يجوزُ تقديمُ الحالِ على العامل فيها إذا كان فِعلًا، أو ما قامَ مقدامَه وقالَ الكوفيون: لا يجوزُ إذا كان صاحبُ الحال اسمًا ظاهرًا، وإن كان مضمرًا كقولك: راكبًا جئتُ.
وجهُ القَولِ الأَوَّلِ: السّماعُ والقياسُ: أمَّا السّماعُ فقولُ العربِ:
«شتّى تؤوبُ الحَلَبَة»، أي تؤوب الحَلَبَةُ مُخْتَلِفَةٌ.
وأمَّا القياسُ: (فإن العامِلَ متصرفٌ جازَ تقديمُ الحالِ عليه، كما
[ ٣٨٣ ]
لو كان صاحبُها مُضمرًا، وبيانه: أنَّ تصرُّفَ العامل بالتَّنقل في الأزمنةِ يدلُّ على قوتِه في نفسِهن والمعمولُ حكم العامل، وهو مُسبَّبٌ عنه، والحكمُ يَقوى بقوّةِ سَبَبِهِ، وتَقديْمُها تَصَرُّفٌ، والتَّصرفُ حكمُ العامِلِ المتصرّف، ومن هاهُنا جازَ تقديمُ المفعولِ على الفعلِ، ولا يلزمُ عليه تقديمُ الحالِ على هذا، ولا على الظَّرفِ، ولا تقديمُ المُمَيَّز على التَمييز؛ لأنَّ هذه العَوامل ضعيفةٌ بِجُمُودِها.
فإن قيلَ: ما ذكرتمُوه مقتضٍ للتَّقديمِ، ولكن يعارضُهُ مانعٌ، وهو ما يَلْزَمُ من تَقْدِيمِ المُضمَرِ على المُظْهَرِ على ما نُبَيِّنُهُ، وليسَ كذلكَ تقديمُ المَفعولِ على الفعلِ، إذ لا يَلزَمُ فيه ذلك. وأمّا تقديمُ الحالِ على العاملِ إذا كانَ صاحبُها مضمرًا، فالجوابُ عنه من وَجهين:
أحدهما: أنّ المضمَرة يعودُ عليه ضميرٌ فلا يكونُ تقديمُ مضمرٍ على مظهرٍ.
والثاني: أنّ الضميرَ في راكبٍ هو الضَّميرُ في جِئْتُ بخلافِ الظاهر فإنّهما غَيرانِ في اللَّفظِ.
فالجوابُ:
أما تقديمُ المُضمرِ على المُظهَرِ فسيأتي جَوابه، قولُهم: المانِعُ موجودٌ. لا نُسلّمُ أن هناكَ مانعًا وسنُبَيّنُ ذلك، قولُهم في المُضمر: جازَ لما
[ ٣٨٤ ]
ذُكر فليس بشيءٍ، وذلك أن الحالَ لا تخلو، إما أن يلزمها الضمير، أو لا يلزمها، فإن لزمها وجبَ أن يعودَ على مذكورٍ، والمذكورُ يكونُ مظهرًا ومضمرًا، وأيُّهما كانَ فليسَ بمانعٍ، وإنْ لم يكنْ لازِمًا فقولوا ليس في «راكبًا» إذا تقدَّم ضَمِيرٌ.
واحتجَّ الآخرون: بأنَّ الحالَ صفةُ في الأصلِ، فيلزمُها الضَّمير، فَتَقْدِيْمُها يُفضي إلى تَقْدِيْمِ المُضْمَرِ على المُظْهَرِ، وتقدِيْمِ الصّفةِ على المَوْصُوفِ وكلاهما يَمتنع، كما يَمْتَنِعُ ضَرَبَ غُلامُهُ زَيْدًا.
والجَوابُ: أمَّا تقديمُ المُضمرِ على المُظهرِ فجائزٌ إذا كانَت النِيّة به التَّأخير كما قالَ تَعالى: ﴿فأَوجسَ في نفسِهِ خيفةً مُوسى﴾ وكما قالَ زهيرُ:
مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلاَّتِهِ هَرِمًا يَلْقَ السَّماحَةَ مِنْهُ والنَّدَى خُلُقَا
وكما قالوا: «في أكفانه لُفَّ المَيّتُ»، و«في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ» وأمَّا تقديمُ الصّفةِ على الموصوفِ فإنَّما يَمْتَنْعُ في الصّفةِ التَّابِعَةِ للمَوْصُوفِ في الإِعرابِ مِثلُ: جاءَني زيدٌ الظَّريفُ، ولو قلت جاءني الظريفُ زيدٌ على الوَصف لم يَجُزْ، والحالُ صفةٌ في المعنى، لا في اللَّفظِ، ولذلك يَجوزُ تقديمُ صفةِ النَّكرةِ عَلَيها فتَصِيرُ حالًا. والله أعلمُ بالصَّوابِ.
[ ٣٨٥ ]