«لا» إذا دخلت على المُفرد لنفي الجنس كان الاسمُ بعدها مبنيًا في ظاهرِ قولِ البَصريين.
ومنهم من قالَ هو معربٌ، وبه قالَ الكُوفُّيون.
وجهُ القولِ الأولِ من أوجهٍ:
[ ٣٦٢ ]
أحدُها: أنَّ «لا» مركبةٌ مع الاسم، والتَّركيبُ يُوجب البِناء كخمسةَ عشرَ؛ وبيانُ مركبةٌ مع الاسمِ، أنَّها إذا فُصِلَ بينهما أُعربَ كقولهِ تَعالى: ﴿لا فِيْها غَوْلٌ﴾ وإذا لَزِمَ الفَتحُ مع الوصل، وزالَ مع الفَصلِ دلَّ أنَّه حادِثٌ للتَّركيبِ، والتَّركيبُ يُوجِبُ البِناء؛ لأنَّه يُجعلُ فيه الشَّيئان كالشيء الواحدِ على وجهٍ يلزمُ فيه الاتّصال، ويَجري مَجرى الحَرفِ، إذ لا يَستغني عن الحرفِ.
والوجهُ الثاني: أنَّ الكلامَ تَضَمَّنَ معنى الحَرفِ فكانَ مبيناٌ ك «أينَ» و«كيفَ»، وبيانُ ذلِكَ أن قولك: لا رجلَ في الدار تقديره: لا من رجلٍ، وإنما قُدّرَ ذلك؛ لأنَّ «من» موضوعة لبيان الجنس، والنفي هاهُنا للجنسِ كلِّه و«لا» بنفسها لا تَنفي الجنس، فقد ثَبَتَ في اللَّفظِ مَعنى لا يَثْبُتُ إلاّ بالحرفِ، وإذا تَضَمَّنَ الاسمُ معنى الحَرف بُني؛ لأنَّه أَدَّى ما يُؤَدّيه الحرفُ لفظًا، فتَعدّى إليه حكمُهُ وصارَ هذا كخمسةِ عشرَ، في أنَّ التّقدير: خمسة وعشرة، ويدلُّ على أن «من» هي التي تفيد نفي الجنسِ هُنا أنَّك لو قلتَ: لا من رجلٍ في الدارِ لم يَجزْ أن يكونَ فيها اثنان، ولا أكثرَ، ولو قلتَ: لا رجلُ في الدَّارِ جاز أن يكون فيها اثنان أو أكثر، فإذا قدرت «من» كان حكمُها هذا الحكم.
والوجهُ الثالثُ: أن «رجُل» هاهنا لو كان معربًا لكان منوّنًا؛ لأن التَّنوينَ تابعٌ للإِعرابِ، وإِنّما يمتنع بالألفِ واللامِ وعدمِ الصَّرفِ والإِضافةِ، وكلُّ ذلك غيرُ موجودٍ، فَتَعيَّن أن يضافَ عدمُ التَّنوين إلى البناء.
والوجهُ الرابعُ: أنه لو كانَ مُعربًا لكانَ بفعلٍ محذوفٍ، وكان التَّقديرُ
[ ٣٦٣ ]
لا أَجِدُ أو لا أَرى، ونحو ذلك، وهذا بعيدُ التقديرِ؛ لأنَّك تقولُ: «لا إله إلا الله» فلو كان معناه لا أَجدُ لكان النَّفي منسوبًا إلى وِجْدانك، وليس المعنى عليه، وإنما المَعنى أنَّ عدمَ الآلهة غيرُ الله لمعنى في نَفْسِ المَنفي، وهو عدم تصوره لا عدم وجدانك.
والوجهُ الخامِسُ: أنّه لو كانَ مُعربًا لجازَ نصبه مع الفَصل؛ لأنّ كلَّ مُعْرَبٍ يجوزُ أن يفصلَ بينَه وبينَ العامِل فيه بالظرف خُصوصًا، كـ «إنَّ» فإنَّك تقول: «إن في الدَّار زيدًا» فتُعمِلُها مع الفَصلِ بالظَّرفِ.
فإن قيل: «لا» فرعٌ على «إنَّ» و«إنَّ» فرع على «كانَ» والفروعُ تَنْقُصُ عن الأُصول.
قيلَ: لِمَ قلتم إن النُّقصان مَحصورٌ في اتصالِ «لا» بما بعده؟ مع أن [لها] أحكامًا تُخالف فيها «لا» باب «إنَّ» ويكفي ذلك فارِقًا بين الأصول والفُروع.
واحتجَّ الآخرون على أنَّ اسمها معربٌ بأشياء:
أحدُها: أنه يجوزُ فيما بعدها النَّصبُ والتَّنوين، والرَّفع والتَّنوين هذا إذا كان مفردًا، وإذا كان مضافًا كان معربًا بلا خلاف، وهذا يدلُّ على أن البناءَ لا علّة له هنا، إذ لو كانت له عِلّةٌ كانت لازمةٌ؛ لأن معناه لا يختلفُ، وإذا انتفت علةُ البِناء ثبتَ كونُه معربًا.
[ ٣٦٤ ]
والوَجهُ الثَّاني: أن الكلامَ متضمنٌ معنى الفِعل، وكانَ هو العامِلُ وبيانُه أنَّ قولَكَ: لا رجلَ في الدَّارِ تقديرُهُ: لا أعلمُ ولا أَجِدُ والمَعنى على هذا مُستقيمٌ، وحذفُ الفعلِ وإبقاءُ عملِهِ جائزٌ بلا خلاف، فمن ذلك قوله: ﴿وإن أحدٌ من المُشْرِكين استَجَارَكَ﴾، و﴿إذا السَّماءُ انشَقَّتْ﴾ والاسمُ معمولٌ لفعلٍ مَحذوفٍ، كذلك هو هاهُنا، والأصلُ في العَملِ للأفعالِ، فإذا صحَّ تقديرها نُسب العملُ إليها.
والوجهُ الثَّالث: أن «لا» بمعنى «غَير» وغيرُ هنا بمعنى «لَيس»، ألا تَرى أنَّك تقولُ: «زيدٌ لا عاقلٌ ولا جاهلٌ» أي: غيرُ عاقلٍ، وتقولُ: «قامَ القومُ ليسَ زيدًا» وهو في المعنى قامَ القوم غيرُ زيدٍ، فلمَّا اشتبهت الكلمات الثَّلاث «لا» و«لَيس» و«غَير» وكانت «غيرُ» تَجُر، و«لَيس» تنصبُ كان حملها على «ليس» أَولى؛ لأنَّها غير جارّة وهي مِثلها في النَّفي فَحُمِلَتْ عَلَيْها في النَّصبِ.
ونظيرُ ذلك حَمْلُ «ما» على «لَيس» في لغةِ أهلِ الحِجاز، و«لا» تُشاركها في أنَّ لها اسمًا وخبرًا كما لـ «ليس» كذلك، إلاّ أنهم لما قدموها ولزمت فيها النَّكرة بدأوا بالمنصوبِ كما يبدؤون بحرفِ الجَرّ إذا كان المُبتدأ نكرة.
والرَّابع: أنَّ «لا» محمولةٌ على «إنَّ» لأنَّها تُشبهها في دُخولها على
[ ٣٦٥ ]
المبتدأ والخبرِ، وأنَّه لا يعمَلُ ما قَبلها فيما بعدَها، وأنَّها لتوكيدِ النَّفي كما أنَّ «إنَّ» لتوكيدِ الإِثباتِ، وكما أنّ «إنّ» تنصب كذلك «لا».
والجوابُ عن الوجهِ الأولِ من وَجهين:
أحدُهما: أن الكلامَ فيما إذا كانت النَّكرةُ بعدَها مفتوحةً غيرَ منوّنةٍ، وأنَّ تلك الفَتحة هل هي بناءٌ أو إعرابٌ؟ وهذا لا يُوجِبُ أن تكونَ معربةً في كلِّ موضعٍ، ألا تَرى أنَّها في هذا المَوضِع مفتوحةٌ غيرُ منوّنةٍ، وفي المواضع الأُخر تُفتح وتُنَوَّن، وتَضَمُّ وتنون، وفي مواضع تُنصب وتُنون لا غيرَ، وكلُّ ذلك على حسبِ التّقديرِ، فالفتحُ فيها بغيرِ تنوينٍ بناءٌ، إذ لو كانَ إعرابًا لنُوِّنَ كما يُنوّن في بقيةِ المَواضع.
والوجهُ الثاني: أن النَّكرةَ هاهنا تُقدّر معها «من» وذلِكَ يُوجب البِناء، وإذاَ نُوّنت لم تُقَدَّر معها «مِن» فَتنتفي عِلَّة البِنَاءِ. قولهم: «مُتَضَمِّنٌ معنى الفعلِ» لا يَستقيم؛ لأنَّ الفعلَ لو كان مرادًا لكانَ الاسم مفعولًا، ولم يَنسب إلى «لاَ»، ولا يجوزُ أن يكونَ الفعلُ ما دلَّت عليه «لا» لِوَجهين:
أحدُهما: أنَّ «لا» لا يدلُّ على فعلٍ مُعيّنٍ، وقد ذكرنا ذلك.
والثاني: أنَّ الحروفَ لا تَعملُ بمعنى الفعلِ الذي تدلُّ عليه، ألا تَرى أن حُرُوفَ الاستفهام لا تَعملُ بما فيها من مَعنى الفعل، ويَدلُّ عليه أنّ الفِعل لو كانَ هو العامِلُ لكانَ الاسمُ منوّنًا، إذ لا مُسقط للتَّنوين وقولهم
[ ٣٦٦ ]
ثالثًا. لا بِمَعنى «غيرُ» و«غيرُ» بمعنى «ليس» فكلامٌ لا حاصِلَ له؛ لأنَّ «لا» لو كانت كذلك لم يَنْتَصِب الاسمُ بعدها ووقع «ليس» في الاستثناء بمعنى «غيرِ» له مَعنى، لأنَّ التَّقدير هناك: لَيس بعضُهُم زيدًا، فهي باقيةٌ على بابها، وأما حملُ «لا» على «إنَّ» فهو صَحيحٌ ولكن لا في الإِعراب، إذ لو كانت كذلك لنُوّن اسمها كما نُوِّن اسم «إن» وإنَّما هي محمولةٌ في موضعِ إعرابِ الاسمِ على «إن»، ولولا علّة الإِعرابِ لكانَ الاسمُ منصوبًا منوّنًا كما جاءَ في المُضاف والمُشابه لَه، والله أعلمُ بالصَّواب.
[ ٣٦٧ ]