ومن ذلك قوله في هذا الباب: وإذا أردت إدغام الهاء في الحاء قلبت الهاء حاء ثم أدغمت، وكذلك العين إذا أردت إدغامها في الهاء قلبتهما حاءين، ومما قلبت العرب تصديقا لهذا: محمد، يريدون معهم، قال الراجز:
كأنها بعد كلال الزاجر وسمحي مر عقاب كاسر
قال محمد: وهذا خطأ، لا يجوز إدغامه، لأن السين ساكنة، وكيف تسكن الحاء بعدها،
[ ٢٦٨ ]
فهذا من الخطأ الفاحش، ولكن الإخفاء حسن.
قال أحمد: إنما جاز التقاء الساكنين في هذا البيت على ضعفه، لأنه لا يلزم الإدغام من وجهين: أحدهما أنه قد يكون موضع الهاء ما لا تدغم فيه الحاء، لان الهاء ليست من الكلمة وإنما هي كناية، فقد تضيف هذا الاسم إلى الكاف المضمرة والاسم الظاهر وقد لا تضيفها، فهذا وجه، والوجه الآخر إن هذا الإدغام إنما وقع استحسانا من قائله في لغته لا على أنه لازم في اللغات، واجتماع الساكنين ها هنا كاجتماعهما في الوقف إلا أنه وصل فتركه على حاله في الوقف، ومن ها هنا صار قبيحا.
فإن قال: إن هذا يكسر الشعر، فإنما هو فيه "بمنزلة" ما تزيده من حروف المد واللين على وزن الشعر، فلا يكون [هذا] كاسرا له، لأنك إذا تركت الترنم عاد إلى وزنه وأصل بنائه، وقد يخففون المشدد ويشددون المخفف، ويمدون الحركات حتى تكون حروفا في حشو البيت وقوافي الشعر، فلا يكون ذلك ممتنعا وإن زاد على وزن البيت، ألا ترى أنهم قد يخففون على السكون في "قوله":
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فيسكنون اللام في الإنشاد ويحذفون الياء وهذا نقصان من حروفه، وقد يزيدون التنوين في غير موضعه كإنشادهم قول بعضهم:
شدي على الدرع أم سيار فقد رزيت فارسا كالدينار
/١٦٦/ فيزيدون التنوين وليس من بناء الشعر
[ ٢٦٩ ]
وكل هذا يؤتى به على حسب ما يستحسن كل واحد منهم وفي لغته، وكذلك هذا المدغم لمسحه إنما أتى به مستحسنا فجاز للمترنم أن يأتي بالناقص والزائد في وزن الشعر، لأن هذا كله غير لازم وأجيز مع ذلك فإن هذه الأراجيز التي يحدون بها ربما أجروها مجرى السجوع ولم يقصدوا بها إلى الشعر، فلذلك استجازوا مثل هذا فيها.
فأما قوله: إنه جائز على الإخفاء فغير ممتنع، وليس يلتبس (بالإدغام في السمع)، لاسيما على من عرفنا الفرق بين هذه الأشياء، واستدل على ما يلتبس في السمع منها مثل الإخفاء، والإسكان، وتخفيف الهمزة إذا جعلت بين بين، وإسكانها، فمثل هذا يلتبس ويحتاج إلى الاستدلال على أنه متحرك أو ساكن، فأما الإخفاء والإدغام فالفرق بينهما بين في السمع.