لا يجوزُ دخولُ لامِ التَّوكيد على خبرِ لكنَّ.
وقالَ الكُوفيُّون: هو جائزٌ.
ودليلُ المَذهَبِ الأَوَّلِ من وَجْهَينِ:
أحدُهُما: أنَّ ذلك لَو كان جائزًا لكثُرَ ذلكَ في القرآنِ، والشّعرِ،
[ ٣٥٣ ]
والكلامِ، ومعلومُ أنّ ذلك لَم يَشْتَهِرْ عَنهم.
والوجهُ الثاني: أنَّ اللامَ في هذا البابِ للتَّوكيدِ غيرُ مرادٍ هُنا.
وبَيَانُه: أن «لكنَّ» للاستدراك ولا تعرُّضَ فيها للتَّوكيد فلا يَجوز أن تَدخل، وذلك؛ لأنّ الحرفَ زائدٌ، والأصلُ ألاّ يُزادَ شيءٌ إلاّ لمعنىً، والمعنَى في لامِ «إنَّ» توكيدُ الخَبَرِ، وإذا تَجَرَّدَ الحَرْفُ عن مَعْنًى لم يَجُز ذِكْرُهُ ومثالُ ذلك قولُك: «ما قامَ زيدٌ لكن جَعْفَرًا قائمٌ» فالغَرَضُ الكُلّي إثباتُ القِيامِ لجعفرٍ ونَفْيِهِ عن زَيْدٍ، فإن قِيْلَ: أمّا الوَجه الأَوَّلُ فغيرُ مُسَلّمٍ فقد جاءَ في الشِّعْرِ قالَ الشَّاعِرُ:
ولكنّني من حُبِّها لَكَمِيْدُ
وعلى أن الشَّيءَ قد يكونُ جائزًا ولا يكثر، ألا تَرى أنَّهم أَبدلوا الهاءَ
[ ٣٥٤ ]
في إن وزادوا عليها اللاَّم في قولِ الشَّاعر:
لهنَّكِ من عَبْسِيَّةٍ لَوَسِيْمَةٌ على هَنَوَاتٍ كاذِبٌ مَنْ يَقُولُها
وهذا جائز وإن لم يكثر.
وأمَّا الوجهُ الثاني فيَنبني على أصلِ «لكن» وأَصلُها «إنَّ» زيدت عليها الكافُ واللامُ، على ما نُبينه، فاللاَّم إذًا تدخلُ على خبرِ إنّ في الأَصلِ.
والجوابُ: أمَّا البيتُ فعنه جوابان:
أحدُهما: أنه ليس مما نحن فيه وإنَّما أَصله: ولكن إنَّني، ثم حذفت الهَمزة والتَقَت النونان نون لكن إنني فأُدغمت النُّون في النُّون، فاللامُ إذًا داخلةٌ على خبرِ إنَّني، والحذفُ من الحرفِ قد جاءَ وقد أُبدل منه أيضًا فمن الحَذْفِ قوله:
ولكِ اسقِنِي إنْ كانَ ماؤُكَ ذا فَضْلِ
[ ٣٥٥ ]
ومنه أيضًا «إنْ» في المخففة من الثَّقيلة، واللاَّم في «عَلّ» والإِبدال مثلُ «لِهَنَّك» في «إنك» وهو كثيرٌ.
والوَجْهُ الثاني: نُقدّر إنَّ الأمر كما ذَكروه في البيتِ ولكن زيدت اللاَّم فيه لضَرورةِ الشّعر كما يزيدُ الشّاعر لإِقامة الوزنِ، ويَنقضُ لذلك أيضًا، وكما جاء في قولِه تَعالى: ﴿قُلْ عَسى أَن يكونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي رَدِفُكم، وأمَّا الكلامُ على الوجهِ الثَّاني فسياتِي جَوَابُهُ.
وأما شُبهةُ الكوفيين فمن وَجهين:
أحدُهما: ما تقدَّم من الشّعر.
[ ٣٥٦ ]
والثاني: أن أصلَ «لكن» «إنَّ» زيدت عليها الكافُ وحذف الهمزة، والكاف عوض عن المحذوف، و«لا» للنَّفي، والمعنى «ما قامَ زيدٌ لا إنَّ جَعفرًا منطلقٌ» وصارَ لها في التَّركيبِ حكمٌ آخر كما أنَّ أصل «لَنْ» «لا» «أَن» ثم حُذف وغُير وصار لها حكمٌ آخر.
فاللام إذًا دخلت في خبرِ «لكن» من حيثُ إنَّ أصلها «إنَّ».
وقد احتجوا أيضًا بأنها تُساوي «إنّ» في العَطف بعدَ الخبرِ كقولك: «إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرًا وعمروُ» وكذلك «لكِنَّ» وليس كبقية أخواتها.
والجوابُ: أما البَيْتُ فقد سَبق جَوابه، وأما دَعوى التّركيب فبَعِيْدٌ جدًّا؛ وذلك أنَّ لكن لا تَوْكِيدَ فيها، و«أن» للتَّوكيد، والمركّب وإن تغيّر حُكمه فلا بدَّ من بقاءِ المَعنى فيه كما ذَكرنا في «لَولا زيدٌ لأتيتك»، وأما «لن» فغيرُ مركّبةٍ ولو قدّر أنها مركبة، ولكن معنى النَّفي باقٍ والتَّوكيد هنا غيرُ باقٍ.
والوجهُ الثَّاني: في فَسادِ دعوى التَّركيب: أنَّ الكافَ زائدَةٌ على
[ ٣٥٧ ]
قولِهِمْ، والهَمزةُ مَحذوفةٌ، و«لا» باقيةٌ على النَّفي، وكلُّ ذلك لا يهتدي لما زيادته القياس، وكونُ الكلمةِ موضوعة على هذا اللَّفظ ممكنٌ فلا يُعدل عنه لما لا يُعلم إِلاّ بوحي أو تَوقيف.
وأما العَطفُ فإنما شاركت فيه «إنّ»؛ لأنَّ الابتداءَ لم يَبطُلْ وإنما بَطَلَ التَّوكيدُ فاستواؤُهما في العَطْفِ كان لاستوائِهِما في الابتداءِ ومخالَفَتُها لها في التَّوكيدِ يَنفي جوازَ دخولِ اللاَّمِ على ما بَيّنا والله أعلمُ بالصَّوابِ.
[ ٣٥٨ ]