجروه مجرى الأسماء المظهرة الموضوعة للغيبة وذلك في قولهم: يا تميم كلهم، فأضافوه إلى ضمير الغيبة، كما أضافوه إلى ضمير المخاطب
[ ٢٣١ ]
في قولهم: يا تميم كلكم والتأكيد في هذا كالصفة تقول: يا بكر أجمعون وأجمعين وعطف البيان كالصفة تقول: يا زيد زيد على اللفوظ. ويا زيد زيدًا، على الموضع:
فأما البدل فإنك تقول: يا زيد زيدأ قبل، فلا تنون زيدًا إذا أبدلت. وكذلك [تقول]: يا زيد أخانا. وتقول: يا زيد وعمرو فتعطف
[ ٢٣٢ ]
بالواو عمرًا على زيد. وتقول: يا زيد والحارث، وإن شئت نصبت فقلت: والحارث.
وتقول: يا أيها الرجل، ويا أيها الناس، فلا يجوز في الناس والرجل إلا الرفع. وليس بمنزلة: يا زيد الظريف، لأن الرجل ها هنا هو المقصود بالنداء.
[ ٢٣٣ ]
وأما غير المفرد من الأسماء المناداة فعلى ضربين: أحدهما ما كان مضافًا، والآخر ما أشبه المضاف لطوله.
فالمضاف كقولك: يا عبد الله، ويا غلام بكرٍ، ويا عبد امرأةٍ ويا رجل سوء. فإن وصفت المضاف بمفرد أو مضاف لم يكن إلا نصبًا لأنه لا موضع هنا مخالفًا للفظ كما كان في المفرد المضموم. فإن أبدلت من المضاف مفردًا ضمت المفرد فقلت: يا غلامنا زيد، فلم تنون زيدًا لأن البدل في التقدير من جملة أخرى. فكأنك قلت: يا زيد.
وأما المنادى المشابه للمضاف لطوله، فحكمه النصب كما كان المضاف كذلك. وذلك قولك: يا خيرًا من زيدٍ، ويا ضاربًا رجلًا فتنصب خيرًا وضاربا معرفة أردت به، أو نكرة. وإنما يكون معرفة إذا قصدت به إلى واحد بعينه، كما تقصد بقولك: يا رجل إلى مخصوص
[ ٢٣٤ ]
أو تجعله اسم شيء بعينه فيصير بمنزلة زيد في النداء. ألا ترى أنك لو سميت رجلا ثلاثة وثلاثين لقلت: يا ثلاثة وثلاثين فنصبت للطول. ولو ناديت جماعة هذه العدة عدتها لرفعت فقلت: يا ثلاثة والثلاثون فيمن قال يا زيد والحارث. ومن نصب الحارث نصب الثلاثين [فقال: يا ثلاثة والثلاثين] أو يا ثلاثة ويا ثلاثون [ولا يجوز: يا ثلاثة وثلاثون
[ ٢٣٥ ]
لأنه يجرى مجرى قولك: يا رجل وغلام وذلك لا يجوز لأن الألف واللام إنما يحذفان من الأول ولا يحذفان من الثاني] ووجه شبه هذا الضرب بالإضافة أن الثاني مخصص للأول كما أن المضاف إليه مخصص للمضاف والأول عامل في الثاني كما أن المضاف عامل في المضاف إليه وهو من تمامه كما أن المضاف إليه من تمام المضاف.
فإن نعت المفرد بابن فلان، أو بابن أبى فلان نصبت ابنًا وجعلته مع الأول كالشيء الواحد فقلت: يا زيد بن عمرو، ويا بكر ابن أبى زيدٍ. والكنية في هذا الباب كالعلم. ولو أضفت الإبن إلى غير العلم لضممت الأول فقلت: يا زيد بن أخينا، ويا بكر ابن صاحب المال، وكذلك: يا رجل بن زيدٍ.
وقد تدخل اللام الجارة في الإسم المنادى وذلك نحو: يا لزيدٍ
[ ٢٣٦ ]
ويا لعمروٍ. وإنما تدخل هذه اللام للاستغاثة أو التعجب. فإن عطفت على هذا الإسم إسما ألحقته اللام وكسرت اللام في المعطوف فقلت: يا لزيدٍ ولعمروٍ.
وقال: يا للكهول وللشبان للعجب
فاللام في: يا للكهول داخلة على مدعو. وفي: للعجب داخلة على مدعو إليه.
[ ٢٣٧ ]