لا يجوزُ دخولُ «يا» على ما فيه الأَلف واللاّم في الاختِيار.
وأَجازه الكوفيون.
وجهُ القول الأول: أن الألفَ واللامَ، لتعريفِ المَعهودِ و«يا» تعرِّفُ بالقَصد والخِطاب، ولا يَجتَمِعُ على اسمٍ واحدٍ تَعريفان؛ لأنَّ الغَرض من التّعريف التَّخصيص، وإزالةِ [الاشتراكِ] وهذا يَحصُلُ بواحدٍ فلا يَجوزُ أنْ ينضمّ إليه آخر، كما لا يَجمع بين حرفي استفهامٍ، أو نفي، أو حرفَي جرٍّ.
فإن قيلَ: دَعوى المنعِ باطلةٌ بأمرين:
أَحدُهما: قولك: مررتُ بالرجلِ الحَسنِ الوجهِ، فقد جمع هاهنا بين الأَلفِ واللاّمِ والإِضافةِ وهما للتَّعريفِ.
[ ٤٤٤ ]
والثاني: نداء العلم كقولك: يا زيدُ فإن زيدًا علم معرفة و«يا» للتَّعريف.
والجواب: أما الحسن الوجه فكلامٌ معدولٌ عن أصلِهِن والتقديرُ: مررتُ بزيدٍ الحسن وجهه، فلما حذفَ الضّمير عرّفه بالأَلف واللام، ولم يسقطهما من الحسن؛ لأن الإِضافةَ هنا غيرُ محضةٍن فأدخلت اللاّم لتعرّف الحسن، وبقيت صورة الإِضافة، وجَرت الألف واللام هنا مجرى الذي، ويجوز أن تَجمع بينها وبين الإِضافة، إذا كان بمعنى الذي، كقولك: أنا الضاربه أي الذي ضربه.
وأمَّا نداءُ العلمِ نحو يا زيدُ فعنه جوابان:
أحدُهما: أنه ينكّر قُبيل النِّداء حتى تَدخلَ «يا» على نكرةٍ فتعرّفها ولا يمكن مثلُ ذلك في الألف واللاّم، لأنّها لفظٌ موضوع للتَّعريف، وبعد وجودِ اللّفظ لا يمكن تَقدير عدمه.
والجوابُ الثاني: أنه يَبقى على تَعريفِهِ، ودخول «يا» عليه تنزيل الاشتراك في العلمِ، وذلك أن قولَك: جاءَني زيدٌ يتفق فيه اشتراك ولذلك وصفَته فيما يزيل عنه الاشتراك، لا أَصلَ التّعريف.
واحتج الآخرون بالسَّماعِ والقِياس:
أما السماع فمنه قول الشاعر:
بحبِّكِ يالّتي تَيّمتِ قَلبي وأَنتِ بَخيلةٌ بالودّ عَنّي
[ ٤٤٥ ]
وقالَ الآخر:
فيا الغُلامان اللّذانِ فَرّا إيّاكُما أن تُكساناَ شَرّا
وأما القياسُ فمن ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أن الألفَ واللامَ للتعريفِ فجازَ دخولُ «يا» عليه كقولهم يا الله.
والثاني: أنّ «يا» تدخلُ على المُضاف إلى معرفةٍ، مع أنّ الاسمَ الأولَ معرفةٌ بالإِضافةِ، فكذلك الأَلفُ واللاّمُ.
والثالث: أن التَّعريفَ بحرفِ النّداء غير حاصل به ألا تَرى أنَّك تقول: (يا رجلًا كلمني) فتُناديه وهو نكرةٌ وتنصبه، ولو كانت «يا» للتَّعريف لم يَجُز ذلك، وإِنّما يتعرف بالقَصدِ، فالألفُ واللاّمُ تُجرى مُجرى القَصد فكما يجتمع في قولك: يا رجلُ «يا» والقصد، يجتمع هاهنا الألف واللاّمُ و«يا».
والجواب:
أما الشِّعرُ فهو شاذٌّ في شعرٍ لا يُحتَجُّ به لا الأُصول الممهدة، بل يكون ذلك من ضَرورة الشّعر، ويجوزُ أن يكونَ أشارَ إلى شَخصين معرفين
[ ٤٤٦ ]
باللاّم فهما بمنزلة العَلمين، كما يَجوز أن يُسمى بما فيه الأَلف واللاّم نحو:
«العَباس» فجرت الألف واللام مَجرى التّعريف بالعَلمية، وقد قيل التقدير: يا أيُّها الغلامان، وهذا ليس بشيءٍ، إذ يَجوزُ أن يقدّر مثل ذلك في يا الرّجل ولم يَقل أحدٌ به.
وأما القِياسُ على قولهم: يا الله فلا يصحُّ لثلاثة أوجه:
أحدُها: أن الألفَ واللامَ ليست للتَّعريفِ؛ لأنّ اسمَ اللهِ تَعالى معرفةٌ بنفسهِ، لانفراده سبحانه، والألفُ واللاَّمُ زائدةٌ.
والثاني: أنّها عوضٌ من همزةِ إله؛ لأنَّ الأصلَ الإله ثم حذفت الهمزةُ، وجُعِلت اللامُ عوضًا منها وكما يجوز يا إله يجوز «يا الله».
والوجه الثالث: أن ذلك من خصائصِ اسم الله؛ ولذلك جازَ قطعُ الهمزةِ ووصلها، وخصائصه كثيرة، منها هذا، ومنها زيادةُ الميمِ في آخره كقولك: اللهم ولا يجوزُ في غيره، ومنها دخولُ «تاء» القسم عليه كقولك: تا الله، ومنها التَّفخيمُ، ومنها الإِبدالُ كقولك: (ها الله)، و(فالله) فجازَ ذلك لكثرةِ الاستعمالِ كذلك هاهُنا.
وأمَّا دخولها على المضاف؛ فلأن تعريفَ الإِضافةِ غيرُ تعريفِ الخطابِ فجازَ أن يَجتمعا، قولهم: (التَّعريفُ بالقَصد لا بِـ «يا») جوابُه من وجهين:
أحدهما: أن «يا» والقصدَ متلازمان في المنادى المبني فـ «يا» أحد جزءي أداة التعريف، وهذا إنما يُحتاج إليه فيما لم يتعين والألف واللاّم تعين.
[ ٤٤٧ ]
والثاني: نُسلّم ذلك ولكن إنما تَدخل «يا» للتّخصيص، ودخولها على النّكرة المبهمة تَخصيصٌ ولكل واحد من الجِنس مَجهول، وهاهُنا لا جهالةَ؛ لأنَّ الألفَ واللامَ تَخصصٌ وتَعينٌ، فلا حاجة إلى مخصص آخر، والله أعلم بالصَّواب.
[ ٤٤٨ ]