حاشا في الاستثناء حرفُ جرٍ.
ومن البَصريين من قالَ: تكونُ حرفًا، وتكونُ فعلًا.
وقالَ الكوفيُّون: هي فِعْلٌ.
وَجْهُ القولِ الأوّلِ السَّماعُ، والقِياسُ.
أمَّا السَّماعُ فقولُ الشاعرِ:
حاشَى أَبي ثَوبان إنَّ أبا ثَوبانَ لَيسَ بِبُكْمَةٍ فَدْمِ
[ ٤١٠ ]
عَمرُو بنُ عبدِ الله إنَّ بِه ضَنًّا على المِلْحَاةِ والشَّتمِ
فجرَّبها، وليسَ «أَبي» مضافًا إلى ياء المُتكلم؛ لأنَّ اسمَه: أَبو ثَوبان بدليل قوله: «إن أبا ثوبان» وقالَ آخر:
فَلا أَهلَ إلاَّ دُونَ أَهلِكَ عِندَنا ومالَكِ حاشاَ بَيتِ مَكّةَ من عَدْلِ
أمَّا القياسُ فمن أوجهٍ:
أحدُها: أنَّك تقولُ: حاشايَ.
ولا تقولُ: «حاشانِي»، ولو كانَ فِعْلًا لقتُهُ كما تقولُ: رامانِي وعاطانِي.
والثاني: أنه لا يجوزُ أن يكونَ صِلَةَ «ما» المَصْدَرِيَّة فلا تقولُ: قامَ القومُ حاشاَ زيدًا، كما تقولُ: قاموا ما خَلاَ زَيْدًا، وهذا يَدُلُّ على أنه حَرْفٌ، إذ لم يَجُز أن يُجْعَلَ صِلَةَ «ما».
والثالثُ: أنَّه لو كان فعلًا لكانَ له فاعِلٌ، وليس له فاعِلٌ.
بيانُه أنَّك تقول: حاشاكَ من كذا فتَصِلُ به الكافَ، وحاشايَ ويَدخل على اليَاء، وليس هناك فاعِلٌ.
[ ٤١١ ]
فإن قيلَ: لو كان حرفَ جرٍ لكانَ معدّيًا للفعل؟
قيل: هو معدّيًا كما أن «إلا» كذلك، ألا تَراكَ تقولُ: قامَ القومُ حاشَى زَيْدٍ فتُعَدَّى قامَ بـ «حَاشَا».
واحتجَّ الآخَرُونَ: بِأَشْيَاءَ:
أحدُها: أنَّه قد صُرّفَ فيقال: حاشَيتُهُ، وأُحاشيه ومنه قولُ النَّابغة:
[ ٤١٢ ]
ولا أُحاشِي من الأَقوامِ مِنْ أَحَدِ
وهذا حكمُ الفِعْلِ.
والثاني: أنّه يُعدى باللاَّمِ، كقولهِ تَعالى: ﴿حاشَى لِلَّهِ﴾ ولو كان حرفَ جرٍ، لدخلَ على حرفِ جَرٍ، وليسَ كذلك حُكمُ الحروفِ.
والثَّالثُ: أنَّه دخله التَّخفيفُ بالحذفِ يقالُ: حاشى الله، وحَشَا الله.
والجوابُ: أمَّا التَّصرفُ فغيرُ دَليلٍ على الفِعليّة، فإن الحرفَ تصرَّف منه فعل كقولك: سأَلته حاجة فلَولا: أي قال: لو كان كذا، ويُقال: بسمل، إذا قال: بسم الله، وهَلَّلَ إذا قال: لا إلَه إلاَّ الله، وهو كثير. قولهم: يُوصلُ بحرفِ الجَرّ، ليس كذلك، والدَّليلُ عليه حاشى زيدٍ، وحاشايَ، ولو كان حرفُ الجَرّ فَصلًا لما جازَ حذَفُهُ فعُلِمَ أنَّ اللاّمَ زائدةٌ وزيادةُ الحروفِ كثيرٌ، منها قولُه تعالى: ﴿عَسى أَن يَكُوْنَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي رَدِفَكُم، وأَلْقَى بِيَدِه، وقالَ الشاعر:
نضربُ بالسَّيف ونَرجو بالفَرَجْ
[ ٤١٣ ]
وقالوا: رُبَ، في «رُبَّ»، وكل هذه حذوفٌ وزيادةٌ في الحُرُوفِ قولَهم: «قد حذفت منه الألف» جوابُه من وَجهين:
أحدُهما: لَيس كذلك فإنَّ أبا عمروٍ إمامُ القراءِ أَنْكرَ هذه القراءة.
والثاني: أن الحروفَ قد دَخلها الحذفُ كما في «رُبَّ» وغيرها.
فإن قيلَ: استعمالُها في الاستثناءِ خاصةً يدلُّ على كونِها فعلًا.
قيلَ: تكونُ استثناءً في مواضعَ، وغيرَ استثناءٍ في مواضعَ؛ ألا تراكَ
[ ٤١٤ ]
تقولُ مبتدأ حاشى زيدًا أَنْ يَسْرِقَ، ولَيس هنا ما يُستثنى منه، بل هو بمعنى قولِكَ: زيدٌ بعيدٌ من السَّرْقِ، ثم لو لَزِمَت الاستثناءَ لم يدُلَّ ذلك على كونِهِ فعلًا، ألا تَرى أن «إلا» يلزمها الاستثناء، وهي حَرفٌ بلا خلافٍ. والله أعلمُ بالصواب.
[ ٤١٥ ]