الأصلُ ألا تقع «سَواء» و«سِوى» إلا ظرفًا.
وقالَ الكوفيون: تقع ظرفًا وغيرَ ظرفٍ.
وجهُ القولِ الأوَّلِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: الاستِقراءُ، فإنَّ كلَّ مَوضعٍ استُعملت فيه «سِوي» كانت ظَرفًا، وفي المَوضع الذي وَقَعَتْ غيرَ ظرفٍ فهي فيه مُتَأَوَّلةٌ.
والثاني: أَنَّها وَقَعَتْ ظَرْفًا بلا خِلافٍ، فأمَّا أن يكونَ ذلك وضَعُها،
[ ٤١٩ ]
واستِعْمالُها في غيرِه مَجازًا، أو بالعَكْسِ، أو هي في كلِّ ذلك حَقيقةً، لا وجهَ إلى الثَّاني؛ إذْ لا قائِلَ به. ولا وَجْهَ إلى الثَّالث؛ لأنَّه يُؤَدّي إلى الاشتِراكِ، والأَصلُ عَدَمُهُ، فتعيَّن الأولُ.
والثالثُ: أن «سِوى» معناها: وَسَطُ الشَّيءِ، وهو ظرف، فكانت هي كذلك، ووقوعها في غيرِه بمعنى «غير»، ووجهُ التَّأويل فيها ظاهرٌ كما أن «خلفَكَ»، و«قدّامَكَ» ظروفٌ لا محالةَ، وقد وقعت في موضعٍ غيرَ ظرفٍ.
واحتجَّ الآخرون بما جاء في الشّعرِ من وقوعها غير ظرفٍ كقولِ الأعشى:
تَجانَفُ عن أَهلِ اليَمامةِ ناقَتي وما قَصَدَتْ من أَهلِها لِسِوَائِكَا
[ ٤٢٠ ]
وكذلك قولُ الآخرِ:
ولا يَنطِقُ الفَحشاءَ مَنْ كانَ مِنهُمُ إِذا جَلَسُوا مِنّا ولا من سِوَائِنَا
ومنه قوله تعالى: ﴿فقد ضَلَّ سواءَ السَّبيل﴾، وقوله تعالى: [﴿فاطّلع فرآه في سَواءِ الجَحيمِ﴾،] وكثرةُ استعمالها غير ظرفٍ يدلُّ على أن موضوعَها على ذلك، ولأن «سواء» بمعنى مكان، وكما أن مكانًا يكونُ ظرفًا وغيرَ ظرفٍ، كذلك «سواء» يدلُّ عليه أنَّها قد وقعت فاعلًا في قولِ الشَّاعر:
ولم يبقَ سِوى العُدوان دِنّاهُم كما دَانُوا
[ ٤٢١ ]
والجوابُ:
أمَّا المواضعُ التي جاءَت فيها غير ظرفٍ فلا يدلُّ على أن أصلَها غيرُ الظَّرفيّةِ، ألا تَرى أن عندًا ظرفٌ، وقد خَرجت عن الظَّرفية بـ «من» في مثلِ قولِه تَعالى: ﴿حتى إذا خَرجوا من عندِك﴾ وكذا: «لسوائِكا» أي لمكانٍ غير مكانك وقد استُعملت بمعنى «غير»، وليس ذلك أَصلُها، كما أنّ «إلاَّ» حرفٌ وقد وقعت بمعنى «غير» قال تعالى: ﴿لو كانَ فيهما آلهةٌ إلاّ الله﴾ أي غيرُ الله، ومع هذا لم تخرج عن كونها حرفَ استثناءٍ.
وقولهم: (قامَ القومُ سِوى زيد) أي مكانَ زيدٍ، والمعنى بدلَ زيدٍ، وهذا كله لا ينفي أن يكون أصلها الظَّرف كما أن الأصل في غيرٍ أن تكون صفةً وقد استعملت في الاستثناء والأصلُ في «إلا» الاستثناء وقد استعملت وَصْفًا. والله أعلم.
[ ٤٢٢ ]